الرئيسية / منشورات / مجلات / كوجيتو الكورونا

كوجيتو الكورونا

سامي عبد العال

سامي عبد العال

فجأة تحول الأنا أفكر( على خلفية كورونا) إلى الأنا فيرُوس يُحْذَر منه. البدايةُ ليست الفكر بحد ذاته كما يؤكد ديكارت، بل الجسم بقدرته على ممارسة الحياة والتأثير في المحيطين. هو الآن كوجيتو العدوى بامتياز، أي أنَّه يطرح وجود الإنسان الحي بقدر ما يمثل عدوى للآخرين. الصيغة التي قد تصبح مبتذلة: “أنا اُعْدِي، إذن أنا موجود”I am infecting, therefore I am ، بكلمات أخرى” أنا مصدر العدوى إذن أنا موضوع للعزل الصحي” coronavirus cogito. لكنها صيغة تتحاور- لو ناقشناها فلسفياً- مع جميع أنماط الكوجيتو بمعناه المثالي والأنطولوجي والمعرفي وتكشف حدود المجتمعات وإلى أي مدى تمارس سياسات الوقاية من الأوبئة.
إذا اردنا توضيحاً فلسفياً، فهو من ثمَّ كوجيتو بيولوجي biological cogito يعيد ترتيب شؤون العقل والسياسة والعيش والعلاقة بالآخرين. فلقد اثبت كورونا استحالة التحكم في الحياة وانعدام الهيمنة على الطبيعة وبالوقت نفسه يصعب الانغماس في أية انشطة جمعيةٍ. ها هو وجه الالغاز إزاء مسألة الفيروسات الوبائية: أنَّ تضع الإنسان في احراج تواصلي يبطل قدرتنا على الآخرية. لكن ما هي جوانب تلك الفكرة؟ وكيف يتحول الفرد من الأنا أفكر إلى أنا أُفيرس الآخر؟
المشكلة تكمن في “أنا موجود”I am ، لأنَّ الوجود الحي أصبح مقدمةً وليس نتيجةً، أصبح وباءً قابلاً للانتشار. الفيروس ينبهنا إلى وجودك البيولوجي بالمقام الأول، يجعلك موضوعاً للحذر والترقب والتربص والابتعاد. وبالتالي ليس فعل الكينونة هو الذي سيجعلك ظاهراً، بل فعل العدوى هو الذي سيضعك تحت علامة استفهام. ولأجل الابتعاد عنك وعني يشترط أنْ تخلع كلَّ سمات وجودك جانباً إلاَّ من حدي الحياة والموت. وهما امكانيتان على الحافة الحرجة من وجودنا، والتي قد تتزحزح إحداهما لصالح الأخرى.
بعدما اجتاح فيروس كورونا الكرة الأرضية، لم تعدْ الكائنات الدقيقة إلاَّ على صلةٍ مهُولةٍ، مخيفةٍ، بعالمنا الكبير. علاقة غامضة لدرجة السرية التامة، لا نقول أكثر مما قد ندرك آثارها أحياناً. وليس ثمة انفصالٌ بينهما وبين حياتنا من أقرب نقطةٍ إلى أبعدها، ولسنا في حاجة إلى برهان. الفيروس غير مرئي، بيد أنَّه يجعلنا نُبرر ما نقوم به. لقد فرض عمليات عزل للأصحاء والمرضي بتداخل الضوء والنهار على الكرة الأرضية. أي ذهبت حياتنا الكونية باتجاه انعدام أي تواصل حسي وطبيعي، انتفت الحياة في الوقت الذي لم نمثل فيه إلاَّ مجرد حاملي فيروسات. السؤال التلقائي: هل الحياة ممارسةٌ لتبريرات حين تقطعت أوصال وجودنا المشترك عالمياً؟( الإقامة بغرض الحماية من الفيروسات).
لو تخيلنا هذه العلاقة، فلن تكون غير سردية مُطولة عالمياً حول وجودنا (هنا والآن) بأي وقت. فالحاضر نوع من المحافظة على وجودنا الصحي لأطول فترة ممكنة، كل جماعة تكتب خلاصها بآداب ولياقات التعامل مع الحياة. هكذا تبدأ سطور الفيروسات والأوبئة في الكتابة حول ما كنا وسنكون في الغد أيضاً. والحقيقة أنَّ الزمن أول ما تقطعه الفيروسات وأخر ما تدشنه في كل مرة تجتاح الأرض. أي هي تعيد الحياة كحاضر دوماً إلى سيرتها المبكرة، فالفيروس يكمن ويعيش ملايين السنيين دون أن يموت ولا يحياً إلاَّ بظروف مواتية ستأتي يوماً … وها قد أتت بجحافل العدوى بفضل كورونا ومشتقاته. هذا المناخ العام من الرعب إزاء انتشاره على نطاق واسع يجعلنا لا نتصور ظروفاً طبيعية فقط قد هيئت له، لكنه يجول ويصول بأرجاء العالم على خريطة الأوبئة.
ولذلك الفكرة الأولى أنَّ الفيروسات تعيدنا مباشرة – دون زمن- إلى حالة من احتمال البدائية. عودة الحياة البدائية إلى واجهة أنماط العيش في العالم مرة أخرى. وهنا ربما يظهر مفتتح صفحات الكتاب المتخيل، لأن الفيروسات تكتب بحروف هي الآثار الدالة عليها. ولم تكُن وحدها هي الظاهرة في حالة كورونا، بل أُضيف إليها تراكم الأفعال البشرية التي أظهرت سمات بدائية لا تخطئ الأولى. وتبدأ في إظهار صفحات البشرية التي حبرت بالعنف وممارسة الاستئثار والابتعاد عن الآخرين. رغم أنَّ التعاطف على البعد يبدو هو اللغة الجارية عبر وسائل الاتصال والتقارير الواردة من المنظمات الدولية، فالتقارب مع مسافات الجغرافيا ظهر كعملية تواصل غير مرئية هي الأخرى.
الفيروسات لا تعطينا أية فرصة للفهم والاستيعاب، فهي لا تتكلم، واللغة التي تتحدث بها هي لغة المرض وانتقال الوباء من مكان لآخر. والنتائج من جنس المقدمات، فطالما أنَّ الفيروس مرتبط بجسم الحياة داخلنا( لحم الأنا)، فقد خضعنا للمنطق نفسه، هذا العزل الذي أحال العالم إلى مجموعات من لحوم البشر السائبين. وغدت الدول أكمات بيولوجية فيروسية يتهرب مواطنوها من أي مجال عام، لائذين بالبيوتات المنعزلة، لقد ضاقت الكرة الأرضية فجأة وغدت جُحراً نائياً( كهفاً) هو العزل الصحي عن نظام الحَجر إزاء العدوى أو خوفاً من تفاقم الحالات المصابة.
بملء الكلمة، انفكت الخرائط الجيوسياسية لعالمنا المعاصر إلى أقاليم، والأقاليم إلى مجتمعاتٍ تأكلها عدوى الفيروس وتترصدها ليل نهار. برز التاريخ الوبائي للبشر على مساحات متقطعة من أجسام تعبر الحدود، لكنها كحال كورونا تنقل المرض بسرعةٍ لم تكن متوقعة. ربما لأول وهلة أصبح الجسم هو الخريطة الفعلية لعلاقتنا بالحياة والعالم. تداخل البيولوجي والسياسي والوبائي إلى درجة الذهول. فلا تستطيع الخروج عن القطيع المترامي داخل المنازل والإقامات المنعزلة، كل قطيع يأخذ حذرة طائعاً وإلاَّ فالخطر وشيك. أنت عندئذ قد أدرت عقارب ساعتك البيولوجية عند حدود الالتزام بحفظ الجسم دون ملامسة الآخرين. كمن يحفظ أجسام الحيوانات المقطعة في أوعية تبريد تجهيزاً للأكل.
لكن لمن تجهز أجسام الناس في عالمنا الآخذ في(الانكماش)؟! بالطبع ألهبت الأنظمة السياسية آذان مواطنيها بمزيد من التخويف. وتعاملت معهم فرادى باعتبارهم أجساماً قابلة للتحلُّل وليسوا مواطنين بالمعنى الحقوقي السياسي. وكررت بث الرعب من فيروس يحمل المفاجأة بطبيعته الوبائية ونتيجة انتشار صور الضحايا من الصين إلى إيطاليا، ومن أمريكا إلى فرنسا، ومن انجلترا إلى ألمانيا، ومن الغرب إلى الشرق. باتت الدول بؤراً فيروسية تقتات على مساحة التواصل بين البشر، والسبب هو التعامل المرضي- بافتراض أن البشر هم البيئة الخصبة- على لحم الحياة والموت. أي لابد أنْ يجيئ الإنسان بكل مرة تنتشر فيها فيروسات قاتلة كياناً لحمياً ناقلاً للعدوى.
الخوف والرعب يجعلان الإنسان( الأنا أفكر) لقمة سائغة لمآرب أي نظام سياسي، يفقدانه إرادة الرفض، كيف يرفض، ولماذا يفكر أو حتى يتأمل ماذا يجري له وهو واقع تحت ضغط أمر يستند إلى حيوانيته المباشرة؟ بل يحيله إلى مجرد عبءٍ حيواني ينتظر الرعاية والطعام والغذاء دون التطلع إلى أي شيءٍ. وقد حاولت الأنظمة المستبدة استغلال كورونا لاختبار قدرتها على ضبط الحياة العامة. تدس القوة واوامر السلطة فيما يخيف الناس من أخبار واحصائيات حول الضحايا واعداد المصابين. على افتراض أنْ المواطن حيوان قابل لأن يُساس، يُقاد، يخضع للأوامر محققاً ما يراد له من المبيت مبكراً والإقامة الوقائية دون تمرد. شريطة إحاطته بمناخ من الهوس الاعلامي الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، الغث بالثمين، الفعلي بالمزيف، ومع اختفاء أساليب الشفافية تسود “ثقافة الضفادع”.
حيث يعم المجال العام مناخٌ من النقيق الاعلامي المتواصل والفوضوي من هنا وهناك. والأنظمة تستهدف زيادةَ هذا التشويش، فلا أحد يعرف ما هي المعلومات الحقيقية حول المرض، ولا ما إذا كان وباءً أم لا، وليس هناك من يقول ما يجري بدقة. هكذا حول الفيروس الأجواء الثقافية إلى أبواق دعائية تتراجع للدفاع عن مواقف من الشعوب ومكانتها لا معها. فالدول الأقل ديمقراطية هي التي تعتبر شعوبها قطعاناً من الخراف الضالة التي لا تستحق شيئاً. وبدلاً من وجود فيروس واحد يعربد داخل المجتمعات، هجمت فيروسات التخلف والديكتاتورية وأصوات الجهل على أجسام الشعوب.
والشعار البائن كالتالي: عُودوا إلى الأنا البيولوجي( على طريقة الفيروس)، شريطة أنْ يظل هذا الأنا أو ذاك في نطاقه الحيوي. لأنَّ تلك الدول لا ترى جدوى من مكافحة لفيروس كورونا، إذا انتج فيروس الفكر في الأوضاع السائدة. ولهذا ستكون هذه الدول حواضن جلدية تشحن مراكز الإحساس الحي إزاء أي فكر وعدوى جنباً إلى جنبٍ. ينبغي لك ألاَّ تتساءل، ألا تناقش، نحن مرضى على أَسِرّة الأنا وحسب. ولو ابيح للأنظمة السياسية المتخلفة أن تعلن الأفراح، لفعلت لأنَّ الفيروس يلتقي مع أهدافها القاضية على أي نقاش عام حول ممارساتها.
الفيروس سياسياً يختطف الأنا أفكر لصالح سلطة الهيمنة. يلغي وجودك تماماً، وفي النهاية يجعلنا أرقاماً بين: شخص مترقب تحت الاختبار أو مصاب، أو مصاب قابل للمعافاة. ليس الفكر ضرورياً، بل المهم أنك أصبحت جسماً ليس أكثر. ولو فكرت مجرد التفكير في أمور السياسة، فإنك ستثير غرائز السلطة المستبدة. والمفارقة أنك كـ “أنا” كنت منذ سنوات مجرد قطيع في شوارع الثورات الربيعية، يتم ترصده وملاحقته لو انخرط في مظاهرات سياسية. لكنك حالياً أمسيت كتلة من اللحم المُعدي، مجرد كتلة مملوءة بالفيروسات، يجب تحاشيك ووضعك في مساحة لا تبرحها. وأنت لست خطراً على نفسك والمحيطين حولك، بل خطراً على كل إنسان محتمل آخر، على الحياة.
لم يعد لكلام الأنا ولا لرمزيته الإنسانية أية جدوى ولا أي تأثير يذكر، فالمجال العام لا يقبل أي رمز تحرري من نوع ما، الرمز هو الجسم الذي يعكس العدوى أو يقي منها محاطاً بإجراءات هيمنة( سياسية طبية). وبدت الدول قوية بمقدار ما تضبطك إيقاع الاجسام المنعزلة. الدول آلية توزيع لكل مواطنيها ومراقبة الشوارع الفارغة. حظر التجول، المستشفيات المتنقلة، الطوارئ، نشر الكمامات، ضبط الجموع وتذويب نقاط الاختناق الجماهيري. كلها حدود الأنا بيولوجياً فقط، لقد تم سلخ رمزيته وألصقت بالسمع والطاعة إلى حدود العزلة المشبعة بالرعب والخوف. ولحق ذلك إجراءات التحكم في حركة السلع والغذاء والدواء. إذن وقعَ الأنا في ممارسة الكينونة عند درجة الحس البدائي ولم يذهب أكثر من ذلك.

شاهد أيضاً

بيير ديلو: الإنترنت.. أو في روح العالم

الحسين أخدوش  Pierre Dulau [1] ترجمة الحسين أخدوش افتتاح الشّاشة المصطلحات: نّوافذ  «windows»، سّافاري «Safari»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *