الرئيسية / ترجمة / حوار مع كورنيل وست: إعمال الإيمان الفلسفي

حوار مع كورنيل وست: إعمال الإيمان الفلسفي

Philosophical Faith in Action
حوار مع كورنيل وست Cornel West

ترجمة جميلة حنيفي


جميلة حنيفي

كنا نأمل أن نبدأ هذا الحوار بالحديث عن كيفية ولوجك إلى عالم الفلسفة، وتحديدا الفلسفة البراغماتية وفلسفة الدين. فهل يمكن أن تقدم لنا وصفا لمسارك الدراسي؟

أعتقد أن الأمر برمته يعود إلى العائلة والكنيسة معا. لطالما كنت مهووسًا بمشكلة الشر، ومكافحًا أشكال مختلفة من المعاناة غير المبررة، والألم غير المستحق، والبؤس الاجتماعي غير الضروري. إن الفيلسوف الذي أثار انتباهي في وقت مبكر هو سورين كيركغارد. عشت في مقاطعة منفصلة في سكرامنتو Sacramentoبولاية كاليفورنيا California وكان لدينا مكتبة متنقلة- فلم تكن لدينا مكتبات في الجوار- وعندما قرأت لأول مرة كيركغارد، قلت: “يا إلهي! إنه يتناول شيئا جوهريا بالنسبة إلي”، يتمثل في أن نعرف كيف ننخرط فعليا في أشكال التفكير الفلسفي التي لا يمكن فصلها عن التجربة الحية والمواقف الملموسة.
لن أنسى أبدًا لحظة وصولي إلى جامعة هارفارد لأول مرة. كنت أعرف أنني أود التخصص في الفلسفة، وذهبت إلى مكتب أستاذي روبرت نوزيك R. Nozick. أخبرته أنني قد قرأت كيركغارد وكتاب قصة الفلسفة story of Philosophy لويل دورانت Will Durant، وهو نوع شائع ومتداول من الكتابة الفلسفية حول الشخصيات الكبرى، ولكنه مهم جدًا بالنسبة إلى شاب يبلغ من العمر ستة عشر أو سبعة عشر عامًا. فقال لي: “ليس سيئًا، لكننا سنقدمك إلى بعض الفلاسفة الكبار”. قلت: “هذا رائع.”
أعتقد أنني مذ ذاك سكنني الهاجس نفسه وهو مشكلة الشر، لكن أتيحت لي فرصة قراءة بعض الشخصيات والنصوص ذات الأهمية الحاسمة. وبالطبع، كان أحدها الجزء العاشر من محاورات في الدين الطبيعي لدافيد هيوم Dialogues Concerning Natural Religion، حيث اكتشفت صراعا لطيفا مع نوع من التحليل الوجودي للألم والمعاناة، إلى جانب نقد قوي لأشكال التأسيسية التجريبية Empiricist Foundationalism. بعدها قرأت المقال الشهير لإيمانويل كانط 1791، عن “فشل كل الثيوديسات الفلسفية” Theodicies. ثم الكتاب الرائع؛ مقال حول الطبيعة البشرية Treatise of Human Nature لفريدرك فلهلم شيلينغ F. W Von Schelling، والذي من المحتمل أن يكون أحد أقوى الصراعات العميقة والواقعية مع حقيقة الشر، وسبب فشل الأنظمة المثالية الألمانية لأنها لم تستطع التعامل مع حقيقة الشر. وأخيرًا شوبنهاور. إذن يمكنني القول إنه من حيث التقليد الفلسفي الأوروبي الحديث كانت تلك النصوص الأربعة دوما محور صراعي مع الذات.
بعدها اطلعت على البراغماتية والفضل يعود إلى إسرائيل شيفلر Israel Scheffler، وبالطبع صديقي العزيز ريتشارد رورتي Richard Rorty في جامعة برينستون Princeton. لقد أدهشتني البراغماتية كطريقة لاتخاذ أنواع معينة من الحركات السياقية والتاريخية التي تربط الفلسفة بالثقافة والتاريخ والصراع وما إلى ذلك. وفي جامعة برينستون، اكتشفت جوزيه رويس Josiah Royce العجوز، ومنه لم أعد أبدا عضوا ضمن الفلاسفة البراغماتيين، لأنني شعرت بأنه في بعض الجوانب كان أكثر عمقًا منهم جميعًا. إن “المحاضرة الثامنة” عن شوبنهاور، من كتابه روح الفلسفة الحديثة Spirit of Modem Philosophy, (1892)، ما تزال تشكل بالنسبة إلي إحدى اللحظات العظيمة في الفلسفة الأمريكية.
هكذا توجهت صوب الفلسفة بطريقة فريدة جدا من نوعها ومميزة -قد يصفها البعض بأنها طريقة “مرتبكة”- خاصة عندما يسلك المرء طريق كيركغارد-شوبنهاور، سيحصل على مجموعة مختلفة تمامًا من الاهتمامات. مع ذلك سينتبه بعمق لانتقادات النزعة التأسيسية و الأشكال اللاتاريخية، بل أكثر من ذلك سيحاول بالفعل ربط الفلسفة بالتجربة الحية وفهمها بشكل أساسي كبحث عن الحكمة، وهو ما أنجزه جون ديوي في كتابه البحث عن اليقين ، ضمن محاضرات جيفورد Gifford lectures الشهيرة عام 1929. فإذا تم الربط الفعلي للفلسفة بالبحث عن الحكمة، فإن النتيجة ستكون نقد البحث عن اليقين.

لقد حددت كواين Quine W.V. كشخصية مفتاحية في البراغماتية الأمريكية. لقد كتبت في الاجتناب الأمريكي للفلسفة The American Evasion of Philosophy قائلا إن: “عبقرية كواين كانت تتدخل في أكثر خطابات المناطقة الرمزيين والوضعيين المنطقيين تعقيدا، وذلك بواسطة صيغ براغماتية وإيمرسونية، أي صناعة الإنسان والأحاسيس”. قد يعترض البعض على أن خطوة كواين لتعويض نظرية المعرفة بعلم النفس السلوكي ، لم تكن مُؤنسنة على الإطلاق. كيف تزاوج بين وجهة نظر إيمرسون حول الاعتماد على الذات بشكل جذري والمقاربة الكواينية التي ترى أن الأفراد بشكل جذري لا يتحددون ذاتيا، ولكن كباقة من استعدادات-الكلام؟

إنه سؤال جيد. أرى كواين أولاً وقبل كل شيء كفيلسوف طبيعاني بدلاً من براغماتي، لكن هناك عناصر براغماتية في طبيعانيته بالطريقة نفسها التي سأرى بها نيلسون جودمان Nelson Goodman. أعتقد أن التشديد على صنع الإنسان وعلى صنع العالم كنتيجة لصنع الإنسان مقترن بتصور اهتمامات إمرسون بالموجودات الإنسانية والإبداع الإنساني باعتباره محور الأشياء.
ثمت بعض الغموض في فهم المقصود بـكلمة “أنسنة” humanizing. أعتقد أن كواين بالتأكيد يفهم العلم والبراكسيس الإنساني الذي تنجزه المجتمعات البشرية بهذا المعنى. وأعتقد في هذا الصدد أن نوعًا معينًا من التبسيط يكتنف بعض الأنماط القديمة من الوضعية، لكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار، أن كواين ما يزال وضعيا في النهاية، على ما أعتقد. ويرتبط جزء من ذلك بتقديره للفيزيائيين وبكهنوته العلماني. وأعتقد أيضا أن الفيزيائيين لديهم الكثير ليخبرونا به، وباستخدام لغة غودمان أقول لديهم تفسيراتهم الخاصة حول صنع العالم، ولديهم القدرة على التوقع أفضل من الفئات الأخرى. لذلك نحن نذعن لهم عندما يتعلق الأمر بالقوى التنبؤية. ولكن هناك في الحياة ما هو أكثر من مجرد القوة التنبؤية، وهنا سأعود إلى كواين.
لقد دارت بيني وبين كواين مناقشات رائعة عندما كنت طالبًا جامعيًا. سألته قائلا: “بروفيسور كواين، ما هو معنى الحياة في نظرك ؟” كان يقول: “حسنًا، هذا سؤال مهم جدا، كورنيل. لدي هوايات؛ أجمع الصخور، أسافر حول العالم ولدي مجموعة روك رائعة، وأجد معنى كبير في رؤية مجموعة متنوعة من التكوينات الصخرية في العالم وهكذا. فقلت: “هذا مثير للاهتمام. ماذا عن جمع الصخور؟”، ويرد قائلا: “إنه يكشف عن الفضول الفكري”. وأردف سائلا إياه: “آه! مثير للإعجاب! هل يرتبط هذا الفضول الفكري بأي شكل من الأشكال بقضايا الحب والموت والمودة وما إلى ذلك؟” ويجيب بالقول: “بالتأكيد جميعنا لدينا كل هذه الاحتياجات”. وأسأله: “آه، هل تفكر في كتابة المزيد عن ذلك؟”، فيقول: “لا، لا، كما تعلم أنا لست مهتمًا بهذا الأمر “.
كنت أحاول فقط استخلاص الأبعاد الوجودية لحياته الخاصة. على الرغم من كونه كان منفتحًا جدا لذلك، إلا أنه لم يعكس ذلك في كتاباته.

في كتاب الاجتناب الأمريكي للفلسفة، تشير إلى أن فكرة سؤال فلسفي بحت أو سؤال ذو أهمية فلسفية خالصة عبارة عن فكرة تاريخية، تلك التي حقا تظهر في البدايات الأولى للفترة الحديثة فقط. قد يقرأ المرء تأكيدك على عملياتية practicality البراغماتية وارتباطها بالحياة المعيشة بهذه الطريقة كابتعاد عن طرح الأسئلة الفلسفية البحتة. فهل سيكون ذلك منصفا؟

حسنًا، إن الكثير يتوقف على ما نقصده بـ “الفلسفية البحتة”. أعني بالتأكيد هناك أسئلة من الواجب طرحها ليس لها استخدام أداتي مباشر أو ليس لها مفعول عملي مباشر. من الواجب طرح تلك الأسئلة، وهي إلى حد ما تعتبر أسئلة “خالدة”. وتلاحظ ذلك في الأساطير الثقافية المتعددة، السرديات، الحكايات والرموز وغيرها حيث تطرح هذه الأسئلة الأساسية؛ ماذا يعني أن تكون إنسانا؟ ما هي طبيعة الموت؟ لماذا يوجد شيء بدلا من لاشيء؟ ما هو أصل الشر؟ هذه بمعنى ما أسئلة لازمانية. ويتم التعبير عنها دوما بأشكال تاريخية متعددة، لكنها أعتقد أسئلة ليس لديها مفعول عملي مباشر يتوجب السؤال عنه.
وعلى خطى رورتي أعتقد فعلا أن الطريقة التي تتولد بها الفلسفة في الفترة الحديثة كخطاب مستقل، مكتف بذاته، غائي في ذاته وهلم جر، لقصة جديرة بأن تروى. إنها قصة معقدة جدا-لا أحد فهمها فعلا لكننا نعلم أن شيئا ما قد حدث حيث على سبيل المثال يُنظر إلى الريبية على أنها مسألة ابستيمية أكثر من كونها طريقة حياة. وهذا مثير للاهتمام. اعتاد جوزيه رويس التحدث عن روحانية البحث الأصيل، وهي طريقة للحديث عن ربط الفلسفي بأشكال من الروحانية كطريقة لإغوائنا أو جذبنا إلى أشكال مختلفة من الرهبة والدهشة والفضول، وليس الروحانية العابرة. بالمناسبة أنا متفق مع كل ذلك. الكثير من الناس سيربطون ذلك بالفلسفي البحت. إذا كان هذا ما تقصده، فلا بأس. لكنني من ناحية أخرى، أرغب في إضفاء الطابع التاريخي على الفلسفي البحت، وبعدها سنكون مجبرين على سرد الحكايات.

في كتابك الموسوم التمسك بالإيمان Keeping Faith، تعلق على عمق وشدة “التزامك بما أسميه رؤية وممارسة تنبؤية تستند أساسًا إلى إحساس مميز بالحياة مأساوي أسود”. يبدو أن هذا الالتزام يتفرع إلى جزأين؛ توجد إرادة للنظر في واقعتي الموت واليأس، والتأكيد على الفاعلية الأخلاقية في مواجهتهما، ويوجد أيضًا خيط رفيع من الفكر المسيحي “الشكاك للغاية في قدرتنا على معرفة الحقائق النهائية عن وجودنا، وهذا ما يقوي فعل الإيمان”. الآن، بالتأكيد هناك مكان للفلسفة في الجزء الأول. لكن على الرغم من أن فعل الإيمان يزود الفلسفة بموضوع، وهنا من المؤكد أن كتاب الخوف والرعشة لسورين كيركغارد fear and Trembling يتبادر إلى الذهن، فإنه عمليا يبدو أنه يمكن اعتبار الجزء الثاني تقريبا مضادا للفلسفة.

نعم، أو على الأقل الإمساك بالفلسفي بحرص على ضوء مفاهيم معينة لحدود البحث الفلسفي. أعتقد أن كلمة “مضاد Anti” قد تشكل ادعاء قويا إلى حد ما، لأنه بطريقة ما “مضادة الفلسفي” يعد أمرا طفيليا على مفهوم معين للفلسفي، ما يجعلك تعود أدراجك إلى الفلسفي. عندما تحاول استبعاد التمسك بالفلسفي نظرًا إلى أنك في الآن معا تستخدمه وما تزال منشغلا بحدوده، فقد يضعك ذلك في موضع خطابي مختلف تماما ووجودي أيضا. وأعتقد أن هذا أكثر ما يجول في ذهني، مرة أخرى مثل كيركغارد الذي لم يدع في الحقيقة إلى صلابة العقل، على الرغم من أنه في بعض الأحيان قد استخدم هذه اللغة، لكن الأمر يتعلق أكثر باستخدام جميع الموارد المتاحة واستخدام التفكير العقلاني مع الاعتراف بحدوده، وتخومه، ومنتهاه، وهكذا دواليك.

صحيح أيضًا أن المرء يمكن أن يقول: حسنًا، ألست بصدد تقديم ادعاءات ميتافيزيقية حول طبيعة الواقع عندما تتحدث عن السخيف والمزاجية التي تكتنف صميمها؟ يتحدث شيلينغ Schelling وهو محبط للغاية! عن حجاب الحزن الذي ينتشر في كل الطبيعة وعن الكآبة العميقة، غير القابلة للإزاحة، التي تدلي بستارها على الحياة بأسرها، وذلك في مقاله الهام الموسوم في ماهية الحرية الإنسانية On the Essence of Human Freedom (1809). لقد اختار شلينغ المشروع المثالي الألماني حيث عقلانية العالم قابلة للقياس عن طريق تحليل الوعي البشري. وانتهي به الأمر إلى التفكير “يا الله! إنها أكثر سوادا مما ظننت! غلبة اللاعقل unreason هذه حيث لا تفهم شيئًا سوى الجنون المنظم regulated madness”. لاحظ إنه يقول: إذا كان هناك بالفعل عنصر لا يمكن اجتثاثه وغير قابل للاستيعاب وغير عقلاني، فكيف نتحدث عنه؟

قد تكون المسألة متعلقة بمحاولة ربط الانتقادات الميتافلسفية من خلال مفاهيم درامية معينة لحياة العقل ومفاهيم درامية متعلقة بعيش حياتنا الخاصة. وفي هذا الصدد، أعتقد بالفعل (وأنا أتفق مع الأخ ستانلي كافيل Brother Stanley Cavell) أنه من الواجب أن يكون هناك حوار أوسع بكثير، ليس بين النقاد الأدبيين فقط، لأن هناك العديد من مدارس النقد الأدبي، ولكن بين مفاهيم معينة عن الدرامي التي نجدها في المسرحيات والروايات وما إلى ذلك، والخطاب الفلسفي الذي يهتم بالتجربة المعيشة.
تأمل معي، كما تعلم توفي شيلينغ في عام 1854، وكتب النص في عام 1809، ولم ينشر كلمة بعدها. هذا ما حدث. رائع. لم يكن لينشر أية كلمة. لقد أمضى مدة طويلة في المنفى؛ خمسة وأربعين سنة. شيلنغ يعود أيضا. تحدثنا عن عودة شوبنهاور. لكنه لن يعود كما المثالي الألماني القديم، لا، لا، لا. إنه سيعود بوصفه ميتافيزيقي الشر، إذا استخدمنا لغة هيدجر. أعتقد أن الميتافيزيقي يجب كبحه وتقليصه وتبسيطه بدلاً من تفكيكه، لكنهم بالتأكيد سيعودون. أعتقد أن كل فلاسفة الظلام، تماما شأنهم شأن فناني الظلام، سيكونون مهمين جدًا للقرن الحادي والعشرين. سيكون شعر بول سيلان Paul Celan محوريا في القرن المقبل، كذلك شعر كافكا وهاردي، والشيلينغيين والشوبنهاوريين. ليس بسبب استنتاجاتهم المقنعة، ولكن بسبب طبيعة صراعاتهم. هناك شعور بأننا في الفلسفة التحليلية نغفل إيقاع الفيلسوف، وسوف يعود الشيلينغيون والشوبنهاوريون والكيركيجارديون جزئياً بسبب إيقاعاتهم، ما يتناغم بشكل جيد مع روح العصر zeitgeist، كما حدث في أوروبا في الثلاثينيات والأربعينيات بعد الحرب، مع سارتر والآخرين. سوف تعود تلك الفلسفات بشكل مختلف ومختلف تمامًا – أقصد، أنا أود فقط التركيز على هذه النقطة- هذا ما أقصده.

يبدو أن شيلنغ وشوبنهاور سيكون لديهما ما يقولانه عن التهديد العدمي nihilistic threat الذي نواجهه جميعًا.

بالتأكيد، بوصفنا بشرا. إن مظاهر عولمة رأس المال واجتثاث مختلف الهياكل الجماعية، وهياكل المعنى ذات القاعدة الجماعية، واقتلاع جذور الأفراد واستئصالهم، ستكون عالمية. سيكون من المثير للاهتمام رؤية شوبنهاور في إفريقيا، فنحن نعلم اهتمامه العميق بالفلسفة الشرقية -لقد كان يقرأ الأوبنشاد Upanishads كل ليلة، وللبوذية Buddhism وشائج طوعية مع فلسفته- ولكن رؤية شوبنهاور في إفريقيا وشوبنهاور في أمريكا اللاتينية ليس كمصدر وحيد للتفكير الفلسفي ولكن كصوت حاسم. ستكون هناك دوما شخصيات أكثر تفاؤلاً في الإرث؛ سواء الديني أو العلماني. أعتقد لا بد أن يكون هذا التوازن موجودا، نحن في حاجة إليه.

إن جزءا من عظمة جوزيه رويس يتمثل في كونه قد كرّس حياته الثمينة لتمسكه بإيمانه المسيحي، مثلي تماما. لكنه يعلم أن الحقائق التي قدمها شوبنهاور والآخرون لا مفر منها، ما العمل إذن؟ ما العمل؟ فرونيزس Phronesis، الحكمة العملية، ماذا تقتضي؟ كيف تتحدث عن الشجاعة والقوة والتحمّل والصراع؟ هل على شكل القياس الأرسطي؟ على شكل فعل؟ حسنًا، لا، أعتقد أن الأمر أكثر تعقيدًا ولكن له علاقة معينة بذلك. وبأيُّ نوع من الأشخاص أنت؟

ربما ما يجده الكثير من الناس هامًا للغاية في عملك هو الربط الذي بمقدورك تأليفه بين الفلسفة من جهة والفعل من جهة أخرى. على وجه الخصوص، قلت في وقت سابق كيف أن بعض هذه الأسئلة “اللازمانية” التي اهتمت بها الفلسفة نفسها تفتقر إلى المفعول المباشر والعملي، هذا من جهة. من جهة أخرى، على سبيل المثال في كتابك الموسوم قضايا العرق Race Matters ، قمت بتحديد التهديد الأعظم الذي يواجه الأميركيين السود بوصفه تهديدًا “عدميا”. أنت تنتقد نقاشات الليبرالية المحافظة عن العرق، وترى بأنها فشلت في مواجهة هذا التهديد، وتقول على وجه الخصوص إن الليبراليين يتجاهلون أهمية الهوية بالنسبة إلى الأميركيين السود. كذلك تعد فكرة “أخلاقيات الحب love ethic” محورية في مقاربتك. يبدو أن فكرتي الهوية والتفكير الأخلاقي هاتين فلسفيتين للغاية، أو على الأقل فكرتين لدى الفلسفة الكثير لتقوله بشأنهما.

لا، ذاك صحيح، إنه صحيح. لقد واجهت الكثير من المتاعب لدى استخدامي كلمة “العدمية nihilism”، لأنه بالطبع لها تاريخها الخاص بها، وجنيالوجيتها الخاصة بها. ربما كنت بطريقة ما قد ربطتها أكثر بكثير بتقليد أدبي، يعود إلى بازاروف Bazarov بطل رواية الآباء والأبناء Fathers and Sons للروائي إيفان تورجنفIvan  Turgenev بدلاً من الخطاب الفلسفي، وبعد ذلك حاولت تطبيقها في سياق ما بعد حداثي للغاية؛ مع رواية مدن الشوكولاتة The Black Map of American Life Chocolate Cities في ضوء مختلف الطرق حيث تم بناؤها، بالنظر إلى تاريخ التمييز العنصري، وتقليص الاستثمار، ومستوى البطالة، وقلة العمالة وما إلى ذلك. وعلى الرغم من ذلك، ما أزال أرغب في الدفاع عن كلمة العدمية، لأنني أعتقد أنك على حق، أرى أن هناك بالتأكيد طرقًا يمكننا من خلالها الحديث عن ذلك، حيث تتداخل مع بعض الانشغالات الفلسفية باللامعنى meaninglessness واللاأمل hopelessness.
عودة إلى التجربة الحية، مرة أخرى. أرى أننا أقرب بكثير من فلاسفة الحياة والإرادة مما نحن عليه من الفلاسفة التحليليين. إلى حد هذه النقطة، وإلى مدى بعيد فقد أصبح السؤال وجوديًا، وتاريخيا، وسياسيا في الوقت نفسه. يتعلق السؤال الوجودي بالموارد المتاحة لدينا لإنشاء بعض البنيات الجديدة للمعنى والقيمة، بحيث يشعر الناس وكأن الحياة تستحق العيش. أما السؤال التاريخي فينظر ما هي السياقات المختلفة الموجودة والتي يمكن إنشاؤها؟ ويتعلق ذلك بالتحليل المؤسساتي والبنيوي: اقتصاد المعلومة، والدولة-الأمة، والثقافة وغيرها. بعدها يأتي السؤال السياسي عن أشكال الفاعلية agency والعصيان Insurgency من القاعدة التحتية، ولكن أيضًا بالارتباط مع التقدميين في الطبقتين الوسطى والعليا. هنا يظهر المشروع الديمقراطي الراديكالي، حيث يجب أن يكون لديك رؤية وتحليل على حد سواء ومحاولة جعل هذه الرؤية وهذا التحليل أكثر وضوحًا ومتاحين للناس بأية وسيلة –من خلال أجهزة الإعلام، النصوص، التدريس- ثم الخروج بأدوات مؤسساتية يمكنها الاضطلاع بهما عنك. لا حقا قد يصل في بعض الأحيان نزاع مع سلطة الدولة، حتى لو كان على المستوى المحلي، إلى المستوى الإقليمي والفيدرالي، وفي نهاية المطاف المستوى العالمي، وذلك بالنظر إلى قوة مجموع الشركات العابرة للأوطان ومقدارها غير المتناسب من الثروة والتأثير في جميع أنحاء العالم. ينبغي التطرق إلى الأسئلة الثلاث في الوقت نفسه، وهذا لم يتأت بأي حال من الأحوال في تلك المحاولة. كنت ببساطة أصف الوضع ولكنني لم أعتبره العامل السببي الرئيسي التعليلي.
لا يمكنك توليد الفاعلية والتمرد عندما يشعر الناس بافتقار ذواتهم إلى القيمة، واحترام الذات، وما إلى ذلك، كانت هذه مشكلة عميقة عانها خاصة المنحدرون من أصل أفريقي -الذين كانوا مبغوضين ومهووسين للغاية. إذا كان المرء لا يتحدث عن أخلاقيات الحب إزاء الأشخاص الذين هم موضع بغض لفترة طويلة، فلن يكونوا قادرين على تصور أنفسهم أو أنفسنا كفاعلين في العالم وبإمكاننا إحداث تغيير فيه. وبالطبع كان هذا أحد أدوار كنيسة الزنوج ووظائفها في أفضل حالاتها -فقد أوجدت فضاء للزنوج، ذاك الذي يمكن أن يبقي هجوم البيض-المتفوقين بعيدا، وذلك بغية تأكيد الإحساس بالذات، وهو ما تم استحضاره بهذه الطريقة المتعالية؛ “إن الله يحبني، ومعظم الناس في الجانب الآخر من المدينة لا يحبونني. [يضحك] وهؤلاء القوم المقربون مني عادةً مرتبطون أيضًا بنفس الله الذي يحبني، وبالتالي يمكنني الحصول على وجهة نظر مختلفة عن نفسي عما تخبرني به وسائل الإعلام والكنائس والعلم”. وهكذا دواليك وهلم جرا. هذا صحيح بالنسبة إلى المجموعات المضطهدة في جميع المجالات. لقد واجهت النساء المشكلة نفسها. ألفي سنة من السلطة الأبوية وهلم جرا. حيث تجد تلك المصادر عن تأكيد الذات، والثقة بالنفس التي تنظر إلى المرء على أنه موضوع-فاعل في العالم. ولكن ماذا يحدث عندما تبدأ تلك المؤسسات نفسها في الانهيار؟ هذا جزء مما يدور حوله هذا الكتاب، إضافة إلى قضايا الأسرة، والكنائس، وشبكات التلمذة على الموسيقى، وشبكات التلمذة على ألعاب القوى -تلك هي أربعة مصادر حاسمة لتأكيد الذات لدى السود في أمريكا البيضاء المتفوقة حتى ستينيات القرن الماضي، عندما أخيرًا قصمنا ظهر العنصرية الأمريكية.
منذ خمسين عامًا، كانت حلبة الملاكمة المكان الوحيد حيث يمكن أن يجد السود بعض الإحساس بالإنصاف، لأن كل مجال آخر من مجالات الحياة الأمريكية إلا واتسم ببنية عدم الإنصاف. لقد تحمل الملاكم جو لويس Joe Lewis عبئا وثقلا هائلين في ملاكمته ضد ماكس شميلينغ Max Schmeling ولكن ذلك الحكم referee على الأقل كان عادلا حينما أوقع جُو منافسه على أرضية الحلبة! وهو ليس المكان المناسب لسقوط ملاكم أسود، لأن ماكس بوصفه ملاكما أبيضًا سيكون العدّ بالنسبة إليه حتى العشرين، أما إذا كان الملاكم أسودًا فإن العدّ سيكون إلى غاية خمسة. هنا قال الحكم: لا إن العد سيكون هو نفسه إلى غاية عشرة بالنسبة إلى الملاكمين معا. وأضاف “إذا ضربته أسفل الحزام -ومن الأفضل ألا تفعل ذلك!- “، فيرد ماكس: “إنه رجل أسود، يمكنني أن أفعل ما أريد لرجل أسود”. ويرد عليه الحكم قائلا: “لا، نحن في الحلبة الآن، إنه الإنصاف”. والشيء نفسه بالنسبة إلى لاعب كرة البيسبول جاكي روبنسونJackie Robinson. وهكذا بالطبع أدت ألعاب القوى دورًا أساسيًا في المحافظة على الثقة بالنفس لدى السود، كذلك الأمر بالنسبة إلى التدرب على الموسيقى والترفيه. لكن كيف يمتد ذلك إلى مجالات أخرى؟ ذاك هو التحدي الذي وجهناه في الخمسة والعشرين سنة الماضية. وإذا كانت الحواجز المؤسساتية هي ذاتها قد شكلت في يوم من الأيام مصدراً للثقة بالنفس، قد وهنت فما العمل؟ هناك بعض الشباب الأميركيين السود الذين يتصارعون مع هذا بطريقة جدية لأن مستويات مقت الذات وكراهية الذات والشك في الذات تسير على قدم وساق كنتيجة لتدمير الذات وتدمير الآخرين وهلم جرا. إن لها آثار على البلد ككل، على آفاق الجمهورية الأمريكية وعلى مستقبل الديمقراطية الأمريكية. هذه الآثار لا يدركها الكثير من الأميركيين لكنها في الواقع موجودة. إن مسألة العرق تدلي بستارها على التجربة الأمريكية. هذه قضية أخرى لكنها قضية حاسمة.
ما يثير ذهولي هو أنه عندما تنظر إلى الخطاب الفلسفي، تجد أن معظم الفلاسفة الأمريكيين كانوا مترددين في قول الكثير عن قضية العرق. ماذا كتب الفلاسفة الأمريكيون العظماء عن العرق؟ كتب جوزيه رويس أسئلة العرق Race Questions -وهو الكتاب الوحيد-. لكن وليام جيمس العظيم، الذي كان بالطبع أكثر حساسية لقضايا العرق…فإن رسالته الشهيرة إلى إحدى جرائد سبرينجفيلد Springfield حيث يدين الإعدام من دون محاكمة، هي المثال الوحيد الذي لدينا عن فيلسوف من العصر الذهبي اتخذ موقفًا من العرق. كان جون ديوي، وهو بالطبع أحد مؤسسي الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين National Association for the Advancement of Colored People (NAACP)، نشطا جدا ضد العنصرية، لكنه أبدًا لم يكتب عنها. عندما تنتقل إلى والت ويتمانWalt Whitman في مجموعته الشعرية “أوراق العشب Leaves of Grass”، في طبعته الأولى، فإنك ستجد أنه يثير مسألة العرق. وبالطبع مارك توين Mark Twain وهرمان ملفيل Herman Melville، في روايتيه بينيتو سيرينو(1855) Benito Cereno وموبي ديك (1851) Moby-Dick. لقد كان لدى الشخصيات العظيمة في الأدب ما تقوله. نذكر أيضا فولكنر William Faulknerيا إلهي! لا يمكن أن تتوغل أكثر على الجانب الأبيض من المدينة! وطوني موريسون Toni Morrison، على الجانب الأسود من المدينة. ويمكننا ذكر المزيد من الأمثلة. أما عن الفلاسفة فبمقدور القادم من المريخ Martian أن يقرأ النصوص الفلسفية العظيمة في أمريكا من دون حتى أن يعرف أنها تعاني مشكلة العرق.
يوجد الآن فلاسفة سود يصوغون نقدًا رائعًا حقًا للعديد من الاتجاهات السائدة وهذا أمر مهم. لا نعرف بالضبط مآله، لكنه مهم للغاية، ولقد بدأ في التداخل مع بعض الانتقادات النسوية القوية جدا والنشطة حاليا، مثل انتقادات ساندرا هاردينغز Sandra Hardings وأخريات، كما يتداخل مع رهاب المثلية homophobia والجنسية المغايرة heterosexism. سيكون من المهم للغاية أن نعرف خلال العشرين أو الثلاثين عامًا القادمة، كيف سينتشر ذلك وما هو الشكل الذي سيتخذه.

ذكرت أزمة الانتماء التي تواجه الأميركيين السود. يبدو أن هذه واحدة من المشاكل التي تجابههم. بالتأكيد الأزمة ككل تتجاوز المحيط الأكاديمي. ما هي في نظرك التغييرات التي تعتقد أنه قد ينبغي إجراؤها في هذا المحيط الأكاديمي لجعله أكثر ترحابا بالمثقفين السود؟

هذا سؤال جيد. بالطبع لقد حققنا بعض الإنجازات. قبل خمسة وعشرين عامًا ما كنتُ لأكون هنا. إن وليام إدوارد بورغاردت دو بويز العظيم William Edward Burghardt Du Bois، هو ربما أعظم المفكرين السود في القرن العشرين، لم تستطع قدماه أن تطأ كلية هارفارد، على الرغم من أنه كان أول أسود يتحصل على دكتوراه. لذلك أقول لقد حققنا بعض الإنجازات، لا شك في ذلك. أعتقد أن أحد التحديات التي تواجه المفكرون السود هي التحديات الفلسفية، وهي الشجاعة في أن يكونوا هم أنفسهم. مثلا أنت طالب في هارفارد، عليك أن تحترم ثراء تقاليدها، تتبع الصالح وتبتعد عن الطالح، أنت تشكل أكثر بكثير هارفارد في صورتك ومن ثم تحاول تشكيل نفسك فيها وهذا يعني، كن ذاتك بطريقة النقد الذاتي، وليس بطريقة استقامة الذات. أعتقد أن هذا صحيح بالنسبة إلى عدد من الحركات التي تم استبعادها؛ معاداة الكاثوليكية anti-Catholicism ومعاداة السامية anti-Semitism والممارسات المعادية للمرأة التي كانت جزءًا لا يتجزأ من تاريخ جامعة هارفارد في أردأ فتراتها. لكن عندما يصلون إلى الجامعة، لو كان الأمر يتعلق ببساطة بارتداء قناع والاندماج بمعنى رخيص، فسيواجهون مشكلة عميقة من حيث الإبداع الفكري والدعم الوجودي existential sustenance. لكن عندما يكون المرء هو ذاته فسيدرك أن جامعة هارفارد تشكل جزءًا منه.
سأكون غير نزيه إذا قلت إن هارفارد لم تكن جزءا مني. أثناء سنوات التخرج التي قضيتها هنا كنت متحررا للغاية ومحصنا وحرا، ولا يمكنني أن أنكر ذلك أبدًا. لكن تحررت وانعتقت وتحصنت لأجل ماذا؟ ليس لأتحول إلى مجرد هارفردي نموذجي آخر، ولكن إلى نوع فريد من الشخصية الهجينة التي تعد هارفارد جزءًا منها، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من العناصر الأخرى: الكنيسة السوداء، الشارع الأسود ، جيمس براون James Brown، جورج كلينتون Clinton George كل ذلك معا. أعتقد في النهاية أن الناس يظهرون احتراما أكبر بكثير لهذا النوع من الصدق والصراحة، لذلك ينتهي المطاف بالمرء إلى عدم التقليد أو المحاكاة، فقط أن تكون لديه الشجاعة ليكون هو ذاته. وأعتقد أن الطلاب السود عندما يرون ذلك سيقولون: يمكن أن يكون هذا المكان خاصتي مثلما كان الحال بالنسبة إلى هاري وولفيون Harry Wolfion في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، على الرغم من أن إرادة التغيير ينبغي أن تنبع من ذاتك أولا. وبالطبع آنذاك سيكون بمقدور المرء تغيير المكان. أعتقد أن وجود شخصيات تجسد هذا النوع من التهجين سيفتح الإمكانات للطلاب السود أن يبرزوا، لأننا في النهاية بحق نتحدث عن شباب يمثلون المستقبل.
وبالطبع لهذا آثار على الطلاب غير السود؛ البيض والسمر والحمر والصفر وهكذا دواليك. لأنه في النهاية الشجاعة في أن يكون المرء هو ذاته تعد أمرا إنسانيًا. يمكن وفي الوقت نفسه أن تكون من الطبقة العليا، من البيض الأنجلو-ساكسونيين البروتستانتيين (WASP) White Anglo-Saxon Protestant ، وذكرا ولكن ما تزال لا تملك الشجاعة في أن تكون ذاتك. يمكنك أن تعتقد أنه ينبغي أن تكون أسودا، بروليتاريا أسودا؛ كلا، لست بروليتاريا أسودًا، أنت من الطبقة العليا، من البيض الأنجلو-ساكسونيين البروتستانتيين WASP، وذكرا، إذا كان لديك ما يكفي من الشجاعة لتكون ذاتك ولتصارع، فلا شيء تخجل منه. وتبقى المشكلة هي ذاتها إذا كنت أسودا وترغب فقط في لبس قناع والاندماج مع الدرك الأسفل. هذا درس ليس فقط للمثقفين السود أو الأكاديميين السود، ولكنه درس إنساني يشمل جميع المجالات.

هناك شيء لم تتطرق إليه بشكل كاف، شيء عن المكون الفرداني individualistic للعديد من الآراء التي نحن بصدد مناقشها. لقد أشرت في كتاب “التمسك بالإيمان Keeping Faith إلى أن هناك شيء في فلسفة الدين الأمريكية يأخذ الفردانية على محمل الجد أكثر من الماركسية في سياق العولمة الحديثة والرأسمالية الدولية، كما قلت. ما هو وضع الفردانية أو مصيرها ؟ هل ترى أن التركيز البراجماتي الأولي والمفرط عليها، شيء نحتاج إلى تحقيقه بطريقة مختلفة؟

ينبغي ألا ننسى، أن التركيز القوي على الفردانية individualism. نجده، دعنا نقول لدى والدو إيمرسون ووليام جيمس، أكثر من تشارلز ساندرس بيرس وجون ديوي اللذان طورا مفاهيم غنية عن الفردية individuality ، إلا أنها تختلف تمامًا عن نوع الفردانية التي لدى كل من والدو إيمرسون ووليام جيمس. مع ذلك أنا منسجم بشكل عميق مع فكرة فردية الأشخاص التي تشكلها الجماعات، حتى فكرة الشخصية، وهي فكرة مختلفة، إلا أنها تربط أيضًا الأفراد بالتجربة الحية؛ مثل مسارات التنشئة الاجتماعية socialization والتثاقف acculturation وما إلى ذلك، مما يجعلهم كائنات تاريخية. لكن ما يحدث هذه الأيام أمر محزن جدا.
آ تعلم من الذي تناول هذا الفكرة بشكل عميق إنه روبرت بان وارين Robert Penn Warren، وهو كاتب وشاعر وروائي أمريكي تم تجاهله بشكل كبير، وربما كان أعظم شاعر وروائي لدينا على الإطلاق. لقد توصل روبرت بان وارين إلى أن إلغاء التثاقف turalization de-cul- قد سار جنبًا إلى جنب مع الافتقار إلى التاريخ والافتقار إلى الصلة بالتقليد، والافتقار إلى الوعي التاريخي، وإن فصل الأفراد عن تقاليدهم يجعل من الصعب بمكان، ليس فقط في أن يصبحوا أغنياء ويوطدوا أقدامهم في الحياة ويحددوا مواقعهم وما إلى ذلك، بل أكثر من ذلك بكثير سيُقتادون إلى أشكال رخيصة جدا من التطابقية conformity.

بالطبع الشيء المثير للاهتمام بالنسبة إلى روبرت بان وارين هو كونه كان طالبا في تخصص التاريخ.

بالتأكيد. أنت تفكر في الرواية العظيمة كل رجال الملك All the King’s Men. في الواقع إنها بلا شك واحدة من الروايات العظيمة، إنها رواية سياسية. مسكين وارين، أنت تعرف …لم يتلق الكثير من الاهتمام. صديقي العزيز هارولد بلوم Harold Bloom يدعو روبرت بان وارين بأكثر الإمرسونيين un-Emersonian عظمة من بين الكتاب الأميركيين. بالطبع هذا مدح بالنسبة إلى بان وارن، ولكنه في نظر بلوم يعد انتقاصا، ذلك على الرغم من أنه كان يقدر كتاباته. وفيما يتعلق بسؤالك أقول: تحديدا وبشكل ساخر من دون الإحساس بالتاريخ والارتباط بالتقليد، فإن كل خطاب عن الفردية سيصبح فارغًا أكثر فأكثر لأن الفرد سيصبح ببساطة لحظة معينة ضمن المشروع التطابقي، عادة بغرض الاستجابة لأغراض السوق، الأزياء، الموضه، وهلم جرا. إلى غاية هذه النقطة، حتى إيمرسون وجيمس كانا سيعترضان بشكل تام، لأن مفهومهما عن الفردانية يدور حول عدم المطابقة. لقد جرى الأمر بشكل عكسي تماما. يتعلق الاعتماد على الذات Self-Reliance بالتخلّي abandonment، وبالنسبة إلى وليام جيمس فإن الفردانية دائمًا ما تنأى بنفسها عن: “أنا أكره الفخامة، لا يمكنني تحمل تلك النماذج السائدة، نظام الدكتوراه الأخطبوطي Ph.D. octopus system الذي يعيد إنتاج هؤلاء الخريجين، ويمنحهم طابع الاحتراف professionalism، لا أستطيع تحمل ذلك”. وبالطبع بصفتي مسيحيا فإن هذا الأمر أساسي fundamental بالنسبة إلي، وبصفتي ديمقراطيا راديكاليا كذلك لأن التطابقية تتخذ شكلا معينا من أشكال الاستبداد، إذا كانت تسير باندفاع قوةٍ مفروضة، تعسفية، غير خاضعة للمساءلة. إنها ليست مجرد مسألة ضغط أقران وما إلى ذلك. بل لها آثار عميقة على تشكّلات الذات self-formations غير الديمقراطية. لا يمكن أن يكون لدينا ثقافات ديمقراطية من دون مصدر معين للشخصيات الديمقراطية والفرديات الديمقراطية.
مرة أخرى، أعتقد أن الأمر يعيدنا إلى قضايا الشجاعة والقوة والتحمل والتضحية والتميّز. بمجرد أن تبدأ مصادر الشجاعة في الاضمحلال ينشأ الخوف والجبن والعناصر الأولية الحقيقية للسياسة الاستبدادية، وما إلى ذلك. الجبن يسير جنبا إلى جنب مع الكراهية. يتحدث المسيحيون عن الحب والشجاعة. ويبين كيركغارد أن الحياة المسيحية تعيش بشكل خطير- آه على الرغم من أنه يعد سابقا على نيتشه Nietzschean proto-، إلا أنه فهم الأمر من منظور المسيحية، أليس كذلك؟ يقول برنارد شو Bernard Shaw إن الكراهية انتقام جبان من تخويف ما بحيث لا يمكنك التعامل مع الآخر otherness، ولا يمكنك التعامل مع الغرابة strangeness، بطريقة شجاعة بحيث تحاول الارتباط والاجتماع بالآخر- الفكرة نفسها تقريبًا موجودة عند ليفيناس- Levinas. لا، ما تفعله هو أنك خائف من الكراهية ومرعوب منها، وبالتالي فأنت تريد إما السيطرة عليها أو ربط هذا الاختلاف بالاشمئزاز والتحقير، وهو ما يصبح عقلنة لهرمية مفروضة عليها-أي الكراهية- كشكل من أشكال القهر subjugation,. وهكذا بطريقة مثيرة جدا للاهتمام تسير قضايا الشجاعة والحب والجبن والكراهية جنبا إلى جنب، ولكن لدينا الكثير من الجبن ينتشر بسرعة. لقد كان الجبن موجودًا دوما، ولا يمكن لأحد أن يجادل بشأنه، لكنه ازداد، خاصة عندما تكون لديك بدائل بالكاد تتمتع بالمصداقية. لا يمكن للناس أن يصدقوا أن هناك بالفعل بديلًا للحاضر، فهم يعتقدون أن عليهم فقط الاستسلام، الانغلاق، التدرج، والتهور، لأنه لا توجد فرص أخرى. ينبغي أن يكون هناك عدد قليل من الذين سيغتنمون الفرصة حتى عندما لا تكاد تكون هناك أية فرصة، لأنه أمر سليم وأخلاقي وعادل وما إلى ذلك. إنه شكل من أشكال الشجاعة.
من الناحية الفلسفية نحن نعرف أن الشجاعة الفكرية تنتج أفضل فلسفة. سقراط Socrates -إذا صدقنا ما قاله كل من أفلاطون Plato وكزينوفون Xenophon عنه – كان يتحلى بشجاعة فكرية بشكل عميق. وبالطبع، من وجهة نظري لا يمكن الحديث عن الشجاعة الفكرية لدى المسيح، إنما هي شجاعة تضاهي الرحمة، وأعتقد أنها في النهاية أكثر عمقًا من شجاعة سقراط. إن بكاء سقراط لا يشبه بكاء المسيح. لأن المسيح كان يبكي من دون حسيب أو رقيب. بينما سقراط لم يكن يبكي كما أنه لم يكن يضحك، وهو أمر مثير للاهتمام لأنه يلمّح إلى أن شيئا ما، بل الكثير من الأشياء قد أغفل عنها سقراط. ما أود أيضًا الحث عليه هو الرحمة، التي قد تؤدي إلى البكاء. وهذا يعيدنا إلى أنطون تشيخوف Chekhov Anton، لأنه بالفعل يجمع بين كونه سقراط، والمسيح، والمفكر الفضولي، والعالم، والطبيب، أضف إلى خلفيته المسيحية العميقة، ولكنه لاأدري agnostic المعتقد. إنه يمتلك سجية مسيحية ولكنه يفتقر إلى المؤاساة المسيحية Christian consolation، أليس هذا أمر جيد كل هذا الحب والرحمة والشجاعة ولكنه ظل سقراطيًا من حيث الالتزام الفكري، حيثما مضيت بتفكيرك وحيثما أوصلتك الاستنتاجات وما إلى ذلك فإنك ستبقى كائنا محبا. أنظر إلى الهاوية، يا للعجب! هذا هو تشيخوف. لاحظ كان يتمتع بكل ما لدى أرثر شوبنهاور Schopenhauer ، ولكنه على الرغم من ذلك استخدمه بطريقة انتهت به إلى أن أصبح يبدو مثل جدي. الحب، الحب، الحب، لتكن لدينا الشجاعة للحب، لتكن لدينا الشجاعة بأن نكون، بأن نحارب. يا للعجب! هذا ما دعا إليه تشيكوف، لا شك في ذلك. لم يوجد أبدا مفكر آخر مثله.
أنت تفكر في النظير الفلسفي لأنطون تشيخوف، من بنظرك؟ هل هناك مثل هذه الشخصية ؟ لا أعتقد. كان بالإمكان أن يكون لودفيغ فتجنستاين Ludwig Wittgenstein، لكنه كان جبانًا جدًا في حياته. كان شجاعًا في فكره، لكنه لم يستطع أن يعيش حياته. أقول لك: إن لودفيج فيتجنشتاين، العبقري العظيم في القرن العشرين، أصبح حوارًا فلسفيًا داخل حياته. لم يستطع أن يحشد الشجاعة ليحب الآخر. كان وحشيا، قاسيا، يضرب طلابه وغير ذلك. كانت لديه علاقة مثلية مع أخيه، لم يكن لديه ما يكفي من الشجاعة في حياته. وليس الخطأ خطأه بأي شكل من الأشكال، فقد تم تشكيله من الناحية الشخصية بواسطة عناصر عديدة ومختلفة. لكن لا يمكن مقارنته بأي حال بشخص مثل تشيخوف، الذي لم يستثمر عبقريته فقط في عمله وموهبته، بل وفي حياته أيضا كما تحدث عن ذلك أوسكار وايلد Oscar Wilde. إنه يكاد يفي بالمعايير النيتشوية لجعل الحياة عملًا فنيًا، إنه حتى ينتج أعمالًا أدبية فنية، على الرغم من أنه في الأساس كان يعمل طبيبا خلال النهار. إنه أمر لا يصدق.
أعتقد في النهاية، إذا كان هناك شيء ما يطمح إليه المرء، فهو أن يكون النظير الفلسفي لشيخوف. هذا يعني أنه يجب أن يكون رجلًا نوعا ما كئيبا، لأن تشيخوف كان بالتأكيد يشعر بالكآبة، وأعماله بطريقة ما تروي الكآبة لتنأى عنها. ولكن نجد لديه الكثير من الصفات الأخرى النادرة جدا مثل فضوله المطلق، تساؤله، وشجاعته على الاستمرار. بالفعل لم يُدرَّس تشيخوف في أيٍّ من أقسام الفلسفة. لدينا بعض المحاورات عن شكسبير، سوفوكليس Sophocles, ، أسخيلوس Aeschelus وغيرهم، لكن ليس لدينا عن تشيخوف على الإطلاق. هذا أمر مهم جدا. إنه بحق جدير بأن يُفكّر فيه من الناحية الفلسفية.

كورنيل رونالد وست (المولود في 1953) فيلسوف وناقد سياسي واجتماعي أمريكي، اهتم بمسألة العرق وتخصّص في الدراسات الأفرو-أمريكية وفلسفة الدين ودرّس في جامعتي هارفارد وبرنستون. من مؤلفاته: قضايا العرق (1994) Race Matters، التمسك بالإيمان: الفلسفة والعرق في أمريكا(1994)Keeping Faith: Philosophy and Race in America، الاجتناب الأمريكي للفلسفة: جنيالوجيا البراغماتية (1989) The American Evasion of Philosophy: A Genealogy of Pragmatism.

المصدر: مجلة هارفارد للفلسفة (1999). ويمكن العودة إلى النص الأصلي على الموقع الآتي:
http://harvardphilosophy.com/issues/1999/West.pdf

شاهد أيضاً

سبينوزا مرة أخرى

كل ما هو ثمين هو أيضا شاق ونادر عبد الكريم وشاشا كشف الفيلسوف جيل دولوز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *