الرئيسية / ترجمة / أندريه كانت سبونفيل في مواجهة فرونسيه وُلف: هل نُفضِّلُ الصحة على الحرية؟

أندريه كانت سبونفيل في مواجهة فرونسيه وُلف: هل نُفضِّلُ الصحة على الحرية؟

يوسف اسحيردة

ترجمة يوسف اسحيردة

في نظر أندريه كانت سبونفيل، جائحة كوفيد-19 هي أقل سُوءا مما نظن، في حين أن الحجر يُشكل تهديدا للاقتصاد والحريات. أمَّا فرونسيه وُلف فيُدافع عن المِثال الإنساني، الذي يعتبره أساس التفاعل العام الذي مَيَّز مواجهة هذه المِحْنَة. مُقتطف من نقاش مهم سيظهر في العدد القادم من مجلة “Philosophie Magazine”.

مِن ماذا نحن خائفون؟

أندريه كانت سبونفيل : ما ضايقني، هو أولا الخوف الذي استولى على وسائل الإعلام والرأي العام. مهما حاولت أن أقلق، فلم أشعر أبدا بهذا الخوف. الخبراء يقدرون نسبة الوفيات من جراء كوفيد-19 ب 0,6 % أو 0,7 %. حتى وإن كانت هذه النسبة مرتفعة شيئا ما بالنسبة الأشخاص الذين هم في مثل سني، فأنا أخشى أكثر من الإصابة بالسرطان، بسكتة دماغية أو بمرض الزهايمر( أبي مات بسببه بعد سنوات من الرعب، حماتي ماتت للتَّو بسببه أيضا، داخل مؤسسة لضيافة وإعالة الأشخاص المُسنين) !

فرونسيه وُلف : هذا المنطق يرتكز على عدد الوفيات. بينما، في نظري، ليس عدد الوفيات هو الذي تسبب في كل هذا الهلع، ولكنها فكرة مرض يتطور بشكل أُسِّي ويُهدد بتفجير الأنظمة الصحية. وما سينتج عن ذلك من حرمانٍ للملايين من الأشخاص من العلاج، وموتهم في الشارع، كما يحدث اليوم في الهند. كيف يُمكن أن ننظر لأنفسنا إذْ نحن تركنا الأشخاص المسنين يموتون هكذا؟

الحجر تهديد للحريات أم طفرة إنسانية؟

أندريه كانت سبونفيل : لم أَقُل يوما أنه يجب ترك المُسنين يموتون دون علاج ! قلت ببساطة أن قلقي على مستقبل أطفالي، هو أكثر من قلقي على صحة شِبْه سَبْعِينِيٍّ مثلي. الحجر سَيُسفر بالضرورة على نتيجتين ثقيلتين على الأقل: أزمة اقتصادية لا يُستهان بها، غير مسبوقة ربما ( أكثر خطورة من أزمة 1929 كما يقول العديد من خبراء الاقتصاد)، وحَدٍّ، هو الآخر غير مسبوق في أوقات السلم والديمقراطية، من حُرِّيَاتِنَا. أخشى أن تُخَلِّف النتائج الاقتصادية للحجر عدد وفيات أكثر من كوفيد-19، خاصة في الدول الفقيرة. وأنا لست موافقا على تمديدٍ لا نهائي للحجر بالنسبة للأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم الخامسة والستون أو السبعين عاما، الذين ليسوا أكثر نقلا للعدوى من الآخرين، لكنهم أكثر هشاشة. حجزي من أجل مصلحتي؟ لا شكرا !

فرونسيه وُلف : من وجهة نظري، رد فعل العالم في مواجهة الجائحة ينم عن تطور أخلاقي للبشرية. أن يقوم نصف سكان الكرة الأرضية بحجر أنفسهم من أجل إنقاذ عدد صغير من الأرواح، لا سيما أرواح أولئك الأقل إنتاجية، لَهُوَ إثبات فعلي على أننا نُشَكِّل مُجتمعا أخلاقيا. أنه ينبغي إنقاذ، ليس الحياة بصفة عامة، وإنما الحياة البشرية ضد أشكال أخرى من الحياة، كحياة الفيروسات مثلا، لهو إشارة على أن البشرية تظل هي المصدر الوحيد للقيمة. أخيرا، أنه ينبغي إنقاذ حياة الشيوخ كما حياة الشباب المراهقين، لهو تأكيد على أن كل الناس سواسية من حيث القيمة.

الصحة أيديولوجيا جديدة أم ملك جماعي؟

أندريه كانت سبونفيل : الأزمة أماطت اللثام عن تَوَجُّهٍ خطير يطبع عصرنا الحالي، وهو ما أُسميه ب “الكُلٍّيَّة-الطٍّبياوية” : وهي أيديولوجيا تجعل من الصحة القيمة العُليا (مكان السعادة، الحب، العدالة، الحرية..) والتي تقود في نفس الوقت إلى إخضاع كل شيء للطب – ليس فقط معالجة أمراضنا، الذي هو أمر طبيعي، ولكن إدارة حيواتنا ومجتمعاتنا، الذي هو أمر أكثر إثارة للقلق ! ولا أريد أن يُعتنَى بي ضد رغبتي ! أحترم كثيرا الأشخاص الذين يشتغلون داخل مؤسسات ضيافة وإعالة الأشخاص المُسنين. لكن، فيما يخصني، أُفَضِّلُ أن أُصَاب بكوفيد-19، وحتى أن أموت بسببه ( دون معاناة إذا كان مُمكننا !)، على أن أعيش عالة على أحدهم طيلة خمس أو ست سنوات، سواء كان ذلك في مؤسسة لضيافة وإعالة الأشخاص المسنين أو في مكان آخر. البعض أزعجه قولي هذا. لكن ما هذا “الصَّواب الصحي” الذي يمنع الناس من التعبير عن أفكارهم؟ حذارِ من الإملاء الصحي !

فرونسي وُلف : بمجرد ما نطمح إلى نظام صحي عمومي، جماعي وتأميني، يُصبح هناك تداخل بين الحرية الشخصية والقرارات الجماعية. فمثلا، من المستبعد جدا، من الناحبة العملية، أن يقضي شاب يبلغ من العمر خمسة عشرة سنة بسبب كوفيد-19، لكنه قد ينقله من خلال تِجواله في الشارع. وهذا ما يثير الإعجاب في مسألة قبول كل هؤلاء الشباب بالحجر. فقد تحملوا حقيقة كونهم مرتبطين ماديا بنظام الصحة العمومي وأخلاقيا بضرورة عدم نشر المرض وسط الأشخاص الأكبر سنا.

هل حياة الشباب تَسْوَى أكثر من حياة الشيوخ؟

أندريه كانت سبونفيل : الحجر يهدف بالخصوص إلى حماية الأشخاص الأكبر سنا (متوسط أعمار وفيات كوفيد-19 : واحد وثمانون عاما)، في حين أن الشباب هم من سيتحملون النتائج الاقتصادية. هذا أمرٌ لا يمكن أن يرضي رب أسرة مثلي ! فِيمَا يتعلق بالنزعة الإنسانية، فهي تفترض أن كل الناس سواسية في الحقوق والكرامة. لكن لن يجعلني أحدٌ أقول أنهم سواسية في الواقع والقيمة، أو أن كل الحيوات تتساوى ( حياة بطل كجون كفاييس، تَسْوَى أكثر وأفضل من حياة نذل ككلاوس باربي). خُصوصا، ليس كل الأموات سواسية: الموت في سن العشرين أو الثلاثين، يُعتبر أكثر إثارة للحزن من الموت في سن الثامنة والستين أو التسعين.

فرونسيه وُلف : هناك العديد من الطُّرق من أجل تحديد القيمة الفعلية لحياةٍ. هناك قيمتها الحالية – بمعنى إنتاجيتها، شبابها وحيويتها، وذلك من منظور الايدولوجيا الإشهارية المعاصرة، وسيكون سيئا للغاية، بهذا الصدد، التضحية بالحيوات الأقل إنتاجية. ثُمَّ هناك القيمة المُمكنة، الأمل الذي تُمثِّله. ويُمكن في الواقع أن نعتبر أن حياة طفل يبلغ من العمر خمس سنوات تحتوي على إمكانية أكثر من حياة شخص يبلغ من العمر خمسة وثمانون عاما. لكن، دفع هذه الحجة إلى مداها من شأنه أن يعني أيضا أن قيمة حياة طفل حديث الولادة أو جنين هي أكبر من قيمة حياة شخص في سن الخمسين، كما يقول معارضو الإجهاض. بُعْدٌ ثالث، هو تَعُلُّقُ كل واحد بحياته. عندما يكون المرء شابا، لا يملك لا أطفالا ولا وظيفة بعد، قد تمر به لحظات اشمئزاز، رغبات انتحارية، وكلها أمور تجعل هذا التعلق أقل حدة. عندما كُنت أبغ من العمر عشرين سنة، كان تعلقي بالحياة أقل بكثير من اليوم. ختاما، وكنقطة أخيرة، هناك الظروف التي نموت فيها. عندما يكون المرء عالة على غيره أو في حالة احتضار، قد يدفعه ذلك إلى تمني الموت من خلال اعتبار هذه الحياة قد فقدت قيمتها. إِنَّهَا حجة المنافحين عن الموت الرحيم.

كانت هذه مجموعة من النقاط من أجل إلقاء الضوء على التَّبَاين الشديد الذي يطبع الفكرة التي أشارك جزءا منها، والتي مفادها أن موت الأصغر سنا يُعتبر أسوأ من موت الأكبر سنا، الذي هو موت مُؤسف، لكن لا يُمكن تفاديه.

حاورهما : مارثن لوغرو

شاهد أيضاً

أليساندرو جياكوني: هدنة فيروس كورونا في إيطاليا

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *