الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / روبرتو إسبوسيتو: علاج إلى غاية النهاية

روبرتو إسبوسيتو: علاج إلى غاية النهاية

ترجمة جميلة حنيفي

Roberto Esposito Cured to the Bitter End

أجد في ثنايا هذا النص الذي كتبه جون-لوك نانسي، جميع السمات التي ميزت دوما شخصيته – على وجه الخصوص جوده الفكري الذي حظيت به شخصيًا في الماضي، وتأثري الكبير بتفكيره، لا سيما في بحوثي المتعلقة بالجماعات. إن معارضته الشديدة والدائمة لبراديغم البيوسياسة biopolitics هو ما قطع إلى حد ما الحوار بيننا، تماما كما هو الحال في هذا النص، حيث يعارض سداد التجهيزات التكنولوجية -كما لو كان الأمران بالضرورة متناقضين- على الرغم من أن لفظة “الفيروسي” نفسها تحيل في الواقع إلى عدوى سياسية حيوية بين اللغات المختلفة -السياسية والاجتماعية والطبية والتكنولوجية- فإن المتلازمة المناعية نفسها قد وحدتها جميعها، أقصد كقطبية دلالية متعارضة مع قاموس الجماعات lexicon of communitas. على الرغم من أن دريدا نفسه قد استخدم مقولة التحصين على نطاق واسع، إلا أن نانسي رفض أن يضع نفسه في مواجهة مع براديغم البيوسياسة. ربما يعود ذلك إلى تأثره بخلل التوتر dystonia  تجاه ميشال فوكو، وهو أمر ورثه من دريدا. على كل حال، نحن نتحدث عن ثلاثة فلاسفة يعتبرون بحق من أهم الفلاسفة المعاصرين.
يبقى هناك أمر لا يمكن لأي أحد ذي نظرة ثاقبة إنكاره وهو الاستعمال المستمر للبيوسياسة. من تدخل التكنولوجيا الحيوية في المجالات التي كانت تعتبر فيما مضى طبيعية بصورة حصرية، مثل الولادة والموت، إلى الإرهاب البيولوجي bioterrorism، إلى إدارة الهجرة والأوبئة الأكثر أو الأقل خطورة، فكل الصراعات السياسية اليوم لديها في جوهرها علاقة بالسياسة وبالحياة البيولوجية. لكن هذه الإحالة إلى فوكو في حد ذاتها ينبغي أن تؤدي بنا إلى عدم إغفال الطابع المتمايز تاريخياً للظاهرة البيو-سياسية. ما يستدعي النظر هو أنه في القرنين الماضيين والنصف، كما انتبه إلى ذلك ميشال فوكو، شكلت كل من السياسة والبيولوجيا وشيجة قوية بصورة متزايدة أكثر من أي وقت مضى، ما ترتبت عنه نتائج إشكالية وأحيانًا مأساوية. يوجد أمر آخر يتمثل في المماثلة بين حوادث وتجارب فريدة من نوعها. أنا شخصياً أتجنب إجراء أي نوع من المقارنة بين سجون تتوفر فيها أقصى درجات الأمن والحجر الصحي لمدة أسبوعين في الأراضي المنخفضة ببو Po Lowlands . من وجهة النظر القانونية، بطبيعة الحال، إن قرارات الطوارئ التي تم تطبيقها منذ فترة طويلة حتى في حالات مشابهة لهذه الحالة، حيث لم تكن ضرورية على الإطلاق، تدفع الساسة نحو فرض إجراءات الاستثناء التي قد تقلص على المدى الطويل توازن القوى لصالح القوة التنفيذية. لكن في حالتنا هذه يبدو لي أن الحديث عن المخاطر التي تهدد الديمقراطية، حديث مبالغ فيه وهذا أقل ما يقال عنه. أعتقد أنه يتوجب علينا محاولة الفصل بين المستويات والتمييز بين الإجراءات طويلة الأمد والأحداث الأخيرة. فيما يخص النقطة الأولى، فقد ارتبطت السياسة والطب في تحالفات متبادلة طوال ثلاثة قرون على الأقل، ما أحدث في نهاية الأمر تغيرا فيهما معا. هذا أدى من جهة، إلى اعتماد إجراء تطبيب medicalization of politics السياسة، غير المقيد ظاهريا بأية حدود أيديولوجية، إجراء يظهر نفسه على أنه مخوّل أكثر فأكثر “لعلاج” مواطنيه من المخاطر التي غالباً ما هو مسؤول عن تفاقمها. من ناحية أخرى، نشهد تسييسًا للطب politicization of medicine، يتم استثماره في مهام الرقابة الاجتماعية التي ليست لها علاقة به- هذا ما يفسر التقييمات غير المتجانسة تماما التي يقوم بها علماء الفيروسات حول طبيعة فيروس كورونا ودرجة خطورته. كل من هذين الاتجاهين يشوهان السياسة مقارنة بصورتها الكلاسيكية. ناهيك عن كون أهدافها لم تعد تشمل الأفراد المعزولين أو الطبقات الاجتماعية، ولكن شرائح من الساكنة تتباين حسب الصحة أو العمر أو الجنس أو حتى المجموعة العرقية.
ولكن مرة أخرى، وبالنظر إلى المخاوف المشروعة تمامًا، من الضروري ألا نفقد إحساسنا بالتناسب. يبدو لي أن ما يحدث في إيطاليا اليوم، مع التداخل الفوضوي والبشع إلى حد ما للامتيازات الوطنية والإقليمية، يتسم بطابع انهيار السلطات العامة أكثر من اتخاذه طابع قبضة شمولية دراماتيكية.

هذا رد الفيلسوف الإيطالي روبرتو إسبوسيتو(المولود في 1950) على الفيلسوف الفرنسي جان-لوك نانسي في 28فيفري 2020، ونُشر باللغة الإنجليزية على الموقع الآتي:
https://www.journal-psychoanalysis.eu/coronavirus-and-philosophers/
وفي الموقع ذاته تجدون رد الفيلسوف جان-لوك نانسي على روبرتو إسبوسيتو عبر البريد الإلكتروني قائلا: “عزيزي روبرت، لا “البيولوجيا” ولا “السياسة” لفظين محددين بشكل دقيق اليوم. في الواقع أحبّذ قول العكس. لهذا السبب لا أستخد اللفظتين مجتمعين.

مع أطيب التحيات ، جان-لوك “.

شاهد أيضاً

عبد السلام بنعبد العالي: الحداثة ومسألة القطيعة

عبد السلام بنعبد العالي مفهوم القطيعة كما نعلم وليد فلسفة العلوم وتاريخها، وهو يُردّ عادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *