الرئيسية / منتخبات / تغطية / تقرير عن ندوة محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني

تقرير عن ندوة محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني

بقلم الأستاذة جميلة حنيفي

أقام مخبر إشكالية البحث العلمي في بناء المجتمع العربي الحديث والمعاصر، بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله- ندوة فكرية بعنوان: “محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني”. وذلك يوم 11 مارس2020 المنصرم. شارك في أشغال هذه الندوة كل من الأساتذة الأتية أسماؤهم:

أ. خديجة زتيلي من قسم الفلسفة، بمداخلة عنوانها: “من هيمنة العقل الجمعي إلى آفاق العقل المتعدد: مسوغات النأي عن الفقه التراثي عند محمد شحرور”.

أ. ميموني رشيد من قسم علم الاجتماع، بمداخلة عنوانها: “قراءة في فكر محمد شحرور: السياق والمآل”.

أ. سعيد جاب الخير، باحث في الفكر الصوفي، بمداخلة عنوانها: “مشروع محمد شحرور وإشكالات تاريخانية النص”.


وقامت بإدارة الندوة الأستاذة جميلة حنيفي. هدف تنظيم هذه الندوة إلى التعريف بفكر محمد شحرور (1938-2019) وقراءته المعاصرة للدين. والحق إن تجديد قراءة النص الديني ليس مسعى مبتكرا فقد ناشد تحقيقه الكثير من المفكرين أمثال محمد عبده، و محمد رشيد رضا ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وغيرهم، ولعل هاجس الدفاع عن الإسلام ضد من يصفه بأنه دين عنف وإرهاب، دين يظلم المرأة، هو من أقوى الأسباب وأولها التي تدفع أي مفكر غيور على دينه وتراثه إلى العودة مرة تلو الأخرى إلى التراث الديني بالخصوص والتراث بشكل عام بحثا واستقصاء ومساءلة. ولكن على ما يبدو إسقاط هذه التهمة وغيرها يتطلب كحتمية أولية مجابهة داخلية مع تفاسير تبدى أنها لم تعد تساير مبدأي التغير والتكيف؛ وهما الشرطان الأساسيان لنهضة أية أمة. لقد وعى محمد شحرور شأنه شأن من حملوا ويحملون هاجس النهوض بالوعي وإعمال العقل في المجتمعات العربية الإسلامية هذه الحقيقة. إنه لمن الصعوبة بما كان مقاومة الفهم المتزمت للدين في مجتمعات ما تزال خائفة من إعمال عقلها، معتقدة بكل سذاجة بأن إعمال العقل يؤدي إلى المروق والعصيان والكفر. ولكن في خضم هذا كله ينقلب السحر على الساحر كما يقولون لتتحول نصوص من التراث الديني، وهي اجتهادات أفراد، إلى نصوص مطلقة تضاهي القرآن في خلودها وأبديتها وصدقها. بل أكثر من ذلك يتحول بعض المجتهدين إلى أوثان فكرية لها علينا حق التعظيم والتبجيل. في هذا السياق بالضبط يندرج مشروع محمد شحرور التنويري. وهو كما سلف الذكر مشروع تنويري قديم- جديد ومتجدد،
لقد سلطت الندوة الضوء على التعريف بمشروع محمد شحرور ككل، وضعه في سياقه الفكري المناسب وحيثيات “المجتمعي” Societal لديه، تبيان ميزات مقاربته الفقهية للدين مقارنة بمقاربات فقهية أخرى اتخذت من الاحتكام إلى العقل منهجا أوحدا، وكذلك النظر في بعده أو قربه من المشاريع الأخرى التي اختارت سبيل المساءلة الفلسفية عوض التفسير الفقهي. كما هدفت الندوة بشكل عام إلى استنهاض الوعي النقدي بالتفسيرات الدينية، تعميق البحث في التراث الديني واكتساب شجاعة طرح سؤال تجديد تأويل النص الديني، إعادة إحياء جهود أولى نقاد أحادية فهم الدين وتحيينها، وكذلك إيلاء فلسفة الدين أهميتها الخاصة اللائقة بها.
في هذا السياق تطرقت الأستاذة خديجة زتيلي في ورقتها إلى سطوة العقل الجمعي بداخل المجتمعات المتديّنة حيث قالت : “إنّ سَوْق الناس بالسوط لا يُجدي، ولا يُضفي الشرعيّة على أيّ فعل خارج إطار الإرادة الحرّة للناس، لكن ”العقل الجمعي” يفعل ذلك، فمن خصائصه أنّه قهري ومتسلّط وأحادي النظرة. وتزداد حدّته وسطوته داخل المجتمعات المتديّنة تحديدا وفي الريف بشكل خاص أكثر من المدينة، لأنّ هذه الأخيرة تتجاوز العقل الجمعي إلى العقل المتنوع والمتعدّد. ومن خصائص العقل الجمعي فضلا عمّا قيل استئناسه بالماضي وتراثه من دون تمييز بين الغث والسمين، فتبحث الذات عن هويتها في الماضي وحسب، وتمارس قياس الشاهد على الغائب بلا فرز أو تمعن أو قراءة سياقية للأحداث. وكذلك من دون التوسّل بالمنهجيات الحديثة في قراءة التاريخ والتراث، وتجاهر الذات في نسق ”العقل الجمعي” بـــ ”أنّه لم يعد بالإمكان أكثر مما كان”، فنتج عن ذلك التفكير ممارسة الشعائر الدينية بلا روح، وانتشار التدين الشكلي، وانهيار القيم، ومراوحة المكان، والانكفاء على الذات الماضوية. لذلك يقترح المفكر محمد شحرور في كتبه قراءة التنزيل الحكيم بعيدا عن تأثيرات الفقه التراثي وسطوة العقل الجمعي من أجل تجديد الخطاب الديني ومواكبته للحضارة المعاصرة”.
أما الباحث الصوفي سعيد جاب الخير فحاول في مداخلته “أن يجيب عن السؤالين الآتيين: الأول هل يمكن القفز فوق المنهج التاريخي في تلقي النص القرآني وقراءته؟ والثاني هل التزم محمد شحرور في مشروعه برفضه للمنهج التاريخي أم إنه سقط في ما رفضه أي توظيف التاريخانية من خلال توظيف اللغة (وهي معطى تاريخي خارج النص) في قراءة النص؟ تطرقت إلى تعامل محمد شحرور مع النص القرآني على أنه معطى قبلي مطلق وغير قابل للنقاش من حيث مصدريته وتشكله وتحولاته داخل التاريخ، أي من حيث تاريخانيته، وبينت أن اعتماده على مقولة “تواتر النص” ليس دقيقا ولا مضبوطا من الناحية العلمية حيث ناقشت مسألة التواتر وأن القول بها غير دقيق، وهذا لسببين: الأول أن تلقي النص القرآني لم يكن أبدا من خلال المصحف، بل من خلال روايات وأسانيد القراءات وهي في ذاتها أسانيد آحاد وغير متواترة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، والثاني أن الظاهرة القرآنية هي ظاهرة شفاهية في الأصل قبل أن تتم مصحفتها وتتحول إلى نص مكتوب رسمي ومغلق. وتحدثت عن مسألة الترادف اللغوي التي ينفيها شحرور عن النص القرآني، وبينت بالأمثلة القرآنية وجود الترادف داخل القرآن. ثم تطرقت إلى رفض محمد شحرور للسنة النبوية من حيث هي مصدر للتشريع حيث يتعامل معها كمصدر تأريخي فقط، وبينت أن الأسباب التي تجعله يرفض مصادر الحديث النبوي، هي نفسها التي يتجاهلها في قبوله التعامل مع مصادر التراث اللغوي أو قواميس اللغة العربية. ثم تطرقت لتعامل محمد شحرور مع مصادر التراث التفسيري والتأريخي التي يشكك في نسبتها لأصحابها بسبب عدم وجود مخطوطات لها تعود إلى عصر كتابتها، وهو نفس ما يفتقد إليه النص القرآني لكن شحرور يتجاهل ذلك. وفي النتيجة توصلت إلى أن مقاربة محمد شحرور للنص القرآني والتراث الديني الإسلامي هي أقرب إلى الخطاب الأيديولوجي منها إلى الخطاب المعرفي”.
بالنسبة إلى الأستاذ رشيد ميموني فإن “مشروع المفكر السوري الراحل محمد شحرور يندرج في سياق مجهودات ومراجعات رجال النهضة بمختلف أطيافها للتراث الفكري والديني وبروز مناهج نقدية حديثة لشرح القرآن الكريم. بعد تقييم الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الإسلامية، حوّل الأستاذ الجامعي في الهندسة المدنية محمد شحرور اهتماماته صوب قراءة جديدة للقرآن في ضوء “تقادم” التفاسير القديمة انطلاقا من منهج “تاريخي-علمي” مستمد من التراث اللّغوي الإسلامي وسعى إلى تجاوز “أزمة الفقه الإسلامي” العاجز عن مواكبة التطورات الحديثة وقدّم قواعد جديدة للتفسير ودعا إلى إحداث “فقه جديد”. هذا وأضاف قائلا: “لقد سعيتُ إلى معرفة موقع هذا المشروع الفكري من خلال تقديم قراءة تقييمية لكتاب “الكتاب والقرآن” مع التركيز على الدلالات المتجددة لمفهومي ”العلم والعقلانية” وشروط توظيفها في النص الديني. وذكرت تميّزه عن “المفكرين الحداثيين” بسبب عدم توظيفه للأدوات المعرفية والمنهجية الحديثة في التاريخ والفلسفة والألسنية والأنثروبولوجيا… في حين استمدّ منهجه لدراسة القرآن الكريم من الدراسة اللّسانية الإسلامية متمثّلة في النظرية التزامنية ل”الجرجاني” و الدراسة التطورية ل”ابن الجني”، الأمر الذي أدّى به إلى إحداث ثنائيات ترتكز على تمييز غير معهود بين “الكتاب” و “القرآن”، وبين “المسلم” و”المؤمن”… فضلا عن إقصائه للسنة النبوية من المسائل التشريعية الحديثة (قضايا المرأة، الاقتصاد، الديموقراطية…) مفضّلا إعمال العقل و الرأي العام. تلك الطروحات أثارت جدالا مع المختصين ورفضا. ومع ذلك فإن بعض تحليلاته مستمدة من مفاهيم قرآنية مثل “التّرف” وإسقاطها على الوقائع الحديثة جديرة بالدراسة وبعض أفكاره و حلوله أكسبته تقديرا و تعاطفا.

شاهد أيضاً

حوار مع بيير حادو: ما هو الايتيك؟

ترجمة : محمد ازويتة بيير حادو ، أنت متخصص كبير في الفلسفة القديمة . فأنت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *