الرئيسية / منشورات / كتب / مفــهوم الحال في فلسفة سبينوزا (*3)

مفــهوم الحال في فلسفة سبينوزا (*3)


احمد اوزاهي

” أعني بالحال ما يطرأ على الجوهر، وبعبارة أخرى ما يكون قائما في ذاته ويتصور بشيء غير ذاته.”(1)

ينطلق سبينوزا في تحديده للحال من اعتباره دالا على كل ما ينتج عن الطبيعة الإلهية الوجودية المطلقة، أي الطبيعة الطابعة، بطريقة مباشرة، أو بكونها محددة لإنتاج معلولات ما، “فكل شيء محدد بالضرورة الطبيعية الإلهية لا فقط كي يوجد، بل أيضا كي ينتج معلولات ما بوجه ما”(2) ، والحال بهذا المعنى موجود بصفة ضرورية لا جوازا، ولا يوجد في ذاته بل في شيء غيره، يتم تصوره في غير ذاته، وهو في ذلك دال على معنيين معنى يرتبط بالدلالة المجردة من حيث المفهوم يعبر عن أنطولوجية الجوهر من خلال صفات، ومعنى دال على الموجودات من حيث ارتباطه بصفة الامتداد أو الفكر، فيضفي عليها طابع المعقولية الذي يكون موضوعا قابلا للإدراك الإنساني، فالحال بهذا المعنى يأخذ مكان كل ما يمكنه أن يحمل على الجوهر وكل ما يمكن تصوره به ومن خلاله، فهو دال على الجوهر وانفعالاته لأنه مجموع تعبيراته تتخذ بعدا صوريا، “إنه وجود حقيقي يلزم الأشياء الحقيقية الفعلية”(3).

ينتمي الحال إلى عالم “الطبيعة المطبوعة التي تفيد مجموع الأحوال” (4) ؛ أي مجموع الأجسام الفردية والنفوس الفردية، باعتباره وجود محدث أو مخلوق يعود إلى علة الله أو تأثير أحوال أخرى، فتتشكل طبيعته بتأثيرات معلولات أخرى داخل ووقف طبيعة الله وقوانينه، لكن في مجمله فهو تعبير وجودي عن مجموع الموجودات الفردية اللامتناهية مادامت صادرة عن طبيعة لا متناهية وتتخذ شكل حالات أو تعديلات أو تجسيدات طارئة في الجوهر أو عنه، لا تحمل أية ضرورة كما لا تنفيها بدلالة دالة على أنه إذا وجد فإنه خاضع لقوانين الطبيعة ونظامها الواحد، وبالتالي فكلمة حال أو الماهية الفردية كما يسميها جيل دلوز أمر واقعي وحقيقي ، أي “واقعا فيزيائيا”(5) ، كما أنه دال على القوة والقدرة المعبرة عن صفات الإله، بما هي أثر وتأثير وتأثّر في الوجود والموجودات، ومن هذا المنطلق ندرك أهمية إلغاء سبينوزا لتعدد الماهيات والجواهر وتعويضها بالجوهر الواحد الذي تربطه علاقات مع سائر الوجود ومكوناته.

 يعبر الحال إذن؛ على كل شيء مجسم أو أي فكرة أو حادث، في شكل أو هيئة أو صور، ينسب ويحمل على الجوهر الواحد، بما هو علة كل الأشياء والموجودات والأثار، وكل ما يطرأ عليها من تغيرات وتحولات أو تطورات، أي كل التعيينات الجزئية للجوهر، ومجموع كل ما هو موجود من الموجودات التي يبرز من خلالها الفكر والعالم المادي المحسوس، المترتب عن الجوهر مباشرة أو عن معلولات وتأثيرات أحوال أخرى أو في إطار علاقات الأجسام الفردية أو النفوس الفردية منظورا لها كأثر أو كوناتوس، أي يكتسي مفهوم العرض؛ الخاصية العرضية لكن ليس بالمعنى الأرسطي، بل بالدلالة السبينوزية الدالة على صفتي الامتداد والفكر، بما هما الصفتين البارزتين بالنسبة للإنسان.  

في الجوهر فقط ينبغي تمثل وتصور ما لانهاية من الأحوال؛ التي ندركها ونكون بصددها معرفة، فنعي أنها مسندة لموجود واحد شاهدة عليه، هو الله كجوهر فاعل وفعال، وتحمل من خصائصه الطابع الأزلي بما هي صادرة عنه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. يقول سبينوزا: “ينتج حتما عن وجوب الطبيعة الإلهية عدد لا محدود من الأشياء بعدد لا محدود من الأحوال” (6) ، بطريقة مباشرة عن الجوهر أو بطريقة غير مباشرة عن طريق معلولات أخرى صادرة عن العلة الأولى، أي بتأثير حال خارجي لحال آخر، “فكل الأحوال تستنتج من الله، وتتلو طبيعته، وتترتب عليه”(7).

يؤكد ألكييه في دراسته لمفهوم الحال ضمن فلسفة سبينوزا، أن هذا المفهوم هو ما يقابل مفهومي الجوهر والصفة، ولا يمكن أن يفهم إلا في إطار العلاقات بينهما من جهة ومن جهة ثانية في إطار التحديد الذي قام به الفيلسوف نفسه في بناء دلالته، “فهو من جهة دال على فكرة الشيء، أي فكر جوهر فردي. ومن جهة أخرى، فكرة نعت أي الخاصية التي تعبر بدقة على ما يسميه حال”(8)، هذا الأخير الذي يشير في دلالته من زاوية الامتداد على كل الطبائع الفردية، والنفوس، والأجسام، والموجودات، والحركات والتغيرات… أي كل الموجودات بمجموع تجلياتها في الطبيعة، فماهية الحال تنطوي على الوجود فقط، إذ يمكن أن يكون موجودا أو معدوما، من جهة ومن جهة أخرى يمكن أن يتحقق وجوده أو عدمه في المستقبل.

تربط بين الحال كمفهوم في فلسفة سبينوزا علاقة نوعية متميزة مع مفهوم الجوهر، والصفة، فإذا كانت علاقة تطابق بين الجوهر وصفاته، أي علاقة محايثة، حيث هذه الأخيرة تعبر عن ماهية الجوهر وصفاته، فإن الحال يتموقع موقع التقابل مع الجوهر مما يسمح بتجلي علاقة علة بمعلول أي السبب الأول والنتيجة ، ويحمل أو يسند إليه ويعبر عنه، لأن الجوهر الأول يتضمن ويحتوي الأحوال، هذه الأخير التي تترتب عليه، بشكل ضروري، “فالحال ينتج عن الجوهر، ويترتب عليه”(9) ، لأنه مجموع أشياء يتم تصورها في شيء آخر هو الجوهر، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، الشيء الذي يجعل الحال على طابع عرضي، لأن ماهيته كما يشرح ألكييه في دروسه الخاصة بفلسفة سبينوزا، “لا تنطوي بتاتا على الوجود، ويمكنه أن يكون موجودا كما يمكنه أن يكون معدوما” (10)

تعتبر فلسفة سبينوزا نظرية كبرى في الأحوال بما هي دراسة لمجموع الموجودات، وفيها نجد إحصاءات ومستويات تنبثق وتترتب عنها الأحوال: منها الأحوال المتناهية والأحوال اللامتناهية وضمن هذه الأخيرة، نجد الأحوال اللامتناهية المباشرة والأحوال اللامتناهية غير المباشرة.

فالأحوال اللامتناهية المباشرة، تنبثق عن الطبيعة الإلهية المطلقة واللامتناهية لصفة من صفات الله الجوهرية دون واسطة، مثلا “بالنسبة للفكر، هي الفهم المطلق اللامتناهي، وبالنسبة للامتداد هي الحركة والسكون”(11) في مقابل الأحوال اللامتناهية غير المباشرة التي تترتب بشكل غير مباشر عن الصفات المطلقة باعتبارها تحولات وتحتاج الى وسيط تتحقق به وفيه، وهي تكون نتيجة تحولات وتطورات تمس الأحوال المباشرة.

وفي مقابل الأحوال اللامتناهية والأزلية، توجد الأحوال المتناهية التي ترتبط بالله أو الجوهر الإلهي بفعل علاقة داخلية من جهة، ومن جهة أخرى تتعلق بالأحوال المعدومة التي كانت موجودة ولم تعد كذلكأو تلك التي لم توجد أو تصل لحظة ووجودها بعد، وبالتالي فالأحوال المتناهية تحمل ضرورة خارج ذاتها لا تتوقف على علاقة مباشرة بالجوهر أو الله، وإنما أيضا بالنظر إلى النظام العام للطبيعة والوجود أي يتحدد بمجموع الأشياء الموجودة، يقول ألكييه: “إذا أردنا إدراك كل موضوع متناه من حيث هو كذلك، النظر فيه لا في ذاته، وإنما في علاقته بنظام المواضيع التي ينتمي إليها (12).”

 هذا المقال هو تتمة الجزء الأخير لمفاهيم الجوهر والصفة ويتناول مفهوم الحال

في الجوهر عند سبينوزا

‏5 أيام مضت عامةمفاهيممقالات 0

احمد اوزاهي احمد اوزاهي كل مقبل على سبينوزا وفلسفته، لابد وأن ينطلق بداية؛ من معرفة أساسية بمفاهيمه* قصد تشرب معاني خطابه وإدراك دلالاته، فيدرك الحوار الذي قاده سبينوزا وأجراه مع التراث الديني والفلسفات القديمة والمعاصرة له، محاولة في تقعيد وتأسيس معجم جديد هو بمثابة مشروع أصيل وجريء، يحدد من خلاله …

مفــهوم الصفة في فلسفة سبينوزا (2)*

‏يومين مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلاتمفاهيم 0

احمد اوزاهي . أجمد أوزاهي ” أعني بالصفة ما يدركه الذهن في الجوهر مقوما لماهيته”(1) الصفة مفهوم أساسي وهام في المنظومة الفكرية لسبينوزا، إذ يتناولها كمبدأ للمعقولية، فهي ملازمة للجوهر، وما به يتحدد هذا الأخير بالنسبة للذهن ويتحقق، أي ما يدركه الفهم على أنه مقوم ومحدد للجوهر، وهي من جهة …

الهوامش:

  (1) سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق، ص 31

  (2) – سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق، ص 63

  (3) – العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 82

  (4) – ألكييه، فردناند، دروس في السوربون. ص 155

  (5) – حدجامي، عادل، فلسفة جيل دلوز عن الوجود والاختلاف، ص 63

  (6) – سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق، ص 50

  (7) – ألكييه، فردناند، دروس في السوربون. ص 154

(8) – نفس المرجع، ص148

  (9) – العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 82

  (10) – ألكييه، فردناند، دروس في السوربون. ص151

  (11) – نفس المرجع، ص160

  (12) – نفس المرجع، ص 167

·      حدجامي، عادل، فلسفة جيل دلوز عن الوجود والاختلاف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2012م، المغرب.

مقالات أخرى عن سبينوزا

الرغبة عند اسبينوزا: محاولة في الفهم

21 يناير 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

جواد أيت سليمان           شكلت قضية الرغبة في الفكر الفلسفي موضوعا هاما ، حاول الفلاسفة منذ بداية فجر التفكير الفلسفي مقاربته والإحاطة بإشكالاته، إلا أن طريقة معالجة هذا الإشكال كانت موضوع اختلاف كبير بين المدارس الفلسفية، سواء في الفترة اليونانية أو الحديثة أو المعاصرة، خصوصا ذلك الاختلاف الحاصل بين منظور …أكمل القراءة »

علاج الانفعالات من منظور سبينوزا

15 نوفمبر 2019 تغطيةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

يونس امهاضر “لا يمكن كبح انفعال أو القضاء عليه إلا بانفعال مناقض له وأشد منه”. سبينوزا: علم الأخلاق، الباب الخامس القضية 7 . لم تظفر التصورات الأخلاقية بفهم سليم للطبيعة البشرية، ولم تنجح في بناء مخرج للإنسان من العبودية التي يتخبط فيها. والسبب في ذلك أنها ظلت تتوهم حلولا متعالية …أكمل القراءة »

اسبينوزا والإسلام (قرآن اسبينوزا) الجزء 2*

20 أغسطس 2019 ترجمةفلاسفةمقالات 0

الكاتب: يوسف دجيدي          ترجمة: نورالدين البودلالي نور الدين البودلالي 4- «الاستبداد» و«الطاعة الطبيعية» نعلم وجهة نظر اسبينوزا المتشددة في موضوع الاستبداد، المتجسد في رأيه في النموذج السياسي التركي والذي نبهت مقدمة الرسالة اللاهوتية والسياسية إلى حماية الهولنديين منه. لقد أشاد فيلسوفنا، مثلما فعل ديكارت كذلك، بهذا الشعب الذي كان ينعم …أكمل القراءة »

سبينوزا والإسلام* الجزء 1

13 أغسطس 2019 دراسات وأبحاثفلاسفةمواعيد 0

الكاتب: يوسف جديدي ترجمة: نور الدين البودلالي نور الدين البودلالي من بين الفلاسفة المحدثين الذين قليلا ما ارتبط اسمهم بالإسلام، يحتل سبينوزا مكانة خاصة، إن جاز القول: فهو لم يقل شيئا، أو القليل جدا، عن الإسلام. و هنا بالضبط يكون الأمر أكثر إثارة للدهشة، إذ تتميز المرات القليلة النادرة جذا …أكمل القراءة »

سبينوزا.. الله والطبيعة والانسان

6 أغسطس 2019 دراسات وأبحاثعلي محمد اليوسففلاسفة 0

علي محمد اليوسف تعريف اولي ما نبدأ به هذه المقالة هي أستنتاجات فكرية لما أستطعنا الالمام به حول دفاع سبينوزا فيه عن نفسه أمام من وصفهم أنهم قاموا بتفسيرات خاطئة لمذهب وحدة الوجود في فلسفته التي ضمنّها كتابه رسالة في اللاهوت والسياسة. وهذا التوضيح ليس نقلا مباشرا لأفكار سبينوزا بل …أكمل القراءة »

سبينوزا والكتاب المقدس: الدين والأخلاق والسياسة

14 يناير 2019 صدر حديثا 0

صدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود كتاب: سبينوزا والكتاب المقدس للمفكر التونسي جلال الدين سعيد الذي كرسه أغلب بحوثه ومجهوداته لترجمة اعمال سبينوزا وقراءتها بما يفيد القارئ والباحث العربي.أكمل القراءة »

باروخ سبينوزا يعارض ديكارت دون أن يتنكر له

11 مايو 2017 جرائدمقالاتمقالات 0

الدار البيضاء: العلوي رشيد 1 – نقد الثنائية تتمثل راهنية باروخ سبينوزا في حيوية التساؤلات التي طرحها حول قضايا عصره، فكتاباته معاصرة لنا في العمق من جهة التحليل والتفكيك. بحيث استطاع أن يعارض ديكارت دون أن يتنكر له، محافظا على التصور الديكارتي في العديد من القضايا: النفس، الجسم، الله… لأن …

شاهد أيضاً

الاسقاط النفسي والزمن

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف لتكن البداية من منطلق التساؤل هل يمكننا اسقاط رغائب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *