الرئيسية / ترجمة / سلافوي جيجيك: الرأسمالية الثقافية

سلافوي جيجيك: الرأسمالية الثقافية

ترجمة: محمد فتوحي

أريد أن أوضح بالتفصيل خطا فكريا بسيطا للغاية حول نقطة واحدة: لماذا لم يعد العمل الخيري في اقتصادنا مجرد خاصية يتميز بها بعض الأشخاص وفقط، بل مكونا أساسيا وجزء لا يتجزء من اقتصادنا؟
مالذي تغير منذ تحول الرأسمالية في عام 68 إلى ما نسميه عادة بالرأسمالية الثقافية، وإلى التصور الما بعد الحداثي لرعاية البيئة وما إلى ذلك؟ 

ّإن الرأسمالية في عصرنا هذا تنحو نفس الاتجاه وذلك عبر دمج البعدين معا في كتلة واحدة. مثلا،  فعندما تشتري شيئًا ما، فإنك تحس كمناهض للإستهلاك أنه من واجبك الأخلاقي أن تقدم شيئًا للآخرين، وأن تقوم بشيئ من أجل البيئة و تقدم خدمات للمجتمع وما إلى ذلك. كل هذا يتم دمجه في عملية الشراء. لنأخذ على سبيل مثال مقهى ستاربكس، فشعار حملتها هو كالتالي : “إنه ليس فقط ما تشتريه (القهوة) ؛ بل أيضا ما تشتريه معها. عندما تشتري قهوة ستاربكس، سواء أدركت ذلك أم لا فإنك تشتري شيئا أكبر بكثير من فنجان قهوة ألا وهو الواجب الأخلاقي. أضف إلى ذلك، فبرنامج ستاربكس يحرص على ضمان حصول مزارعي البن على سعر منصف مقابل عملهم الشاق.” 
هذا ما أسميه ب”الرأسمالية الثقافية” في أنقى صورها. أنت لا تشتري قهوة فحسب، بل بفعلك الاستهلاكي هذا إنك ضمنيا تشتري صك التكفير عن ذنوبك لكونك مجرد مستهلك. أي،  باقتناء لقهوة سناربكس، فانك ضمنيا تشتري  صك التكفير عن ذنوبك الاستهلاكية بفعل
شيء ما من أجل البيئة، وبتقديم المساعدة لأطفال جياع أو متشردة، أو بصفة عامة بفعل شيء لاستعادة الإحساس بالمجتمع.

الهدف الصحيح هو أن نحاول إعادة بناء مجتمع بديل حيث يكون فيه الفقر أمرا مستحيلاً

أعتقد أن هذا المنطق أصبح عالميًا تقريبًا لدرجة أنه عندما تذهب إلى المتجر ربما تفضل شراء ما يسمى بالتفاح العضوي، ولدرجة تعتقد حقًا أنه أفضل بكثير رغم أن ثمنه يساوي ضعف ثمن التفاح المعدل وراثيًا. إن منطق الفعل الاستهلاكي هذا يجعلك تشعر بالدفء و الارتياح ويشعرك بأنك تقدم شيئًا جميلا لأرضنا الأم.
المقصود هنا هو أن منطق الرأسمالية الثقافية يعتمد أساسا على الفعل الاستهلاكي الأناني الذي يتضمن بشكل مسبق نقيضه (ثمن التكفير عن ذنب الاستهلاك).
أعتقد أنه يجب أن نعود إلى أوسكار وايلد القديم الذي قدم أفضل صياغة ضد منطق العمل الخيري هذا. اسمحوا لي أن أقتبس فقط من بداية كتابه “روح الإنسان المعاصر في ظل الاشتراكية”، حيث يشير أن “من السهل جدا أن نتعاطف مع المعاناة من أن تعاطف مع الفكر”.
العديد من الناس يجدون أنفسهم محاطين بالفقر البشع ، والقبح البشع ، والمجاعة البشعة. من الطبيعي جدا أن تتحرك مشاعرهم بقوة إزاء هذه البشاعة. فتجدهم بنية حسنة وإن كانت في غير محلها، يتولون على محمل الجد والعاطفة مهمة معالجة الشرور التي تحيط بهم. لكن هذه العلاجات لا تشفي من المرض فهي تطيله فقط؛ في الواقع، هذه العلاجات جزء لا يتجزأ من المرض. يحاولون مثلا حل مشكلة الفقر عبر إبقاء الفقراء على قيد الحياة أو عبر تسليتهم والترفيه عنهم. لكن هذا ليس حلاً، بل فقط يزيد من تفاقم الأزمة. 

من غير الأخلاقي استخدام الملكية الخاصة من أجل التخفيف من شرور هي أصلا ناتجة عن مؤسسة الملكية الخاصة

الهدف الصحيح هو أن نحاول إعادة بناء مجتمع بديل حيث يكون فيه الفقر أمرا مستحيلاً ، لكن فضائل الإيثار هذه (الإحساس بالآخرين والعمل الخيري…إلخ) تحول دون تحقيق هذا الهدف. إن أسوأ مالكي العبيد هم أولئك الذين كانوا لطفاء مع عبيدهم. العمل الخيري يحط من قدر الإنسان و يضعف معنوياته. من غير الأخلاقي استخدام الملكية الخاصة من أجل التخفيف من شرور هي أصلا ناتجة عن مؤسسة الملكية الخاصة. 
قبل سنوات مضت سألني مقدم برنامج Hard Talk ما إذا كنت كارها للبشر. أجبته بنعم، لأنه في نظري ، هناك نوع معين من كراهية البشر، أعتبرها أفضل بكثير كموقف اجتماعي من هذا التفاؤل الخيري المنافق. 
بالطبع، أنا لست ضد العمل الخيري، على الأقل فهو أفضل من اللاشيء. ولكن لا يجب أن نغض الطرف عن النفاق الكامن وراء العمل الخيري هذا . فالعديد من الناس ومن أماكن مختلفة يرون في جورج سوروس ذلك الرجلا الأمين. لكن، المفارقة هنا هي أن سوروس كان يصلح بيده اليمنى ما كانت تفسده يده اليسرى .

شاهد أيضاً

ديفيد هيوم الذاكرة والخيال

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تقديم من الشائع تقليديا في ادبيات فلسفة علم النفس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *