الرئيسية / منتخبات / عامة / الثقافة الفلسفية الجديدة

الثقافة الفلسفية الجديدة

ربما يتساءل البعض هل ثمّة ثقافة فلسفيّة جديدة في حقل الدّراسات الألسنية والأدبية و غيرها من العلوم الإنسانية الحديثة ؟!.
يبدو لأوّل وهلة قد يُثار تساؤل واستهجان حول هذا النوع من الطرح الفلسفي الجديد خاصةً وأنّه يُلامس نظرية “المنهج الثقافي الفلسفي” (Philosophical Cultural Method) بثوبهِ الجديد أو ينظّر له في إعمال التّثقيف على نحوٍ فلسفي بحيث يتّجه نحو لملمة ثقافية فلسفية جديدة من أجل إدخالها ورميها في أتون المواجهات والمجابهات التي قد تُطرح من هنا وهناك وعلى أكثر من صعيدٍ خاصةً في مجال قضايا الفكر المعاصر والعلوم الإنسانية الحديثة.
إذا سلّمنا بأن أهم مقوّم وداعم لمعرفة الأمور هو ابتكار أساليب جديدة للبحث والتنقيب حول قضية ما فإنّنا عادةً ما نلجأ إلى إعمال الفكر والنظر والتأمُّل والتّفكّر باستثماره في تلك الأبعاد النظرية الهامّة التي تقوم بتأسيس ما ينبغي تأسيسه وتفعيل ما يقتضي تفعيله على نحو الترشيد والتسديد وكيفية البناء والتشييد بطرائق علمية متفرّدة ووسائل معرفية متعددة ومتفاوتة وبآليات هندسية دقيقه قوامها الصيَاغة الرياضية التي تنتهج طريقة التحسيب والتجريب والتكميم بالكم الحسابي الأداتي أو النشوء في خلق منهج يتميّز بالشمولية والكليّة بحيث نستطيع من خلاله حل المشكلات والمعُضِلات في الشؤون الحياتية وخاصّةً على صعيد الإكتشافات والإختراعات ذات المعطى البنيوي المتمثّل في صنع الصيرورة الحضارية والرقي والتقدّم وكل مفردات الحداثة العقلانية.
وفي هذه المقالة التي هي خروج عن المألوف الكتابِي سنُحاول قدر الإمكان التركيز على الأسس والمرتكزات أو البواعث والمنطلقات التي تساعد على إحداث تأسيس نظرية ثقافية جديدة في عصر يتّسم بحضارات وثورات علمية متعددة الجوانب والأبعاد، كقوة الإنتاج العلمي التقني المتقدّم وارتباطهِ بكافةِ أشكال التقنيّة الصّناعية، وممّا يكمن في هذا السياق أيضًا الحاجة إلى تفعيل السيرورة التقنيّة الإدارية بشتّى مناهجها الحديثة على ضوء الدراسات الإدارية الحديثة فيما يخص كيفية إتّخاد وصُنع القرارات وتوظيفها بنحوٍ عقلاني رشيد نتاجها النجاعة والفعاّلية والواقعية والإجرائية والبراغماتية. ولعل المنحى المهم والأهم هو تنظيم العامل الاقتصادي في الاتجاه الاقتصادي السليم الذي يهدف إلى تنمية رأس المال عبر الطرق والوسائل الاستثمارية ذات المردود الاقتصادي الكبير والنافع أيضًا الذي بدوره يخدم عجلة الاقتصاد والتنمية للفرد والمجتمع بكل أبعاده ومستوياته وإتجاهاته، فهو الباعث التعبوي للتوجّه الإستثماري الصحيح في كيفية تنمية رأس المال على أساس بنيوي يهدف إلى اكتشاف العناصر الرئيسية والجوهرية لدعم دفة القيادة المركزية والتحكم في شؤون مفاصل الحياة الإنسانية.
بعد هذه الديباجه المتواضعة نقترح في هذه الدراسة استعراض واختزال بعض الملامح الفكرية أو بعبارة أدق الكيفية المنهجية وما تمخضت عنه من توليد ثقافة فلسفية جديدة في حياة العالمان والفيلسوفان فرنسيس بيكون Francis Bacon ورينيه ديكارتRene Descartes.
فالأول يؤكد على ضرورة التطبيقات العملية لنجاح النهضة الجديدة وتطور الفنون وفائدتها للحصول على المعلومات التي يستطيع الإدراك السليم تقديرها وخاصة في مظاهر الكون التي تحيط بالإنسان، وبسبب معيشته.
كان الفيلسوف بيكون يجمع العناصر اللازمة ثم يجري عليها التجارب ثم يستخلص منها النتائج المدعمّة بالبراهين وهي الطريقة الاستقرائية، ومنذ بدء حياة بيكون العلمية كان ينادي بالنظرية التي تقول “أن هدف العلوم الأسمى هو إثراء الحياة الإنسانية بالاكتشافات الحيثية والقوى الضرورية. وكان يرى نفسه ليس بالعالم أو المخترع ولكن ملهماً للعلم والاختراع، وفي هذا الموضوع يقول: أخذت على عاتقي أن أدق الأجراس لأدعو العقول المفكرة لتجتمع وتعمل.

الفيلسوف ديكارت كان يؤمن بالبديهيّات التي تشق طريقها بالتأمل والتفكر الإحداثي، وحمل هذا الرأي بفكره الرائق وكان ينادي بأنه يستطيع اكتشاف أي شيء يمكن استنتاجه بالمنطق أما التّجربة فتأتي كعامل مساعد وهي الطريقة الإستنتاجية، فكان هناكَ إصرار على المنطق الإستنتاجي والمقترحات البديهية، ولكنّه بدأ في استخدام الرياضيات وكان في ذلك أستاذا عظيماً توصّل إلى النتائج التي لم يستطع الوصول إليها مفكرو العصور الوسطى.
 كان المنهج الديكارتي منهج ثقافي فلسفي محض تمخضَ عنه تشكيل علمي جديد وهذا ما نحن بصدهِ في هذه المحاولة المذكورة لصياغة أطروحة جديدة تحمل هذا العنوان وهو (الثقافة الفلسفية الجديدة) آملين الاستفادة من المصادر والمراجع التي تُعني بالدّراسات والمراجعات ذات الشأن التنظيري للمفهوم الثقافي بأوجهه المتعددة ومساراته المتجددة ليكون مآل ذلك التطبيق في مجالات الحياة الإنسانية المختلفة.

شاهد أيضاً

دعوة إلى التاريخ….

الحسن وعبو إننا اليوم لا نحتاج إلى التاريخ، بقدر ما نحتاج إلى صناعة التاريخ، وهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *