الرئيسية / منتخبات / عامة / غوستاف لوبون وعلم النفس الإجتماعي

غوستاف لوبون وعلم النفس الإجتماعي

أسامة البحري

أسامة البحري

1 :علاقة علم النفس الإجتماعي بغوستاف لوبون

لا يسعنا في هذا التقديم ، إلا أن نشير من جهة إلى الفرق الذي يكمن بين علم النفس / التحليل النفسي و علم النفس الإجتماعي  ، و أن نقف من زاوية أخرى على أهم افكار لوبون ، لهذا  فإن علم النفس و التحليل النفسي معروفان بتركيزهما على العلاقة التي تتأسس بين الفردو ذاته ، فالأول”علم النفس ” يشتغل على دراسة النفسية و مشاكلها في الطفولة و المراهقة ، أما “التحليل النفسي ” : الذي تأسس على أيدي سيغموند فرويد ، فهمه المحوري هو إستنباط الذات الفردية لا الجماعية ، و على ضوء هذا الإهتمام بالنفسية الفردانية ، تمخض علم النفس الإجتماعي الذي يشتغل بمصطلحات سيكولوجية و لكن بطريقة إجتماعية  ، فمن بين مؤسسيه الأوائل ، نجد “غوستاف لوبون ” ، و لهذا فإن علم النفس الإجتماعي يدرس مدى إنسجام الفرد إجتماعيا (أي مدى إنصهاره في المجتمع) و مدى شذوذه عن خط المجتمع ، بالإضافة إلى دراسة الصراع الناشب بين الفرد و المجتمع ، ثم دراسة سلوكات المجموعات في المجتمع (الفئات الإجتماعية ، الطبقات ، الأقليات ، الطوائف الدينية الخ ..) ، و طبعا هذا لا يعني لنا أن علم النفس الإجتماعي يقتصر على دراسة الجماعة فقط ، ” فمن الصعب ، إن لم يكن من المستحيل ، عزل السلوك الفردي عن الوسط الإجتماعي – الثقافي المحيط به 1″ ، و مما لا ريب فيه أن لعلم النفس الإجتماعي جذور ، تعود بنا إلى أقدم الفلاسفة و العصور ، كأفلاطون مثلا حينما نظر للمدينة الفاضلة بعمله “جمهورية أفلاطون ” : الحاكم = العقل / فيلسوف – الحارس = القلب /العصبية – التجار و الشعب يمثلون البطن أي الشهوات  ، زد على ذلك تلميذه أرسطو الذي وضع كتابا غاية في الأهمية و هوالسياسة ، ” ينقسم إلى ثمان مقالات : الأولى تتكلم عن تدبير المنزل ، و هي مقدمة لدراسة الدولة ، الثانية تتكلم عن الحكومات المقترحة على أنها مثلى و في أكثر الدساتير اعتبارا ، الثالثة : في الدولة و المواطن و في تصنيف الدساتير ، الرابعة و الخامسة و السادسة : في الدساتير الوضعية ، المقالتان السابعة و الثامنة : في الدولة المثلى 2″، و من تاريخ الفلسفة اليونانية ، ننتقل إلى فلسفة القرون الوسطى و بذلك نجد أن العديد من المفكرين بتاريخ الفلسفة الأوروبية قد عالجوا موضوع علم النفس الإجتماعي كالقديس أوغسطين و توما الأكويني  ، ففي هذه الفترة بالذات نجد أن الفكر العربي أيضا عالج موضوع سيكولوجية الجماهير ، و لكي نجمع بين الفكر الغربي و العربي ، الى جانب ابن رشد الذي تأثر بارسطو في الفكر اليوناني ، نجد بالقرون الوسطى  تداخل بين ” ابن خلدون و ميكيافيلي 3″ ففي هذا الصدد يرى ابن خلدون في “مقدمته” أن الدولة اصلها الدين ، إما من نبوة او دعوة حق  ، و أن هذه الدعوة الدينية لا تقوم إلا بالعصبية بين أهل الأنساب و أهل البدو ، غير أهل الحضر ، لأن هؤلاء حسب ابن خلدون عدوان بعضهم على بعض و لا تجتمع كلمتهم ،  أما البدو فيدافعون عن بعضهم بالعصبية و يدافع عنهم مشايخهم و كبراؤهم بما قام في نفوس الكافة لهم من الوقار ، و في هذا الصدد نجد أن ميكيافيلي يسلم من زاوية أخرى أن المشايخ ليس هم الذين يجب أن يقودوا الرعية ، بل يجب على الأمير هو من يحكم جيشه بكل قسوة ، لأنه بمعزل عنها لن يستطيع أن يحافظ على

1 : غوستاف لوبون – سيكولوجية الجماهير – ترجمة هاشم صالح – ص : 6 – دار الساقي

2 : يوسف كرم – تاريخ الفلسفة اليونانية – ص : 311 – العوادي

: محمد لطفي جمعة – تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق و الغرب – ص 243 -دار العلم و المعرفة

توازن جيشه و شعبه ،  ففي هذا الصدد يقول ميكيافيلي في عمله “الأمير” : ينبغي على الأمير الذي يريد أن يحفظ عرشه أن يتعلم كيف يقلل من طيبته و كيف يستعمل الخير أو ضده في الأوقات و الأحوال المناسبة ” من أجل الحفاظ على توازن المجتمع ، و طبعا كانت هذه الأعمال ، مهادا لظهور عدة مفكرين بالقرن 16 و 17 ك توماس هوبز الذي يرى بالجزء الأول من عمله “التنين” أن الحالة الطبيعية اتسمت بحرب الكل ضد الكل ، فقد كان الكل خائفا عن فقدان بقائه ، و في هذا الصدد يقول هوبز  إن”أصحاب السلطة العليا في يقظة تامة ، شاهرين أسلحتهم مصوبة اتجاه بعضهم البعض و أعينهم مركزة على بعضهم ، كما أن أعين الجواسيس مركزة في استمرار على جيرانيهم ” ، و بهذا فإن الخوف الذي كان مزمنا بين الأفراد ، دفعهم إلى الإمتثال لطاعة أوامر صاحب السيادة ، و تبقى القوة حسب توماس هوبز هي محرك الشعور الذي يجمع بين أفراد الجماعة ، فإذا ما هزم صاحب السيادة ، صاحب سيادة آخر فإن الشعب المحكوم من طرف صاحب السيادة الثاني ينتقل الى الأول بدافع القوة ، و الى جانب هذا الطرح نجد ايضا دافيد هيوم الذي أسس فكرا سيكولوجي / إجتماعيا بعمله ” رسالة في الطبيعة البشرية ” قد نظر إلى السلوكات بأنها ناتجة عن مبدأين أساسين هم اللذة و الألم ، فمنهما يتمخض نسق من الإنفعالات و العواطف ، تلتحم لتشكل أفكارا تنعكس إلى سلوكات ، و يكون الذهن في هذا السياق هو ذلك المحرك المكون من الأفكار ، التي توجه السلوكات حسب نوعية الأفكار المكتسبة ، فالأفكار التي تقابل أو ستقابل الجسد بألم تعنون داخل الدماغ بأفكار خاطئة او محرمة الخ ، و من عادت أو ستعود على الجسد باللذة تعنون بالأفكار الجيدة او التي تحمل بركة الخ ، فكل تسلسل من الأفكار حسب هيوم ناتج لتوجيه إجتماعي محض ،  و مما لا شك فيه أن غوستاف لوبون قد تأثر بمفكري القرن السادس عشر و السابع عشر ، لأنه حينما نتصفح مثلا ، عمله ” الآراء و المعتقدات – الفصل الأول ” ، نجده يستشهد بفلاسفة ، كديكارت ، باسكال ، وفي الباب الثاني نجده يستشهد بأفلاطون و شوبنهاور اسبينوزا ، فهذا يعبر بقوة على تأثره بفلاسفة عصر النهضة و عصر الأنوار ، و لهذا فإذا انتقلنا مع غوستاف لوبون إلى عمله “روح الإجتماع ” سنجده يضع لنا مدخلا أساسيا لفهم أسس فكره ،  فقد إنطلق في عمله هذا من تقسيم الجماعات الى قسمين : الجماعات ذات المعنى المتعارف عليه ، و التي تتمحور على فكرة التأطير العام أو اللفيف الذي يلف حول أفراد  جماعة معينة  ، ثم تفسير الجماعة الذي الذي يخص علم النفس كما يسلم لوبون ، المتحور على فكرة : إنصهار و ذوبان الفرد في الجماعة ، أي “إختفاء الذوات الشاعرة و توجهها نحو صوب واحد و هذا ما يؤدي إلى تولد روح عامة … لم أجد لتسميتها كلمة أليق من لفظ الجماعة المنظمة أو الجماعة النفسية 2″ ، و لهذا فلوبون يرى بأنه لا يوجد لفيف يستدير حول الأفراد كما كان ينظر من قبل ، بل إن الأفراد هم من ينصهرون مع بعضهم البعض مشكلين بذلك جسدا واحدا، و يمكن للجماعة النفسية أن تتأسس بين عشرة أفراد تجاذبوا فيما بينهم لاشعوريا ، و لن تتأسسس  بين آلاف من الأفراد إجتمعوا فيما بينهم إتفاقا ، و من خلال كل ما صرح به لوبون ، سيضيف قائلا :”إن أهم ما تمتاز به الجماعة وجود روح عامة تجعل جميع أفرادها يشعرون و يفكرون و يعملون بكيفية تخالف تمام الاختلاف ، الكيفية التي يشعر و يفكر و يعمل بها كل واحد منهم على إنفراده ، و ذلك كيفما كان أولائك الأفراد 3” ، فكل فرد إذن

  1. 1       : نيكولو ميكيافيلي – الأمير – ص 140
  2. 2       : غوستاف لوبون – روح الإجتماع – ترجمة : أحمد فتحي زغلول ص : 27 – فروس
  3. 3        : المرجع ذاته – الصفحة : 30

حسب لوبون منصهر لاشعوريا في الروح الجماعية ، و يتمظهر ذلك عبر العديد من السلوكات : كالدفاع عن المعتقدات ، و مراقبة الآخرين على عدم تخطي إطار المعتقدات و حدود الأنظمة الثقافية “التاريخانية” ، فالفرد إذن حسب لوبون يشبه الآخر داخل إطار الجماعة في نظام الشهوات و المشاعر و الوجدانات ، و بذلك فإن هذه الصفات العامة (اللاشعورية ) هي من تحرك الجماعة و في هذا الصدد قسم لوبون الأسباب التي تولد صفات روح الإجتماع إلى ثلاث : ففي البداية ، يكتسب الإنسان داخل الجماعة ، قوة تؤدي بها أو به إلى الاسترسال في تضخيم اللاشعور الجماعي ، ثانيا : العدوى : و تعني حسب لوبون ، برمجة تكرارية للأفكار المركزية التي تتأسس ثقافة المجتمع عليها ، ثالثا : القابلية للتأثر ، ففي هذا الصدد استشهد لوبون باهم أفكاره ، و هي تقابل الجسد المنوم ميغناطيسيا بالفرد داخل الجماعة ، فالدماغ حسبه تتعطل وظيفته أمام رمزية و مادية المنوم “المجتمع”، و هذا ما يؤدي إلى غياب الذات الشاعرة ، فتصبح بذلك حركات مجموعه العصبي يسيرها الشخص (المجتمع ) الذي نومه بالتنويم الميغناطيسي ، فهو من يتحكم في الإرادة و هو من يسير السلوكات الجسدية بأكملها ، فهنا “تتعطل الإرادة الإنسانية و يغيب التمييز و تتجه جميع المشاعر و الأفكار نحو الغرض الذي رسمه المنوم 1” ، و يعتبر هذا التصور الذي طابق فيه لوبون المنوم بمجموع القواعد التي يتكون منها المجتمع و التي تحافظ عليها السلطة من أهم الركائز الأساسية بحقل علم النفس الإجتماعي ، و بهذا  سينتقل بنا لوبون من محطة روح التجاذب الإجتماعي إلى سيكولوجية التجمع ، فكيف نظر إذن ، غوستاف لوبون إلى الجماعة في عمله سيكولوجية الجماهير ؟

1 : سيكولوجية الجماهير – الجزء الأول ، بقلم الطالبة : حنان السملالي

في ما مضى كانت السياسة التقليدية للدول و المنافسة بين الحكام هي التي تشكل العوامل الأساسية التي تحرك الأحداث ، و لم يكن لرأي الشعوب في الغالب الأعم قيمة ، و لكن بدخول الطبقات الشعبية في الحياة الساسية و تحولها بالتدريج إلى طبقات قوية قائدة أصبح صوتها راجعا و غالبا بل قادرا على قلب الموازين ، تلك القوة استمدت عن طريق نشر بعض الأفكار التي زرعت في النفوس ثم رويدا رويدا ، بواسطة تجمع و احتكاك و تكتل الأفراد من خلال الروابط و الجمعيات تجسدت مفاهيم التي كانت مجرد نظرية ، فأصبحت المطالب واضحة أكثر فأكثر و تميل الى قلب و تدمير المجتمع الحالي ، فالعقائد الجديدة سوف تكتسب قريبا نفس قوة العقائد القديمة ، لذلك يكفي القيام بتمعن شديد و فاحص للأحداث التي تمخضت عنها التحولات العظمى ، ليتضح ان السبب الحقيقي الكامن وراء ما يبدو كأسباب ضاهرية هو في الحقيقة تغير عميق يصيب الشعب ، فصح القول إذن “انما تتناقله كتب التاريخ ليس سوى آثار مرئية لمتغريات لا مرئية يصيب عواطف البشر ” و في نهاية القرن التاسع عشر تزايد عدد الجماهير على سطح المسرح الاوروبي ، و راحت اعمالهم المباغتة ، فبدأ الباحثون و المفكرون الفرنسيون الايطاليون ، يتحدثون عن ظاهرة الجماهير المجرمة ، المجرمون الجماعيون الذين يهددون امن الدولة ، النظام الاجتماعي القائم و طمأنينة اىمواطنين و شلامتهم ، هكذا أصبحت الدراسة العلمية للجماهير تمر من خلال علم القانون الجماهيري ، و كان سيكهبل اول من بلور هذه النظرية و خلع مفهوم تقنيا عن الجماهير ، و حسبه هي كل الحركات الإجتماعية ، و المجموعات السياسية من الفوضوية إلى الإشتراكية ، زد على ذلك العمال في حالة الاضراب ، علاوة على ذلك التجمعات الحاصلة في الشوارع ، فتبلورت بذلك ثلاث أجوبة : 1 : جماهير ضد المؤسسات القائمة :

أشخاص شادون عن المجتمع فصار الجمهور = رعاع / اوباش ، 2 : جماهير مجنونة بطبيعتها : ان تعلقت او احبت شيئا او شخصا تبعته و تابعته حتى الموت ، 3: جماهير مجرمة = بما أنها مؤلفة من رعاعو أوغاذ (الحاقدين) فذلك معناه : عنف – سب – شتم – عصيان – جنوح عن القانون ، لكن لوبون و هو يراكم تجربته التي دمج فيها كل النظريات البيولوجية / الانثربولوجية / السيكولوجية ، راح شيئا فشيىأ يبلور نظريته المعلقة بسيكولوجياالشعوب / نفسية الشعوب و الأعراق البشرية ، فاثناء دراسته لقضايا علم النفس ، اصطدم بظاهرة الجماهير (الحركات الشعبية و الارهاب ، فكان ذكيافي طريقة تناوله لهذا الموضوع من وجهة نظر لم تكن سائدة ، فبنى نظرية متكاملة و متماسكة بدأ بتشخيص أوضاع الديموقراطية البرلمانية التي تولدت عن الثورة الفرنسية لم يقل بأن الحل في الرجوع الى الماضي و لا الى الاشتراكية و انما اصلاح النظام البرلماني بشكل يناسب اوضاع الجمهور المستجدة ، ثم اكد ان قوى الحاكم و الحكم تؤدي الى استقرار النظام الاجتماعي و انعدام القوة تؤدي الى الفوضى و الى احتلال الاوضاع ، فمنهجيته التحليلة لم يجدها في التاريخ و الاقتصاد ، بل في “علم النفس ” فحسب و في هذا الصدد يقول “علم النفس يعلمنا ان هناك روحا للجماهير ” ، روح مكونة من الانفعالات البدائية و مكرسة بواسطة العقائد الايمانية القوية و البعيدة عن التفكير العقلاني و المنطقي فكرته الاساسية بسيطة جدا : كل الكوارث  الماضوية التي بليت بها فرنسا و كل هزائمها تع الى هجوم الجماهير على مسرح التاريخ ، فضعف النظام البرلماني الديمقراطي اذن راجع الى الجهل بقوانين علم النفس و طرائق تسيير الجماهير ، و بين عشية و ضحاها اصبح لوبون الاستاذ الفكري لمرحلة كاملة باسرها و حافظ عليها حتى نهاية حياتخ “المديدة” و مادمنا نتناوله بالتحليل في هذه الاثناء فاكيد ان كتابه منح لصاحبه خلودا فكريا ، فكان بذلك بنثابة المانيفيست الذي دشن علم النفس الاجتماعي و الجماعي كما قال “موسكوفيتشي” ، بهذا نال غوستاف لوبون : شهرة واسعة و مكانة رفيعة ، فصار كتابه هذا المرجع الوحيد الذي قررته الجامعة في برامجها حول علم النفس الاجتماعي ، و من خلال ما سلف ، يتضح ان : معرفة نفسية الجماهير تشكل المصدر الاساسي لرجل الدولة الذي لا يريد ان يحلم كليا من قبلها ، زد على ذلك ان نفسية الجماهير تبين مدى ضعف تأثير القوانين و المؤسسات على طبيعتها الغرائزية ، و بهذا فقد تطرق لوبون في فصله الاول من عمله سيكولوجية الجماهير ، لكلمة الجمهور ، فهي تعني في المعنى العادي تجمعا لمجموعة من الافراد ايا كانت هيوتهم القومية / مهنتهم ، لكن من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي ” جمهور ” يصبح له معنى اخر ، ففي ظروف معينة يمكن لتكتل ما من البشر ان يمتلك خصائص جديدة مختلفة تماما عت خصاىص كل فرد يشكله ، انذاك تنطمس الشخصية الواعية للفرد و تصبح عواطف / افكار الوحدات الصغرى المشكلة للجمهور في نفس الاتجاه ، فتتشكل روح جماعية مؤقتة . بدون شك لكنها تنفتح بخصائص متبلورة تماما عندئذ ستصبح هذه الجماعة : جمهورا حسب لوبون منظما / جمهورا نفسيا ، فتتشكل بذلك “كينونة واحدة ” و تصبح خاضعة “لقانون الوحدة العقلية للجماهير ” ، فأي تجمع عن طريق الصدفة لا تخلع عليهم خصائص الجمهور المنظم ، فألف فرد مجتمعون بالمصادفة على الساحة العمومية بدون هدف محدد لايشكلون إطلاقا جمهورا نفسيا ، لكن هذا لا يتطلب بالضرورة الحضور المتزامن للعديد من الأفراد في نقطة واحدة  / شعب بأكمله قد يصبح جمهورا نفسيا بدون تجمع مرئي  ، فما أن يتكون الجمهور النفسي حتى يكتسب خصائص عامة و مؤقتة و قابلة للفرز فتنضاف خصائص متغيرة خاصة بحسب العناصر التي يتألف منها و التي يمكن أن تعدل بنية العقلية ، و هذا يدل أن الجماهير قابلة للتصنيف، هذا الأخير سيبين لنا أن هناك خصائص مشتركة بين الجماهير

  1. : غوستاف لوبون – روح الإجتماع – ص : 33

المتجانسة و الغير متجانسة و الأكيد أن هناك إلى جانب ما هو مشترك هناك ، خصوصيات تتيح لنا إقامة التمايز بينهاة، و لهذا فليس من السهل دراسة روح الجماهير ، ذلك لأن تركيبتها تختلف ليس فقط بحسب : العرق البشري / تشكيلة الجماعات ، و إنما بحسب : العرق البشري / تشكيلة الجماعات ، و إنما بحسب طبيعة المحرضات و درجة قوتها

1 :  – سيكولوجية الجماهير – الجزء الثاني – بقلم الطالب : أسامة البحري

يرى لوبون في بداية الكتاب الثاني من عمله سيكولوجية الجماهير أن هناك عاملين أساسين يؤثران في الجماعة ، عامل بعيد : و يعني المؤثرات الخارجية ، كما نجد في علاقة الثورة الفرنسية بأعمال المفكرين و الفلاسفة ، ثم عوامل مباشرة : التي تعني تكدس كل المؤثرات الخارجية في قبضة واحدة مما يدفع بالجماهير الى إحداث عامل مباشر و هو الثورة (فصل الدين عن الساسية مثلا)، و من بين العوامل البعيدة ، نجد : التقاليد الموروثة ” العرق / الزمن / المؤسسات / التربية / التعليم ، فالعرق حسب لوبون هو عبارة عن سلسلة تاريخية تلتبس البيئة الحاضراتية (تقسيم العمل داخل المنازل مثلا : المطبخ  و السرير للانثى – المنزل باكمله للذكر ، التقاليد المورزثة : يعرفها غوستاف لوبون ، بانها ” الافكار و الحاجيات و العواطف الخاصة بالماضي فهي تمثل خلاصة العرق و تضغط بكل ثقل علينا 1″ فما تفعله هذه الاجزاء الماضوية حسب لوبون ، هو تكوينها لكائن عضوي يسيطرعلى المخيال الإجتماعي ، ففي هذا الصدد يقول ” نرى ان الشعب هو عبارة عن كائن عضوي مخلوق من قبل الماضي ” ، فهذه الاجزاء الماضوية حسبه، تكون شبكة من التقاليد ، تطبع كل الافراد بما تحمله داخلها من افكار و مفاهيم : كحشومة – عيب الخ .. و يرىلوبون أه بدون هذه التقاليد لا يمكن ان توجد حضارة و بدون اصلاح هذه التقاليد بالمنطق يستحيل أن  يكون هناك تقدم ، الزمن ،  فالبعد التاريخي / المفتوح الأمد يفتح عوالم التلاشي و التطور حينما يحضر الوعي ، فالحضارة أمام الوعي تتغير بتغير محتويات الماضي ، فإنها تتطور لتفتح عوالم التلاشي و التطور مرة أخرى ، و محور هذا التطور هي العلاقة التجاذبية التي يحققها الوعي بين الرأي و المعتقد ، و بهذا يقول لوبون :” ان التوكيد لا يلبث بعد ان يكرر تكرارا كافيا أن يحدث رأيا ثم معتقدا 2  ” ،و بهذا يكون الرأي هو المحدد للسلوك الفردي و الإجتماعي ، عن طريق تكراره بكل مواضع الجسد الإجتماعي مما يجعله معتقدا doxa  ، يحافظ على مشروعية بقائه عبر جل المؤسسات الإجتماعية و السياسية، و في هذا الصدد يعرفها لوبون بأنها ” بنت الافكار و العواطف و الأخلاق و الطبائع التاريخية المكونة للثقافة ” لأنه بفعل ترسخها في الذهن ، بها ينظر الفرد إلى الوجود ، و بفعلها يجيب الفرد عن كل مثير يثيرلجسد بالواقع الإجتماعي ، و في هذا الصدد يرى لوبون ان التعليم دخل في دوامة الادلجة عبر فكرة التلقين التي غزت المخيال التدريسي ، و ” هكذا نجد ان الشابة او الشاب ما ينفكون منذ السنة الاولى ابتدائية و حتى الدكتوراه او شهادة التبريز ، ييتلع مضمون الكتب بدون ان يشغل عقله أو رأيه الشخصي ، فالتعليم بالنسبة له يتمثل في الحفظ و الطباعة 5″ ، فما يفعله هذا النظام المؤدلج حسب غوستاف لوبون هو تكوين ” إنسان مصنوع 6″

  1. 1       : غوستاف لوبون – سيكولوجية الجماهير – ص : 101
  2. 2       : المرجع ذاته – الصفحة ذاته
  3. 3       :غوستاف لوبون – الآراء و المعتقدات – ص : 199
  4. 4       : غوستاف لوبون – سيكولوجية الجماهير – ص : 105
  5. 5       : المرجع ذاته – ص : 108
  6. 6       : المرجع ذاته – ص : 111

ففي هذا الصدد يقول لوبون “الانسان المدجن و المتزوج و المستسلم يدور في حلقة مفرغة الى ما لا نهاية ، فهو منغلق داخل وظيفته الضيقة 1″ ، و من خلال هذه الاحاطة بعلاقة الذات مع محيطها ، سينتقل بنا لوبون الى العوامل المباشرة في الفصل الثاني من الكتاب الثاني ، و بهذا فقد تكلم لوبون في بداية هذا الفصل ، عن دور الكلمة في اخضاع العقول ، فالكلمة حسب لوبون تشكل صورة في الذهن ، و تتشكل في صورة بالمجتمع ، كالرسومات على المدارس (امرأة تضع الخمار ، رجل يلبس اللباس التقليدي …. )، فهذه الصور حسب لوبون تعزز وجود الصورة الذهنية التي تمخضت عن جملة او كلمة ترسخت في المخيال بالتكرار ، و عندما تشعر الجماهير بنفور عميق من الصور التي تثيرها بعض الكلمات و” ذلك على أثر الانقلابات السياسية و المتغيرات التي اصابت العقائد ، فإن الواجب الأول لرجل الدولة الحقيقي هو تغيير هذه الكلمات 2″ ، ” و لهذا فيكفي على القادة أن يعرفوا اختيار الكلمات لكي يجعلوا الجماهير تقبل ابشع انواع الأشياء 3″ ، علاوة على ذلك الاوهام : فمن بين العوامل التي تخذر الاذهان حسب لوبون هي الوهم ، فقد ظهر لاول مرة بالمعابد ، ثم استخدمت الأصنام للتلاعب بالعقول ، ثم انتقل الى الدين ثم الى الفلسفة ثم الى الجسد الاجتماعي باكمله

     1 : غوستاف لوبون – سيكولوجية الجماهير – ص :  112

  • : المرجع ذاته – ص : 119
  • 3       : المرجع ذاته – الصفحة ذاتها

شاهد أيضاً

أندريه كونت سبونفيل: الغيرة

ترجمة: بنتابت طارق – لابد أن نميز بداية الغيرة عن الحسد، وهو أمر ليس هينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *