الرئيسية / ترجمة / جورجيو أغامبين: توضيحات

جورجيو أغامبين: توضيحات


جميلة حنيفي

ترجمة جميلة حنيفي

آل صحفي إيطالي على نفسه، وفقًا لأفضل ممارسة ممكنة لمهنة الصحافة، القيام بمهمة تشويه وتزييف أفكاري بشأن الارتباك الأخلاقي الذي ألقي فيه الوباء البلاد، حيث لم يعد هناك أي احترام، حتى للقتلى ذاتهم. ومثلما لا يستحق الأمر عناء ذكر اسم الصحفي، فهو كذلك لا يستحق تصحيح التلاعبات التي توقعها. بالنسبة إلى أولئك الذين يرغبون في القيام بذلك فيمكنهم العودة إلى مقالي الموسوم بالعدوى Contagion على موقع Quodlibet Publishers . بدلاً من ذلك، أنا أفضل أن أنشر ههنا بعض الأفكار، التي على الرغم من وضوحها فمن المحتمل أن تتعرض أيضا للتزييف.

دعونا نكون صادقين؛ إنها حرب أهلية. وإن العدو ليس في مكان ما في الخارج، بل إنه في داخلنا.

إن الخوف مستشار سيئ، لكنه يجعلنا نرى أشياء كثيرة كنا نتظاهر بعدم رؤيتها. أولها هو أن موجة الرعب التي أصابت البلاد بالشلل بينت بوضوح أن مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء سوى الحياة العارية. من الواضح أن الإيطاليين قد أعدوا أنفسهم عمليا للتضحية بكل شيء -ظروف المعيشة الطبيعية، العلاقات الاجتماعية، العمل، وحتى الصداقات والمعتقدات الدينية أو السياسية- بغرض تجنب خطر الإصابة بالمرض. إن الحياة العارية والخوف من فقدانها، ليس شيئًا يجمع البشر؛ رجالا ونساءً مع بعضهم بعضا، بل هو شيء يولد العمى ويفرق بينهم. إن البشر الآخرون، مثل ما وصفهم ألساندرو مانزوني (1785-1873)Manzoni Alessandro في الطاعون، يُنظر إليهم الآن فقط على أنهم ناقلين محتملين للعدوى، ينبغي تجنبهم مهما كلف الثمن أو على الأقل إبقاءهم على مسافة متر واحد على الأقل. أما عن الموتى -موتانا- فليس لديهم الحق في جنازة، وليس من الواضح ما يحدث لجثث أحبائنا. لقد تم محو إخواننا من البشر، ومن الغريب أن تبقى الكنائس صامتة بشأن هذا النقطة. ما الذي ستؤول إليه العلاقات الإنسانية في بلد اعتاد العيش بهذه الطريقة وإلى متى؟ لا أحد يعرف. ونتساءل ما هو المجتمع إذا كانت قيمة البقاء Survival هي القيمة السائدة فيه على أية قيمة أخرى؟
يوجد شيء آخر، لا يقل إرباكًا عن الأول، وهو أن الوباء يظهر بوضوح أن حالة الاستثناء، التي بدأت الحكومات في تعويدنا عليها منذ سنوات، أصبحت حالة طبيعية أصيلة. فقد كانت هناك أوبئة أكثر خطورة في الماضي، ولكن لم يفكر أحد في إعلان حالة الطوارئ مثل اليوم، حالة تمنعنا حتى من الحركة. لقد اعتاد الرجال على العيش في ظروف الأزمات الدائمة والطوارئ لدرجة أنهم لا يلاحظون أن حياتهم قد تحولت إلى حالة بيولوجية بحتة، حالة فقدت ليس فقط أي بعد اجتماعي وسياسي، ولكن حتى أي بعد للرأفة والعطف. إن المجتمع الذي يعيش في حالة طوارئ دائمة لا يمكن أن يكون مجتمعاً حراً. نحن بالفعل نعيش في مجتمع ضحى بالحرية من أجل ما يسمى “الدواعي الأمنية”، ونتيجة لذلك حكم على نفسه بالعيش في حالة دائمة من الخوف وعدم الأمن.
ليس من المستغرب أن نتحدث عن الفيروس بمثل ما نتحدث به عن الحرب. فأحكام الطوارئ تحتم علينا بشكل فعال العيش تحت حظر التجول. لكن الحرب ضد عدو خفي يمكن أن يسكن أي إنسان هي أكثر الحروب عبثية. دعونا نكون صادقين؛ إنها حرب أهلية. وإن العدو ليس في مكان ما في الخارج، بل إنه في داخلنا.
ما يثير القلق ليس الزمن الحاضر بالتحديد، أو على الأقل ليس فقط الحاضر، ولكن ما سوف يعقب الحاضر. وبالطريقة نفسها مثلما تضمن ميراث الحروب في وقت السلم مجموعة كاملة من التقنيات المشينة، بدءا من الأسلاك الشائكة إلى المنشآت النووية، كذلك من المحتمل جدًا أن تكون هناك محاولات لمتابعة، حتى بعد انتهاء حالة الطوارئ الطبية، العديد من التجارب التي لم تتمكن الحكومات من تنفيذها: قد تبقى الجامعات والمدارس مغلقة، مع توفير الدروس والمحاضرات عبر شبكة الإنترنت، وقد يتم وضع حد نهائي للقاءات والتجمعات بغرض الحديث عن القضايا السياسية والثقافية، وقد نتبادل الرسائل الرقمية فقط، ويجوز قدر ما أمكن ذلك أن تحل الآلات محل أي تواصل-أي عدوى- بين الكائنات البشرية.
17 مارس 2020

المصدر: موقع https://www.journal-psychoanalysis.eu/coronavirus-and-philosophers/

شاهد أيضاً

بيتر سلوتردايك: جيوردانو برونو

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي ترجمة حصرية لكوة    من بين المجموعة اللامعة لفلاسفة النهضة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *