الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / قراءة في ظاهرة الإلحاد

قراءة في ظاهرة الإلحاد

ألفا ديم

ألفا ديم – أزرو / المغرب
alfahimdeme@gmail.com

الملخص

لعل من المهم عمليا قبل كل شيء الإشارةُ إلى أن دافع كتابة هذا المقال هو رؤيتي لأشخاص يردون هذه الظاهرة إلى داعيتين عربيين ينتميان إلى التيار التنويري ، ويتهمونهما بنشر الشك والإلحاد بين الشباب العربي ، فاعتزمت من خلال هذا البحث التبيين بأن الظاهرة أعمق مما يعتقدون، وأن لفهمها نحتاج إلى تفسيرات ومقاربات سوسيو-أنثروبولوجية وديموغرافية بالدرجة الأولى، حتى نكون على إدراك حقيقي بما حصل ، فإن بروز ظاهرة الإلحاد أو انحسار ظاهرة التدين في وسط الشباب العربي والمسلم ؛ وليد تغيرات ديموغرافية وتطورات اجتماعية وسياسية جذرية التي حدثت للمجتمعات العربية والمسلمة، خلال القرن الماضي وربع هذا القرن الواحد والعشرين ، والتي لم تكن آثارها منحصرة فقط في ظاهرة التدين ، وإنما تعدتها إلى مؤسسات المجتمع، سواء مؤسسة الاسرة والسياسة والإقتصاد ، بفعل العولمة والتثاقف الحاصل بين الشعوب ، وبعامل السيولة المعرفية التي غزت المجتمعات عبر النت ومواقع التواصل الإجتماعية ـ طالما أن العام الإفتراضي أصبح عاملا مؤثرا لا يستهان به في قدرته على تحريك الواقع وخلق الرأي العام ـ مما أدى إلى إعادة النظر في كثير من المسائل العقدية التي كانت مسلمة لدى العوام والبسطاء ، وأصبح موضوع المقدس محط اهتمام بالغ لدى هذا الجيل القلق لأنه جيل انتقال متأزم ، وخاصة الشباب المتعلم ، لنقل بأن ما أسماه ماكس فيبر ب : “نزع السحر عن العالم” هو الذي يتحقق في هذه المجتمعات ، وأن ما حدث هو نتيجة محتومة لمجموعة من التحولات العميقة التي عرفتها شعوب هذه المنطقة في مختلف أصعدة الحياة اليومية، كما استخلصنا إلى أنه إذا كان التدين ظاهرة اجتماعية ؛ فمن الطبيعي سوسيولوجيا أن يلحقه ما يلحق كل ظاهرة اجتماعية من الصعود والهبوط حسب الديناميك الإجتماعي الذي يعيشها مجتمع ما ، فإن كل حقيقة اجتماعية مصدرها بالضرورة حقيقة اجتماعية أخرى.

مقدمة :

لا شك في أن مَن يُلقي أدنى نظرة تأملية حول وضع شباب الأمة العربية والإسلامية ، يرى عزوفا وتقصيرا عن الدين ؛ ويجد فيهم إلحادا بمختلف أنواعه ومذاهبه العملية والنظرية بجلاء ، ولكن هل يمكن حصر أسباب هذه الظاهرة في شخص واحد أو شخصين أو ردّها إلى حادثة معينة فقط ؟ الجواب : لا، أبدا إنه أعمق من هذه النظرة المسطّحة ، فهذا الإتجاه اللاديني أو على الأقل “اللاتديني” – هكذا أفضل أن أقول، حيث لم أتطرق للإلحاد لذاته ، وإنما الغرض هو تفسير تراجع الناس عن الشعور بالدين والتشبث به كما كان من قبل – يأخذ في سبيل انتشاره أبعادا اجتماعية وديموغرافية بالدرجة الأولى, وبالتالي أبعادا سيكولوجية شخصية ؛ لذالك فلفهم مصدر هذا المتغير الحساس، إننا بحاجة إلى التفسيرات السوسيولوجية والديموغرافية والنظريات الباردة تماما .

أولا : يجب توضيحُ نقطتين أساسيتين :
1 – : أن الإلحاد ليس وليد اليوم أنه حدث أن وُجد حتى قبل مجيء الدين ؛ فبالمستوى الجماعي الإلحادُ هو الأصل, والإيمان طارئ من بعض الأفراد الذين حاولوا تفسير هذه المسرحية (الحياة) بطريقتهم اللاهوتية والتراجيدية، وهم أحرار في ذالك وليس عليهم فرضُها على الباقين ولذلك يقول القرآن “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”{1} . ولعل أبرز آية تزكي هذا الطرح ، هو قول القرآن نفسه : ” كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه”{2} أي كانوا منسجمين ومتعايشين على طبيعتهم كبشر، لا على ضلال ولا على على هدى – كما هو أحد قولي ابن عباس في تفسير الآية فقال{3} : أي على ضلالة – يعني الإلحاد الطبيعي الذي هو البراءة الأصلية ؛ وهنا يستحضر المرء قول المعري :
ولا تحسبْ مقالَ الرسل صِدقا ولكن قول زور سطّروه
وكان الناس في عيش رغيد فجاؤوا بالمُحال وكدّروه .
وكذالك ابن الرواندي وأبا بكر الرازي الذين أنكروا النبوّات ولم ينكروا بوجود الإله .
فإنهما – الإلحاد والإيمان – الجدل الثنائي المستمر في الوجود، وحولهما يدور رحى الحياة المنصوب للنِّزال الأبدي ، منذ العصر البدائي حتى يومنا هذا وبعد اليوم .
2 – : إنها قضية، لها صلة بتحول المجتمعات وديناميتها المستمرة التي تنبثق – حسب تصور إميل دوركيم الوظيفي – من عوامل ثلاث هي : كثافة السكان ، تطور وسائل المواصلات ،
والوعي الإجتماعي{4}، لذالك سوف أتناول الموضوع انطلاقا من هذا الباراديغم الدوركايمي مع إضافة البعد السيكولوجي .

ـ كثافة السكان :

إننا نعي يقينا أن التطور حدث ديموغرافيا ؛ حيث أن نسبة سكان العالم تحولت بوتيرة كارثية في أقل من ثلاثة قرون من مليار نسمة الى سبعة مليار ونصف نسمة ؛ تحولٌ لم يسبق له بالمرة في تاريخِ تكاثرِ الإنساني المديد ؛ كما أن هذا التكاثر تضاعف في هذه المجتمعات الإسلامية بشكل قوي ، لأسباب ثقافية اجتماعية وجغرافية معروفة لدى المختصين .

ـ تطور وسائل المواصلات :

لقد تطورت المجتمعات تواصليا ؛ فلا أحد ينكر أنه حدثتْ لمجتمعاتنا خلال هذين القرنين المعاصرين تحولاتٌ وشيكة وتطورات حثيثة في كل المستويات المعيشية فكريا وثقافيا وسياسيا بحكم مجيء الإستعمار، وما خلّفه من تلاقح وتثاقف الحضارات والثقافات ، ومن إبادة للغات وتقاليدَ وأعراف ‘ وخلقِ أو محوِ حدودٍ جغرافية بين الشعوب والبلدان ، وكذالك انحسار الأنظمة التقليدية والكاريزمية ، وتعويضها بالأنظمة الوضعية القانونية، ودون أن ننسى الحربين العالميتين ونتائجهما السلبية والإيجابية في تغيير نظرة الشعوب المضطهدة تجاه الدول القوية المستعمِرة ؛ ما جعلتها تناشد باستقلاليتها واستقلت بالفعل ، وكذالك العولمة التي وحّدت العالم وقطعت الحدود المادية وجعلت العالم خليطا ممتزجا ؛ يتبادل المشاعر والمصالح الإنسانية بكل أشكالها وتمظهراتها في آن ومكان متحدين ، والتي غزت الشعوب في قعر ديارها وصيرتهم سباياها الطيّعين بفضل وسائل الإعلام والتواصل ، فعملت على محو هويات حميمة، وجعلتها تتقمّص ثقافات وأيدولوجيات أجنبية دخيلة ، والثورة التكنولوجية وما رافقتها من نظريات واكتشافات علمية وطروحات خطيرة ، ما أثارت نقاشات فلسفية عميقة بين مجتمع المعرفة والفكر، – فاليوم تحدثنا الدراسات الطبية عن إمكانية إخلاد الإنسان أي جعله يعيش مئات السنين ، ومعنى ذالك أن لا يصبح الموت والشيخوخة مصدر قلق له ، فهو من يتحكم في جثته – من نوع تلك الإكتشافات التي نقلت مفهوم الإنسان التقليدي والأشياء ككل, بما فيها الطبيعة والكون والآلهة أجمع, إلى ما هو أعقد وأعوص ، وقابل للمراجعة والتشكيك .

ـ الوعي الإجتماعي :

وأما فيما يخص الوعي الإجتماعي فيمكننا الحديث عن عصر انفجار المعرفة هذا القرن الواحد والعشرين؛ حيث لم تعد المعرفة حكرا على طبقة معينة ، لا أرستقراطية ولا على هيئة دينية ولا أية قبيلة أو جماعة معينة، كما كانت الحالُ إلى زمن قريب ، وإنما أصبحت المعرفة متاحةً لأي واحد، أيا كان ومتى وحيثما كان ، بفضل توفّر الكتب الورقية والمصورة، وبفضل الإنترنت الذي كشف كل مستورات وخبايا المؤسسة الدينية وملفاتٍ كانت تُخفى بين الرفوف والخزانات ضنًّا بها ؛ وأجد أن هذه المؤشرة(المعرفة) أخطرَ شيء وأقوى تهديد، يعترض على سبيل الدين أو التدين الشكلي ؛ ولعل المقدس يكون ذكيا حينما يمنع جماعتَه عن عدم التعمق والإغراق في الأسئلة ؛ ويقنعه بأن خيرَه وخلاصَه في أن يسلّم للغيب وأن لا يسأل عن أشياء إن تبدَ له تسؤْه : “يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم”{5} لماذا ؟ يأتي الجواب من الحديث النبوي : “..فإنما أهلك مَن كان قبلكم كثرةُ سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم..”{6} ! ذالك لأنه ما إن يتعمق الإنسان في القراءة والبحث مستغرقا فيهما انشغالاته ؛ إلا ويجد أن الأمور متداخلة ويصعب عليه التفريق بين الثقافة والدين والأساطير؛ وأن ما يسمى ب شعائر وطقوس مقدسة لدى الأديان السماوية ؛ ليست سوى ترسبات وبقايا ثقافات وأساطير كاسحة ، لها تمثلات وهمية قديمة منبنية على أفكار غالطة نشأت عن تصور القدامى للفلك والكوزموس ؛ تلك الأوهام التي تتكلف الميثولوجيا والأنثروبولوجيا بحقليه الفيزيائية والثقافية ، وحتى العلوم الصلبة بكشف زيفها وبيان خطإها ، لا شك أن ذالك يدعو المرء لإعادة التفكير وإلى الشك إما بالمنهجي أو المذهبي ، وقد يدخله في أزمة ودوامة عقدية حقيقية، طالما يمتلك دماغا شِغّيلا متحررا . وهذا ما يفسر كون العلماء والمفكرين الحقيقيّين في كل زمان ومكان، ليسوا بمتعصبين ولا دوغمائيين لدينهم، لدرجة يُتهمون معها بالتهاون والزندقة . وأكثر من هذا إن مثقفي هذه الأمة إما أن يصطدموا في بداياتهم مع مجتمعاتهم لرفضهم التدين بالشكل الوراثي، وإما أنه يتم تكفيرهم نهائيا، حتى قال الغزالي : “.. واستحقرْ مَن لا يُحسد ولا يقذَفُ, واستصغرْ من ليس بالكفر أو الضلال لا يُعرَف “{7} .
إن الدين قدّم نفسه على أنه مكتمل ، ولا يقبل التطوير ولا التعديل بأي وجه ؛ وعلى هذا بنى قدسيته ؛ حسب مبدإ “اليوم أكملت لكم دينكم”{8}؛ فيما أن خاصية العلم، هي في كونه متطورا ومتجددا باستمرار، بل يحدث أن ينهدم من ذاته أساسا ، لإعادة بنائه بتماسك أقوى، تبعا للبحوث والتجاريب الجديدة التي يقدمها
العلماء، ووفقا للمعايير الإبستمولوجية التي تحددها فلسفة العلوم في كل عصر .
ولكن الذي حدث هو أنه حينما بدأت النظريات تنهال في العلوم الطبيعية ؛ الكوسمولوجيا والفلك والبيولوجيا بمعية الفلسفة المادية ؛ شكّل ذالك تهديدا على المؤسسة الدينية الكنسية ، ولم تفدْها فلسفةُ أرسطو اللاهوتية التي حولها رجال الدين إلى معرفة جاهزة وظيفية محتكرة في أيديهم يدافعون بها عن المعتقد ، ما اضطر الكنيسة لاضطهاد العلماء بالقتل والسجن والنفي بتهمة الهرطقة وتكذيب الكتاب المقدس ؛ فلقد مثّلت نظرية كوبيرنيكوس التي أصبحت مفعولة عمليا مع غاليلي، جرحا غائرا في قلب المقدس ؛ حيث غيّرت الحقائق وأثبتت بأن الأرض ليست هي مركز الكون ولا ثابتة في مكان واحد ، وأنها مجرد كويكب ضمن كواكب المجموعة الشمشية التي تدور حول الشمس في فضاء لامتناهيّ من الفراغ ؛ ولم تكن أبدا كما تصورتها إلى ذالك الحين الكتبُ السماوية ؛ ذالك التصور الذي بنتْ عليه قيما تراتبية وأخلاقية ، وحكمت الناس على ذالك الأساس .
ثم الجرح التالي سيأتي مع نظرية التطور التي زعزعت عرش المقدس وأثارت جنونه وحقده الدفين ، حيث أثبتت بأن الإنسان مثله مثل الكائنات؛ مخلوقٌ تطور عبر سلسلة ومراحل طويلة العمليات ؛ من الثديياتحتى أصبح الإنسان العاقل ؛ الشيء الذي يُعدّ مستفزا ومغايرا تماما لنظرة الأديان تجاه الإنسان ، هذا الكائن الذي ظلتْ لديه تلك النظرة النرجسية والرؤية المتضخمة حول ذاته ، من أنه متعالٍ عن الحيوانات وأفضلُ المخلوقات ، لأنه مخلوقٌ على صورة الإله بهكذا بنية التي هو عليها اليوم ! في حين أن الجماجم والمستحثات المكتشفة، ما زالت تؤيد النظرية الداروينية وتهز أركان نظرية الخلق المصمم، لأن رواية الأديان تقول بأن عمر الإنسان على الأرض ، لم يتجاوز في أبعد تقدير سبعة آلاف سنة ، بينما الدراسات الأركولوجية، حتى ذالك الإكتشاف الأخير لجمجمة السلف المشترك بين الإنسان العاقل والشابانزي في إثيوبيا “الأسترالوبيثكس” والذي يعود عمره ل 3.8 مليون سنة ، يصب في صالح نظرية التطور، هذه النظرية التي استطاعت أن تكون أداة تفسير حاسمة لحقائق بيولوجية طبية فيزيولوجية وأمبريولوجية(علم الأجنة) كثيرة ؛ عكس نظرية التصميم الدياناتية . يقول عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد “إن علينا بني الإنسان أن لا نهمل الحيوانيَّ في طبعنا..فإن التاريخ الحضاري والواعي للإنسان قصير جدا بالنسبة إلى ماضي الحياة..”.{9} .
والجرح النرجسي الثالث سيأتي من المذكور نفسه فرويد ؛ الذي ستثبت نظريته بأن الإنسان عبارة عن كتلة هائلة من اللاوعي المتدفق الذي يتحكم في وعيه وليس العكس ، وما العقل إلا أداة يستخدمها الجسد لإشباع دوافعه الفطرية الغريزية ؛ يقول نيتشه “الإنسان حيوان قبل كل شيء ، ليس عقلا يتحكم في جسم ، بل هو جسم يستعمل العقل كأداة طيّعة للوصول إلى أهداف غريزية”{10}؛ اللاوعي الذي يتم كبته عبر التربية والتنشئة الإجتماعية ، فيتظاهر بشدة في حالات معينة عند الغضب والهذيان والحلم لتحقيق رغبته الحميمة. والغريب المدهش أن هذه الجروح متراتبة ومترابطة أفقيا ، من الأبعد إلى القريب ثم إلى الأقرب للإنسان ؛ من الفلك إلى البيولوجيا ثم إلى السيكولوجيا .
فلقد غيرت هذه الثلاثةُ النظريات الكبرى مجرى التاريخ البشري ، بتوجيها ضربة مُفْجعة إلى الأديان التي ظلت إلى ذالك الوقت ترتل على الناس نقائضها تماما ؛ وبرفعِها عن العالم طابعَه السحري الخفائي والمفارق ، في نظر عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر : ” إن مصير عصرنا الذي يتميز بالعقل والعقلنة والمتميز، خاصة بنزع السحر عن العالم ، قد أدى إلى هدم القيم العليا السامية وسحبها من الحياة العامة، لتجد لها مكانا في مملكة الحياة الصوفية المفارقة..”{11}، فخلقت نقاشات ومفاهيم فلسفية جديدة ، حول الوجود والزمان ، والإجتماع الإنساني والسياسة والفن والأخلاق ؛ وعملت على تمديد الفجوة بين الدين والعلم ؛ فكان ذالك بمثابة ولادة جديدة للإنسانية ؛ فهكذا استطاع الغرب أن يؤسس ثورة سياسية وتعاقدات اجتماعية إنسانيةـ ما أنتجت لهم نهضة تطورية غيرت مجرى العالم كاملا ، والتي نحن نعيش حتى يومنا هذا عيالا عليها من كل جوانب الحياة .
في نهاية القرن 18 رسم العالم الفلكي الرياضياتي الفرنسي ميركيز دي لا بلاس في كتابه : “ميكانيكا الأجرام السماوية” نظامَ الكون العملاق ، وعندما عرضها ل نابليون بونابرت ، قال له هذا الأخير :
monsieur le savant : où est donc le dieu dans tout cela ?
سيدي العالم : أين الله في كل هذا ؟
فردّ لابلاس : مولاي، إنني لم أعد بحاجة إلى هذه الفرضية!{12} ؛ أي الكون مكتوب بلغة الرياضيات كما قال غاليلي ، حيث لم يعد الإنسان لكي يفهمه بحاجة إلى الأشياء الخفية والقوى الروحانية ؛ بل تمّ
موضعة وأشيأة كل شيء ؛ وأصبح يخضع لمنطق الفلسفة الوضعية ؛ ومن هنا فقط يمكن فهمُ مقولة نيتشه “مات الإله” فهما دقيقا ؛ يعني أن رواية الأديان التي كانت تستمد منها شرعيتها وسلطتها الكهنوتية انهارت للأبد .
أما فيما يخص السياق الإسلامي؛ فلقد تم مجابهة هذه النظريات بالرفض والتهكم، ورمي المقتنعين بها بالزندقة والكفر البواح، يمكن استحضار مقولة مصاغة في لهجة دوغمائية طنانة وبأسجاع رنانة، من خطيب أحد المساجد في المغرب، أيام صعود المركبة الأمريكية مع نيل أرميسترونغ، على القمر ، لأول
مرة في تاريخ البشرية ، فقال من على المنبر : ” كذبوا وافتروا ما رأوا ولا رأوا”{13} ، يقصد لم يصلوا إلى الفضاء ولا رأوا القمر، وألّفتْ كتبٌ في الرد على كروية الأرض ودورانها، وتكفير من يقول بأحدهما والرد على نظرية التطور؛ من نوع عناوين : “الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة”، و” أدلة وأسرار الأرض المسطحة الثابتة”، و “إنسان المؤمنين وإنسان الملحدين” .
فكان ذالك نزالا فكريا حادا بين الحداثيين الماركسيين وبين المحافظين التراثيين ، بين مؤيد مثبت وبين منكر متعنت ؛ وعندما لم يفلحوا في الرد على أولئك الزنادقة الذين أتوا بما يناقض كتابهم ـ حسب فهمهم القاصر جملة وتفصيلا ـ اخترعوا ما أسموه بالإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ، لأجل الإظهار بأن الإسلام دين علم ومعرفة ، حتى إنه ليكاد يكون كتابه كتاب فلك وفيزياء وبيولوجيا وجيولوجيا وسياسة واقتصاد وتكنولوجيا ، فيجب إقحامه في كل مجالات الحياة الفكرية والعلمية والسياسية ، فما من نظرية حديثة أو اكتشاف جديد، إلا وقد ذكره القرآن قبل ألف وأربعمائة سنة ؛ “ما فرطنا في الكتاب من شيء”{14} فكان هذا لعبة ذكية ، ولكن من أين استتب لهم الأمر ؟ كان ذالك عبر الترقيع المتماوت بليّ أعناق الآيات القرآنية ، وتأويلها إلى أقصى حد ممكن، حتى تقارب النظريةَ أو الفرضية ولو بمعشار عُشرها ، فهكذا أصبحت تلك الأداة التي طالما تم الإعتماد عليها ، للرد والإنكار على الإكتشافات العلمية ، هي اليوم التي ستؤشر وتؤكّد على صحة النظريات العلمية ، بل والحكَم الأمين فيها ، ولكن الفادحة الكبرى هي أنه عندما يتم رفض النظرية أو الفرضية ، عن ساحة العلم ببيان قصورها أو خطإها – علما بأن العلم يتطوربتطور البحوث والتجارب الإمبريقية – فإن النص الديني هو الآخر سوف ينهار، وسيصبح مسخرة بين الدارسين العتقاء ونصا مجوّفا بلا فائدة ؛ وهذا لا يقل خطورة عن إنكارهم للنظريات العلمية ، فأصحاب الإعجاز على خطر وورطة في كلتا الحالتين !
إذا رجع الحصيفُ إلى حجاه تهاون بالشرائع وازدراها .
أبوالعلاء المعري.

السبب السيكوـ سوسيولوجي :

فلقضية الإلحاد أسباب نفسية ، شخصية تظهر في الإنسان قبل إلحاده وبعده ؛ ولعلنا بالإستقراء قد نجد أن جل الذين يتملصون من التدين الشكلي ، ثم من الدين نفسه، تكون لديهم مشاكل شخصية ؛ إما حياة بائسة
وظروف اجتماعية قاسية ؛ فتقرع جماجمَهم مقامعُ الأفكار الوجودية التراجيدية، وخاصة إذا كان المرء متمتعا بحسّ إنساني مرهف ، فسوف يبدأ بحفر أغوار معضلة الشر، التي لم تتلقّ بعد أيةَ إجابة لاهوتية صامدة أمام المنطق والنقد العقلاني، مثل : لماذا كل هذا الشر في العالم ؟ لماذا الناس يعانون ؟ وأن المشكلة ليست في المعاناة في حد ذاتها، ولكن فقدان المعاناة لأي معنى هو الشيء المُرعب ! ومع ذالك فلم تكن حجة المقدس إلا القولُ : ذالك لأن الرب يحب المعانين المُبتَلين ، إنه يحبهم، أولئك الذين يطيعونه ولديهم نوايا حسنة تجاهه ، فيصب عليهم سوط عذابه اللامحتمل ، ويذيقهم بأشد البلايا بين كل هؤلاء البشر العاصين له والمتمردين على حكمه ، الشيء الذي يشبه بأن يكون لدى أب طفلان ؛ أحدهما مطيع ومهذب ومستعد لتقديم أية تضحية في سبيل حصول رضا والده ، والآخر عنيد متعنت، ولا يعترف بأبوة الوالد يتهكم به ويخرق أوامره ، ولكن الأب يذيق الأول ويلات ويحرمه من كل مواده الأساسية ومن حقوقه المعيشية ويورطه في بأساء ومشاكل خطيرة، لأنه يحبه أكثر من أخيه ، بينما الثاني مترف يستجيب له بطلبه بكل تلطف وحنان كل حين لأنه من المغضوب عليهم ؟ ولماذا المجاعات ؟ ولماذا الكوارث الطبيعية – مع التسليم بأن البشر هم من تسبّبوا في فسادها- ولكن ما هو ذنب أولئك الناس الأبرياء الذين تزهق أرواحهم لقاءها ؟ وما هو ذنب الحيوانات التي تذهب ضحاياها؟ وما ذنب الأجيال القادمة الذين لن يجدوا أمَّهم الأرضَ في صِحة آمنة وصالحة للعيش عليها ؟
فإذا كانت الملائكة برهنوا اعتراضهم على تعيين الإنسان كخليفة في الأرض، بأنه قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء وبالتالي فهو لا يستحق الخلافة ، فإن نبوءاتهم قد تحققت ؛ فلقد أفسد البشر في الأرض ودمروا حياتها، بسبب حروبهم وبجشعهم المادي الذي أصبح يشكل خطرا محدقا بالكوكب، والأمر يزداد سوءا باستمرار ، وليس ثمة مسؤول يحمل وزر هذا الفوضاء العارم سوى الذي خلقَهم ووزّعهم فيها، وهو كان يعلم أن ذالك مصيرهم عليها ، فأين هي الحكمة من الإستخلاف إذن ؟ ومن إيجاد الخلق، إذا لم تكن محضَ عبثية وساديّة خالصة ؟ وما معنى الوجود الجبري، أن يولد الإنسان كَرها بدون اختيار ولا موافقة منه، ثم يُلزم عليه بالخضوع للإختبار ؟!
كل هاته الأسئلة باتت لصيقة بأدمغة هذا الجيل القلق ؛ وخصوصا الشباب المتعلم منهم الذي ينظر إلى العالم برؤية نقدية ثاقبة .

كما أن الإلحاد يأتي أحيانا كردة فعل نفسية واجتماعية ضد المؤسسة الدينية جراء تصرفات المتدينين الإجرامية واللاأخلاقية التي نراها في هذه المجتمعات ؛ فكم هو مخالفٌ للذوق أن تجد متدينا صائما، يحذر عند وضوءه من وصول حتى قطرة ماء داخل حلقه ؛ ولكنه في المقابل لا يحذر ولا يتحرج من أكل مال أخته في الميراث، وأخذ مترات من بقعة جاره عند البناء، ولا من تعمير الرصيف العام ، وهو نفسه الذي يتعامل بالرشاوي ولا يتورع في أعراض الناس وفي ارتكاب أنواع المعاصي وموالاة الطغاة والظلمة ، ولكنه لا يتأخر عن الصف الأول في المسجد ؛ هذه المفارقة تدع المرء في حيرة مريرة من أمره ، فلا يجد من الشرف وعزة نفسه، أن يبقى في عداد المجتمع المتخلف الذي يستقي تخلفه من دين معين، بل إن منطقه سيصبح كالتالي : ” إن كان هذا هو دين الله وهذا التخلف المزري هو الذي يبقيهم مؤمنين ، فأنا أعلن كفري به وعليّ تبعيةُ هذا القرار” ، إن هناك نفاقا اجتماعيا فظيعا ، يشعر بالقرف تجاهه الناسُ الأسوياءُ غير المتلوثين بأيدر التخلف الماحق .
ما يمكن معه أن نسمي الإلحاد ب ‘ نشدان البديل’ ، وهو بالتالي ما يفسر تحول البعض من دين إلى دين آخر؛ مثلا إلى المسيحية نظرا لما اشهر بأنها ديانة محبة وإنسانية – وهذه ظاهرة موجودة – بينما هي ليست أحسن حالا ، وكما يفسر ارتباط الإلحاد بالثورة ، سواء كانت ثورة سياسية أو اجتماعية ؛ كالماركسية والشيوعية والليبرالية والوجودية أو البروتستانتية والنسوية المتطرفة نسبيا ، كلها انبثقت من ردات فعل اجتماعية سياسية ضد المؤسسة الدينية ، وما الثورة الفرنسية سوى تجسيد حيّ لتحليلنا بامتياز ؛ حيث كانت ثورة على القيم العبودية وعلى الاستبداد الملكي، ثم على الكنيسة التي كانت الراعي الرسمي الضامن لكل ذالك الجور والفساد السياسي والإجتماعي ؛ تلك الكنيسة التي ذهبت فيما بعد ضحية لتلك الثورة القاسية التي غيرت الغرب نهائيا ، يقول المفكر علي شريعتي – في السياق الإسلامي – : “وليعلم تجار الدين هؤلاء بأنه سيأتي يوم يثور الناس عليهم ، وأنا أخشى أن يذهب الدين ضحية تلك الثورة ! أجل إن نتائج الإستطلاعات الرسمية ، تقول بأن الإلحاد لم ينتشر لدى شباب مصر بهذا الحجم، إلا بعد ثورة الربيع العربي ؛ فمُعظم أولئك الشباب الذين تظاهروا في ميدان التحرير، أصبحوا ملاحدة فيما بعد، وكذالك الحال في تونس{15} .

استنتاج أوّلي :

إن كل هذه التغيرات الديموغرافية والإجتماعية والسياسية التي حصلت لهذه المجتمعات ، وأثرت في قلب البينات التقليدية المادية والرمزية فيها، وأزاحت قيمها ونُظمها القديمة ؛ لا بد أن تمسّ جانب الإعتقاد ؛
فالدين لن يسلم من هذه التحولات الديموغرافية الجذرية التي تتأرجح في ارتفاع نسبة التعليم المؤدي إلى انخفاض نسبة الزيجات التقليدية ، وإلى انخفاض عدد الولادات لدى المرأة والعكس بالعكس ؛ وإلى تراجع النظام الأبوي ؛ الذي بدوره أدّى إلى هيمنة الأسر النووية والأسرة المحدودة التي تتجه إليها الأسر العربية المسلمة على حساب الأسرة الممتدة ، وتراجع الزواج بين الأقارب الذي هو المسؤول عن انحسار مؤسسة الأسرة وتفككها ؛ ما جعلت أسرَ اليوم أكثر انفتاحا وتحررا في التفكير وتقرير مصائرها، بعيدةً عن وصايةَ
القبيلة وتقاليدها الثقيلة ، مما جعل الفرد يعيش بعيدا نسبيا عن رقابة الأسرة، وعن قوانينها التنشأوية، ففقد
بذالك مرجعَه القيمي والسلوكي وثوابته الإنتمائية ، فانبثقت من هذا الإنشقاق توتراتٌ واضطرابات حادّة بين الأفراد وبين عائلاتهم ، تنعكس في انتشار ممارسة العنف الرمزي والفعلي والمشادّاة بين أفراد المجتمع في كل مستويات ومجالات حياتهم اليومية . فمحو الأمية لدى البنات الذي أدى إلى تحظيتهن بنسبة أعلى من اليد العاملة في هذه البلدان العربية والمسلمة، وكذالك إلى انخفاض نسبة عدد الولادات هو العامل الأساسي “الذي سيقود العالم الإسلامي نحو الحداثة بهدوء وحزم ” ، حسب تنبؤ الباحثَين في الديموغرافيا إيمونيل تود الفرنسي ويوسف كرباج التونسي، في دراستهما المتكاملة حول التحولات في المجتمعات المسلمة ؛ كما أكّدا بأن هذه المجتمعات في حالة انتقالية مأزومة ، وأن القوى الرجعية آيلة إلى الزوال على المدى المتوسط ، بناءً على القانون التاريخي الذي يقول بأن أزمة دينية تسبق تراجع الولادات ؛ فالإسلام السياسي في حالة حراك حاليا ولم يصل إلى نهاية المطاف ؛ وأننا نتجه إلى عالم إسلامي خال من “الإسلاموية” تلي مرحلة الإسلام السياسي الراهنة ،على غرار التطور المسيحي الذي حدث في الغرب المسيحي والشرق الأقصى البوذي{16} .
فبسقوط ذالك النظام التراتبي الذي كان عمدةَ الأخلاق وأسّها اندثر بالتبعية البناءُ أي الأخلاقُ ؛ لأن هذه الأخيرة تشترك مع الدين في كونها قائمة على مبادئ مثالية فوقية تبني نموذجا يجيب على سؤال : “كيف ينبغي أن يحيى الإنسان” ؛ فالكل يشتكي اليوم من تدنّي أخلاق الناس في هذه الأمة التي تَلاعَنَ أولُها وآخرُها، وأشار كل منهما بأصبع تهمة الإفساد إلى الآخر، صراع يتأرجح في هل أن السلف صالح والخلف هو الطالح أو العكس ؟، فمكارم الأخلاق التي قيلَ بأن الرسالة المحمدية جاءت لإتمامها ؛ هي أيضا غريبة ومنكمشة ، فليس الدين وحده مَن نزلت بساحته البلية النكراء؛ وإنما كل ذالك التصور الكوسمولوجي القديم للعالم الذي اعتبر بأن العالم دائرة متراتبة قيميا وأخلاقيا؛ فكل ما تصعّدنا كلما اقتربنا من القدسية والطهارة؛ فالسماء مأخوذ من السمو أي الإرتفاع ، لذالك الإلهُ يسكن في قلبه ، وهو محاطٌ بملائكته هناك ، أما الأرض أو الدنيا فمأخوذة من الدناءة؛ يوجد فيها البشر والحيوانات المنحطّة، والإنسان أفضل المخلوقات لأنه هابط
من السماء وأب الفاتيكان أو رجل الدين أيضا يسكن في الأرض وهو الآخر محاطٌ بقساوسته ومُريديه لأنه الممثل الرسمي للإله على الأرض ، وهذا العالم السفلي صورة طبق الأصل من العالم العلوي ، وأن التفاضل الإجتماعي من أفضلية سُلالة الملوك والشرفاء على الرعية والعبيد إنما هو بمشيئة الرب هو الذي وضع الطبقية، كما يؤكد عليه النص الديني : “نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم
فوق بعض درجات ليتّخذ بعضُهم بعضا سخريا.”{17}فما على العبيد والرعية إلا الصبرُ والرضا بالوضع،
ولو ضُربت ظهورُهم وأُخِذتْ أموالُهم، فعليهم بالسمع والطاعة، لأن شرعية الملك أو الحاكم مستمدة من مُلك الإله العلوي الواسع ؛ لذالك لم يكن بالإمكان في تلك الأزمنة قيامُ أية ثورة سياسية ؛ لأن العبد أو الكادح كان مقتنعا بأنه عبد وكادح ، لا لسبب سياسي أو اجتماعي ، وإنما بسبب وجودي ، والنبيل نبيل لا لسبب سياسي ، وإنما لسبب وجودي مشيآتي ، وحيث التفاضل بين عِرق وعرق يكون بالطبيعة أساسا، وليس منشؤه اجتماعيا أو ثقافيا، ومن هنا قالوا : “الناس معادنُ”{18}.
فمع انكفاء هذا النظام الأبوي التراتبي عن ساحة الواقع ، أخذ الفرد يبحث عن ما يعوضه قلقَه الوجودي في زمن ـ كما يسميه الفيلسوف فتحي المسكيني – “ما بعد الملة ” بين التيارات والأيدولوجيات الفكرية المتصارعة، في عالم يحكمها كاووس مادي عنيف ، باتت فيه المثل والقيم الإنسانية يتيمة وغريبة !
فكان لزاما أن يأخذ المعتقد بنصيبه الوافر من هذه التحولات الديموغرافية والإجتماعية التي حصلت في هذه الرقعة من العالم، وهو بالفعل ما ظل يظهر منذ عقود في هذه المجتمعات ، فعندما نصبح نرى تونسَ الزيتونة، تقنن لقوانين المساواة في الإرث ومناصرة القضايا النسوية العميقة ، ومصر الأزهر تنص بعدم وجوب حد الردة وعدم فرضية النقاب، والسعودية السلفية(التوحيدية) تنادي للدولة المدنية وإنشاء وزارة الترفيه، كما تم إلغاء حكم الرجم، لأجل التخلص من وصاية التدين الوهابي المتشدد، وموريتانيا الجمهورية الإسلامية، لم تنفذ حد الردة على محمد الشيخ ولد امخيطير، عقب سبّه لرسول الإسلام، تحت اسم الإنفتاح وحرية التعبير، ونشأتْ في المقابل تياراتٌ تنويرية تنادي إلى الإسلام اللطيف(الكيوت) الذي يخالف جذريا تلك النصوص الراديكالية في العبادات والمعاملات والسلم والحرب، ولكن يلجأهم إلى ذالك الإصلاح الذي يفرضه منطق هذا العصرالذي يرفض أي طرح أرثودوكثي منغلق ، كمحاولة منهم لتجميل وجه الإسلام على العالم المتحضر، وسعيا منهم لنفض غبار التشدد والهمجية الذي لصق به منذ فجر تاريخه .
وكما يمكن ملاحظة تراجع اهتمام الناس بالتخصص الديني (الدراسات الإسلامية) في ظل هيمنة النظام الرأسمالي في سوق الشغل المحلي والدولي ، وتغلغل ثقافته المادية داخل النمط المعيشي لهذه المجتمعات؛ فنجد حتى الفقهاء ورجال الدين اليوم لا يدخلون أبناءهم في التعليم الديني مثلما كان الأمر إلى وقت قريب،
وإنما يشجعونهم على تعلم تخصصات العصر التي تضمن لصاحبها المستقبل المادي الناجح ، ولا يعلّمونهم
ما تعلّموا من الفكر التراثي المتجاوز عنه في نظر الكثير ، فهكذا تنكمش وتختفي موادُّ الدين ومعلوماتُه عن الناس ؛ وأصبح الشباب جاهلين بأمر دينهم وبالضروري البسيط منه ، وكلما زاد جهلُهم به كلما زاد بعدُهم وشرودهم عنه .
فحسب مُعطيات الإستطلاع الأخير الذي قامت به شبكة “البارومتر العربي” حول تدين الشباب في الوطن العربي ينكشف أن 24 في المائة فقط من الشباب المغربي صرحوا بأنهم متدينون، وسُجلت أعلى نسبة في
هذا الصدد في العراق بـ42 في المائة، بينما تصل في مصر إلى 36 في المائة، وفي اليمن 33 في المائة،
وأقل نسبة سجلت في كل من الجزائر بحوالي 15 في المائة، وتونس بـ16 في المائة، وليبيا بـ18 في المائة.{19} .
إذا رأينا كل هذا ، أدركنا يقينا بأن الأمر جلل وخطر ، وسيستمر الوضع إلى ما هو أدهى وأمرّ ؛ فنحن لسنا استثناء عن الأمم الأخرى، فما دامت ماثلة أمامنا تلك الأثمان التي دفعتها أممٌ غيرنا حتى تخلصت من مظالم القرون الوسطى وظلماتها الحالكة ، والتي ذهبت الكنيسة ضحية لها بدون رجعة وبلا عودة أبدا ، فكذالك سيحصل – إن عاجلا أو آجلا – في هذه المنطقة المسماة بالعالم العربي والإسلامي ؛ كما أن الحتمية التاريخية تعلمنا بأن الدين هو وحده الخاسر لما يشعل حربا ضد العلم والعقل ؛ فإن أولئك العلماء والفلاسفة الذين كفروا بالكنيسة لم يندموا بتاتا وإنما العكس كانوا مرتاحي الصدور والضمائر على قراراتهم، فالكنيسة مؤخرا هي من ندمت على أفاعيلها واعترفت بخطيئتها الفادحة وجرائمها الفظيعة المرتكبة ضد العلم والعقل؛ فباتتْ تقترب منهم وتتخلى عن أحكامها الراديكالية ، وعمدت إلى تأويل نصوصها المتخلفة حتى تساير تقدم العصر وروحه المنطقية العلمية . كما يحدث اليوم بالضبط لكثير من دعاة المسلمين بعد ما كانوا يحرمون أشياء ، أصبحوا يصدعون بجوازها مطلقا ، مبررين لذالك بأن الدين يسر ومنفتح، والغريب أن مفكري المسلمين المتحررين قديما وحديثا، تم تكفيرهم ورميهم بالزندقة، جراء إطلاق هذه الأحكام التي هم اقتنعوا بها، أو فُرضت عليهم من طرف الحكام مؤخرا.
فأمام هذا التراجع للمقدس في هذه المجتمعات، تصبح أطروحات مثل أطروحة إرنست غيلنر التي عارض بها، جمهور علماء الإجتماع والمفكرين والفلاسفة الذين تنبؤوا بأفول الدين ، وتراجعه مع تطور المجتمعات التي سوف يكون باستطاعتها تعويض الدين بالعلم والقوانين الوضعية ، كما بشّر بهذا أوغست كونت وغيره ، فقال غيلنر : “هذا صحيح، ولكن باستثناء الإسلام فإنه بقي صامدا، وهو لكونه دينا تطبيقيا متكاملا قادرٌ على أن يصمد برغم تطور المجتمعات”{20} أطروحات غير دقيقة ، ولا مؤيدة بالحجة المنطقية أو ببرهان ميداني بتاتا ، فالواقع خلاف ذالك تماما ؛ ولعل ذنبه هو تسرّعه في إطلاق الحكم قبل بزوغ القرن الواحد والعشرين .

الخاتمة :

إذا كان المقدس والمدنس أو الإيمان والإلحاد كلاهما – بالمنظور السوسيو-أنثروبولوجي – ظاهرتان ومنتوجان اجتماعيان ، والظواهر الإجتماعية – كما يقول اميل دوركيم – قاهرة وخارجية ، ليس للأفراد بها يد ولا قوة، وإنما يخضعون لها رغما عنهم ، وبالتالي يجب تناولها باعتبارها كأشياء قائمة ؛ فلا بد أن ينتابهما ما ينتاب كلَّ منتوج ثقافي من الهبوط والصعود، حسب عوامل الدينامية الإجتماعية التي تصب لصالح أحدهما أو لضده، وهذا هو الذي حدث وما يحدث أمام عيوننا ، فاليوم نجد أن المعطيات في هذه المجتمعات، ضدّ التدين الشكلي وضدّ الإيمان الموروثي تماما، فكل الطرق تؤدي إما إلى التغيير والتنوير، وإما إلى الإلحاد .
وقد يطرح أحدهم سؤالا : ألا يعد هذا التحليل تبشيرا غير مباشر بالإلحاد وتبريرا له أو دعاية إليه ؟
لا ، لقد حاولت قدر الطاقة أن نتحلى بالموضوعية والحياد التام ، ولكن هذه حقائق اجتماعية من حتميات تاريخ الواقع الإنساني، مبنية على قراءات ديموغرافية واستخلاصات سوسيو_أنثروبولوجية هادفة . فكل ما هناك هو أنه لا يمكن تغطية الشمس بالغربال، ولا يمكن ربط العقول بالعِقال ، بل إن الشك فريضة كونية فمن لم يؤدّها ، يُعدّ من ذوي الإعاقة ومشلولا فكريا، فلا تصح إنسانيته ولا إيمانه المقلد ؛ وخاصة في هذا العالم الذي أصبح فيه الجدار الحائل بين الغيب والشهادة يكاد ينهار ويضمحل ، فإما أن تقول للناس الحقيقة الجلية، وإما أن الحقيقة هي نفسها تأتي وتتعرف إليهم علانية ، وفي هذا الصدد يقول الغزالي : “..إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق ؛ فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في الجهل والعمى، ونعوذ بالله من ذالك” {21} وهنا أعلّق قائلا : من الطبيعي أن يتمنّى الأعمى بأن يعودَ بصيرا، ولكن أيُّ عاقلِ يرضى بأن يصبح أعمى ؟! .

المراجع والمصادر:

ـ 1 سورة الكهف آية 29 .
ـ 2 سورة البقرة آية 209 .
ـ 3 تنوير المقباس من تفسير ابن عباس الطبعة الأولى عام 1992 دار الكتب العلمية بيروت لبنان ص 37. وانظر كذالك
تفسير المنار محمد رشيد رضا، الطبعة الثانية عام 1947 دار المنار، مصر، ج 2 ص 277 .
ـ 4 “ملخص شامل حول نظريات علم الإجتماع” ، ص 10، بوابة علم الإجتماع :
.https://www.b-sociology.com/2018/08/blog-post_31.html
ـ 5 سورة المائدة آية 103.
ـ 6 حديث متفق عليه.
ـ 7 الغزالي أبو حامد, مجموعة رسائل الإمام الغزالي, المكتبة التوفيقية, القاهرة ـ مصر ص 253 .
ـ 8 سورة المائدة آية 4 .
ـ 9 النفسانية الجموعية وتحليل الأنا فرويد سيغموند ترجمة فرنسية ص 176، وانظر “مفهوم الأيديولوجيا” للمفكر عبد الله العروي ، الطبعة الثالثة ، دار التنوير للطباعة والنشر ص 40 .

  • 10 مفهوم الأيديولوجيا ، م.س. ص 39 .
  • 11 ماكس فيبر “رجل العلم ورجل السياسة” ص20 .
    ـ 12 فراس السواح ، دين الإنسان ، الطبعة الرابعة عام 2002 دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة , ص 20.
    ـ 13 من محاضرة الداعية السنيغالي الأستاذ إبراهيم محمود جوب بعنوان “اقرأ” باللغة المحلية كما أكّد بأنه عندما سافر للمغرب قام بالرد على أولِ خطيبٍ التقى به لاعتباره من نفس بلد القائل .
    ـ 14 سورة الأنعام آية 39.
    ـ 15 الإنقلاب على الإيمان : لماذا تنتشرالإلحاد بين شباب الربيع العربي ؟ مقالة ل إسماعيل عرفة في موقع الجزيرة https://midan.aljazeera.net/reality/community/2019/1/26/الرسمي :
    ـ 16 يوسف كرباج و إيمينويل تودْ ، “لقاء الحضارات، نقلا من مقالة “جسر الحداثة” مايك مويزر موقع قنطرة : https://ar.qantara.de/node/12297
  • 17 سورة الزخرف آية 31
  • 18 حديث في الصحيحين .
    , وانظر موقع الباروميترhttps://www.hespress.com/societe/443681.html ـ 19 جريدة هيسبريس
    https://www.arabbarometer.org/ar/topics/religion-ar/ العربي :
    ــ 20 من محاضرة الأستاذ رحال بوبريك ، تحت عنوان “الإسلام والحداثة” من منظور إرنست غلنير التي أقامها بجامعة محمد الخامس، موقع العرفان، يوم 18/10/2019 .
    ــ 21 الغزالي أبو حامد ، ميزان العمل، الطبعة الأولى دار المعارف بمصر ص 409 .

شاهد أيضاً

فيليب ميريو: يا أساتذة العالم، اتحدوا…

خالد جبور ترجمة: خالد جبور         هناك بورصة شيكاغو لتجارة الحبوب، ومؤشر نازداك NASDAQ  بالنسبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *