الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / قراءة في سؤال: ” ما الأنوار ؟ “كانط

قراءة في سؤال: ” ما الأنوار ؟ “كانط

روضة المبادرة

أستاذة فلسفة وباحثة في الدكتوراه

ملخّص البحث:                                         

ينقسم هذا الحث المتواضع إلى ثلاثة أقسام  رئيسية . يبحث القسم الأوّل في  مدى تعطش الإنسانيّة اليوم لفكرة الإستنارة بمعناها الكانطي كمبدأ تحرّر من كلّ أنواع الوصاية  وبالتالي التوقف عند مفاهيم القصور والتنوير و الثورة ويبحث  القسم الثاني أساس التنوير مركزا على المقارنة بين الاستعمال الخصوصي و الاستعمال العمومي للعقل  وبالتالي  شروط هذه الاستنارة .

 أمّا القسم الثالث فيبحث في النزعة التعليميّة التنويريّة ورهاناتها من خلال البحث في المبادئ الأساسيّة الّتي بها بنى كانط مفهومه للتنوير أي تقصّي المواقع الّتي طالها القصور مركزا على المقارنة بين الاستعمال الخصوصي و الاستعمال العمومي للعقل وهو ما ينتهي بنا إلى استجلاء الكمّ والكيف المهمّ من التعلّم والتربية الّتي قد نتلقاها من كانط .

مقدّمة:

ما هي مبرّرات العودة إلى الفكر التنويري الكانطي ؟ ثمّ إذا كان من مميّزات القول الفلسفي في الحداثة أنّه يأتي من تلك الفكرة الّتي بنى بها كانط مفهومه للتنوير أي فكرة الفلسفة النقديّة , فما هو إذن هذا التنوير الّذي يراه البعض لبّ الفلسفة الحديثة , خاصّة إذا تعلّق الأمر بالتقابل بين  سؤال  ” ما هي الفلسفة الحديثة ؟ ” و  سؤال ” ما هو التنوير ؟”  و ما هي الملامح الأساسيّة  المميزة لعصر التنوير حتّى ينشده الإنسان اليوم ؟  و عن أيّ رهان يمكن التعويل اليوم في الفكر التنويري الكانطي ؟

الإنسانية متعطشة لفكرة الانوار الكانطية: التنوير بما هو حركة الخروج من القصور إلى الاستقلال الذاتي

البحث في مفهومي التنوير والقصور

” إنّ بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان من القصور ” [1]  هي إجابة كانط عن سؤال طرحه القس البرليني زولنر حول الزواج المدني  .ولكن ما معنى القصور وكيف يكون الإنسان هو المسؤول عنه ؟

فوفقا  لتعريف كانط  فالتنوير في معناه العميق هو الخروج  أي أنّ التنوير  مخرج الإنسان من حالته الّتي كان عليها بالأمس مسنتبط من نواسخ كان وأصبح ليكون بذلك سؤال  التنوير يتضمّن جواب ” كيفي ” أي كيفيّة الخروج من حالة القصور , وسؤال ” من ” أي من هو القادر على فعل التنوير , أي من المسؤول عن التنوير لكن إذا كان الإنسان هو المسؤول عن حالة القصور فهل يعني ذلك ضرورة أنّ الإنسان يجب أن يكون المسؤول عن التنوير ؟

يعتمد كانط تعريف بالسلب , هو المخرج و الخروج أو تحوّل من حالة إلى حالة جديدة أي من حالة القسر وعجز المرء عن استعمال عقله إلى حالة الرشد المعرفي . فوفقا  قراءة فوكو نلاحظ أنّ النصّ الكانطي متفرد عن بقية النصوص فهو لا هو سؤال في الأصل أو هو سؤال في الإنجاز بل هو سؤال يبحث في الغائيّة الكامنة في سياق التاريخ من خلال طرحه لمسألة الحاضر أي أنّ مقالة ” ما هو التنوير ؟”  بوصفها ضربا من ” انطولوجيا الحاضر “ . إذن فسؤال ” ما التنوير ؟” يجعلنا نغوص في عمق الاستشكال, أي مدى جعل حديث اليوم مختلفا عن حديث الأمس أي الاختلاف بين القصور والعجز من جهة والقدرة على استعمال العقل من جهة أخرى. فالتنوير الكانطي يقوم على حركة من القصور إلى الرشد وهو الاستعمال الشخصي للعقل دون تبعيّة من الغير وهذا الأساس الذّي ينعدم في شخصيّة العربي نظرا للوصاية التي ترهق تفكيره و لئن كان كانط من جماعة ”اعزم على العلم و التصبر” فإن مفهومه للتنوير بما  فعل يقوم به العقل الذي يحاول التحرر من قيود الكسل و الخوف و الوصاية و التسلح  بالشجاعة لذلك لا يكون امتلاك المعارف دلالة على الخروج من القصور لان ذلك قد لا يعبر إلا على رزوح تحت التبعية و هذا ما يسعى إلى إثباته كانط حينما نفى تعلم التفلسف و لا يجب أن نبحث عن حل في كراس المعلم لذلك يجب توجيه القول للإنسان القاصر “تجرأ على استعمال عقلك أنت ذلك هو شعار الأنوار”.   [2]

و لكن ما يعيق  استعمال العقل ؟ و كيف تتجلى ملامح هذا العجز ؟ و إذا كانت الفلسفة و الطريقة التي  بها أدركت ماهيتها قد تغيرنا في الألفي سنة اللاحقة لأرسطو تغيرات عديدة “(هايدغر) كيف يمكن تفعيل الفلسفة في التاريخ و الحياة ؟و هل تكمن مهمة الفيلسوف  في وضع الإبصار في أعين العميان ؟

 إنّ أهمية الفكر الكانطي بالنسبة الغرب والعرب أو ربّما بشكل كبير في أوروبا, تنكشف منذ نقد العقل المحض فكانط يعدّ  ” لثورة  فجائيّة في التفكير “ لأنّ كانط بعد إجابته على سؤال ” ما هو التنوير ؟ “ 1784 , فإن يجيب عن سؤال  ” ماهي الثورة ؟ “ سنة 1792 فهي ثورة على كلّ أشكال القسر والقصور لكنّ استفاقة الشعوب العربيّة لا تزال متأخرة في استيعابها للدعوة الكانيطيّة للتنوير العقول و رفض كلّ أنواع الوصايا . ولكن بماذا نفسّر قصور الشعوب العربيّة وما مدى حاجتها لهذا الضرب من التفكير ؟

إنّه يقصد به العجز أي عجز المرء عن استعمال عقله . ربما يفسره البعض في الثقافة العربيّة بالاستبداد كأساس للقصور أو ربّما الوصاية الّتي تهيمن على كلّ المجالات حتّى الفكريّة منها .

فالتسلط واقع  يقف على طرف نقيض من الحرية الإنسانية ليصبح سجينا بيد الجهل و الجبن ولعلّ الإنسان وحده المسؤول عنه وذلك لانعدام الجرأة والشجاعة  وجعل سلطة الأوصياء هي السلطة الّتي يجب أن يخضع لها . فالكسل والجبن سببان ساهما في جعل الإنسانيّة تغوص في الجهل والتبعيّة لأنّ سلطة الأوصياء  جعلتهم في الكهف منذ طفولتهم لأنّ الأغلال تعوقهم عن التقدّم للأمام . فالقصور حالة تصيب المرء حيثما لا يجرؤ على استعمال عقله “عندما يقوم فينا كتاب مقام العقل و عندما يحتل مرشد روحي فينا مقام الوعي و عندما يقرر طبيب مكاننا نظام غذائنا الخاص “[3] فالإنسان  يكتشف  بأنه قاصر عندما يعلم أنه يجهل بأنه جاهل أي عندما يعي بجهل جهله أو بالأحرى عندما يكتشف العقل أنه لم يتقدم و بالتالي يحصل تقدم رغم أن التخلص من الكسل و الجبن هو بالأمر الصعب لان عدم الاعتماد على النفس و إعمال العقل كاد يصبح غريزة في الإنسان  القاصر  الّذي يتلذذ بالعيش تحت تبعيّة الوصي لأنّ التفكير يتطلب جهدا والمشي إلى الأمام خطر لأنّه يؤدي إلى الانزلاق أو السقوط فأمام هذا الجبن تكون فرصة الأوصياء في التشجيع على عدم النهوض والبقاء في العجز دون المضيّ قدما إلى حالة الرشد المعرفي الّذي يكشف استغلال الأوصياء الّذين يدّعون امتلاك الحقيقة و الّذين ينصبون أنفسهم ك عكاكيز تستند عليها رعاياهم فهم بمثابة العربات  صالحة لكلّ من يفتقد عضوا وخاصّة إذا افتقد الإنسان إلى العقل الحرّ و إلى كيفيّة استعماله بنفسه  فهذه العربات تبقى مجرّد أداة تعجيزيّة لا تجعل من الإنسان قادرا على استعمال عقله بنفسه و تجعله بعيدا عن التقدّم . فالأوصياء حسب كانط مهمتهم لا تعوض شيئا بل قد تربك و قد تقلب التوازن و قد تخلخل  الفهم وتدخل الفوضى إنّها تدلّ على ضرب من التبعيّة والعبوديّة فهي تمنع الجريء وتخيف الشجاع , فهؤلاء  الأوصياء يعتبرون أنفسهم المسؤولين عن العامة

إلاّ أنهم هم المسؤولين عن قصورهم لأنّهم يجدون في حثّهم وترهيبهم من خطورة المشي دون إرشاد منهم لأنّهم يفلحون في مراقبة هذه المخلوقات الوديعة و يوهمونهم بالحركات المؤلمة في العينين من شدّة الانبهار .

إنّ الخطوة الأولى هي التدريب على رؤية النور لأنه مع ذلك لابد من بذل جهد شاق للتجرؤ على أن يكون المرء ذاته و هذا الجهد يتمثل في الضرورة الملحة للتفكير من أجل بلوغ التقدم و التخلص من الجهل و سلطة الأوصياء و لعل الإنسان الذي يفكّر هو الّذي يحافظ على حريّة تفكيره لأنّه مثلما يؤكّد ذلك كانط ” تنتهي حرّية التفكير إلى أن تقوّض نفسها بنفسها عندما تجرأ على الاشتغال في استقلال عن قوانين العقل “[4] ذلك أنّ عملية الخروج من الظلمة تدلّ على أنّ كانط لا يعلّم الحكمة الجاهزة بل يعلّم كيفيّة الإقبال على الحكمة والتفلسف الذاتي ليكون فعل التنوير يكمن في ممارسة فعل التفكير .

فمن حيث أنّ التفكير الحرّ هو تجسيد لفعل الاستنارة فإنّه يمثّل تحريرا من السلطة الّتي تكبّل الفكر لأنّ من تعوّد على الحريّة لا يستطيع أن يرى نفسه مسلّما إلى الامتثال لهواه الخاصّ وفي هذا الإطار يقول كانط في  “ما التوجّه في التفكير ؟ ” ” لا تنكروا على العقل ما يجعله الخير الأسمى على وجه البسيطة أي امتيازه  بأنه المحك الأخير للحقيقة ” [5]و في هذا القول يميز كانط بين مفهوم حرية التفكير و مفهوم القسر فمهما استبدت سلطة ما في سلب حرية الكتابة أو الكلام فإنها لا تستطيع سلب ملكة التفكير لأنها الدرة الفريدة التي تبقى لنا رغم الأعباء المدنية و لعل من مقومات التنوير الكانطي الجرأة “إجترء على استعمال ذهنك أنت”[6] لأن الجرأة على النقد أي أن يفكر المرء يعني أن يبحث داخل ذاته عن محك الحقيقة و قاعدة التفكير هو ذاك التنوير فالتنوير فعل يقوم به العقل الحر من خلال منهج النقد الذي جعله كانط شعار الفلسفة و منهجا بل مهمة العصر إذ يقول “إن  عصرنا هو عصر النقد الذي يجب أن يخضع لكل شيء”[7] و لكن ماهي المجالات التي يجب أن يخضع لها؟

مستويات الجواب الكانطي:

إن حركة التنوير الكانطي تدور في المنطلقات التالية :

مواجهة السلطات الدينية و التحرر من الأفكار التي لا يمكن للعقل أن يقبلها مثل فكرة الخطيئة الأولى إذ ليس من المعقول أن يرث أبناء اليوم خطيئة لا شأن لهم بها ارتكبها آدم و حواء إذ يقول “و لا يمكن لعصر من العصور أن يتألب و يقسم بأن يجعل العصر الذي يليه في وضع حيث يستحيل عليه حتما أن يوسع معارفه و أن يتخلص من الأخطاء و بوجه عام أن يحقق تقدما في الأنوار “[8] إذ يكون ذلك “جريمة ضد الطبيعة البشرية التي تتمثل غايتها الأولى بالذات في هذا التقدم”[9]

فتحكم الغير سواء كان من رجال الدين ام من رجال السياسة أم ممن يدعون المعرفة كل ذلك  يعتبر تبعية و يجعل الناس قصرا طوال حياتهم و إذا تساءلنا مثلما تساءل  ارنست كاسرار ما هو الطابع الأشد تميزا لعصر التنوير الكانطي فإنه يمكن  القول أن جوهر فلسفة الأنوار الكانطية الذي يمثل الموقف النقدي و الريبي من الدين هو الطابع الأقوى إذ انشغلت الإجابة الكانطية أساسا بالمسألة الدينية إذ يقول كانط “لقد حرصت على أن  أحدد النقلة الأساسية في التنوير و هو خروج البشر من حالة القصور التي يتحملون مسؤوليتها بالأمور الدينية بوجه خاص لأن ولاة الأمر لا يهتمون بأن يقوموا بدور الوصي على رعاياهم في شؤون الفنون و العلوم فضلا عن الوصاية في أمور الدين هي أشد أنواع الوصاية ضررا و إمتهانا لكرامة الإنسان “ لذلك و من خلال مقولة العقل و الاعتقاد في قوته يدعو كانط  إلى استعمال العقل في كل مجالات الحياة سواء كانت المعرفية أو الدينية أو السياسية بتعلّة  أن القصور طال كل مجالات الحياة .

فإلى جانب المسألة الدينية  انشغل النص الكانطي بالمسألة السياسية و الحقوقية فكانط قد كان شاغله الإنسان و المواطن ودعا إلى التخلص من كل سلطة تعيق فعل التفكير الفردي إذ يقول “و لهذا نجد إلا أقلية ضئيلة استطاعت بفضل استخدامها لعقولها أن تنتزع نفسها من الوصاية المفروضة عليها و تسير بخطى واثقة و مطمئنة”[10]

التنوير و الثورة

التصوّر الكانطي للتنوير ليس نخبويا مثل التصور الذي يعرضه مندلسون و لئن تكون الاستنارة العامة التي يدعو إليها كانط ليست باليسيرة فإنه هناك أقلية استطاعت أن تخرج من تحت سلطة الوصاية .

و إذا كان التحرر و التنوير أمرين صعبين بالنسبة  للفرد فإن إمكانيتها تظل أمرا في متناول أمة بكاملها فهي أقدر من الفرد إذ لا  أن ينوّر ذاته بذاته على أنّ تنوير الأمّة ذاتها بذاتها هو أمر حتمي طالما ترك الحكّام كامل الحريّة لشعوبهم , فلا بدّ أن يوجد ضمن هذه الشعوب بعض الأفراد الّذين خرجوا من قصورهم وتنوّروا وهؤلاء هم من يتولون تنوير الجماهير و تعليمهم مبادئ الحريّة والعقلانيّة وطالما كان التنوير يضع كغاية له تغيير عقليّة الجماهير ونمط تفكيرهم فإنّه لن يتمّ بشكل فجائي أو دفعة واحدة بفعل ثورة ما حتّى ولو كانت من تدبير الجماهير ذاتها إذ يقول كانط : ” ويمكن فعلا لثورة أن تؤدي للإطاحة بالاستبداد الشخصي والإظطهاد القائم على التعطّش إلى المال والهيمنة ولكنّها لن تؤدي أبدا إلى إصلاح حقيقي لنمط التفكير “[11]

فمن هذه الزاوية يقترح كانط  التنوير بديلا عن الثورة لأن الثورة تعيق التقدم و كل مشروع يعيق “عقيدة التنوير” هو مشروع لاغ لأنه لا يمكن بناء الدستور السياسي على الثورة إذ يرى كانط أنه ليس ثمة مقاومة شرعية للثورة لأن حق التمرد يهدم دولة القانون .

إن كل إصلاح  لنمط التفكير يتطلب جذريا متدرجا للعقل البشري لكن إذا نظرنا من زاوية أن كانط لئن عبر عن عدم تأييده للثورات سنه 1784 فإنه سيدعم الثورة الفرنسية لاحقا في “نزاعات الكليات” لأنها مثلت خطوة هامة في مسار التنوير و التقدم رغم ما أفضت إليه من فضاعات و هي ثورة كونية إذ هي ثورة شعب ثري فكريّا و لعل كانط في هذا السياق يرفع من مفهوم الحماسة باعتباره حسب ليوتار أهم شعور بعثته الثورة الفرنسية في كانط فالحماسة دافع حيوي يسمو بالنفس إلى مقام الكونية و هذا ما بين عدم استقرار الموقف الكانطي .

تكمن فكرة نموذجية الإجابة في كونها حددت التنوير على أساس عمومي لم يقتصر على التنوير الفلسفي فقط لأنه تعريف كلي ذلك أنه حسب هابرماس “كان مشروع التنوير يتحدد بالمجهود الذي بذل لتنمية علم الموضوعي و أخلاق و حقوق كلية و فن مستقل لذاته يخضع كل واحد منها إلى منطقة الذاتي المخصوص وقد  كان هذا المشروع يهدف في ذات الوقت إلى تحرير كل مجال من تلك المجالات و إخراجه من قيود الإشكال الباطنية (الوسطية) و لقد كان فلاسفة التنوير يريدون استعمال تراكم الثروات الثقافية النوعية لإثراء الحياة اليومية أو بعبارة أخرى لتنظيم الحياة الاجتماعية اليومية أكثر عقلانية”[12]  

إذ يرى كانط إلى جانب ذلك أنّه لا يجب أن تكون مهمّة التنوير هي مهمّة خاصّة بالجماهير فحسب

 و إنّما ينبغي أن يمتدّ حتى الحكام أنفسهم إذ يقول كانط في المواطنة والتاريخ  يجب على كلّ حاكم أن يتنوّر وهو لا يتنوّر  إلّا لأنّه لا يمكنه أن يفعل شيئا آخر غير أن يحرّر ذاته و يخضعها لضرورة التحديث و هذا لن يكون إلّا بسيادة العقل و مبادئه داخل نظام المعرفة و القيم ولا بدّ من تعميم قيم العقل والحرّية داخل المجتمع وهذا يتطلّب ما يسميه كانط الاستعمال العمومي للعقل .

الاستعمال العمومي والاستعمال الخصوصي للعقل              

و الحق أن الاستعمال العمومي لعقلنا هو حسب كانط يجب أن يكون “دائما حرّا و وحده الذي يتمكن من نشر الأنوار و إشاعتها بين البشر “[13] لكن ماذا يقصد كانط بالاستعمال العمومي للعقل “أقصد بالاستعمال العمومي من قبل المرء لعقله هو أن يستعمل عقله بوصفه عالما أمام جمهور بأكمله الذي هو عالم القرّاء [14] أو بالأحرى هو شكل من المقاومة السلمية أمام السلطة القاهرة و في هذا الإطار يطرح كانط مفهوم الحرية باعتباره روح الأنوار إذ يجب التمييز بين الاستعمال الأداتي للعقل حيث تكون الطاعة هي شعاره فهو عقل مأمور ممنوع يفتقد إلى الحرية فهذا الإستخدام الخصوصي يجعل  العقل يتلقى توصيات و أوامر تجعله مقيدا لأنه “الاستعمال المسموح به للمرء في ممارسة المسؤولية أو الوظيفة التي أسندت إليه بوصفه مواطنا” [15]فالإنسان عند أدائه وظيفة ما أيا كانت قد يخضع لأوامر و قوانين و ما يمليه الواجب الوظيفي , لذلك فهو يقتصر استعماله في مجال هذه  الوظيفة حتى لا يعرقل مصالح المواطنين التي تمس الشأن العام .

فالإنسان في ممارسته لهذه الوظيفة العمومية لا يسمح له إلا بالالتزام بالقوانين المعمول بها لا بالاعتراض عليها و مناقشتها.

نلاحظ في هذا الإطار أن الاستخدام الخصوصي للعقل يحد من القدرة على التفكير الفردي أي استعمال الإنسان لقدراته خارج ما يؤمر به أو ما ينهى عنه لأنه هناك دائما أمر يقول “فكر قدر ما تشاء وفي كل ما تشاء إنما أطع و في كل الحالات هناك حد من الحرية “[16] يرى كانط أن الاستعمال الخصوصي للعقل ليس إلا حد من الحرية و لكنه لا بحد من تقدم الأنوار لكن الفرد كمواطن  داخل الكيان السياسي الذي يسمى الدولة له كامل الحق في استعمال عقله استعمالا عموميّا حين يتعلق الأمر بمجال خبرته و تخصصه العلمي فهو بوصفه ذا ثقافة متنورة ملزم بأن يقصد بكتاباته جمهورا بأكمله من القرّاء و يجب على الدولة أن تسمح له بممارسة حريته الكاملة في التفكير و التعبير دون أي قيود أو التزامات إدارية مؤسساتية في أي من القضايا سواء السياسية أو الدينية أو الأخلاقية  أو الفلسفية أو العلمية منها.

فلئن كانت غاية الخروج من القصور هي في تحرير الفكر و تحرير العقل حيث أن بلوغ الحرية يكون حين يستطيع الإنسان أن يفكر بعقله أي أن يستطيع أن يوجه تفكيره و أن يتوجه بالتفكير لأنه بفضل تفكيره قادر على أن ينشأ أفقا رحبا من الحرية و لئن كان محور الأنوار الأساسي هو ممارسة الحرية بامتياز فإن الاستعمال العمومي للعقل هو ما يقوم به  العلماء أمام الجمهور الذي يقرأ نظرا للشعار القائل “العلم للجميع و القراءة للجميع ” لأنه بالنسبة إلى كانط يكمن هذا المبدأ العمومي في استعمال  العقل للتحرر من التبعية و الوصاية المسلطة على الفرد بل لعله التنوير عينه إذ يقول كانط ” و لكن أي التحديدات  يحول دون الأنوار؟ و أيها  لا يكون عائقا بل ربّما ييسّر السبيل أمامها ؟ و أجيب أنّ الاستعمال العمومي للعقل ينبغي أن يكون دائما حرّا “[17] لأنّه يقوم على ممارسة النقد ولأنّه  ” قادر على نشر الأنوار بين الناس”[18] ومن هنا يتجلّى الفرق بين الاستعمالين العمومي و الخصوصي من زاوية الأقدر منهما على ممارسة وتجسيد فعل الحرّية .

ولئن كان الاستخدام الخاصّ للعقل لا يقف عائقا أمام فكرة التقدّم إلاّ أنّه بقي بشكل أو بآخر يعاني من مشكلة الحدّ, أي حدود هذه الحريّة الّتي يمثّلها العقل العمومي. إذ يمنع في مجال الاستخدام الخاصّ للعقل الفرد من التفكير الحرّ لأنّ الطاعة هي ردّ الفعل الوحيد إزاء الأوامر حتّى و إن كانت لا تتماشى مع متطلّبات التفكير الحر ّ, ذلك هو شأن الضابط أو القائد العسكري الّذي يأمره قائده بعمل ما فهو من غير المسموح له وهو يمارس مهامه العسكريّة أن يعترض على الأوامر العليا بتعلّة مناقشتها عقليا وبشكل حرّ , وبالتالي فمن غير المشروع منعه من إبداء رأيه بوصفه عالما بالأمور الّتي تخصّ الخدمة العسكريّة ونشر أفكاره بين الجمهور إذ يقول مؤسس الفلسفة النقديّة ” وهكذا  يكون من الخطر الشديد أن يسعى ضابط تلقّى أمرا من رئيسه إلى المماحكة بصوت عال أثناء الخدمة في شرعيّة هذا الأمر أو فائدته وإنّما عليه أن يطيع “[19] وبالمثل لا يمكن لأيّ مواطن أن يرفض تأدية ضرائبه وهو قد يتعرّض للعقاب إذا ما فعل ذلك أو تناقض مع القوانين في هذا الشأن , لكنّ للمواطن الحقّ في عرض أفكاره للجماهير باعتباره عارفا في مجال الماليّة العموميّة حول النظام الضريبي والشواش الّذي يحدث فيه و الأمر ذاته ينطبق على رجل الدين الّذي يكون مجبرا وملتزما بتعاليم الدين الّذي يعتنقه أو الكنيسة الّتي يحرسها في خطبه لأنّ أو كاهن تقتضي ذلك منه لأنّ وظيفته كقسّيس أو ككاهن تقتضي ذلك منه لكنّه من جهة أخرى يمتلك كمواطن كامل الحريّة باعتباره خبيرا بالثقافة الدينيّة . فمن الممكن إعطائه الحقّ في أن يعرض على الجمهور القرّاء تأملاته بخصوص تلك الثقافة ورموزها لأنّ له الحقّ في حريّة التفكير لتدبير أفضل للشؤون الدينيّة. فكلّ هؤلاء يعتبرون آلات يجب على كلّ آلة أن تقوم بدورها أي يجب أن يتصرّف كلّ مواطن وفق ما أمر به وهذه هي الطريقة الّتي تسيّر بها الدولة شؤونها , بأن تقيّد الأفراد كلّ حسب مهمته لكنّ ذلك لا يمنع من التمتّع بحق حرية التفكير . لذلك يرى كانط أنّه لا يوجد أي ّ تعاقد مشروع يسمح للدولة بأن تحرم البشر من حريّة التفكير و التعبير , وحريّة كهذه هي تمثّل حسب كانط الحصن الوحيد لحقوق الشعب و كلّ من يحرم الشعب من هده الحريّة سيرتكب جريمة ضدّ الطبيعة البشريّة الّتي يجب أن تتطوّر نحو الأفضل سياسيا وفكريا و أخلاقيا لأنّه ” و بالتأكيد يمكن لإنسان فيما يخصّه و لكنّ لبعض الوقت فقط أن يرجئ تحصيل الأنوار بالنسبة إلى الخلق في أسوأ الحالات فيسمى خرقا للحقوق المقدّسة للإنسانيّة و دوسا لها “[20] و الحقيقة أنّ الحاكم السياسي الّذي لا يفرض على المواطنين أيّ شيء بخصوص قضايا الفكر أو الدين ويترك لهم كامل الحريّة ” هو نفسه مستنير ويستحقّ أن يجلّه معاصروه و الخلف الّذين يعترفون له بالجميل على أنّه أوّل من أخرج الجنس البشري من القصور على الأقلّ فيما يعود بالنظر إلى الحكومة وترك لكلّ فرد حرّيته في استعمال عقله

هو في كلّ ما يتعلّق بالعقيدة “[21]

في هذا الإطار يندرج تفكير كانط ضمن المنعرج السياسي بالنظر إلى المبدأ القائل بفكرة التعدّدية والقبول بالمعارضة ونبذ كلّ سلطة استبدادية قائمة على غطرسة الأنا الواحد في الحكم , و هذا ما تأمله كانط في مواقف الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو في مؤ لفاته الاجتماعية والسياسيّة فتأثّر كانط بروسو جعله يؤمن بإرادة الشعب بما هي أساس بناء الدولة التعاقديّة الحديثة  أي أنّ فكرة العقد الاجتماعي الّتي تحدّث عنها روسو هي فكرة مطلوبة في حدّ ذاتها لإدراجها مبدأ الإرادة العامة الّتي تخوّل للشعب التخلّص من كلّ طاغوت مستبدّ لذلك يجب أن تكون سلطة الحاكم هي سلطة الشعب ” لأنّ سلطته الشرعيّة تقوم تحديدا على كونه يجمع في إرادته إرادة الشعب “[22] وبالتالي تكون السيادة متكوّنة من جميع الإرادات . إنّ سعي فيلسوف ألمانيا الأعظم نحو تأسيس دولة تعاقديّة تحت مبدأ ” العيش معا ” وهي غاية كامنة وراء فكرة العموميّة ومبدأ الكونيّة  . فحين يعارض كانط فكرة المقاومة والتمرّد فقد كان واعيا تماما بأنّ التمرّد على الدولة ليس إلاّ تمرّدا على الإرادة العامة للشعب  أو دولة القانون الّتي نظّر إليها روسو و روبسبيار سابقا لذلك يجب أن يكون التنوير في المنحى السياسي ثورة عقول وليست ثورة ضدّ الملوك والدول .

ولئن كان مفكّرو الأنوار قد جعلوا من الدفاع عن العقل إحدى شعاراتهم فسيجعل كانط عموميّة العقل قاعدة كلّ تنوير حقيقي يكون فيه الالتزام بمبدأ العموميّة داخل الدول واجب وهذا يستوجب جرأة سياسيّة تجاه الملوك والأمراء و هذه الجرأة هي المخرج الوحيد من القصور و الاستبداد .

 ” تجرّأ على استعمال عقلك ” لكنّ إذا افترضنا أنّ الفرد قد امتلك هذه الجرأة فهل يستطيع أن يستنير بمفرده ؟ وبالتالي يعترضنا هنا التساؤل التالي : ما مدى إمكانية  تحقّق المبدأ القارّ بالاستنارة العامّة ؟

شروط الاستنارة العامة

       في نظر كانطإنّ الاستنارة حتّى تكون ممكنة  يجب أن تكون عامة وهو ما حاول فهمه الدكتور فتحي المسكيني  في كتابه  “الفيلسوف والإمبراطوريّة” فكانط يعترف بأنّ التنوير الحقيقي لا يتعلّق بالفرد المقولة التأسيسيّة لفكرة الحداثة بل بهذا ” الجمع الكبير الّذي لا يفكّر ” إذ تكون القراءة هي الحلّ الأنسب بل هي شروط التنوير بهدف المشاركة في العمومي و إنتاجه فكانط أوّل الفلاسفة المحدثين الّذين فكّروا فلسفيا في الفضاء العمومي ” [23]لأنّهذه الدعوة مبرّرها الأساسي هو أنّ ” قلّة من الناس وفّقوا في التخلّص من القصور بفضل النشاط الخاصّ لأذهانهم والمشي بخطى ثابتة رغم كلّ شيء ولكنّ أن يستنير جمهور بنفسه فهذا على العكس أكثر احتمالا شرط أن تمنح له الحرّية “[24]

فالتنوير الحقيقي هو ذاك الّذي يجعل من عموميّة الكتابة والقراءة أمرا متحققا أي حريّة التفكير للجميع فكانط قد فكّر في التفكير كحقّ أسمى يمارسه كلّ إنسان ينعت بالعاقل , ومن هنا يكون التفلسف حقّ كبقيّة الحقوق الأخرى المدنيّة والسياسيّة والطبيعيّة منها . فالفيلسوف بوصفه قد تخلّص من سلطة الوصاية فهو من منطلق أفلاطوني وجب عليه إخراج المساجين من الكهف , أي أنّ مهمة الفيلسوف تكمن في تنوير الجمهور أو الجموع الّتي لا تقوى على الحراك من فرط خمولها وكسلها .

يرى كانط أنّ مهمّة رسالته أن يطّلع جمهوره على جميع أفكاره الّتي استطاع أن يصوغها بكلّ حريّة بممارسته للتفكير و لأنّه تجرّأ على استعمال عقله استعمالا عموميا ولأنّ التنوير  في  مشروعه يدعو إلى روح المقاومة بعبارة فتحي المسكيني  , أو ربّما “روح عصرنا هو الحريّة ” على حدّ اعتبار ديدرو , لا بل إنّ عصرنا هو  عصر النقد بإمتياز . فالنقد وفقا لرائد الفلسفة النقديّة هو الأداة المحرّكة للتفكير الحرّ أي الوظيفة الأساسيّة للتفكير (حسب المعجم الفلسفي للأنوار ) وتلك هي شروط الاستنارة الحقيقيّة : الحريّة والنقد . فالنقد بحث في الحدود و الحريّة إطلاق للتفكير , فبالرغم من أنّ هذين المفهومين متقابلين إلاّ أنّهما يمثلان معا شعار الأنوار  ” وبالتالي تكون القاعدة  التنويريّة الّتي يراهن عليها كانط مع فلاسفة التنوير هي أن نفكّر دوما بأنفسنا و أن نبحث عن المحكّ الأقصى للحقيقة ولعلّ التنوير لدى كانط هو ” أن ينتج العقل حريّة ” “[25]

النزعة التعليميّة التنويريّة

يكتب كانط في  مقدمة مؤلفه تأملات في التربية  ” الإنسان هو المخلوق الوحيد الّذي يجب تربيته “[26]

إنّ فعل الحريّة الّذي يراهن عليه التنوير الكانطي ينبني على البعد العملي للنقد بما هو رسم للحدود في كلّ المجالات , و ” أنّ قراءة متأنّية لمختلف نصوص كانط تكشف لنا أنّ هناك تداخلا عميقا بين البعد النقدي والبعد السياسي في أسلوب الكتابة الكانطيّة أو لنقل حسب عبارة ليوتار توجد قرابة عميقة بين الناقد و السياسي داخل منطوقات الخطاب الكانطي “[27] ففعل النقد لم يجعل منه كانط مجرّد بحث في الحدود بل أراد له أن يكون الفعل العملي الّذي أراد به دراسة عصره كراهن و كحاضر لأنّه من وجهة  نظر فوكو من خلال قراءته للنصّ الكانطي  فإنّ تفكير فيلسوف ألمانيا الأعظم في الأنوار  هو تأسيس أصيل لانطولوجيا حول الحاضر و الأنوار الكانطيّة ليست مجرّد عصر من العصور بل تتناول هذه المسألة ” كراهن خاصّ ” [28]له تميّزه في فعندما تساءل كانط سنة 1784 عن ما هو التنوير ؟ كان يريد القول : ماذا يحدث الآن ؟ و ما هي مميزات هذه اللحظة الّتي نعيشها ؟ أو بالأحرى من نحن ؟ أ بوصفنا تنويريين أم بوصفنا شهداء على هذا العصر ؟ فالحاضر الّذي يطرحه كانط يمثّل القطيعة مع الماضي . إنّ التنوير إذن يتحدّد  على  أساس القطيعة مع ماض يكون فيه الإنسان قاصرا  إذ يرى فوكو في مقالته  ” ما الأنوار ؟ ” أنّ هناك ثلاث مواقع يكون فيها الإنسان قاصرا يعالجها كانط  في ثلاثيّة نقديّة هي حقل المعرفة في ” نقد العقل المحض ” و الأخلاق  في ” نقد العقل العملي ” و الإستيتيقا في  ”  نقد ملكة الحكم ” . ومن هنا تكون مركزيّة العملي هي أساس  فلسفة  التنوير بما أنّه  أعظم  مشروع عقلاني عرفته البشريّة فهو حسب المعجم الأوروبي للأنوار انتقال  و تحوّل من 

(  majorité  إلى minorité) ومن (  Indépendance إلى tutelle)

يبدو جليا من خلال قراءة فوكو  أنّ المهمّة الفلسفيّة الجديدة الّتي يضطلع بها كانط هي الاهتمام بالحاضر والنظر إلى التنوير كموقف و كاستحضار لمفهوم الحريّة بوصفه ممارسة  ليتوضّح أنّ كانط  قد كان واعيا بأنّ التطوّر التاريخي للبشريّة بلغ في عصره مسارا هاما من التحوّلات فهو عصر النقد و التأسيس النظري للبراكسيس فالنقد ليس عنوان لمؤلفات كانط بل عنوان لعصر برمّته , لذلك يجب أن يخضع له كلّ شيء فحتّى الدين والتشريع لن يفلتا من قبضته , فهذه المهمّة النقديّة قد أعرب عليها كانط في كتاب  ” نقد العقل المحض ” من خلال رسم حدود العقل و رسم ملامح الفلسفة العمليّة الّتي تعتمد على مفاهيم التنوير  الأكثر عمليّة و الأكثر فاعليّة في فعل الاستنارة بما هي استقلال إرادة في العقل العملي .

إنّ هذه الاستنارة هي ما يراهن عليه التصوّر الكانطي  لتكون الاستقلالية في الإرادة والفعل والضمير والذوق كلّها مبادئ نابعة من الحريّة الفكريّة و هذا ما تناوله كانط في ” ما التوجه في التفكير ؟ ”  بما هو تتمّة لسؤال  ” ما الأنوار ؟ “, فحين عرّف الأنوار بأنّ بلوغها حين يستطيع أن يفكّر الإنسان بنفسه فهو يقصد إنسان يستطيع أن يوجّه تفكيره لأنّه بتفكيره بمستطاعه أن ينشأ أفقا رحبا من الحريّة و بالتالي يكون الرهان الثاني للأنوار الحريّة بما هي الملكة الّتي يحيا من أجلها الفرد و الّتي من أجلها أعلن كانط ثورته الكوبرنيكيّة الّتي تحدّث عنها بيلافال في كتابه ” تاريخ الفلسفة” وتحديدا في فصل ” الثورة الكانطيّة ” الثورة الّتي لا تنتزع من الذاكرة .

فالتحرّر من القصور المعرفي هو رأس الإشكال في سؤال التنوير إذ يقول تودوروف ” ولهذا كان لابدّ أن تكون استقلالية المعرفة في مقدّمة ما سيفتكّ من استقلاليات  ” [29]. فعصر الأنوار من جهة أخرى لم يقتصر على مبدأي الحريّة والاستقلالية فقط بل راهن أيضا على العقل و جعل من الأساس العقلاني شعار الأنوار لأنّ العقل هو الملكة الّتي تميّز الإنسان عن الحيوان , لذلك يجب إخضاع كلّ الخطابات إلى العقل لأنّه القاضي الوحيد الّذي يكون حكمه وفيا وعادلا .

إنّ الرهان العالي للتنوير هو تعليمي بالأساس نتعلّم ممارسة القيم العقلانيّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان من تسامح وحريّة وكرامة . فالتنوير تقدّم نحو الأفضل و هو رهان كوني يتركه كانط للأجيال اللاحقة وهنا تكمن أهميّة كانط اليوم , لقد حوّل حداثة الأنوار  من كونها نموذجا نهائيا مكتملا إلى كونها ركيزة حركة تقدّم لا زالت في حاجة  دائمة إلى مزيد من التطوّر نحو الأفضل ” فلقد فهم كانط الحداثة كحاجة دائمة وليست كتلبية مطلقة لكلّ حاجة ممكنة “ [30]. ولئن كان الفضل لكانط في إرسائه لمفهوم التقدّم في حداثة التنوير فإنّ هذه المبادئ لم تكن في أصلها كانطيّة لأنّها تعود إلى جذور عربيّة , فكانط  يدرج نفسه ضمن نفس الدرب الّذي سار فيه ابن رشد خاصّة في شرحه لجمهوريّة أفلاطون  , فقول كانط     ” كن جريئا في إعمال عقلك وقف ضدّ الكاهن عندما يقول لك لا تبرهن بل آمن ” يتوافق مع المبدأ الرشدي القائل ” من خصال الفيلسوف عشق التعلّم بما في ذلك اختراق الآراء الّتي ليست موضع فحص أي المحرّمات ولذلك فإنّ على الفيلسوف أن يكون جريئا لأنّ من ليس جريئا يصبح عاجزا عن احتقار الحجج الغير برها نيّة الّتي تربّى عليها ” [31]

فكانط لم يكتفي بأن حرّر الإنسان بل أرغمه أن يصنع ذاته بذاته وبما أنّ لكلّ مرحلة ثوابتها ورهاناتها ذلك هو شأن مرحلة “ما بعد الحداثة ” وهي ترسم مسار ها وكينونتها في تاريخ الفلسفة وتاريخ الأفكار , ليتحوّل السؤال من ذات تبحث أين هي ومن هي  إلى ذات تبحث عن انطولوجيا الفهم عبر ” إعادة مشروع الحداثة الّذي لم يكتمل بعد ” بعبارة هابرماس , وهو ما يفضي إلى التفاعل المستمرّ بين الذوات بالفعل التواصلي وهذه هي راهنيّة التفكير في الخصوصي والكوني .

خاتمة

نختم بالقول أنّ بؤرة الأنوار ومرجعيته الأساسيّة هي في الحاجة إلى التقدّم أي تقدّم النوع البشري نحو قصدته العقلانيّة والأخلاقيّة , نحو وضع يكون فيه الإنسان البداية والنهاية والعلّة الأولى لأفعاله ومواقفه وأفكاره , وهو وضع ليس له مثيل في الحاضر وإنّما يضلّ مثالا منشودا في التاريخ الإنساني و لا تمثّل أحداث الحاضر سوى علامات دون أن تكون التحقيق الفعلي للتنوير لأنّنا  ” نعيش في عصر يسير نحو الأنوار ” إذ يبقى أوّل حديث عن عصر الأنوار مجرّد مرحلة من تاريخ الأفكار بل هو مسألة فلسفيّة مدوّنة في فكرنا منذ القرن الثامن عشر , بما هو قرن ميّال إلى النفي والتهديم أو النقد كما تعتبره فلسفات القرن التاسع عشر من وجهة نظر إيميل برييه في كتابه تاريخ الفلسفة (القرن الثامن عشر )[32] فعصر الأنوار قد مثّل كسرا في مسار التاريخ الكوني لذلك فمع كانط ننظر اليوم مرّة أخرى إلى التنوير بنظرة ملمة تجمع المنظور الكانطي الّذي جعل التنوير منشودا والمنظور التاريخي الّذي يربط التنوير بلحظة من لحظات تاريخ الفكر الأوروبي الغربي وهو ما يصوّر الطابع الديناميكي والمعقّد للتنوير .

المصادر والمراجع

المصادر باللّغة العربيّة

إ يمانويل . كانط , ما هي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس .

 كانط , نقد العقل المحض , ترجمة موسى وهبة , مركز الإنماء القومي , الطبعة الأولى , 2005 , بيروت لبنان  .  

المصادر باللّغة الفرنسيّة

Kant ,qu’est c e que les lumiéres ? .in œuvres philosophiques

 Emmanuel Kant , TRAITÉ DE PÉDAGOGIE , Traduction de Jules Barni , (1803) édition électronique. 

Kant ,qu’est c e ques’orienté dans la pensé ? ».in œuvres philosophiques.

المراجع باللّغة العربيّة

المجلّة التونسيّة للدراسات الفلسفيّة , كانط والحداثة , عدد 38\39 , 2004\ 2005  . .

تودوروف , روح الأنوار , ترجمة حافظ قوبعة , الطبعة الأولى , صفاقس.

عبد الحقّ منصف , الأخلاق والسياسة , كانط في مواجهة الحداثة بين الشرعيّة الأخلاقيّة والشرعيّة السياسيّة , الطبعة الأولى , افريقيا الشرق ,المغرب .

إيميل برييه , تاريخ الفلسفة ( القرن الثامن عشر ) , ج 5 , ترجمة جورج طرابيشي , دار الطليعة للطباعة والنشر , بيروت , لبنان , الطبعة الثانية , تشرين الأوّل , أكتوبر 1993 .

فتحي المسكيني , الفيلسوف والإمبراطوريّة : في تنوير الإنسان الأخير , المركز الثقافي العربي , الدار البيضاء , الطبعة الأولى , 2005 .

القول الفلسفي في الحداثة , هابرماس , ترجمة سلمى خضراء الجيوسي , الطبعة الأولى , دمشق , 1995 .

المراجع باللّغة الفرنسيّة

Qu’est-ce que les lumieres ? Michel Foucault . dits ecrits tome 4 n 339 . http://foucault.info/documents/whatIsEnlightenment/foucault.questcequeLesLumieres.fr.html

Kant , les lumiére et nous,recuiel de texte réunis sous la direction de Abdelaziz Labib e Jean ferrari , in lumiéres et modernité Issh de tunis , société des etudes

 kantienne de langue française maison Arabe du livre , 2008  tunisie


[1] إ يمانويل . كانط , ما هي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس , ص 85 .

[3] نفس المصدر , ص 221

[4] المجلّة التونسيّة للدراسات الفلسفيّة , كانط والحداثة , عدد 38\39 , 2004\ 2005  , ص 22 .

نفس المرجع نفس الصفحة .[5]   

[6] إ يمانويل . كانط , ما هي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس , ص 85.

[7]  كانط , نقد العقل المحض , ترجمة موسى وهبة , مركز الإنماء القومي , الطبعة الأولى , 2005 , بيروت لبنان  , المقدّمة .

[8] إ يمانويل . كانط , ما هي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس , ص 90 .

[9]  نفس المصدر  , نفس الصفحة .

[10]   نفس المصدر , ص 218 .

[11] إ يمانويل . كانط , ما هي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس , ص 87 .

[12] القول الفلسفي في الحداثة , هابرماس , ترجمة سلمى خضراء الجيوسي , الطبعة الأولى , دمشق , 1995 .

[13] إ يمانويل . كانط , ماهي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس , ص 87 .

[14]  نفس المصدر  , نفس الصفحة .

[15]  نفس المصدر , ص 88 .

[16] نفس المصدر , نفس الصفحة .

[17]  نفس المصدر , ص 88

[18] نفس المصدر , نفس الصفحة .

[19] نفس المصدر , نفس الصفحة .

[20] نفس المصدر , ص 91 .

[21]  نفس المصدر , ص 92 .

[22] نفس المصدر , ص 91 .

[23]  فتحي المسكيني , الفيلسوف والإمبراطوريّة : في تنوير الإنسان الأخير , المركز الثقافي العربي , الدار البيضاء , الطبعة الأولى , 2005 .

[24] إ يمانويل . كانط , ما هي الأنوار ؟ , ترجمة محمود بن جماعة , دار محمد علي للنشر , الطبعة الأولى , 2005 ,صفاقس , ص 87 .

[25] عبد الحقّ منصف , الأخلاق والسياسة , كانط في مواجهة الحداثة بين الشرعيّة الأخلاقيّة والشرعيّة السياسيّة , الطبعة الأولى , المغرب , إفريقيا الشرق , 2010 ,ص342 .

[26]Emmanuel Kant , TRAITÉ DE PÉDAGOGIE , Traduction de Jules Barni , (1803) édition électronique  INTRODUCTION  , page 3 

[27] عبد الحقّ منصف , الأخلاق والسياسة , كانط في مواجهة الحداثة بين الشرعيّة الأخلاقيّة والشرعيّة السياسيّة , الطبعة الأولى, إفريقيا الشرق , المغرب , 2010  , ص 342 .

Qu’est-ce que les lumieres ? Michel Foucault . dits ecrits tome 4 n 339 .

 http://foucault.info/documents/whatIsEnlightenment/foucault.questcequeLesLumieres.fr.html .

[28]

[29] تودوروف , روح الأنوار , ترجمة حافظ قوبعة , الطبعة الأولى , صفاقس , ص 11 .

[30] عبد الحقّ منصف , الأخلاق والسياسة , كانط  في مواجهة الحداثة بين الشرعيّة الأخلاقيّة والشرعيّة السياسيّة , الطبعة الأولى , افريقيا الشرق ,المغرب , 2010  , ص 344 .

[31] موسى وهبة , كانط ونقض التنوير , Kant , les lumiére et nous,recuiel de texte réunis sous la direction de Abdelaziz Labib e Jean ferrari , in lumiéres et modernité Issh de tunis , société des etudes

 kantienne de langue française maison Arabe du livre , 2008  tunisie page 495 .

[32]  إيميل برييه , تاريخ الفلسفة ( القرن الثامن عشر ) , ج 5 , ترجمة جورج طرابيشي , دار الطليعة للطباعة والنشر , بيروت , لبنان , الطبعة الثانية , تشرين الأوّل , أكتوبر 1993 .

شاهد أيضاً

أفاية ينعي الفيلسوف محمد سبيلا

محمد نورالدين أفاية محمد نورالدين أفاية بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *