الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / مفــهوم الصفة في فلسفة سبينوزا (2)*

مفــهوم الصفة في فلسفة سبينوزا (2)*


احمد اوزاهي

. أجمد أوزاهي

” أعني بالصفة ما يدركه الذهن في الجوهر مقوما لماهيته”(1)

الصفة مفهوم أساسي وهام في المنظومة الفكرية لسبينوزا، إذ يتناولها كمبدأ للمعقولية، فهي ملازمة للجوهر، وما به يتحدد هذا الأخير بالنسبة للذهن ويتحقق، أي ما يدركه الفهم على أنه مقوم ومحدد للجوهر، وهي من جهة محددة لطبيعة الجوهر وماهيته ومعبرة عنه، أي أنها “تحديدات مكونة ومطلقة. إنها تشكل الجوهر” (2) ، وتجعله مدركا، أو “الصورة التي يحظر بها في الذهن الإنساني” (3) ، وحينما نتحدث عن الجوهر وصفاته نقصد صفات الله أو الطبيعة، انسجاما مع قول سبينوزا أن “المقصود بصفات الله هو ما يعبر عن ماهية الجوهر الإلهي، أي ما ينتمي الى الجوهر” (4) ، فالفيلسوف ليس يفرق بينهما بل يؤكد على أن الصفة حاملة لنفس خصائص الله وتتطبع بمميزاته، وتتماهى معه كما تتماهى مع الأحوال، “ويترتب على ذلك أن الصفة تكون متصورة بذاتها شأنها شأن الجوهر” (5) ، وما دام الأزل مثلا خاصية الجوهر، “فإن كل صفة من صفات تنطوي إذا بالضرورة على الأزل، وبالتالي فهي جميعا أزلية” (6) ، فما ينطبق على الجوهر ينطبق على صفاته، هكذا نستنتج أن الصفات الإلهية هي أزلية، ولا متناهية، وثابتة لا تتغير لأنها تعبر عن ماهية الإله وقوته.
ترتبط الصفة بالجوهر في فكر سبينوزا في علاقة أنطولوجيا ضرورية، لا يمكن القول معها إنه لا يمكن أن نتصور في استقلال عن بعضهما البعض، فالصفة نعت لا يمكن تصورها بذاتها وفي ذاتها، وليست مكتفية بذاتها كما الجوهر، بل إن هذا الأخير هو دعامتها الأساسية، لأن الصفة قائمة في الجوهر وبالجوهر تتوحد، تكون ماهيته ووجوده، فهي صفات جوهرية، ومن طبيعتها ألا تتحدد كصفة واحدة، إنما ما لا نهاية من الصفات في جنسها وعددها ووحدة الجوهر هي ما يوحدها، فيضفيان باتحادهما معا، مبدأ المعقولية على الوجود وكل ما هو موجود، إلا أن الإنسان لا يدرك من هذا التعدد والكثرة حد ما لا نهاية، غير صفتين أساسيتان : الامتداد بواسطة حواسه باعتباره مادة، والفكر أو النفس بواسطة تجربته الذهنية بالنظر إليها فكرا، إلا أن هذا الأمر لا ينبغي أن يفضي إلى القول إن الحقائق تتحدد بتعدد الصفات، لأن هذا محال لدى سبينوزا الذي ينظر إلى الحقيقة على “أنها كل واحد، لأن جانبي الحقيقة هذان – المادة والفكر – ليس وجودين مستقلين الواحد منهما عن الأخر” (7) ، واللذان يعتبران جوانب الحقيق الداخلية والخارجية، أي البعد المادي الجسدي الظاهر والبعد النفسي الباطن المقابل له، فالامتداد كصفة هو تجلي كل الأشياء الجسمية، وهو أيضا منطلق إدراكنا للمجال الفيزيائي في أشكاله ومستوياته؛ وأبعاده الهندسية وفي حركاته أو سكونه ، والفكر أيضا بنفس التحديد هو مصدر وعينا لكل فهم أو فكر وأفكار، فهما معا تابعين للجوهر الأول، ولا ينبغي النظر إليهما كمبدأين منفصلين بل وجب اعتبارهما متكاملان ومنسجمان حد التطابق توحدهما فكرة الله كما يقول فيكتور دلبوس، “فإدراك الفكر والامتداد يتعرف الفهم -الفهم الإنساني- صفتين من الصفات اللامتناهية التي تؤسس الجوهر أي الجوهر الفريد” (8) وبناء على ذلك؛ فإن ما يسم مفهوم الصفة في علاقتها بالجوهر الإلهي هو الوحدة رغم التعدد والكثرة  والتمايز، “إنها عبارة عن تحديدات مؤسسة للجوهر وهي مطلقة، يتم تصورها بذاتها لا من قبل شيء آخر” (9) ، وتجدر الإشارة إلى كل الصفة تحدد ماهيتها وتعبر عنها بما هي خاصية لا متناهية؛ دون أن تتجاوز ما يحدها الى ماهية أخرى أو تقاطعها، فالصفات متمايزة ومستقلة واحدة عن الأخرى واقعيا، بحث تدرك بذاتها شأنها شأن الجوهر دون أن يوجد ما يستوجب صفة أخرى، وفي هذا الصدد يقول سبينوزا: “كل صفة إنما هي متصورة بذاتها” (10) ، وبمعزل عن كل صفة أخرى
الصفات هي أساسية للجوهر وضرورية، بل بها يكون الجوهر كذلك، ويتم رفعها الى درجة الجوهر، الذي يتم تحديده ككائن مطلق ولا متناهي مكون من صفات هي نفسها، وبشكل دائم ثابتة، لا متناهية من حيث العدد، تعبر كل واحدة منها على ماهية أزلية لا متناهية، حيث يتم تصورها بذاتها، لأن “كل صفة مدركة بذاتها وفي ذاتها”(11) ، كالامتداد الذي هو الصفة الأساسية للجسم، والفكر الذي هو الصفة المحدد للنفس، فهما الصفتان البارزتان والتي يمكن إدراكهما بشكل ميسّر، كتحديد للجوهر الواحد بقدرة العقل لا بقدرة الله ، لأن “الإله يملك قدرة لا متناهية بإطلاق على الوجود لا يستنفذها كاملة في الفكر أو الامتداد”(12) ، ومن هذا المنطلق يمكن الإقرار أن الصفة تلعب وظيفتين في فلسفة سبينوزا، الوظيفة الأولى تربطها بالجوهر بحيث تشكل البعد الوجودي له مؤسسة بذلك ماهيته وفرادته، أما الثانية فتتجلى في طابع المعقولية الذي تضفيه على الجوهر، مما يجعله قابلا للإدراك والفهم الإنساني، وبناء تصور واضح كامل تام، “فالفهم يستطيع، من خلال الصفات، أن يكون معرفة مطابقة عن الجوهر” (13).
تربط بين الصفات والجوهر الواحد علاقات ضرورية تلازمية، فهي موجودة وجودا صوريا في الطبيعة أي فعليا وواقعيا، ويستحيل أن توجد بمعزل الجوهر، وليس من الممكن قبول الجوهر دون صفاته أو أن يتسامى عنها، لأن هذه الأخيرة هي ما يؤسس ماهيته ويجعله موضوع فهم وإدراك، والأمر نفسه بالنسبة لعلاقة الصفات بالأحوال، فكل عنصر يتحقق بالأخر ويكتمل. فعلاقات كل الموجودات والأشياء والكون أو الطبيعة في المنظومة الفكرية السبينوزية هي علاقة تواصل وترابط أو تحايث.

الهوامش:

  • تم سابقا نشر مفهوم الجوهر لذات الفيلسوف.
    1)- سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق، ص 31
    2)- ألكييه، فردناند، دروس في السوربون، ص 133
    3) – حدجامي عادل، فلسفة جيل دلوز عن الوجود والاختلاف، ص 61
    4)- سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق ص 55
    5)- العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص 56
    6)- سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق ص 55
    7)- إيهاب، توفيق، سبينوزا سيرته وفلسفته، ص 36
    8) – العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص56
    9) – ألكييه، فردناند، دروس في السوربون. ص149
    10)- سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق ص39
    11)- دلوز، جيل، سبينوزا فلسفة عملية، ص 66
    12)- دلوز، جيل، سبينوزا فلسفة عملية، ص 67
    13)- العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، ص61

المصادر:
– سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2009م، بيروت- لبنان.
المراجع:
ألكييه، فردناند، دروس في السوربون: الطبيعة والحقيقة في فلسفة سبينوزا، ترجمة وتقديم وتعليق العلمي أحمد، إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2018م، المغرب.
دلوز، جيل، سبينوزا فلسفة عملية، ترجمة حدجامي عادل، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2015م، المغرب.
حدجامي عادل، فلسفة جيل دلوز عن الوجود والاختلاف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2012م، المغرب.
العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، افريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2015م، المغرب.
إيهاب، توفيق، سبينوزا سيرته وفلسفته، إصدارات العوادي، الحرية للنشر والتوزيع.

شاهد أيضاً

فالتر بنيامين: الرأسماليّة بوصفها ديناً

ترجمة: كمال بومنير يمكننا النظر إلى الرأسمالية على أنها دينٌ بالنظر إلى لما تقوم به …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *