الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / ميشيل فوكو: الجنون والمجتمع

ميشيل فوكو: الجنون والمجتمع

تقديم و ترجمة : محمد ازويتة

” اختفى الجذام ، و توارى المصاب به أو كاد من الذاكرة ، إلا أن بنياته ستستمر . فستشهد الأماكن ذاتها نفس لعبة الإقصاء قرنيين أو ثلاثة بعد ذلك . فقد حل الفقراء و المشردون و الخاضعون للإصلاح و المرضى عقليا محل المصاب بالجذام ، و سنرى أي نوع من الخلاص سيقود إليه هذا الإقصاء للمقصى ( بضم الميم ) و المقصي ( بفتح الميم ) . لقد استمرت الأشكال حية بإحالات دلالية جديدة و ضمن ثقافة مختلفة ، خاصة تلك المتعلقة بالفصل الدقيق الذي يعد إقصاء اجتماعيا ، و لكن ينظر إليه باعتباره إدماجا روحيا ” .
ذاك ما كتبه ميشيل فوكو في مقدمة ( تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ) ، الذي نقله الاستاذ سعيد بنغراد ، مشكورا ، الى اللغة العربية .
بعد ستة قرون أو سبعة سيظهر وباء كورونا ، ستستفيق الذاكرة لتشهد على استمرار نفس البنيات مع الحجز الكبير في القرن السابع عشر ، قبل أن تعمل السلطة و القوة ، في حركة مستمرة ، على إجراء الفرز و التمييز بين الفئات التي شغلته ، ثم بين الفئات الاجتماعية خارجه ، ضمن لعبة للإقصاء لا تنتهي ( من دور العجزة إلى الملاجئ / و من الأحياء الراقية إلى الأحياء الهامشية ) . و هكذا سيتوارى الخلاص المسيحي ( الذي كانت” تضمنه ” الكنيسة و الجماعات الدينية ) ليحل محله خلاص جديد تضمنه الدولة ، بمعقولية جديدة ووفق توزيع متكامل : السلطة الحيوية ( ربط السياسة بالطب و الاقتصاد ) ، الاقتصاد السياسي ( الليبيرالية و اقتصاد السوق ) ، منظومة الأمن ( ثقافة العيش في خطر ) .
في المشهد الإقصائي اليوم ، كما الأمس ، نتذكر العجزة و المجانين ، بشكل خاص ، لأن إقصائهم ، اجتماعيا و اقتصاديا و ثقافيا ، يساءل إيتيكيا علاقتنا بذواتنا و بالآخر ، كما يسائل سياسيا حقيقة ما هو إنساني في زمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
.

أريد بداية أن أشكر الأستاذ (maeda) عن الكلمات المؤثرة التي قالها في حقي وعن الاستقبال الذي خصني به .
من حسن الحظ الآن ، أنه يمكن أن ألقي هذه المحاضرة ، علما أنني غير متأكد ، فيما إذا كان ما سأتناوله له نفس الأهمية أو نفس الفائدة كالحركات الاحتجاجية التي حدثت في هذه ا لقاعة ذاتها 1. ساترك جانبا مسألة معرفة ما إذا كان جيدا أو العكس تقديم المحاضرات ، وسنتصرف كما لو أنها ، مهمة وعلى كل حال فإنني أشكر حضوركم واستقبالكم .

الموضوع الذي علي أن أعالجه اليوم ، هو الذي صغت عنوانه في كلمتين : الجنون والمجتمع . أريد بسرعة أن آخذ احتياطيين . بداية ، أحب أن تتم مقاطعتي عندما ألقي محاضرة ، فإذا كان لبعضكم أسئلة أو اعتراضات معينة أو فقط أشياء لم يستوعبها ، فليقاطعني . أريد ، في حدود الممكن ، أن أغير الطريقة شيئا ما الرسمية والصارمة للمحاضرة إلى شكل شيئا ما إنساني للحوار ، للتحاور أو الاعتراض كما تودون . بعد ذلك ، أود أن أقول لكم بأنني ، تحت عنوان ( الجنون والمجتمع ) ، لن أتناول سوى بعض المظاهر ولن أختار سوى بعض الأمثلة الدالة .
لا أود التطرق إلى مشكل العلاقات بين الجنون والمجتمعات بصفة عامة ، وإنما سأتتبع خيطا موجها سيكون بالضرورة اختيارا ، نظاما من الإقصاء ولعبة للنسيان والإهمال . قد لا تودون ذلك غير أنني هنا أيضا سأكون سعيدا إذا قدم أحد منكم أمثلة مضادة وأن يغني بالتالي الحديث الفقير بالضرورة والذي هو شيئا ما بسيط . بأخذ هذين الاحتياطيين ، أريد أن أوضح لماذا أنا مهتم بالعلاقات بين الجنون والمجتمع . يمكن القول بأنه ، داخل التقليد السوسيولوجي الأوروبي ، داخل سوسيولوجيا دوركهايم Durkheim، وأيضا داخل تاريخ الأفكار كما تمت ممارسته في أوروبا الغربية مع نهاية القرن 19 م وبداية القرن 20 م ، قد تم الاهتمام أساسا بالظواهر الإيجابية . كنا نحاول البحث عما هي المعايير التي كان معترفا بها داخل المجتمع ، كنا نحاول تحديد بأية طريقة يؤكد ويثبت مجتمع ما نظامه الخاص ومعاييره واعتقاداته الخاصة . بعبارة أخرى كنا نبحث أساسا عن تحديد المجتمع أو تحديد الثقافة من خلال المضمون الإيجابي و الذاتي والداخلي . منذ عدد معين من السنوات ، اهتمت كل من السوسيولوجيا وبخاصة الإثنولوجيا ، بظاهرة معكوسة لما يمكن أن نسميه بالبنية السلبية للمجتمع : ما الذي يتم إقصاؤه داخل المجتمع ؟ . ما هو نظام الممنوعات ؟. ما هي لعبة الموانع ؟.
لقد سمح هذا التحليل ، بالنسبة للسوسيولوجيين ، وبخاصة الاثنولوجيين ، بتحديد ووصف ، بطريقة هي بدون شك أكثر دقة من المدرسة السابقة ، مختلف الثقافات والمجتمعات . ذاك ما قام به ،في العمق ، الإثنولوجي ليفي ستراوس مقارنة مع ما قام به دوركهايم .
عندما عالج دوركهايم مشكلة المحارم ، كان قد تساءل عما هو نظام القيم المثبت من قبل المجتمع في اللحظة التي يرفض فيه المحارم ، وقد حاول أن يبين بأن رفض المحارم لم يكن سوى النتيجة الخارجية لنوع من التأكيد والإثبات . وقد تمثل هذا التأكيد في التجانس وفي المظهر المقدس للجسد الاجتماعي نفسه وللدم الذي يمثل رمزيا الجسد الاجتماعي داخل الحياة (.2 ). إذ لكي لا يتم الطعن في الدم بما هو رمز للقرابة الدموية كان يلزم ، يقول دوركهايم ، البحث عن الزوج داخل جسد اجتماعي آخر . لن يكون منع المحارم أو تحريمها إذن سوى نتيجة نوع من التأكيد والإثبات المركزي .

ضد هذا التأويل ، الذي هو تأويل دوركهايم بصيغة إيجابية ، أظهر ليفي ستراوس ، بعكس ذلك ، بأن منع المحارم كان نسقا معينا من الاختيار والإقصاء ، وأن الإيجابيات والسلبيات تشكل ، داخل مجتمع معين ، نظاما معقدا ، بحيث أن الإيجاب ليس سابقا عن السلب ، وأن ما نعترف به ونعطيه قيمة ليس أوليا بالمقارنة مع ما نرفضه أو نقصيه ، وإنما يتعلق الأمر فعلا بكون كل مجتمع يضع ، بشكل ما على الأشياء وعلى العالم والسلوكات ، شبكة بخانات سوداء وبيضاء ، شبكة بايجابياتها وسلبياتها .(3) إن ما قام به الإثنولوجيون بخصوص المجتمعات ، هذه المحاولة لتفسير الظواهر السلبية وفي نفس الوقت الظواهر الإيجابية ، يجعلني أتساءل بدوري إذا لم يكن ممكنا تطبيق ذلك على تاريخ الأفكار . إن ما أود القيام به مرة أخرى ، على اعتبار أن محاولاتي الأولى لم تكن جيدة وغير دقيقة وغير كافية ، هو نوع من القلب لنفس النوع . بدلا من أن نفسر ، كما كان الأمر في فترة بول (هازارد Hazard ) أو في ألمانيا في فترة كاسيرر(Cassirer)( 4 )، ثقافة مرحلة معينة أو مجتمع معين انطلاقا من نظام اعتقاداته ، بدلا من أن نبحث بداية عما هو مقبول ومعترف به ومعطى له قيمة من قبل مجتمع ما ، تساءلت و أتساءل دائما إذا لم يكن من المهم ، وفي المقابل ، البحث داخل المجتمع وداخل نظام تفكيره ، البحث عما تم رفضه وإقصاؤه .
ما هي الأفكار أو ما هي السلوكات أو ما هي التصرفات أو ما هي المبادئ القانونية أو الأخلاقية التي لم يتم تقبلها ، التي لم تحض بالقبول والتي تم إقصاؤها من النسق ؟.

ضمن هذا المستوى ، سعيت إلى الاهتمام بمشكلة الجنون . إن الجنون ، داخل مجتمع كمجتمعنا أو بالأحرى داخل كل مجتمع ، هو بطبيعة الحال ما تم رفضه وإقصاؤه . أتساءل إذا لم يكن ممكنا دراسة العقلانية الكلاسيكية أو بشكل عام أيضا ، نظام عقلانية مجتمعاتنا ، المجتمعات التي هي معاصرة ، إذا لم يكن بإمكاننا معالجة وتحليل نظام العقلانية هذا ونحن ندرس في نفس الوقت النظام الإيجابي للعقلانية والنظام السلبي للإقصاء . ما هو نوع الجنون الذي نعمل على إقصائه ؟ . كيف يتم إقصاؤه ؟. كيف يتم تقطيع ورسم الحدود بين العقل والجنون ؟. ربما نستطيع ، بتموقعنا بالضبط داخل محور الحد هذا ، على هذه الحدود ، على هذه الرهافة بين العقل واللاعقل بين الجنون وغير الجنون ، أن نفهم في نفس الوقت ما هو معترف به ومقبول إيجابا من قبل المجتمع والثقافة ، وما هو مرفوض ومقصى من قبل نفس المجتمع والثقافة . هذا هو الأفق ، الإثنولوجي شيئا ما ، الذي أحاول تطبيقه على تاريخ الأفكار . أقول ( إثنولوجي ) على اعتبار أن الأمر يتعلق بأن نطبق على تاريخ الأفكار طريقة ، شكلا من تحليل الأنظمة الذي سبق أن نجح داخل النظام الإثنولوجي . ذلك هو الإطار العام الذي أود أن أضع فيه هذه الدراسة .
مقصديتي إذن هي وضع خطاطة عامة لبعض العلاقات التي يمكن أن نقيمها بين الجنون والمجتمع الأوروبي من النوع الصناعي أي المجتمع الأوروبي من القرن السابع عشر إلى أيامنا هذه . في تراث مؤرخي الفكر أو الحضارة الأوروبية هناك حدث تم إيلاؤه أهمية كبيرة . حدث له مظهرين أو لنقل وجهين ، نقطتي انبثاق . الأول في انجلترا والثاني في فرنسا ، حيث ظهر في نفس المرحلة وفي البلدين تقريبا الحدث التالي : تم بشكل مفاجئ تحرير مؤسسات الحجز، حيث كان عدد من الأفراد محتجزين والذين هم إما مرضى عقليين بالمعنى الدقيق أو عاطلين أو عاجزين من ذوي العاهات أو شيوخ .
لقد تحدث المؤرخون كثيرا عن هذه المرحلة في فرنسا . لقد حدث ذلك في سنة 1792 ، في قلب الثورة الفرنسية ، حيث تم تعيين الطبيب بينيل (Pinel) في إحدى هذه الدور الكبيرة حيث كان يتم حجز كل الأفراد ( سنعود شيئا ما إلى تحديداتهم وإلى مظاهرهم ) ، وبالضبط في سالبيتريير(Salpetrière). ما إن تم تعيينه داخل هذا المستشفى حتى باشر زيارته . حيث كان يفتح أبواب هذه المؤسسة التي كانت في الواقع سجنا ، كما كان يعمل على إخراج عدد من الأفراد من تلك السجون المنفردة حيث كان المحتجزون مقيدون بالسلاسل باعتبارهم خطيرين لأنهم هائجين أو مجرمين . ومنذ تلك اللحظة ، سيعلن بأن فضاء الحجز هذا لم يعد أبدا يشتغل كسجن ، بحيث لن تكون هناك سجون منفردة أو سلاسل ، بل سيصبح مستشفى يتم اعتبار الأفراد فيه كمرضى وحيث سيكون هدف الأطباء هو معالجتهم و إشفائهم .

نجد لهذه المرحلة نظيرها في انجلترا في نفس الفترة تقريبا . في أفق حركة ( Quaker) ، تمت لأول مرة في أوروبا إقامة مستشفيات طب الأمراض العقلية أو النفسية بالمعنى الحصري للمصطلح (5 ). بمعنى أنه تم فتح مؤسسات لم تكن موجهة إلى خدمة السجن . ولكن إلى استقبال عدد معين من الأفراد معترف بهم كمرضى عقليين حتى يكون من المكن معالجتهم . لقد تعود المؤرخون معالجة هذه الظاهرة المزدوجة مع (Pinel et Tuke) ، كقطيعة أساسية داخل تاريخ الجنون ، للمرض العقلي ولعلم الأمراض العقلية أو النفسية في أوروبا . لقد تعودنا القول بأن المرض العقلي في أوروبا لم يكن معترفا به ، قبل بينيل وتيك ، كمرض ، حيث كانت تتم معاملة المجانين كسجناء وكمجرمين أو عند الإقتضاء كحيوانات ، ثم فجأة اكتشفا معا كون المجانين هم في الواقع مرضى عقليين ، وضعهم متعلق بالطب ، وأنه يجب أن نحولهم من السجون حيث كانوا محتجزين إلى شيء آخر مثل مستشفيات الأمراض العقلية أو النفسية .

أعتقد بأن هذه الطريقة في كتابة تاريخ الجنون و المرض العقلي هي خاطئة ، وأنه بالفعل تحت هذا التحليل تختفي عدد من الأحكام المسبقة التي يلزم رفعها وإزاحتها . الحكم المسبق الأول : قبل الثورة الفرنسية أو قبل القرن 18 م في أوروبا ، كان يتم اعتبار المجانين مجرمين . الواقع أن هذا الحكم غير صحيح ، إذ تمت معاملة المجانين بطريقة معينة سنعمل على تعيينها . غير أن الحكم المسبق الثاني ، الذي هو أكثر خطورة والذي أود الاهتمام به اليوم ، يود القول بأن الجنون ، انطلاقا من هذا التاريخ إجمالا 1790 / 1792 ، قد تحرر من الوضعية القديمة . و أنه انطلاقا من هذا التاريخ سيتم تحديد الجنون ، و بشكل نهائي ، باعتباره مرض محدد ، يلزم التعامل معه بوصفه كذلك . نحن هنا أمام تغيير جذري في وضعية المجنون : قبل هذه السنوات كان قريبا مــــن الجريمة ليصير فيما بعد أشبه بالمرض .

أعتقد بأن هذه الفرضية الثانية ، هذا الحكم المسبق الثاني هو أكثر خطأ من الأول .
يبدو لي فعلا بأن هناك وجود لنوع من الوضعية العامة للجنون والتي يمكن أن نجدها حاضرة داخل كل المجتمعات ، رغم الإختلافات الموجودة بينها . ليس لهذه الوضعية العامة والشاملة للمجنون علاقة مع طبيعة الجنون ، ولكن مع الضرورات الأساسية لكل اشتغال اجتماعي .
يبدو لي أن المجنون داخل مجتمعاتنا هو أكثر قرابة من المجنون كما يمكن أن نصادفه داخل المجتمعات البدائية التي درسها الاثنولوجيون . أود أن أوضح لكم ، في الجزء الأول من هذا العرض ، بأن هناك وضعية عامة للمجنون داخل كل مجتمع ، وضعية يمكن أن نجد تمظهراتها داخل المجتمعات الأوروبية للعصر الوسيط ، للقرنين 17 و 18 م ، ولكن أيضا داخل هذه المجتمعات الأوروبية نفسها للقرنين 19 و 20 م . كما سأحاول فيما بعد أن أوضح لكم كيف ولماذا تم تغيير وضعية المجنون ، بطريقة محدودة وبدون أن يتم الشروع فيما هو أساسي ، في القرن 17 م في أوروبا ، ثم مرة أخرى في القرن 19 م . سأحاول أن أبين بأن هذه التغييرات في الوضعية العامة للمجنون لم تلامس ما يمكن أن نسميه بالوضعية الإثنولوجية العامة للمجنون . على ماذا يرتكز هذا الوضع الإثنولوجي العام للجنون ؟. كيف نميزه ؟. يمكننا أن نقول ما يلي :

ليس هناك بالطبع مجتمع بدون قواعد ، ليس هناك مجتمع بدون نظام قيود ، لا وجود ، كما نعلم ، لمجتمع طبيعي : كل مجتمع ، بطرحه للقيود ، يطرح في نفس الوقت لعبة للإقصاء . في كل مجتمع ، كيفما كان نوعه ، هناك دائما عدد من الأفراد الذين لا يخضعون لنظام القواعد والتقييدات ، والسبب بسيط ، ذلك أنه لكي يصير نظام ما للقيود فعلا كذلك ، فإنه لا بد من وجود أشخاص يكون هدفهم هو خرق ذلك النظام . إذا تم قبول قاعدة تقييدية ما من قبل الجميع فمن الواضح أنـــه لن يكون هناك أي تقييد . لا يمكن للمجتمع أن يشتغل كذلك إلا بشرط أن يجزئ داخله سلسلة من الواجبات التي تترك خارج مجالها ونظامها عدد من الأفراد أو السلوكات أو التصرفات أو الأقوال أو الوضعيات أو بعض الخصائص و الصفات . لا وجود لمجتمع بدون هامش ، ذلك أن المجتمع يتجزأ دائما على الطبيعة بحيث يكون هناك بقية ، فضلة ، شيء ما يفلت منها . في هذه الهوامش دائما ، الضرورية والأساسية للمجتمع ، سيقدم المجنون نفسه . يمكن للإثنولوجيين أن يستدلوا بشكل بسيط على أنواع الأفراد المهمشين الذين تتركهم المجتمعات دائما على هامشها . توجد إجمالا أربعة أنظمة من الإقصاء يمكن أن نجدها داخل كل المجتمعات : 1 ) نظام الإقصاء بالنسبة للعمل ، للإنتاج الاقتصادي . هناك دائما ، داخل كل مجتمع ، أفراد لا يمثلون جزءا من دورة الإنتاج الاقتصادي إما لأنهم معفون أو أنهم غير قادرين . على سبيل المثال ، هناك بشكل عام تقليد داخل أغلبية المجتمعات حيث يكون الأفراد المكلفون بمهمات دينية غير مكلفين بشغل وظائف محددة داخل دورة الإنتاج . عندما تتم ممارسة وظيفة دينية نكون معفيين من العمل . هذا ليس عاما بشكل قطعي غير أنه يبقى ثابتا . بشكل عام لم يحدث أبدا داخل المجتمع غياب أو عدم وجود لأفراد يكونون ، لسبب أو لآخر خارج دورة العمل . 2) هناك دائما أفراد يجدون أنفسهم مهمشين ، ليس بالنسبة للعمل ولكن بالنسبة للأسرة ، بمعنى ليس إزاء الإنتاج الاقتصادي ولكن إزاء إنتاج المجتمع . هناك عزاب ، إما لأنهم يسهرون على أن يكونوا كذلك ، أو أن هناك قيودا معينة تجعلهم كذلك ، والتي قد تكون دينية مثلا .هؤلاء الأفراد هم مهمشون إزاء وضع الأسرة . لا وجود لمجتمع بدون وجود لأفراد مهمشين إزاء نظام الأسرة . 3 ) هناك ، دائما في كل مجتمع ، نظام من الإقصاء يجعل من كلام بعض الأفراد غير متقبل بنفس الطريقة التي يتم فيها تقبل أي كلام آخر. أفراد يتسم كلامهم بالقدسية بالمقارنة مع الآخرين ، أو على العكس من ذلك يكون كلامهم لغوا لا طائل منه بالنسبة للآخرين ، وبسبب ذلك لا يحصلون على أية ثقة ، أو لا يحصل كلامهم على نفس الأثر كما هو حال كلام الناس العاديين الأسوياء. إن ما يقوله نبي داخل مجتمعات من النوع اليهودي أو ما يقوله شاعر داخل أغلب المجتمعات ليس له نفس الوضعية والقيمة مع ما يقوله أي شخص . هناك إذن هامشية بالنسبة للخطاب أو بالنسبة لنظام إنتاج الرموز .

4) هناك أخيرا نظام من الإقصاء : ذاك الذي يشتغل بالنسبة للعبة ( التي قد تكون احتفالا رمزيا ) . دخل كل مجتمع هناك وجود لشيء ينتمي إلى نظام اللعبة ، وهناك دائما أفراد لا يشغلون ، بالنسبة للعبة ، نفس الوضعية بالمقارنة مع الآخرين : إنهم مقصيون ، أو أنهم غير قادرين على اللعب ، أو أن لهم ، بالنسبة للعبة ، وضعية خاصة إما لأنهم رؤساء اللعبة أو أنهم ، على العكس من ذلك ، موضوعات أو ضحايا لها . مثال ذلك كبش الضحية الذي هو بمعنى ما ، جزء من اللعبة ومع ذلك فهو مقصي منها . إنه كبش الضحية ، بمعنى أنه باعتباره كذلك فإن اللعبة تؤدي إلى إقصائه من المدينة . إذا كان صحيحا أن كل مجتمع ، بتطبيقنا لقاعدة العمل والأسرة والخطاب واللعبة ، يقصي عددا من الأفراد بأن يصنع لهم مكانا أو حيزا هامشيا بالنسبة للاقتصاد والإنتاج الاجتماعي وانتقال الرموز والإنتاج اللعبي . إذا كانت هناك مجتمعات حيث كل أشكال الإقصاء هذه تعمل ، فهناك دائما نوع من الأفراد يتم إقصاؤهم في نفس الوقت من الإنتاج ومن الأسرة ومن الخطاب ومن اللعبة . هؤلاء الأفراد هم إجمالا ما يمكن أن نسميهم بالمجانين . هذا ما أود قوله ، فالكهان بشكل عام وفي أغلبية المجتمعات هم مقصيون من الإنتاج الاقتصادي ، إذ ليس عليهم أن يعملوا . قد يحدث أحيانا أن يتم إقصاءهم من نظام الأسرة لكن ليس دائما . لدينا أفراد كالمجرمين مثلا الذين هم ، في عدد كبير من المجتمعات ، مقصيون من نظام الأسرة غير أن خطابهم مثلا ليس دائما باطلا . بعبارة أخرى لدينا أفراد هم ضحية هذا النظام أو ذاك من الإقصاء . ليس هناك سوى نوع واحد من الأفراد الذي هو ، بشكل متزامن ، ضحية للأنظمة الأربعة للإقصاء : هؤلاء الأفراد هم من ننعتهم في لغتنا بالمجانين . هناك دائما ، على هامش المجتمع ومثل فضلة لكل هذه الفضلات ، هذا النوع من الأفراد . أريد أن أوضح لكم بأن الصورة العامة التي درس بها الاثنولوجيون المجتمع البدائي مثبتين الإقصاء الرباعي للمجانين ، من العمل ومن الأسرة ومن اللعب ومن اللغة والخطاب ، هي نفس الصورة التي يمكن أن نحدد بها وضع المجانين في العصر الحاضر . أعتقد أنه يمكننا أن نلاحظ ، سواء أخدنا أمثلة من أوروبا العصر الوسيط أو من القرن 17 م أو من أوروبا المعاصرة أو من المجتمعات الصناعية مثل مجتمعاتنا ، بأن المجنون يظل الفرد الوحيد الذي يجد نفسه مقصيا أربع مرات . يمكننا القول ، بناءا على ذلك بأن المجنون الأوروبي أو المجنون الياباني ، ما زال يتم تحديده ، داخل مجتمعاتنا ، انطلاقا من هذا الوضع الاثنولوجي نفسه الذي يمكن أن نلاحظه داخل المجتمعات الأكثر بدائية من مجتمعاتنا .

سأحاول إذن أن أقدم ما يمكن أن أعتبره برهنة على ذلك ، فإن لم يكن ، فعلى الأقل مجموعة من الأمثلة التي يمكن أن تضعنا في موقع البرهنة .

بداية ، يمكن أن نقول بشكل واضح بأن المجنون هو أساسا محدد انطلاقا من وضعية معينة للإقصاء إزاء العمل . المجنون هو الذي لا يعمل ـ أو الذي ليس له ( وضع تملكي ) كما يقول السوسيولوجيون في لغتهم المدققة . بماذا يتحدد المجنون في العصر الوسيط في أوروبا ؟. إنه أساسا الشخص المتنقل ، بمعنى أنه لا ينتمي إلى مكان أو إلى سيد ، كما أنه غير مرتبط بمدينة محددة ، فهو ينتقل من مدينة إلى مدينة ، من قصر إلى قصر أو من منزل إلى آخر ، إنه الرحالة بامتياز ، المهمش من وجهة نظر جغرافية وقانونية ، ذاك الذي لا يمكن أن نمنحه مهنة أو ملكية أو انتماء .

بطريقة أكثر دقة وانطلاقا من القرن 17 م سيتم تحديد المجنون انطلاقا من عدم قدرته على العمل . أي أن التعرف عليه سيتم انطلاقا من عطالته الأساسية أو من خلال عدم قدرته على الخضوع لقواعد العمل . إن المستشفيات الكبرى التي حدثكم عنها قبل قليل والتي كانت ، في نهاية القرن 18 م ، مفتوحة في فرنسا وانجلترا حيث تم تحرير عدد من الأفراد ، قد جرى تنظيمها أساسا في القرن 17 م من أجل إدخال الأفراد الذين كانوا غير قادرين على العمل .
يتعلق الأمر في هذه اللحظة ببداية تشكل المجتمعات الرأسمالية التجارية والصناعية فيما بعد . ففي هذا المجال ، في هذا الحقل المرتبط نوعا ما بالبطالة و العمل سيتم عزل و احتجاز المجانين . بهذا المعنى سيتم تعريف المجنون ، في مجتمعات كمجتمعاتنا المعاصرة ، بكونه غير القادر على العمل ، ولدينا هنا الكثير من الدلائل والعلامات التي يجب أن نلح عليها كثيرا . ما معنى بالنسبة لفرد ما أن يتعرف على نفسه كمريض ، أو ما معنى أن يعرف شخصا آخر كمريض ، إن لم يكن التعرف من أجل ذاته أو من أجل الآخر بأنه غير قادر على العمل . وعلى كل حال فإن العجز المهني والإخفاق في النجاح وعدم القدرة على شغل وضع اجتماعي معين هي السمات الأولى والأساسية التي انطلاقا منها بدأنا نتعرف على الظهور وعلى الانطلاقة الأولى لعطوبية المرض العقلي . المريض عقلانيا هو الذي يعاني بنفسه أو من خلال الآخرين بكونه غير قادر عــــــلى العمل ، أو مقصي من العمل .

أعتقد بأنه يمكن قول نفس الشيء بالنسبة للأسرة . في هذا المجال يمكن القول بأن الغرب قد عرف تطورا جد مهم . ما هي الحجة التي كانت ، إلى نهاية القرن 18 م وإلى بداية القرن 19 م في أوروبا، تسمح بالمطالبة بسجن المجنون ؟ . ما هي الحجة التي كانت تسمح بهذا الحجز ؟. ومن قرر بأن المجنون يمكنه أن يكون حرا ؟. لم يتم ذلك أبدا من قبل الأطباء و لا الإدارة المدنية ، إذ لم يتم العمل بالشواهد الطبية التي تضمن بأن هذا الشخص هو مريض وأن تسمح بالتالي بهذا الحجز إلا مع نهاية القرن 18 م وبداية القرن 19 م . وقبل ذلك ، فقد كان للأسرة فقط ، بمعنى المحيط المباشر ، الحق في الحصول على حجز فرد ما . إذا تعلق الأمر بأسرة أرستقراطية ، نطلب مباشرة من السلطة المركزية ، بمعنى من الملك ، أمرا استبداديا أو إجراءا مشابها يسمح بالتخلي عن الفرد وبحجزه . لقد مثلت الأسرة الحجة الوحيدة التي من خلالها تم إقصاء المجنون . و بهذا المعنى فقد مثل المجنون حقيقة المهمش بالنسبة للعائلة . لقد تغيرت الوضعية كثيرا في الغرب انطلاقا من بداية القرن 19 م . ففي فرنسا نفسها ، كان يلزم انتظار 1838 – ليس هناك أكثر من 50 سنة ، لكي تتم عقلنة ، بشكل جد دقيق ، الطريقة التي يجب أن يتم بها حجز المجانين ( 6) . إذا كان بإمكان العائلة أن تطلب الحجز فليست هي التي تقرره . فالشهادة الطبية ضرورية ، و هي شهادة يتم تحريرها بعد خبرة ، قابلة لإثباتها أو إبطالها بخبرة مضادة . إن الجسد الطبي بما هو كذلك ، يتدخل ليعطي رأيه ، غير أن الإدارة الولائية تبقى الوحيدة القادرة على تحديد الحجز كما أن تحرير المرض العقلي في أوربا منذ القرن 19 م هو حاصل دائما ليس بطلب من الأسرة و لكن بترخيص من الطبيب و من السلطة المدنية ، من الإدارة و من الوالي . رغم أن الأسرة قد سلب منها فعلا حق إقصاء المجنون ، فإنني أعتقد بأن المجنون ظل مقصيا من قبل الأسرة و ذلك لسببين متراتبين على الأقل : الأول هو أن المجنون ، أو بالأحرى المريض عقليا ، ما دمنا نتموقع انطلاقا من القرن 19 م ، لم يسترد دائما كامل حقوقه الأسرية ، فإجراءات الطلاق في أوربا مثلا لم تكن ممهدة للمريض عقليا كما هي سهلة لأي كان . كما أن حق التصرف في الثروة لم يكن أبدا تحت تصرف المريض عقلانيا كما هو الأمر بالنسبة لسوي العقل .إنه إذن قانونيا داخل نظام أسري خاص و هامشي بحيث إنه لا يستفيد من نظام الأسرة الكامل و التام. غير أن هذا أيضا ليس سوى ثانوي . أعتقد أن الحدث الكبير الذي يلزم أن نلح عليه هو التالي . قلت لكم قبل قليل إن العلامة الكبرى التي نعترف من خلالها ، داخل المجتمعات الصناعية كمجتمعاتنا ، على التمظهرات الأولى للمرض العقلي كانت عدم التكيف مع قواعد العمل. هناك أيضا وجود لعلامة كبرى ثانية ، على الأقل ذات أهمية كهذه إن لم تكن أكثر ، وهي اختلال السلوك الجنسي . والحالة هذه أننا أمام ظاهرة جد عجيبة . لم يكن لدينا في أوروبا مطلقا ، إلى حدود الثلث الأول من القرن 19 م ، فكرة إمكانية وجود رابط أو علاقة بين المرض العقلي واختلال السلوك الجنسي . إن فكرة أن الشاذ جنسيا يمكنه بمعنى من المعاني أن ينتمي من قريب أو بعيد إلى المريض عقلانيا لم تلامس أبدا عقل الأوروبي .كما أن فكرة أن امرأة مغتلمة يمكنها أن تكون مريضة عقلانيا ، هي أيضا فكرة لم تتم صياغتها في الغرب ، لا من قبل رجال القانون ولا من قبل الأطباء ولا من أي كان . إذ فقط و اعتبارا من القرن 19 ، و بشكل لافت للنظر ، سيأخذ هذا البعد مظهره بالنسبة للأخلاق الأسرية ، وأخيرا وضعية المرض العقلي . ليس المريض عقلانيا هو الذي لا يستطيع أن يعمل فقط ولكنه الذي لا يستطيع التكيف مع قواعد الأخلاق ألأسرية ، الذي لا يستطيع أن يندمج مع هذا النظام الأخلاقي والقانوني الذي يشكل الأسرة الأوروبية البورجوازية . ففرويد ،الذي يعرف بصيصا عن مشكلة المرض العقلي هذه ، أجاب يوما شخصا كان قد سأله : ( كيف نتعرف على المصاب بالعصاب ؟.) ( الأمر بسيط : المصاب بالعصاب هو الذي لا يستطيع العمل ولا يستطيع ممارسة الحب ) . أعتقد أن هذين المعيارين لتحديد المرض العقلي ، عدم القدرة على العمل وعلى امتلاك سلوك جنسي سوي معترف به من قبل المجتمع الأوروبي ، يبينان كيف أن المجنون مازال يعاني ويكابد داخل مجتمعاتنا من هذا النظام المزدوج للإقصاء الذي تفترضه قواعد العمل ، قواعد الأسرة ، قواعد الإنتاج الاقتصادي وقواعد الإنتاج الاجتماعي . ثالثا ، أعتقد ، مثلما هو الأمر بالنسبة للمجنون في المجتمعات البدائية أو المجتمعات الأولية ، بأن المريض عقلانيا في مجتمعاتنا هو شخص موضوع إقصاء بالنسبة لقواعد الخطاب . وهنا أيضا سأضرب بعض الأمثلة ، بعضها مستعار من المجتمع الأوروبي للعصر الوسيط أو القرن 17 م ، والبعض الآخر من العصر الحاضر . أن يكون كلام المجنون في العصر الوسيط متمتعا بوضعية خاصة ، فذلك فيما أعتقد ما تشير إليه عدد من الشواهد . بداية فهناك شيء معروف بحيث لا نحتاج إلى ذكره : في بعض الجماعات الأرستقراطية الصغيرة ، كان هناك وجود ، بشكل تراثي ، لشخص عجيب يسمونه بالبهلول أو الأبله . لقد كان البهلول ، بشكل إرادي أو العكس ، شخصا يستحيل معرفته بشكل فعلي ، شخصا مهمشا ، لا نطلب منه الالتزام ، لا بقواعد الأسرة ( كان شخصا عازبا بانتظام )ولا بقواعد العمل . لقد كانت وظيفة هذا البهلول هي أن يقول عددا من الأشياء التي لا يستطيع ، بطبيعة الحال ، أن يقولها شخص له وضع سوي في المجتمع . ما لا يستطيع الآخرون أن يقولونه يتولاه المهرج البهلول أو الأبله . إنه يقول للناس حقيقتهم ، يتولى أيضا إرشادهم . كما كان يلزمه التكهن بمستقبلهم ، و فضح أكاذيبهم بل والسخرية من المتبجحين منهم الخ . الأبله بمعنى من المعاني هو الحقيقة في وضعها الحر ولكنها حقيقة منزوعة السلاح ، ومقبولة تهكميا ، إذ لا يكون لها نفس المفعول إذا جاءت من قبل شخص سوي . البهلول هو مأسسة كلام المجنون ، إنه هو ( مرة أخرى من غير الممكن معرفة ما إذا كان ذلك إراديا أو غير إرادي ، بالطبيعة أو بغيرها لا يهم ) الذي كان مجنونا أو يحاكي المجنون بطريقة يستطيع أن يتم من خلالها تمرير نوع من الكلام الهامشي بشكل مقبول . يمكننا أيضا أن نبين أهمية المجنون في المسرح في العصر الوسيط حتى عصر النهضة . المجنون في المسرح هو الذي يشغل وضعا خاصا : المجنون على خشبة المسرح هو الذي يقول الحقيقة قبل الأوان ، هو الذي يراها أفضل من الناس الذين ليسوا بمجانين ، إنه من يتميز برؤية ثانية . غير أنه في كل هذه المسرحيات ، سواء تعلق الأمر بشكسبير أو بالمسرح الباروكي في فرنسا مع بداية القرن 17 م ، يظل الوحيد الذي يرى الأشياء أفضل من الآخرين والذي يبقى مع ذلك غير مسموع أبدا . وما أن تنتهي المسرحية حتى ندرك استذكارا بأنه قال الحقيقة . المجنون هو الحقيقة غير المسؤولة .

هذه بعض الشواهد المقتبسة من الأدب أو من المؤسسات التي تثبت الوضعية الخاصة التي تم الاعتراف خلالها ، في عصر النهضة ، بكلام المجنون . أعتقد بأن كلام المجنون في هذه المرحلة ، له أيضا ، حتى وإن كان الأمر بطريقة مختلفة ، وضعية جد خاصة ومميزة . يبدو لي ، في المرحلة الحالية ، بأن هناك نوعين من الخطابات لهما أيضا وضعية هامشية ، والذين يستفيدان أيضا من استقبالهما كشيء أساسي وبألا يتم الاستماع إليهما كأي كلام عادي . هاذين الخطابين المتفردين هما خطاب المجنون والأدب . قبل كل شيء فالأدب ، منذ القرن 19 م ، هو نوع من الخطاب غير منذور إلى قول الحقيقة ، غير منذور إلى إعطاء درس في الأخلاق ، غير منذور إلى أن يبعث اللذة في من يستهلكونه . الأدب هو أساسا نوع من الخطاب الهامشي الذي يتداول بين الخطابات العادية ، التي تتشابك معه ، الذي يدور فوقها وحولها وتحتها ، الذي يخاصمها ، ولكنه على كل حال لن يكون أبدا بنفس مكانة هذه الخطابات النفعية ، هذه الخطابات الفعلية ، هذه الخطابات الصحيحة التي تتحمل السياسة والدين والأخلاق والعلم مسؤولية جعله متداولا .أعتقد بأن الأدب ، إلى حدود القرن 19 م في أوروبا ، كان أيضا شكلا من الخطاب ممأسسا بشكل عميق . كتابة نص مسرحي ، هو أساسا إرادة إرضاء مجموعة محددة من الناس . كتابة كتاب أو رواية هو أيضا إرادة إرضاء نوع معين من الأفراد أو إعطاء درس في الأخلاق . بالمقابل وابتداء من القرن 19 م لم يعد الأدب بشكل ما ممأسسا ، لقد تحرر من وضعية المؤسسة ليتجه إلى أن يصبح ، في صيغه الأكثر قيمة ، كلاما فوضويا . كلام بدون مؤسسة ، الكلام الهامشي بامتياز والذي يخترق كل الخطابات الأخرى .

أعتقد بأن ذلك هو السبب الذي جعل الأدب في أوروبا ، منذ تلك اللحظة بالضبط ومنذ القرن 19 م ، مفتونا بالجنون . قبل ذلك يمكن أن نعتبر هولدرلين أكبر مثال على الأدب أو الشعر المعاصر، غير أنه من هولدرلين إلى أرتو هناك دائما ومن خلال الأدب الغربي هذه العربدات العجيبة والتي هي شيئا ما مخيفة للأدب والجنون . يبدو أن الأدب قد وجد نداءه الأكثر عمقا عندما ينشط داخل كلام الجنون . إن قمة الكلام الشعري هو كلام هولدرلين ، كما لو أن الأدب ، لكي يصل إلى عدم التمأسس ، لكي يأخذ مستوى فوضويته الممكنة ، كان مفروضا عليه في بعض اللحظات أن يقلد الجنون أو أن يصبح هو نفسه مجنونا تماما . لقد استشهدت لكم بهولدرلين ويمكن أن أستشهد لكم أيضا ببلاك ونيتشه وآرتو ، غير أنه يمكن أيضا أن أستشهد بكل من عملوا إراديا في تجاربهم الأدبية على محاكاة أو محاولة اللحاق بالجنون ، كل الذين تحذروا مثلا منذ إدغار بو أو بودلير إلى ميشو . إن التجربة التي زاوجت بين الجنون والمخدر داخل الأدب هي بالتأكيد جد أساسية ، هي على كل حال جد مميزة لهذا الوضع الهامشي الذي تقبله الجنون داخل مجتمعنا والذي حافظ داخل مجتمعنا على كلام المجنون .

السمة الأخيرة التي أود الإشارة إليها بخصوص وضعية المجنون داخل مجتمعنا تهم اللعبة . لقد سبق أن قلت لكم بأن المجنون ، في المجتمعات الأولية ، هو الذي كان مقصيا ليس من العمل والأسرة واللغة ولكن أيضا كان في وضعية هامشية بالنسبة للعبة . وهنا أيضا سآخذ مجموعتين من الأمثلة : بداية من مجتمعات العصر الوسيط ثم من المجتمعات الحالية .

في المجتمعات الأوروبية في العصر الوسيط ، لدينا الدليل الواضح على الوضعية الخاصة للمجنون داخل ممارسة جد عجيبة . لقد كانت الأعياد الممارسة في العصر الوسيط ، والتي يشارك فيها الجسد الاجتماعي بكامله ، أعيادا دينية . لم يكن هناك سوى عيد واحد ليس دينيا : إنه نوع من العيد الذي يسمى بعيد المجانين . خلال هذا العيد ، كان التقليد يتطلب أن يتنكر الناس بشكل يجعل الوضع الاجتماعي مقلوبا أو على كل حال أن يتم قلب رموز الوضع الاجتماعي . الأغنياء يلبسون مثل الفقراء ، الفقراء يلبسون ثياب الأغنياء ، بحيث إن الذين كانوا لا شيء في مجتمعهم بدؤوا يلعبون ، طيلة أيام معينة ، دور الأقوياء والعكس بالعكس . كان ذلك هو القلب العام للوضع الاجتماعي ، كان أيضا قلبا للجنس حيث تلبس النساء لباس الرجال والعكس بالعكس . لقد كان أيضا ، للمرة الوحيدة في السنة ، الرفض الكبير والشجاع للنظام الاجتماعي بكامله ، ذلك أنه خلال هذا العيد المسمى بعيد المجانين ، كان للأفراد الحق في أن يسيروا إما أمام قصر العمدة ، أو أمام قصر الراهب ، أو أمام قصر السيد و بأن يقولوا لهم حقائقهم الأربع وأن يسبوهم إذا اقتضى الأمر . كل هذا العيد الكبير كان ينتهي بقداس والذي كان قداسا بالمقلوب . في غير محله ، قداس مضاد كان ينتهي بإدخال حمار إلى الكنيسة ، وعندما كان ينهق فانه يحاكي بسخرية تراتيل الكنيسة . قلت بأنه عيد غير ديني ، إن ذلك غير صحيح ، وكما ترون فقد كان عيدا قريبا من الدين ولكنه كان عيدا للدين المقلوب ، كان عيدا مضادا ، كان عيدا مضادا للدين ، كان سيئا مثل الإستهلالات اللعبية للإصلاح عند لوثر . وعلى كل حال ، فالمهم هو رؤية أن هذا العيد الوحيد ، الذي لم يكن عيدا متوجا من قبل الكنيسة ومشرعنا من قبل الدين ، كان يعتبر بالضبط عيدا للجنون . لقد كان العيد ابتلاء مثل الجنون وقد أخد يحل محل النظام في المدينة . إذا كان صحيحا أن الجنون في العصر الوسيط قد كانت له هذه الوضعية الخاصة بتنظيم العيد الوحيد الذي لم يكن دينيا ، فإنني أتساءل إذا لم يكن بإمكاننا ، بالرغم من أن ذلك تم بطريقة كتومة ، التعرف على بعض العناصر المشابهة داخل مجتمعنا . وفعلا ففي مجتمعنا ، لا أعلم ما يحدث في اليابان ، ولكن فيما يخص أوروبا ، فالأكيد أن معنى العيد قد اختفى بشكل مدهش وتلاشى بشكل كبير. وشيئا فشيئا توقف العيد عن أن يكون ظاهرة جماعية ، ظاهرة المجتمع نفسه . فالعيد كان ينزع إلى أن يصير شيئا مثل الرفض نفسه للنظام الاجتماعي ، لا يوجد عيد داخل النظام ، فالأعياد أصبحت شيئا فشيئا هامشية ، خارجة عن النظام ، ليست فقط اجتماعية وإنما فردية . هاته الأعياد التي بلغت أوجها سابقا في القرن 19م داخل ممارسة الإدمان ، قد بلغت أوجها حاليا في أمريكا وأوروبا في تعاطي المخدرات . الإدمان والمخدر هما طريقة معينة في استدعاء الجنون الاصطناعي ، جنون مؤقت وعابر لإقامة العيد ، ولكنه عيد سيكون بالضرورة عيدا مضادا ، إذ سيكون موجها بالكامل ، وفي أقصاه ، ضد المجتمع ونظامه . هنا أيضا ، تلاحظون ، ترابط الواحد بالآخر، ممارسة لعبة الرفض ولعبة الجنون . هنا أيضا يبدو أن بين الجنون واللعبة ، بين الجنون واللعبة المضادة هناك علاقة معينة كما هو الأمر في مجتمع العصر الوسيط . يمكن اعتبار العناصر المذكورة تعبيرا عن وضعية التطابق بين الوضع الإثنولوجي للمجنون ، و نظام الإقصاء الذي كان ساريا في العصر الوسيط أو في القرن 17 م في أوروبا ، و الذي بدوره ظل ساريا في مجتمعاتنا الحالية . نفس نظام الإقصاء ، نفس مربع الإقصاء والتهميش ، في العمل والأسرة واللغة واللعبة . إذا كان صحيحا دائما بأن هذا النظام الرباعي هو الذي يقصي المجنون ، فيلزم أن نقبل بالتالي بأن القطيعة الكبرى التي عرفها المؤرخون في 1792 م ، أو مع نهاية القرن 18 م ، لم تكن ذات أهمية ، و أنها كانت سطحية .
والحقيقة أنه إذا أرادت مجتمعاتنا فعلا أن تخلص المجنون من وضعه القديم و العتيق فعليها أن تعيد النظر في أغلبية هذه الممارسات ، ونفس الأمر بالنسبة للنظام الاجتماعي المرتبط به و الذي يلزم مراجعته حتى لا يكون المجنون هو المقصي بشكل رباعي من العمل والعائلة واللغة واللعبة .
ذلك ما قصدت أن أشرحه لكم كنقطة أولى لهذا العرض ، ولكنني فهمت بأنني تجاوزت كثيرا حدود الزمن . النقطة الثانية التي أود معالجتها هي بيان أسباب هذا التحول الذي حدث في الغرب مع نهاية القرن 18 م والذي اعتمدته كنقطة انطلاق .
لقد حاولت أن أوضح لكم بأن وضع المجنون لم يتغير في الأساس وبأنه ظل تابتا وبأن التحول الذي حدث في القرن 18 م ، كان ظاهريا وسطحيا . غير أنه يلزم أن نوليه عناية . ذاك ما أود أن أحدثكم به ، ولكني أتساءل إذا لم يكن من المعقول أن نتوقف قليلا الآن لكي نتحاور ، إذا تطلب الأمر ذلك ، ثم نعود . فأنا تحت تصرفكم . سأسرع ، أنا متأسف ، علي أن أعطيكم الانطباع بأنني أقدم تصميما شيئا ما مفكك . ولكنني سأقدم لكم اعترافا : لقد طلب مني ، منذ مجيئي إلى اليابان ، أن أتحدث خمس مرات عن هذا الموضوع . لقد وصلت إلى نقطة الإشباع بحيث لا يمكن الحديث في الموضوع دون الشعور بنوع من الضيق والانزعاج .لقد تكلمت طويلا ، وسأحاول الآن أن أسرع قليلا .

لقد عرضت عليكم الخطاطة التي أعتقد بأنها ثابتة من خلال المجتمع الأوروبي بشكل عام ومن خلال جغرافيته . إنها تسمح بتحديد ما نسميه بالمجنون . سأحاول أن أجيب حالا على اعتراض يمكن أن تقدموه . لقد تعودنا القول فعلا بأن البنيوية تمتنع عن كل تحليل يرتبط بالتغيير و التحول . بماذا سأجيبكم :
أولا فإن هذه المقاربة لا تهمني ذلك أنني لست بنيويا ، لم أكن من قبل كما لا أتمنى أن أكون . ثانيا يمكن أن أجيب بما يلي : البنيوية هي في الواقع شكل من التحليل هدفه الأساسي هو الاهتمام بالتحول والتحولات . ليست هناك بنيوية لا تكون ، بطريقة معينة ، تحليلا للشروط الكافية والضرورية لتحليل ممكن .
سأجيب ثالثا بالقول بأنني لست بنيويا ، وبأنني أيضا أحد من يحاولون تحليل التحولات . وفي الحالة الحاضرة ، فإنني أحاول الاهتمام بالتحولات التي أصابت ، رغم ذلك ، وضعية المجنون في الغرب ، أو بمعنى من المعاني ، هذا الوضع العام الذي حاولت تحديده . في الواقع ، ما الذي حدث في الغرب ، فيما يخص المجنون، منذ العصر الوسيط إلى أيامنا هذه ؟. أعتقد أن وضعه العام لم يتغير ،علما أن التحولات كانت كبيرة ومهمة وربما ستكون يوما ما حاسمة كليا . على ماذا تستند ؟. أعتقد أنه يمكننا قول ما يلي : إن ما ميز وضع المجنون في العصر الوسيط وطيلة عصر النهضة هو أساسا حرية التحرك والحياة اللتان كانتا تمنحان له . فمجتمعات العصر الوسيط ، مما هو مفارق وغريب ، كانت متسامحة بالطبع بالنسبة لظاهرة الجنون :

لقد كان المجنون متسامحا ( بفتح الميم ) معه رغم القوة التنظيمية التراتبية للفيودالية و رغم النظام الانتسابي الصارم للعائلات أو الأقارب . كان متسامحا معه داخل المجتمع ذاته بالرغم من أنه كان يتمتع بموقع نسبيا هامشي . فقد كان من التقليد مثلا وجود فرد ، داخل كل القرى ، نلقبه بأبله القرية والذي نجده ، على كل حال ، أيضا داخل عدد من المناطق الخشنة والعتيقة في أوروبا . إن الأبله أو بلهاء القرية كان لهم وضع هامشي ، إذ لم يكونوا يعملون ، لم يكونوا يتزوجون ، لم يكونوا جزءا من نظام اللعبة كما أن لغتهم كانت نسبيا بدون قيمة ، لقد كانوا على كل حال موجودين داخل المجتمع حيث كان يتقبلهم ويطعمهم وإلى حد ما يتحملونهم . كما أن المجنون ، في العصر الوسيط ، كان يتمتع بحرية الانتقال من مدينة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر . كانت هناك فقط عدد من النقط التي كانت بمعنى ما مقيدة ( بكسر الياء ) . عندما يصبح المجنون هائجا وخطيرا . عندما يزعج كثيرا المحيط أو المجتمع الذي يوجد فيه ، كانت هناك بشكل عام على أبواب المدن وعلى حدود القرى نوع من الحجرات الضيقة أو البيوت الصغيرة التي تم بناؤها داخل حيطان محصنة ، كان يتم حبسه فيها بشكل مؤقت . في حين تترك للأغلبية حرية الحياة والتحرك .

وعلى العكس من ذلك ، فقد أصبح مجتمع القرن 17 م ، إزاء الجنون ، أكثر تعصبا من العصر الوسيط ، بل وأكثر تعصبا أيضا من المجتمعات العربية المعاصرة مثلا . ابتداء من القرن 17 م ، أصبح حضور المجنون ، داخل العائلة والقرية و المدينة والمجتمع ، غير مسموح به تماما . أعتقد أن العثور على السبب هو سهل نسبيا . إن بداية القرن 17 م ، في أوروبا أساسا في فرنسا وانجلترا ، هي بداية التنظيم الاجتماعي والسياسي والدولي للمجتمعات الرأسمالية . لقد بدأت الرأسمالية في التنظيم على مستوى الدول والأمم . ففي مجتمع كهذا ، فإن وجود كتلة سكانية عاطلة أصبح مستحيلا وغير محتمل . لقد أصبحت ضرورة العمل مفروضة على الجميع . كما أن تحديد وضعية كل فرد بالنسبة لتنظيم العمل أصبح ضروريا ، مثلما أن تسيير الملكية من قبل مجموع العائلة ومن خلالها من قبل الجسد الاجتماعي ، أصبح أيضا ضروريا . لم يعد المجنون محتملا داخل هذا الشكل من التطور الاقتصادي والاجتماعي . وإنه لمن المميز رؤية أنه ، حوالي سنوات 1620 / 1650 في أوروبا ، تم تأسيس عدد معين من المؤسسات كما لم يعهده الغرب أبدا.

يمكن أن نموضع بسرعة الظهور الجغرافي لعدد من المؤسسات الحضرية الكبرى ، في هامبورغ بداية ثم في ليون ولندن ثم في باريس . لقد كانت مهمة هذه المؤسسات هي الحجز ، ليس فقط المجانين ولكن بشكل عام ، كل الأفراد العاطلين ، الذين ليست لهم مهنة أو مورد خاص ، والذين سيصبحون ، بخلاف ذلك ، تحت مسؤولية عائلة غير قادرة على إطعامهم : العجزة وذوو العاهات غير القادرين على العمل ، ولكن أيضا أرباب الأسر الذين يبذرون الملك العائلي ، الأطفال المسرفون الذين يبذرون ميراثهم والفجار والعاهرات أيضا ، وبالإجمال مجموع الأفراد في تلك المرحلة الذين ننعتهم في لغتنا بالأفراد غير الاجتماعيين ، والذين يجمعهم كونهم عوائق ومزعجين بالنسبة لتنظيم المجتمع حسب القواعد الاقتصادية السائدة في تلك المرحلة . لقد ظهر بالأساس حجز اقتصادي . لم يعد المجنون معترفا به كما هو في فرديته .
إذا كان المجنون موضوعا لإجراء الحجز هذا ، فإن ذلك قد تم فقط باعتباره ينتمي إلى عائلة جد كبيرة ، أكثر سعة وعامة للأفراد الذين يشكلون عائقا للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي للرأسمالية . وهكذا ، كشيء غير سوي أو كفوضى بالنسبة للمجتمع ، سيتم لأول مرة في الغرب النظر الى المجنون كفرد يجب إقصاؤه . إلى حد الآن فقد كان المجنون فردا هامشيا ولكنه متضمن داخل المجتمع . لكي يتم البدء ليس فقط بتهميشه ولكن بإقصائه ماديا وفرديا وجسديا من المجتمع كان يلزم قواعد جديدة للمجتمع الرأسمالي السائر في طريق النمو . قبل القرن 17 م كان المجنون على هامش العمل والأسرة الخ ، كان موضوعا للأنظمة الأربعة للإقصاء غير أن هذا الإقصاء يتركه مع ذلك حاضرا وسط الأفراد الآخرين . لقد بدأ الإقصاء المادي المرتبط بنظام الحجز ، حجز المجنون ، في القرن17 م مع ظهور هذه القواعد الاقتصادية الجديدة . غير أن الجدير بالإشارة هنا هو أن المجنون ، بما هو كذلك ، ليس وحده المقصي فقط ، بل إن الأمر يشمل كل الأفراد غير الخاضعين لقواعد العمل . لم يكن المجنون بالأحرى سوى واحد ، أو على كل حال مع الآخرين وفي نفس الوقت منهم .

من هنا نجد في الغرب نظاما جد غريب من الحجز والذي كانت له أهمية سوسيولوجية كبيرة ، بسبب أن هذا الحجز كان يهم أنواعا جد مختلفة من الأفراد والتي مست ، كميا ، عددا مهما من الناس . في باريس كان يعيش في القرن 17 م 250000 نسمة ، نعد منهم 6000 محتجز . كان عددا ضخما . ثانيا ، تجب الإشارة الى أن هذا الحجز لم يكن أبدا حجزا طبيا . لم يكن هناك طبيب معين في دور الحجز هذه ، كما أن الأمر لم يتعلق مطلقا بمعالجة ذوي العاهات و المسنين أو بمحاولة إرجاع من كانوا مجانين إلى الحياة العادية . إذا كان هناك طبيب ، فهو فقط لمعالجة الأمراض الشائعة . لم تتم أبدا معاملة هؤلاء الأفراد المحتجزين كمرضى ولكن كأناس غير قادرين على الإندماج في المجتمع . يجب أن نشير ، وهذا مظهر آخر مهم ، بأن دور الحجز هذه ، والتي لم تكن خاضعة لقانون طبي ، كانت بالمقابل خاضعة الى قواعد العمل الصارمة . الشيء الوحيد الذي كانوا يخضعون له هو ضرورة القيام بعمل ما ، وهو ما كانوا غير قادرين عليه . ولكن العمل ، وهو ما يظهر جيدا خاصية هذا الحجز ذاته ، كان بمعنى ما قانون هؤلاء الأفراد والذين لم يكن من الممكن حجزهم إلا على اعتبار أنهم غير قادرين على العمل . كان يتم حجزهم لأنهم كانوا خارج العمل ، ولكن ما أن يتم حجزهم ، فإن هذا الحجز يتم داخل نظام جديد للعمل .

وأخيرا ، النقطة الأخيرة التي تشير إلى أهمية هذه الظاهرة ، وهي أن ظهور هذه الدور الكبيرة للحجز قد وجدت نفسها مرتبطة بإقامة مؤسسة كبيرة هي الشرطة . لم تكن الشرطة في القرن 17 م في أوروبا بالمعنى الدقيق . كان هناك نوع من الحرس الحضري الذي كان مسؤولا عن حفظ النظام ليلا وأن يمنع السرقة أو الجريمة . غير أن الشرطة كنظام من المراقبة الدائمة للأفراد ، بين أيدي الدولة كما هي ، لم تظهر إلا في منتصف القرن 17 م . ففي فرنسا تمت ، على كل حال ، إقامة الشرطة بنفس الظهير الذي أسس لإقامة دور الحجز . إذ في سنة 1650 تم فعلا ، وبمرسوم (Pompone de Bellivievre) ، خلق دور الحجز ونقيب للشرطة . إن وجود هذه السلطة الجديدة ، التي هي ليست قضائية ولا عسكرية ولا كليا سياسية ، والمتمثلة في الشرطة هي مرتبطة بوجود هذا الرباعي للمجتمع الرأسمالي الذي هو في طور التأسيس والتطور ، والذي يستلزم أن يكون كل الأفراد مراقبين على مستوى إدماجهم وإخضاعهم إزاء قواعد العمل .

لقد انتشر نظام الحجز هذا منذ منتصف القرن 17 م إلى نهاية القرن 18 م وبداية القرن التاسع عشر . المشكلة هي معرفة لماذا ، مع نهاية القرن 18 م ، في سنوات 1790 / 1792 التي حدثتكم عنها قبل قليل ، كان هناك تحول ثان وإلى ماذا يستند ؟.

إن المؤرخين ، الذين منحوا أهمية كبرى للحرية الشهيرة للمجانين من قبل بينيل ، لم ينتبهوا ربما للحدث التالي : إن بينيل ، عندما حرر المجانين ، علينا أن نقول إضافة إلى ذلك المجنونات ، من سالبيتريير ، قد أرجع لهم حريتهم التامة والكاملة ولكن فقط لعدد معين من الأفراد أي لذوي العاهات والمسنين والعاطلين والعاهرات أيضا والفجار وإلى كل الأفراد الذين كانوا محكومين لأسباب أخلاقية أساسا أو أيضا بسبب عدم قدرتهم على العمل . غير أنه ترك داخل المستشفى ، داخل دور الحجز، من سيتم الاعتراف بهم كمرضى عقليين . بمعنى أن التحرير إزاء الحجز قد هم الجميع باستثناء المجانين . ما الذي كان تحت هذا الإجراء الذي اتخذه بينيل في 1792 م ، والذي اتخذ سنوات قليلة من قبل ، ثم في ألمانيا ثم في كل أوروبا فيما بعد ؟. نستطيع بسهولة نسبيا الإحاطة بالظاهرة بشكل عام . ستشهد نهاية القرن 18 م وبداية القرن 19 م المرور من الرأسمالية إلى سرعة أخرى ونظام آخر :
إنها الرأسمالية الصناعية التي أخذت موقعها . إن الحاجة الأولى لهذه الرأسمالية ستكون هي وجود ، داخل المجتمع ، كتلة من الأفراد العاطلين عن العمل والذين سيصلحون كمبدأ تنظيمي للسياسة الأجرية للعاملين . لكي تكون الأجور أكثر انخفاضا ، لكي تكون مطالب الشغيلة غير مهددة ( بكسر الدال الأولى )، لكي تكون بالتالي مصاريف الإنتاج منخفضة أكثر ما يمكن ، كان من اللازم أن يكون تحت تصرف العاملين كتلة من العاطلين والتي من الممكن توظيف عدد معين منها عندما تكون الحاجة ، كما نستطيع أن نسرحهم عندما تتطلب الحاجة ذلك . إن تشكل هذا الجيش الكبير المحتفظ به للرأسمالية التي تحدث عنها ماركس كان مطلبا جد واضح ، وهو ما وعى به رجال السياسة والمقاولون مع نهاية القرن 18 م وبداية القرن 19 م . ولذلك فإن هذه الآلات الكبرى لتقليص البطالة التي هي دور الحجز في القرن 17م و18 م لم تعد موجودة . ليس بسبب أنها غير نافعة ولكنها أصبحت مضرة وخطيرة . ليس فقط بسبب الرأسمالية لم تعد في حاجة إليها وإنما كونها لم تعد تريدها أبدا . لذلك تمت إزاحة دور الحجز كإجراء اقتصادي وبأن يتم استبدالها بنظام استشفائي ذو وجهين : من جهة نظام استشفائي مكلف بجمع ، وعند الاقتضاء وفي حدود الممكن ، وعلاج أولئك الذين لا يستطيعون العمل لأسباب جسدية ، ثم من جهة أخرى نظاما استشفائيا مكلفا بجمع الأفراد الذين لا يستطيعون لأسباب غير جسدية وبالتالي للأسباب التي يمكن أن نسميها ، إن لم يكن اكتشافها ، بالنفسية الخاصة بأولئك الذين لا يستطيعون العمل . سيكون هناك إذن نظاما استشفائيا جد مختلف عن نظام الحجز .

يسمح نظام الحجز القديم باستقبال كل أولئك الذين لا يعملون ، بشكل إرادي أو غير إرادي ، بسبب العجز أو بسبب الظروف الاقتصادية . لقد كان الحجز القديم نظاما كبيرا لإقصاء البطالة . أما الاستشفاء ، بدءا من القرن 19 م ، فيشتغل بطريقة أخرى . لا يتعلق الأمر فقط بتقليص أو بإزاحة البطالة وإنما يتعلق الأمر ، بالعكس ، بالمحافظة عليها إلى أكبر مستوى ممكن . لأجل ذلك ، سيتم العمل من جهة على تحرير كل أولئك الذين كانوا محتجزين داخل دور الحجز ، و من جهة أخرى إقامة نظام استشفائي سيكون مكلفا بالعلاج ، بمعنى العمل على إرجاع ، داخل سوق الشغل ، داخل دورة البطالة والعمل ، الأفراد بحيث نأمل في ألا تكون عدم قدرتهم على العمل سوى مسألة مؤقتة . . فانطلاقا من هذه اللحظة ، ولهذه الأسباب ، سيتم استبدال هذا الشخص المجنون ، الذي لم يكن مريضا عقلانيا ، بهذا الشخص الجديد الذي هو المريض عقلانيا . المريض عقلانيا هو دائما الشخص الذي نحصل عليه انطلاقا من نظام الإقصاء الرباعي الذي حدثتكم عنه في البداية ، غير أنه حصل الآن ، بحكم متطلبات المجتمع الرأسمالي ، على وضعية المريض ، بمعنى الفرد الذي يجب معالجته ، لكي نعيده إلى دورة العمل العادي والطبيعي بمعنى العمل الإجباري . إن هذا التعديل المميز للإقصاء الرأسمالي هو الذي عمل في الغرب على ميلاد المظهر الخاص بالمرض العقلي بمعنى المجنون والذي ليس كذلك إلا لأنه أصيب بالمرض . إن هذا النظام نفسه هو الذي عمل بالتوازي على ميلاد ، أو بالأحرى قبالة هذا المرض العقلي ، شخص لم يكن له من وجود من قبل وهـــو طبيب الأمراض العقلية أو النفسية .

ذلك أن هناك ، داخل كل هذا التاريخ ، شيء غريب ، وهو أنه لم يوجد في الغرب قبل القرن 19م هذا الشخص الذي هو طبيب الأمراض العقلية والنفسية . الأكيد أنه كان هناك أطباء يهتمون ببعض الظواهر القريبة من الجنون والمرتبطة بالإضطرابات اللغوية والسلوكية غير أنه لم تكن هناك فكرة أن الجنون كان مرضا خاصا بما فيه الكفاية لكي يستحق دراسة خاصة ، وبالتالي يستحق متخصصا يتحمل مسؤوليته . في المقابل ، وانطلاقا من القرن 19 م عندما تمت إقامة النظام الكبير للإستشفاء بوجهين : الاستشفاء العضوي والاستشفاء النفسي ، تم خلق الوضعية الإجتماعية الجديدة لطبيب الأمراض العقلية .

تلك ، بشكل عام وبقليل من الإتقان ، هي الكيفية التي أردت من خلالها إعادة بناء تاريخ تحولات هذا الشخص المجنون .

أريد أن أوضح لكم بأن مجتمعاتنا كانت مجتمعات صناعية متطورة ، وقد عملت دائما على استفادة المجنون من نفس الوضع القديم الذي وجدناه في القرن 17 م ، الذي نجده في العصر الوسيط ، و الذي نجده في المجتمعات البدائية . مجتمعاتنا متعلقة دائما بتحليل إثنولوجي ، لعبة إقصائهم وتضمينهم تستحق ، كما في أي مجتمع ، وصفا من النوع السوسيولوجي والإثنولوجي . ولكن على أساس هذا الإقصاء الإثنولوجي للمجنون ، شكلت الرأسمالية عددا معينا من المعايير الجديدة ، إقامة عدد معين من المتطلبات الجديدة : لذلك أخد المجنون ، داخل مجتمعاتنا ، صورة المرض العقلي . ليس المرض العقلي هو الحقيقة أخيرا مكتشفة لظاهرة الجنون ، إنها مصيبته الرأسمالية الخالصة داخل التاريخ الإثنولوجي للمجنون .

الهوامش:

النص عبارة عن محاضرة ألقاها فوكو في كلية الفنون الحرة بجامعة طوكيو ، أكتوبر 1970
المصدر ( كتابات وأقوال : من الصفحة 477 إلى الصفحة 499 ) .

1/ إحالة إلى الحركات الطلابية في اليابان وبخاصة تلك العنيفة في سنوات 1970 .
2/ إميل . دوركهايم ( منع المحارم وأصوله ) السنة السوسيولوجية 1898 .
3/ ليفي ستراوس ( البنيات الأولية للقرابة ) باريس 1949 .
4/ إحالة الى أعمال هازارد ( أزمة الوعي الأوروبي ) 1680 / 1715 .باريس . بوافن 1934 الجزء 3 …. الفكر الأوروبي في القرن 18 م من مونتيسكيو إلى ليسينغ . باريس . بوافين 1949 الجزء 3 ….. وإلى كاسيرر ( فلسفة الأنوار ) 1932 ( التاريخ بدون حدود 1966) .
5/ في انجلترا ، فإن الاصلاح الاستشفائي كان مرتبطا بعائلة تيكي . أسس ويليم تيكي ( 1732 / 1822) سنة 1796 ، مع quakers ، ( تقاعد) بالنسبة للمختلين .نشر ابنه الصغير سامويل تيكي ( 1784 / 1857 ) مؤلفا حول ذلك والذي حرض على تحقيق برلماني حول نظام دور المختلين .
6 / إحالة إلى وصفة 18 دجنبر 1819 المرتبطة بالمؤسسات العامة والخاصة المخصصة للمختلين وإلى القانون المرتبط بهم والصادر في 30 جوان 1838

شاهد أيضاً

فريديريك غرو: فوكو وســــــؤال العنف

ترجمة : محمد ازويتة مدخل ليس العنف نقيضا للسلم ، و إنما هو  ” ظله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *