الرئيسية / منتخبات / عامة / ليو شتراوس مستعيدا موسى بن ميمون أو “حداثة ما قبل الانوار الأوروبية”

ليو شتراوس مستعيدا موسى بن ميمون أو “حداثة ما قبل الانوار الأوروبية”

صالح محفوظي ـ باحث تونسي*

يتناول هذا المقال استعادة ليو شتراوس لابن ميمون ولأسلافه الإسلاميين خاصة الفارابي في إطار محاولته لمقاربة مشكل الحداثة الأوروبية واستتباعاتها على الانسان المعاصر. يضعنا ليو شتراوس في مواجهة بين الانوار الفعلية للقرن الثامن عشر و”انوار لم تنجز” في تقديره هي أنوار القرون الوسطى الإسلامية ـ اليهودية، هذه الانوار التي تجد جذورها في عقلنة الفعل السياسي والأخلاقي عند الفارابي ثم استعادة هذه العقلنة عند موسى بن ميمون. ما نعرفه عن ليو شتراوس هو “موجات الحداثة الثلاث” التي رسم من خلالها دوائر الحداثة الأوروبية، ولكن ما نكشف عنه في هذا المقال هو أن هذه الموجات قد مثلت دورات لابتعاد السياسة عن الفضيلة وهو الابتعاد الذي نقل الفعل السياسي من ” فعل أرضي ينشد جنة سماوية ” الى ” فعل أرضي ينزل جنة السماء الى الأرض ” وذاك هو أصل المشكل عند شتراوس: سؤال موقع الديني في الفعل السياسي.

الكلمات المفتاحية:

الحداثة ـ الأنوار ـ ابن ميمون ـ الفارابي ـ النظرية السياسية.

يقول ليو شتراوس في معرض تحليله للموقف السياسي لماكيافللي: ” … إن ما تنبّأ به ماكيافللي هو أن وحيا جديدا، وحيا بوصايا عشر جديدة، على وشك أن يهبط على موسى جديد، والذي لن يكون سوى ماكيافللي نفسه، والوصايا العشر هي تعاليمه الجديدة تماما، لأمير جديد تماما، في دولة جديدة تماما ” 1.

ما علاقة ماكيافللي باستعادة ليو شتراوس لابن ميمون؟

“الفلسفة والقانون، محاولة في فهم ابن ميمون وأسلافه”2 ذاك هو المؤلف الذي قارب فيه ليو شتراوس التراث الفكري للقرون الوسطى إسلاميا ويهوديا، وتأتي هذه المقاربة في اطار انشغال المفكر بالمسالة السياسية وهو انشغال يجد جذوره في المشكل اليهودي وفي العلاقة بالنازية على اعتبار أن الأخيرة في تقديره هي التعبيرة السياسية للعقل الحديث. ان المشكل الذي تطرح داخله استعادة ابن ميمون هو مشكل الحداثة، أو هو مشكل نقد الحداثة، وربما هو مشكل “ما بعد ـ حداثة” أخرى.

ماهي الحداثة عند ليو شتراوس؟

ينطلق شتراوس من التحديد الشائع والأقرب: الحداثة هي علمنة الايمان الديني أي تفريغ القيم من محتواها الايماني لتصير ذات طابع دنيوي، نقل الإيمان من السماء الى الأرض، يقول: “لن يعود المبتغى هو الحياة في الجنة، وإنّما هو تحقيق الجنّة في هذه الحياة الدنيا وبطرق بشرية محضة”3. يقارب شتراوس الحداثة من زاوية الفلسفة السياسية، ان الحداثة هي عملية التغيير الجذرية التي أجريت على الفلسفة السياسية الكلاسيكية، فاذا كانت غاية الفلسفة السياسية الكلاسيكية هي تحديد النظام الاجتماعي والسياسي الأكمل، فان هذا التصور قد تم الاستغناء عنه في الزمن الحديث، وأزمة الحداثة عند شتراوس تكمن في رفضها للفلسفة السياسية التي تهدف الى تحديد القيم والنماذج المجتمعية الأكثر كمالا. تكمن أزمة الحداثة اذن في قطعها مع الفلسفة السياسية الكلاسيكية.
وبناء على هذا التصور يكشف شتراوس عن موجات ثلاثة للحداثة دشن ماكيافللي ومن بعده هوبز أولاها وفيها تحولت الأخلاق والفضائل في النظرية السياسية إلى وسائل لنظام الحكم لا غايات له مثلما عودتنا الفلسفة السياسية الكلاسيكية، وحيث لا حاجة “لضربات الحظ” من أجل نظام سياسي كامل – مثلما اعتقدت الفلسفات اليونانية وخاصة مع أرسطو – بل نحتاج إلى حساب المصالح والمنافع. لقد كانت الفلسفة السياسية الكلاسيكية تبحث عن أفضل نظام حكم يتقصّد ممارسة الفضيلة وهنا تقترب “القدس من أثينا” مثلما يعلن شتراوس قــــــاصدا اقتراب النظرية السياسية اليهودية والإسلامية من النظرية الافلاطونية والأرسطية.
أما الموجة الثانية فيدشنها روسو ويستأنفها كانط، وقد يبدو غريبا أن ندرج روسو في مسار الحداثة هذا والحال أننا نعلم الهجوم الذي شنه على تطور العلوم الحديثة والمعارف واعتبارها سببا لفساد الانسان أخلاقيا، لكنّ شتراوس يكتشف وراء معاداة الحداثة هذه مسار استمرار وتواصل، فروسو يحل الإرادة العامة محل القانون الطبيعي المتعالي وهنا نقطة التفافه على الفلسفة السياسية الكلاسيكية.
لن يغادر نيتشه أرض الحداثة كما اعتقد هو ومناصروه فمعه سنكتشف فقط الوجه العدمي للحداثة لكن بمقاييس الحداثة ذاتها، وتلك هي الموجة الثالثة للحداثة. وتلك هي الحداثة وتلك هي مظاهر أزمتها: وضعية تحوّل العلم إلى أداة سيطرة وتحكم ، تاريخانية و نسبوية لا أمل فيها لمعايير أو مرجعيات قيمية، والأصل في كل ذلك رفض الفلسفة السياسية الكلاسيكية، “يجعل شتراوس من هذا الرفض للفلسفة السياسية (التي تروم تحديد القيم و النماذج المجتمعية الأكثر كمالا) سببا في أزمة الحداثة : فالإنسان الحديث قُذف به في عالم لم يعد يفهم ماذا يريد فيه على وجه الدقة، ولم يعد يعتقد أن بمستطاعه تحديد ما هو خير وما هو شر، وهذا تحديدا ما كانت تمدّه به الفلسفة السياسية التي أعرض عنها، ليسقط في هوة العدمية التي ما لها من قرار”4.

ما هو الحل للخروج من أزمة الحداثة عند ليو شتراوس؟

في إجابة مباشرة، الحلّ في العودة إلى تراث سقراط وأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن ميمون. ومع الفارابي وابن ميمون تتأسس “حركة أنوار للعصور الوسطى” أو “التنوير الوسيط”، هذا التقليد الذي قام على استكشاف الآفاق الرحبة للعلاقة بين العقل والوحي، بين أثينا والقدس، بين الفلسفة اليونانية والفلسفتين الإسلامية واليهودية، على خلاف التقليد المسيحي الغربي الذي على يديه أجهضت حركة التنوير المغايرة، حركة التنوير للقرون الوسطى.
إنّ استعادة ليو شتراوس لابن ميمون هي في الحقيقة نقد للتنوير الراديكالي “حيث تم نقل الفلسفة السياسية من أفق التدبير الوجودي والعقلي للعيش المشترك إلى مجرد نظرية في السلطة بماهي قوة وهيمنة “5.
على هذا الأساس تنكشف استعادة شتراوس لابن ميمون و أسلافه: ان ابن ميمون وأسلافه Prédécesseurs ينتمون إلى مجموعات ينظمها قانون تلقاه نبي، عن موسى ومحمد نتحدث، لذلك كان رهان ابن ميمون و سلفه الإسلامي ان يبرهنوا على قيمة الفلسفة بالنظر إلى الشريعة: ” … أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به، إمّا على جهة الندب، وإمّا على جهة الوجوب”6، إن كيفيات الإجابة على هذا السؤال هي الوجه الأول لعودة شتراوس إلى ابن ميمون وأسلافه. لكن ثمة وجه ثان في علاقة بقيمة النبي وموقعه عند هؤلاء المفكرين، فإذا كان النبي مشرّع، يسنّ قانونا (شريعة بالعبارة الدينية)، ففهمنا لوظيفة النبي هو فهم لمصدر الشريعة التي أكد هؤلاء المفكّرون بالنظر إليها قيمة الفلسفة. ومن هذه الزاوية بالذات يهتم شتراوس بعقلانية هؤلاء المفكرين، والعودة إلى الوحي هي السمة الجوهرية لفلسفتهم: “إنها التعبير عن عقلانية تعي عقلانيتها أكثر من عقلانية الحداثة”7.
إن أزمة الحداثة عند شتراوس إذن هي أنها أهملت دور النبي قائدا ومشرّعا وموجّها، فأهملت الفلسفة السياسية الكلاسيكية، فأهملت ذلك الخيط الذي يشد الشريعة إلى الفلسفة، لتضع مكان كل هذا حلها الليبرالي. وإن العودة الى ابن ميمون وسلفه الإسلامي هي استعادة للحظة تاريخية كان بالإمكان أن تمثل نقطة انطلاق حداثة “مغايرة” أو حداثة أخرى كانت قادرة على تجنيب البشرية كوارث الحداثة في صورتها الغربية المسيحية.

Mahfaudhisalah2014@gmail.com

الهوامش:

1 ـ ليو شتراوس وجوزيف كريسبي، تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة : محمود سيد أحمد، مراجعة: امام عبد الفتاح امام، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2005، الجزء الثاني، ص 438.
2 – Leo Strauss, Philosophy and Law. Contributions to the Understanding of Maimonides and his Predecessors, Translated with an introduction by Eve Adler. State University of New York Press, 1995.
3 ـ ليو شتراوس، “موجات الحداثة الثلاث”، ترجمة: مشروحي الذهبي، مجلة “فكـــر ونقــــد” العدد2، أكتوبر 1997 .
4 ـ طارق عثمان، “نزعة سلفية : الحداثة من منظور ليو شتراوس”، دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية ،العدد 1، خريف 2016 ، ص 48.
5 ـ السيد ولد أبّاه، ” الفيلسوف العربي اليهودي ابن ميمون و الإسلام و حركة التنوير الوسيط ” الاتحاد الإماراتية 27 / 09 / 2015 .
6 ـ أبو الوليد محمد بن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، قدّم له وحقّقه وعلّق عليه عبد الكريم المرّاق، المنشورات للإنتاج والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى، أفريل 1991، ص 39 –40 .
7 – Geraldine Roux «Leo Strauss, L’impensé des Modernes et les Lumières de Maimonide » in « Lumières Médiévales », collectif sous la direction de Geraldine Roux, éd. Van Dieren, 2008 .p 179 .

شاهد أيضاً

أفاية ينعي الفيلسوف محمد سبيلا

محمد نورالدين أفاية محمد نورالدين أفاية بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *