الرئيسية / منتخبات / تغطية / المغرب بعد 2020

المغرب بعد 2020

محمد جيك*

اخترت العنوان أعلاه، لما له من دلالة أكثر، مقارنة مع عنوان يحيل الى فيروس كوفيد 19. إن وضع تاريخ 2020 سيكون مفيدا جدا، في الوقوف على وضع جديد، مقارنة مع ما سبقه تاريخيا. لقد أصبحنا نقارن ونحيل الى بعض الأحداث، مقارنة مع سابقتها تاريخيا، إن كانت نفسها أو أقرب في مجالات عدة. لدى يلجأ أغلب الكتاب والمفكرين الى استحضار أزمة 2008 وأزمة 1929 للإحالة الى أزمات اقتصادية عرفتها الرأسمالية خلال أزماتها الدورية أو الاستثنائية.

إذن، لهذه الأسباب اختارت أن أضع العنوان أعلاه لهذا المشروع النظري، استجابة لدعوة وزارة التربية الوطنية وكذلك لجنة النموذج التنموي الجديد. سأحاول، من خلالها، أن أتطرق الى مجموعة من المحاور، التي تستجيب للمعايير المطلوبة من طرف الجهات المعنية، للوقوف على وضع المغرب بعد 2020، وحفاظا على وجهة نظري كما أراها.

إن الحديث عن كوفيد -19 ليس من اختصاصي في هذا الدراسة، لأنه أمر يعود على أصحاب الاختصاص من مختبرات طبية وعلماء الأوبئة، لإن أي انغماس من طرفي في هذا المجال لن يفيد في شيء، وبالتالي سأكون متطفلا عن مجال ليس من اختصاصاتي وأضيع جزءا كبيرا من مجهوداتي دون نتيجة تذكر.

لقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي بمئات من المقالات والتدوينات والفيديوهات، تعتبر فيروس كورونا (كوفيد-19) مؤامرة مدروسة ومتعمدة، كانت وراءه، إما أمريكا أو إسرائيل أو الصين… كل واحدة من هذه الخرجات الإعلامية، تحاول تعزيز اتهاماتها للمؤامرة، فزاغت وراء تكهنات وفرضيات واحتمالات لجعل المتلقي مشدودا لأقوى تحليل يتطلع إليه، وبالتالي يكون ضحية إحداها. يتجلى رد فعل المتلقي لتلك الأخبار، بإعادة نشرها وترويجها على أوسع نطاق. أظهرت، نتيجة ردود فعل المتلقين للأخبار المتعلقة بالفيروس، هشاشة أغلب مستعملي الانترنيت في التصدي للأخبار الزائفة، وبرهنت على عدم قدرة، فئة عريضة منهم، في التمييز بين الأخبار العلمية والأيديولوجية. كما يعتبر مؤشرا على تدني مستوى الغالبية العظمى من المغاربة، في التعامل مع الصدمات الكبرى والأحداث بكل عقلانية وموضوعية. انطلاقا مما سبق فما هو الرد الطبيعي والمنطقي في هكذا أوضاع؟

إن الإجابة على سؤال كهذا، هو التروي وعدم إعادة نشر ما يتلقاه مستعملي المواقع الاجتماعية. لكنه جواب لن يقنع أغلبية الأشخاص ولن يحد من عدم فعل ذلك، لكن الإشكالية المطروحة حاليا، هو اصطفاف أغلب المنحدرين من تجارب جمعوية وسياسية ونقابية وراء ما يتم ترويجه من تلك الأخبار، وبالتالي نجد أنفسنا امام فئة فاعلة في المجتمع تساهم في نشر الأخبار المرتبطة بنظرية المؤامرة، وهذا دليل آخر على تسرع وعدم حكمة و

تبصر أغلبيتهم، وإن افترضنا صحة تلك الأخبار، فليس هذا هو وقت خرجات إعلامية سلبية.

 إن قضية المعالجة السياسية والنظرية، لخلفية انتشار فيروس كورونا، ليست ضرورية بالمطلق. لأن دورهم، في المرحلة التاريخية الحالية، ليست لتوضيح وتفسير خلفية ظهور الوباء، بل ينبغي أن تنصب مجهوداتهم على دراسة التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والمالية والسياسية والثقافية على البشرية.

 إن الجواب الثاني الذي أطرحه، في ضل هذه الوضعية الحالية، لا يخلو من ضعف تحليلي، لكن ربما يحمل بعض الإجابة الضرورية لذلك. إن المؤرخين هم الفئة الأكثر أهمية للرجوع الى كتاباتهم بخصوص الأحداث التاريخية، سواء الإنجازات التاريخية أو الكوارث أو المآسي الإنسانية. عندما انتهت الحروب العالمية، وجد المؤرخون مادة كافية لدراسة مع عاشته البشرية حينها، وكذلك في باقي الاحداث التاريخية الكبرى السياسية والطبيعية.

لذا وجب علينا، انتظار ما ستمدنا به الأجيال المقبلة من دراسات معمقة ودقيقة وعلمية لقضية انتشار الفيروس، لتسمح لتلك الأجيال بنقاش المؤامرة أو غيرها من النتائج التي تفضي بها تلك الدراسات. فلا يمكن حاليا أن نصل الى نفس النتائج، لأن كل المعاهد الجامعية والمؤسسات، غير مستعدة في ظل الجائحة الوبائية، من دراسة الوضع الحالي بما يكفي، واكتفت بمهمة جمع الاحصائيات والأرقام اليومية للضحايا وتأثير الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي على الاقتصاد العالمي، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بعد هذه الاطلالة، لبعض الإشكالات الجانبية، التي حاولت الوقوف عندها، سأحاول تحديد بعض المحاور الأساسية لمغرب ما بعد 2020، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية… رغم تداخلها على مستوى الصياغة.

أولا المحور السياسي:

تعتبر سنة 2020، سنة الجائحة الوبائية. انكبت جميع مؤسسات الدولة، على قدم وساق، الى التصدي للنتائج السلبية ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. إذا اعتمدنا على توقعات خبراء الصحة والأوبئة فإنها ستدوم لشهور، وعليه فإن سنة 2020 تعتبر سنة استثنائية سياسيا. فالحكومة لم تكون في المستوى المطلوب تقنيا، نظرا لصعوبة تواصل هياكلها وردود فعل رئيس الحكومة المتقلبة وغير الواضحة وغير المنسجمة، ولا يرقى الى مستوى ردود فعل بعض وزراء حكومته، كوزير التعليم … ووزير الصحة … ووزير الصناعة … ووزير الاقتصاد والمالية واصلاح… ووزير الفلاحة…. وعليه فهناك تفاوت كبير بين أغلب الوزارات، هناك وزراء نشيطين ميدانيا وإعلاميا، ووزراء غائبين نسبيا مقارنة بهم.

 يعتبر قرار عودة مئة طالب من العالقين بمدينة ووهان الصينية، من الخطوات الجريئة للدولة وأبانت عن استعدادها للجائحة، بعدها توالت إجراءات حاسمة، بتدخل لملك المغرب، باقتراح احداث صندوق دعم ضحايا فيروس كورونا، واغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية للمغرب في وجه الدول الأخرى، وإلزام الحجر الصحي منذ 20 مارس، وتوقيف الدراسة منذ 16 مارس. إجراءات اتخذت بكل جرأة وحزم، رغم الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية لها. إنها ذات طابع سيادي للمغرب، ولم يكن رئيس الحكومة في مستوى الحدث، لولا تدخل ملك المغرب في الوقت المناسب، كقائد أعلى للقوات المسلحة الملكية. هنا تظهر هشاشة وضعف رئاسة الحكومة في اتخاذ قرارات من هذا الحجم وعدم المامها، بالشكل الكافي، بالحدث الخطير الذي يهدد البلاد. وكمثال على ذلك، لا الحصر، قضية الكمامات.

إن المغرب مقبل على الانتخابات البرلمانية سنة 2021، ولا يفصلنا على ذلك سواء شهور معدودة، ونحن مازلنا في المراحل الأولى لانتشار الوباء، وانطلاقا من هذه الوضعية الاستثنائية أقترح تكوين حكومة وحدة وطنية أو حكومة تصريف أعمال تضم خيرة الكفاءات السياسية والاقتصادية والجمعوية والثقافية والفكرية والمالية والرياضية وحتى من بعض الوزراء الحاليين الذين أبانوا عن كفاءاتهم وممثلين داخل اللجنة الوطنية للنموذج التنموي الجديد وغيرها من الكوادر داخل وخارج المغرب. تساهم في إعادة بناء مغرب ما بعد سنة 2020، حكومة مختارة من طرف الملك بناء على الصلاحيات التي يمنحها له الدستور.

تعمل حكومة الوحدة الوطنية على وضع برنامج اقتصادي متكامل يراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفئات الهشة التي مستها الظرفية الدولية الحالية. برنامج اقتصادي متكامل يكون خبراء لجنة النموذج التنموي الجديد شريكا وفاعلا حقيقيا في وضعه، معتمدا على ما راكمته اللجنة من اتصالات ودراسات ميدانية وما توصلت به من خلال بوابتها الإلكترونية المعتمدة على مقترحات وأفكار المواطنين، الذين استجابوا لدعوة اللجنة، والظرفية الاقتصادية العالمية الحالية. بدوري سأساهم ببعض المقترحات، في الفقرة الثانية المتعلقة بالمحور الاقتصادي، والإشكالات التي اعتبر حلها ضروري، للمساهمة في قفزة اقتصادية نوعية، وتحقيق نمو يرفع من وثيرة الإقلاع الاقتصادي ببلادنا.

ثانيا: المحور الاقتصادي.

إن حدث جائحة فيروس كورونا/ كوفيد-19، سيكون له دور أساسي وفاصل بين مرحلتين اقتصاديتين مختلفتين، سيشهدهما العالم.  وهذا ما يجعلنا نطرح سؤالان أساسيان، هل هناك خطوة الى الوراء من أجل خطوتين الى الأمام؟ أم هناك تدهور الى الخلف يعمق أزمة البشرية الحالية؟

للإجابة أو الإحاطة على هاذين الاشكالين، سنكون أمام رحمة الذين سيحددون مصير البشرية، الذين سيضعون خريطة بناء عالم جديد وبالتالي مغرب جديد. إن كل الأشخاص الذين يفكرون، بكل جدية، في مصير البشرية، ملزمون بالمشاركة في النقاش الحالي محليا ودوليا. مناسبة رئيسية لانبعاث برامج اقتصادية واجتماعية وبيئية، أكثر إنسانية، يحملها السياسيين محل الجد على عاتقهم، والترويج لأفكار تساعد على الخروج من هذه المرحلة المفصلية في تاريخ البشرية.

الأحزاب دخلت في سبات سياسي عميق، منذ بداية الحجر الصحي، لم تتحرك ولم نظريا في وضع سيناريوهات ما بعد مغرب 2020، إن المغاربة بأمس الحاجة لمن يحلل ويدرس ويقترح ويعمل على تنوير، على الأقل منخرطيه، بما استجد من أخبار ودراسات وإجابات دولية لنتائج الجائحة، رغم استمرار الجرائد في الإصدار الالكتروني وتوصل الأغلبية بها الى أنها تفتقر الى دراسات عميقة وغنية.

إن التمعن في الوضعية الاقتصادية الحالية بالمغرب والإجراءات الاحترازية والتدبيرية التي اتخذت لحدود الآن، تحيل الى أنه هناك إرادة حقيقية وجدية تامة، لا مفر منها، لأنها مسألة موت او حياة، في التعامل مع الوضع. ساهم صندوق كورونا، في الحد من التداعيات الكارثية للحركة الاقتصادية على شرائح واسعة من سكان المغرب وساعد على توفير حد أدنى من المساعدات للفئات الهشة والعمال الذين فقدوا مناصبهم، إن هذه الإجراءات الحالية ليست الا رد فعل، ولم تكن إجراءات دائمة للحد من البطالة وتخصيص تعويض دائم للعاطلين.

من وجهة نظري، أعتبر أن وثيرة الخروج من الأزمة، تستدعي وثيرتين مختلفين من الإقلاع الاقتصادي، وثيرة سريعة وعاجلة عقب رفع الحجر الصحي، بعد انتهاء أسبابه كليا، والوثيرة الثانية مرتبطة بتفعيل نموذج تنموي جديد يعزز قدرة المغرب على تحقيق نمو اقتصادي كبير وتقوية الناتج الداخلي الخام.

تتمحور الوثيرة السريعة، حول إعادة تشغيل المحرك الاقتصادي وربطه بالمسألة الاجتماعية، الذي توقف كليا بسبب الجائحة، ولا يمكن استئناف عملية دورانه إلا بتوفر شروط صحية صارمة، من شأن اهمالها إعادة تفشي الجائحة. وتعتبر المطارات وقطاع السياحة، قطاعان مهمان جدا، نظرا لما يشكلانه من ربط المغرب بمحيطه الخارجي والداخلي وارتباطهما بقطاعات واسعة أخرى، منتجة وتجارية، ومقاولات صغيرة ومتوسطة، كما يساهم في تشغيل الآلاف من العمال.

 يجب العمل على تشجيع السياحة الداخلية، واعتماد أثمنة تفضيلية استثنائية تسمح للغالبية العظمى من المغاربة بالولوج والاستفادة من خدمات الفنادق والمنتجعات السياحية. هذه الخطوة من شأنها تشغيل الآلاف من العمال وتحريك العملية التجارية المرتبطة بالفنادق، وتشجيع التنقلات الجوية، بأثمنة استثنائية، بين المطارات لإعادة ضخ مداخيل لإنعاش ميزانية المكتب الوطني للمطارات. اخترت هذان القطاعين باعتبارهما أكثر تعثرا وشللا مع باقي القطاعات الاقتصادية الكبرى، من جهة، ومن جهة أخرى هناك تداخل بينها بخصوص دورتها الاقتصادية.

 إن تعزيز حركية المطارات والسياحة الداخلية سيساهمان في التخفيف من الأعباء التي يتحملها صندوق كورونا، وكذا سيحقق مداخيل إضافية من الضريبة على الدخل لفائدة الخزينة العامة والضريبة على القيمة المضافة ومداخيل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المتعلقة بمساهمات المشغلين. هذان الاجراءان، كذلك، سيجعلان المغرب مستعدا لاستقبال السياح الأجانب، بشكل أفضل من استئناف مفاجئ، كذلك نفس الامر بخصوص المطارات.

 إن الدورة السياحية الداخلية، بعد انتفاء أسباب الحجر الصحي، ستكون شكل من أشكال الانفاق الكبير الذين يحتاجه الاقتصاد المغربي، فكلما تعززت القدرة الشرائية وتنامى الانفاق الداخلي للسكان، سينتعش الاقتصاد وستساهم في تعزيز الرواج بين باقي القطاعات الأخرى، خاصة الفلاحة والصيد البحري، وبالتالي فإن تحريك السوق الداخلية سيكون بادرة أمل للنهوض بالاقتصاد المغربي. كما أن هناك أسباب نفسية لدى أغلب المغاربة، بعد حجر صحي قاسي من الترويح عن النفس والاستجمام وزيارات لباقي الأقارب.

يتجلى الاجراء الثاني، المرتبط بنجاح السياحة الداخلية، بتأجيل تسديد القروض لسنة كاملة، بناء على طلب، لفائدة الموظفين الذين لم تطالهم عملية الاستفادة خلال الحجر الصحي. من شأن حصول الموظفين على كافة الأجرة، دفعة واحدة، دون استخلاص القروض من تشجيع الغالبية العظمى منهم على الانفاق، خاصة السياحة الداخلية وتعزيز رواج السوق الداخلية والاقتناءات أو ما شابه من عمليات الاستهلاك الداخلي.

بعد استئناف العملية الاقتصادية، السابق ذكرها، ستعمل الدولة على ضمان انسياب الاقتصاد، دون صدمات عنيفة تهدد شرايينه، وبهذا الخصوص فإن البنوك تعتبر بر أمان للمقاولات الكبرى والصغرى والمتوسطة وعليه فإنها ملزمة بمنح قروض بفائدة لا تتجاوز 1 في الفئة، ورفع الوعاء الذي خصص له قبل الجائحة من 6 ملايير درهم الى 18 ملايير درهما، بمساهمة من صندوق كورونا. كما أن الدولة ملزمة بدفع التزاماتها لفائدة المقاولات المستفيدة من صفقات الدولة والجماعات المحلية دون تماطل لتعزيز ماليتها للحد من تكاليف الأجور وتحملات الحماية الاجتماعية والضرائب وغيرها.

إن ارتباط اقتصاد المغرب بالعالم الخارجي، سيعقد الأمور أكثر وبالتالي فإن جميع أشكال التنقلات للخارج، بعد انتهاء الجائحة سيكون مغامرة حقيقية، خاصة في غياب مؤشرات أو حقائق مؤكدة بخصوص كل دولة. تعمل الولايات المتحدة الامريكية بإعادة تحريك اقتصادها بأي ثمن، عكس بعض الدول الأوربية، وهذا ما يجعل المغرب يتعامل مع الحالة الأولى بنوع من التحفظ والحذر، أما علاقتنا بدول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا فالأمر يختلف نوعا ما، وعليه فإن اختيار التعامل مع أوروبا بعد الجائحة سيعتبر أهون الشرور مقارنة مع أمريكا.

إن فتح المجال الجوي للمغرب سيكون بدأ بأروبا، كمرحلة أولى، الى حين ظهور مؤشرات بخصوص باقي القارات. إن هذا الاجراء له علاقة مباشرة مع اقتصاد المغرب الذي يرتبط نوعا ما بالاقتصاد الأوروبي أكثر من غيره، خاصة السياحة والمجال الفلاحي والصيد البحري وبعض الصناعات.

إن صادرات المغرب من الفوسفاط تعتبر حيوية لجلب العملة الصعبة، التي نفذ الكثير منها، وبالتالي ينبغي على المكتب الشريف للفوسفاط، أن يسرع وثيرة عمليات التصدير، بعد انتعاش الاقتصاد العالمي، نظرا للبنية التحتية الهائلة التي يتوفر عليها، وكدا ارتباطاته الواسعة بجل الزبناء على المستوى العالمي. ولو بأثمان منخفضة، في انتظار ارتفاع الأثمان مستقبلا.

كما يمكن استغلال توقف الإنتاج الفلاحي الأوروبي الحالي وتدهوره نسبيا، مقارنة مع المغرب، على تشجيع التصدير، والبحث عن أسواق أخرى بأوروبا، خارج الاتحاد الأوروبي، خاصة بريطانيا، التي تعتبر سوقا واعدة بعد خروجها من الاتحاد.

إن اعتماد مقاربة جديدة لإنتاج وتصدير القنب الهندي، أصبح ضروريا، نظرا للطلب العالمي وجودته محليا، ويهم مستقبل الآلاف من المزارعين المرتبطين بهذه النبتة الحيوية لدى يجب إيجاد حل نهائي، قابل للتطبيق ومنصف للجميع، الدولة والمستهلك والمزارع.  انطلاق عملية التصدير بمعدلات كبيرة، سيساهم في تشغيل الألاف من العمال الزراعيين المتوقفين عن العمل، وستعزز مداخيل الضريبة على الأجور وباقي التحملات الاجتماعية لفائدة ص. و.ض إ. كما يجب أن يستمر المغرب في سياسته المائية، وتنفيذ برنامج البنية التحتية المائية، التي خصص لها 115 مليار درهم في أفق 2030، لتعزيز قدراته وموارده المائية لضمان التعبئة الدائمة والمتواصلة لتحقيق أهداف المخطط الأخضر.

إن سياسة المغرب الاقتصادية المرتبطة أساسا بالتصدير، لا يمكن أن تستقيم بشكل جيد دون مراجعة اتفاقيات التبادل الحر بشكل جدري، والقطع مع اختلال الميزان التجاري للمغرب، والحد من الطلب المتزايد على السوق الخارجية الذي يعمق أزمة السيولة النقدية من العملة الصعبة. إن عجز الميزان التجاري المتفاقم، عام بعد آخر، لم يكن نتيجة ضعف القطاعات التصديرية للمغرب ولكن بسبب القوة الاقتصادية والتجارية للبلدان 56 التي وقع معها اتفاقيات التبادل الحر. لقد سبق لوزير الصناعة والتجارة …المغربي أن صرح، في مواجهة وزيرة الصناعة والاقتصاد التركية، أن المغرب مستعد لتمزيق اتفاقية التبادل لحر مع تركيا، إذا لم يتم مراجعتها، هذا الموقف الجريء يظهر مدى تضرر المنتجات المحلية بسبب المنافسة، غير العادلة، للسلع التركية، داخل السوق المغربية، وضعف الإقبال على السلع المغربية بتركيا، نفس الشيء بالنسبة لباقي الدول. إن الاقتصاديين المغاربة تضرروا كثيرا من الوضع الحالي للسوق العالمية، ولم تستطيع منتوجاتهم تحقيق مكاسب مالية وتجارية وبالتالي فإن مراجعة الاتفاقيات أصبح من الأمور العاجلة، في هذه الظرفية الدولية ومستقبلا، قرار من الضروري اتخاذه بفرض سياسة حمائية لتقوية الاقتصاد والتجارة والاستفادة من السوق الداخلية.

 إن تعزيز القدرة الشرائية للمغاربة وتطبيق السياسة الحمائية، من شأنه أن يقوي مردودية السوق الداخلية وأن تحقق الشركات المحلية نتائج اقتصادية هامة، مقارنة مع الوضع الحالي، سياسة سبق أن تعهد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حفاظا على اقتصاد أمريكا. لم يستفيد اقتصاد المغرب، في ضل العولمة لرأسمالية، كما يتم التسويق له إعلاميا من طرف الحكومات التي تعاقبت منذ الانفتاح الاقتصادي للمغرب، بل على العكس من ذلك، تعرض الميزان التجاري لاختلالات عميقة وأثر على الناتج الداخلي الخام وتراجع النمو الاقتصادي بشكل مطرد، كما أدى الى تراجع في ميزانيات الدولة بسبب ضعف المداخيل الجمركية. رغم تحسن مداخيل الضريبة على القيمة المضافة بسبب ارتفاع الواردات، إلا أن ذلك لم يكن في مستوى الأهداف المرجوة.

 بمقابل هذه الإجراءات الجدرية، هناك خطوة تفضيلية، فيما يخص الاندماج مع اقتصاد افريقيا. تعتبر المنطقة الاقتصادية لغرب افريقيا، سيدوا، من المناطق الواجب استهدافها والتعامل معها بخلاف السياسة الخارجية مع باقي الدول، نظرا لارتباط المغرب بعمقه الافريقي والأهداف الاقتصادية الاستراتيجية، التي يمكن أن يحقق معها المغرب نموا اقتصاديا كبيرا، استراتيجية اقتصادية ممكن أن تكون لها تداعيات اجتماعية وسياسية هائلة مستقبلا. 

يشكل القطاع غير المهيكل، مشكلة حقيقية لمستقبل المغرب الاقتصادي، ويعتبر عبئا ثقيلا على سيره العادي، مقارنة بباقي الاقتصادات الصاعدة، التي حققت نموا اقتصاديا كبيرا. إن المهمة الرئيسية والآنية، بالنسبة للجنة النموذج التنموي الجديد، هي الوقوف على قضية الاقتصاد غير المهيكل ووضع تشخيص دقيق بناء على إحصاءات مندوبية التخطيط وكذا حصيلة مشاوراتها ونظرتها للوضعية بشكل عام.

تتمركز أولى الخطوات الأساسية، لوضع حد نهائي لهذه الظاهرة الاقتصادية، بوضع استراتيجية تكاملية مع الفاعل المالي المتمثل في الأبناك وشركات التأمين. وذلك بتوفير جميع أشكال الدعم لتمكين العاملين في القطاع من الحصول على قروض بنكية لا تتعدى نسبة الفائدة 1 في المئة وفترة تسديد طويلة الأمد ليتمكن القطاع من تحقيق الأهداف المسطرة بكل تفان وبعيدا عن ضغوطات التسديد، وبالتالي تحقيق نمو اقتصادي متواصل الصعود بنتيجة واحد في المئة كل سنة، مما سينعكس على سوق الشغل بإحداث آلاف المناصب.

 إن إحداث الآلاف من مناصب الشغل، يلازمه احترام تام للحقوق القانونية التي تمنحها مدونة الشغل وبالتالي فإن المشغلين ملزمين باحترامها بقوة القانون، واتحاد العام لمقاولات المغرب ملزم كذلك، بتعبئة أجهزته التنظيمية، لتفادي أشكال الاستعباد الذي يقوم به بعض المشغلين في حق العمال والنتيجة الحالية تؤكد ذلك، بعد توقف العمال عن العمل واستخلاص 2000 درهم كمساعدات للمنخرطين في ص..و..ض..ا شهر فبراير. إن الآلاف محرومون حاليا من تلك المساعدة، بسبب تملص بعض المشغلين من التصريح بالعمال ودفع مساهماتهم الشهرية لفائدة الصندوق. وضع أصبح لا يحتمل.

 إن الحماية الاجتماعية للعمال ليست هبة أو امتيازا من طرف المشغلين، بل هو حق موكول لهم بقوة القانون، وأي تقصير في تمكين العمال منها، يعتبر جريمة يجب معاقبة المتملصين من تطبيقه. وأولى الخطوات الواجبة اعتمادها، في مثل هكذا حالات، هو المتابعة القضائية وإصدار أحكام زجرية تصل حد السجن. هذا الاجراء القضائي ليس حيفا أو ظلما في حق المتورطين بل هو زجر وعقاب لمن لا يلتزم بالقوانين والحقوق. إن تسجيل العمال بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يعتبر ركيزة أساسية وحازمة لوضع الاقتصاد في سكته الصحيحة. هذه المؤسسة العمومية تحتاج الى مداخيل ومساهمات لتغطية النفقات الاجتماعية مستقبلا، لإجراء أفنوا عمرهم في خدمة البلد وساهموا في إنجاب جيل جديد من السكان النشيطين، الذي يشكلون العمود الفقري للمجتمع، وبالتالي لا يمكن أن نعيش في مغرب لا يحترم عماله ولا يحفظ ولا يصون، قانونيا، حقوقهم ويحفظ كرامتهم، ويضمن لهم عيشا كريما، يليق بهم.

 كم عامل أتم سنه الستين، ولم يتمكن من الحصول على معاش، بمبرر عدم حصوله على 3240 يوما من الانخراط في الصندوق، إنها قمة الاستهتار والعبودية والظلم، حتى إن بقي يوم واحد يحرم من تقاعده، أليس هذا عبودية. إن مؤسسة ص.و.ض.ا ملزمة بتغيير جدري لقوانينها الجائرة والمجحفة، التي تضع شروطا قاهرة وتعويض على يتعدى في حده الأقصى 70 في المئة.

إن التطرق لموضوع التغطية الصحية والحماية الاجتماعية للعمال واحترام بنود مدونة الشغل، وكافة أشكال العلاقة التي تربط المشغلين بأجرائهم، تعتبر قضية حيوية بالنسبة للمستقبل الاقتصادي للمغرب، ولا يمكن فصلها عن الأهداف المرجوة مستقبلا لتحقيق نمو اقتصادي فعال ومستدام. كما لها تداعيات إيجابية على مداخيل الصندوق، وبالتالي تعزيز الفئة النشيطة داخل المجتمع والحفاظ على التوازنات المالية مستقبلا.

ما دمت تطرقت لهذا الموضوع، لا بأس ان أشير الى بعض المقترحات بخصوص الحماية الاجتماعية للعمال والآليات الضرورية للخروج من الأزمة التي تعرفها جل الصناديق بالمغرب. أولى هذه المقترحات، تخص العدد الإجمالي للصناديق الحالية. ان تعدد الصناديق له انعكاسات سلبية على المسار العادي لتقديم خدمات جيدة لفائدة المنخرطين وعليه فإنه من الأفضل الاعتماد على صندوق واحد لا غير، يضم جميع الأجراء، من عمال القطاع الخاص وموظفي القطاع العام، كيفما كانت صفته ودرجته المهنية.

إن العمل بصندوق موحد سيعزز الادخار المالي وتوفير محفظة مالية كافية. إن انخراطات الملايين من الاجراء ومساهمات المشغلين، من شأنه أن يوفر سيولة مالية، تضاهي ما تتوفر عليه مجموع بنوك المغرب وستكون احتياطات هائلة وذات قيمة إنتاجية مرتفعة، مقارنة بعائدات المعاملات المالية بالبورصة. إن قيمة ما يتم ضخه من أموال كل سنة سيساهم في الناتج الداخلي الخام للمغرب، وسيساعد على إعادة توظيفها، وبالتالي مساهماتها في الدورة الاقتصادية، وستتمكن من المحافظة على توازناتها المالية وتفادي المخاطر المستقبلية، بدعم من جهاز اداري ومالي في المستوى المطلوب، واعتماد الشفافية وتسهيل عمليات الولوج الى المعطيات المالية في وجه النقابات والإعلام.

تشغل المطاعم والمقاهي أزيد من مليون نادل، أغلبهم غير مسجلون بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فئة هشة تقدم خدمات جليلة لمرتادي المقاهي، يعامل أغلبهم معاملة قاسية ومهينة، أكثر من ذلك، تشتغل أزيد من ثماني ساعات في اليوم. هذه الفئة الهشة تعاني اليوم، من جراء اغلاق المقاهي، معاناة جمة بسبب عدم استفادتها، إسوة بباقي الفئات العمالية المسجلة بالصندوق من 2000 درهم.

 هذا نموذج من القطاعات المشغلة بالمغرب ولا تحترم بنود مدونة الشغل ولا التغطية الصحية ولا الحماية الاجتماعية للشغيلة. لدى يتعين على مفتشي الشغل وموظفي الصندوق… استفسار النادل، عند أخذ قسط من الراحة في المقاهي التي يرتادونها. إن هذا نموذج من مظاهر عدم القيام بمهمة المراقبة بشكل جدي، رغم المسؤولية التي على عاتقهم لمراقبة المشغلين الذين لا يحترمون قانون الشغل.

في إطار إعطاء نماذج من بعض ضحايا الحماية الاجتماعية بالمغرب، سأتطرق الى قضية عمال الإنعاش الوطني، شريحة اجتماعية تعيش العبودية بكل تجلياتها، وعبارة، “عندما يداس القانون في معبده”، هي أكبر تعبير على ذلك. تشغل الجماعات الترابية بالمغرب الآلاف من هذه الفئة من العمال وكدا بعض الإدارات الأخرى، تدفع لهم أجورا بعيدة كل البعد عن السميك والسماك. لا يقبل العقل، المنطق الذي يحكم هذا الوضع، نموذج من الاستغلال القروسطوي، عندما كان العمال يستعبدون دون أدنى شروط الحماية الاجتماعية، لا تأمين ولا تعويضات عائلية ولا معاشات منتظرة… مثل خادمات البيوت وأكثر اضطهادا، مستقبل مجهول وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية. وعليه فمن واجب الحكومة وضح حد لهذه المعاناة الإنسانية وإيجاد حل عاجل، لضمان حماية اجتماعية تضمن كرامتهم.   

انطلاق مما سبق ذكره، بخصوص تسريع وثيرة اقلاع الاقتصاد الوطني، هناك مراحل أخرى لها أهداف استراتيجية ومستقبلية، ستكون قاطرة لديمومة اقتصادية متوازنة، تخلق نتائج هائلة، إن تم نهجها دون تردد وبكل جرأة، والقطع مع أساليب هجينة، كانت سببا في تأخر تنموي وفشل النموذج الحالي.

تتمحور هذه الأهداف حول قضية التعليم أولا، ثانيا الصحة، ثالثا العقار. هذه الأوراش الكبرى سبق أن تم اعتماد بعض الإجراءات بخصوصها، لكن لم تتبلور بعد معالمها أكثر، لكن في هذا الباب سأحاول التطرق اليهما، مشيرا الى ما هو مفيد منها ومدعما لوجهة نظري هذه، والتجربة التي عشتها خصوصا ملف العقار، الذي ما زال المغرب يعيش مرحلة، عاشتها فرنسا قبل 200 سنة الماضية في تدبير ملف العقار.

التعليم:

كان التعليم وأصبح، دائما، حقلا وضحية للصراع الأيديولوجي، بين الذين يحكمون وباقي مكونات المعارضة إيديولوجيا. خلال بداية الاستقلال عمل الملكان الراحلان، محمد الخامس وبعده الحسن الثاني، على تكريس تعليم يوازي السياسة العامة للدولة، ولم تتركه يوما يكون محط اهتمام المعارضة السياسية، خاصة مكونات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وباقي مكونات اليسار، لتوظيفه كآلية أيديولوجية لمواجهة نظام الحكم. لكن بالمقابل عملت الدولة على تكريسه لخدمة الأهداف السياسية، لنظام خرج من مرحلة الاستعمار ويواجه قوى معارضة داخليا.

يتجلى دور التعليم في إمكانية توظيفه من طرف الأساتذة المسيسين، للتقرب من الطلاب والتلاميذ ومحاولة جعل قسم واسع منهم، يهتم بالصراعات الفكرية والسياسية داخل المغرب وخارجه. وكانت المدرسة فضاء سمح للأحزاب المعارضة، بمساعدة الأساتذة المنتمين لها، على تأسيس الحركة التلاميذية وإيجاد موطئ قدم لها في الجامعة المغربية، وكان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أكبر حقل نقابي، جسد على أرض الواقع ذلك، وما زال الى يومنا هذا رغم تراجعه الكبير جدا.

كانت الجامعة فضاء للتجاذبات السياسية، منذ بداية الستينات، وتخرج منها الآلاف من الشباب والشابات، بعضهم يقودونا حاليا بعض الأحزاب السياسية، واعتبرت أكبر مصدر لطاقات سياسية متمرسة ميدانيا داخل الحلقات الطلابية. شهدت الجامعة حالات متفاوتة من السيطرة على الساحة الجامعية، بدأت بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مرورا بحركة 23 مارس ومنظمة الى الامام والحركة التروتسكية والماوية والحركة الإسلامية والحركة الأمازيغية، ما لازم ذلك من صراعات دموية للهيمنة على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كمنظمة نقابية طلابية.  

إذن انطلاقا من هذه المقدمة المختصرة لوظيفة التعليم في الصراع السياسي، هناك مسار آخر متعلق بفرض برامج تعليمية، من طرف الحكومات السابقة، تخدم بشكل أساسي الثوابت السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية للمغرب، وبالتالي لم يترك التعليم كمجال مفتوح لباقي مكونات المجتمع السياسية، وأصبح حقلا تهيمن عليه الدولة بشكل كبير جدا. لكنه، رغم ذلك، شهد بعض المنعطفات الكبيرة، كلما دعت الضرورة لذلك، ارتباطا بمصالح المغرب الداخلية والخارجية.

نظرا لارتباط المغرب بالعالم الخارجي، اعتمد منذ بداية أواسط الثمانينات على التعليم والتكوين المهني، وتوج ذلك المسار بتوظيف واسع للشباب بداية التسعينات أو ما يسمى بالشباب والمستقبل، نظمت خلاله الآلاف من مباراة توظيف حاملي ديبلومات التكوين والتأهيل المهني وحاملي ديبلومات التقني والتقني المتخصص، كمرحلة أولى بالوظيفة العمومية، نظرا لحاجيات الإدارة المغربية لتلك التخصصات.

 هذا الاتجاه كان إيجابيا بالنسبة للتعليم بالمغرب، وخرج من قاعدة التوظيف حسب الشواهد الجامعية، وشجع على استقطاب الاستثمارات الأجنبية الباحثة على طبقة عمالية مؤهلة مهنيا وتقنيا. كما ساهم خريجو مراكز التكوين المهني والتقني من انشاء الآلاف من المقاولات الصغرى والمتوسطة.

أصبح الآلاف من التلاميذ يختارون الالتحاق بمراكز التكوين والتأهيل والمدارس التطبيقية لإتمام تعليمهم، نظرا لفتح أفاق مهنية جديدة في ظل انحسار التشغيل بالوظيفة العمومية. ساهمت المناطق الصناعية بكل من طنجة والقنيطرة والدار البيضاء وغيرها من المراكز الصناعية، في تشغيل يد عاملة مؤهلة. ما ساهم وشجع على تبني تعليم متجه نحو تشغيل دائم للخريجين بشكل تصاعدي دون خلق عاطلين جدد عن العمل. تعليم متجه لخدمة المقاولة المغربية في مجالات مهنية مختلفة.

  نظرا للتطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والارتباط الأقوى بالعالم الخارجي وتقريب المسافات، تم اختيار نهج تعليم معتمد على التعلم باللغة الفرنسية، كمرحلة أولى لاختصار المسافة الزمنية للمتعلمين بالاندماج بشكل أسرع، عوض انتظار ترجمات باللغة العربية لجديد ما تعرفه الساحة التعليمية دوليا من إصدارات.

إن التطور التكنولوجي الهائل، وضع تعليمنا أمام مرحلة جديدة من التعامل مع برامجه التعليمية، كلما تم اعتماد أساليب علمية، تكون النتائج أفضل. سيساهم التعلم باللغة الفرنسية في تحقيق تطور إيجابي لنظامنا التعليمي، رغم ما عرفته الساحة الإعلامية من صراع أيديولوجي في هذا الإطار. لكن يبقى الخيار المعتمد إيجابيا جدا، ولا يمكن ملامسة نتائجه المرجو الا في المدى المتوسط بعد تخرج الأجيال الحالية والقادمة.

إن التعليم بالمغرب، شبيه بإنقاذ شخص من مرض عضال، لكن أمل شفائه يبقى دائما من الأمور غير المستحيلة. مادام ان هناك إرادة حقيقة في ذلك، وبعيدا عن منطق الصراع الأيديولوجي، بين الذين يحكمون والذين يعارضون الحكم. هناك جانب آخر خفي لا يتم نقاشه نهائيا أو لا يتم الانتباه إليه، عمدا او سهوا، بخصوص نجاح التعليم بالمغرب. إن الاهتمام بالجانب الشكلي والتقني والتدبيري والهيكلي للنظام التعليمي أساسي، وبواسطته يمكن إنجاح البرامج التعليمية.

يعتبر التدبير اليومي لساعات عمل المدارس، من الأمور الجوهرية التي يجب إيجاد حل نهائي لها. يعتبر التوقيت الحالي، من المسائل التدبيرية القديمة والمتجاوزة جدا، مقارنة مع الأنظمة التعليمية في الدول المتقدمة. إن اعتماد تدريس التلاميذ خلال اليوم الواحد، لفترتين منقطعتين صباحا ومساء، وفترة استراحة ساعتين خلال فترة الظهيرة، من الأساليب التي لا تصلح نهائيا للوصول الى نتائج إيجابية. بل على العكس من ذلك، تعتبر عبئا ثقيلا على كاهل التلاميذ والآباء والأمهات على حد سواء.

أقترح، في هذا الخصوص، اعتماد توقيت مستمر من الساعة الثامنة صباحا الى غاية الثالثة بعد الزوال، يقضي التلميذ معظم الوقت بالمدرسة. ودفاعا على وجهتي نظري، سأعمل على توضيح بعض النتائج التي سيكون لها وقع كبير على باقي المجالات. إن أول ما يمكن أن نحققه من نتائج، هو تحقيق انسجام بين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والنفسية … لهذا الاجراء، من خلال ربط جميع أشكال الحركة المجتمعية اليومية مع المدرسة. لأن المدرسة تعتبر عصب الدينامية التي تعرفها المجتمعات. كلما تم التحكم في تدبير عقلاني للسير العام لها، نكون قريبين من وضع الاصبع على زر حل أزمتها.

سيؤدي هذا الاجراء، على المستوى الاقتصادي، الى تحقيق نتائج إيجابية جدا، تساهم في خلق الآلاف من المقاولات التي تشتغل في مجال التموين الغذائي، وبالتالي تشغيل الآلاف من خريجي مدارس الفندقة والمطعمة. لإنجاح هذا المشروع ستعمل الدولة على توفير بنية تحتية جاهزة بجل المؤسسات التعليمية، قاعات ومطابخ مجهزة، تسمح بتوفير أغذية لفائدة التلاميذ، تكون ذات قيمة غذائية صحية، كاملة ومتوازنة.

تساهم الأسر المغربية، لإنجاح دعم وتمويل ذلك، بقسط رمزي من المساهمات على كل طفل، ألا يتجاوز 120 درهم عن كل طفل متمدرس، يتم اقتطاعه من التعويضات العائلية لفائدة المنخرطين بصناديق التقاعد، على أن يتم الزيادة في التعويضات العائلية من طرف المشغلين لتعويض الاقتطاع. كما ستساهم باقي الأسر بناء على وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية. إن هذا الاجراء سيساهم في تحقيق نمو اقتصادي كبير.

إن التنقل أربع مرات في اليوم، ذهابا وإيابا، يكلف الدولة والأسر خسائر مالية كبيرة. تساهم فاتورة البنزين والتنقل، الباهظتين، من إثقال كاهل الأسر، وتجعل مصاريف مواكبة تدريس الأبناء تمتص نسبة كبيرة من مداخيلهم. مما ينعكس على التدبير المعيشي للأسر ويؤثر على الاستقرار العائلي. تتحمل ميزانية الدولة أعباء كبيرة جدا، بسبب ارتفاع فاتورة البترول دوليا وامتصاص جزء كبير من العملة الصعبة، بسبب الإيرادات الضخمة من النفط مما يؤثر على الميزان التجاري، رغم بعض مداخيل الضريبة على القيمة المضافة.

 إن الدولة والأسر معنيون جميعا بلعب دور محوري للخروج بإجراءات عاجلة في هذا الصدد، عبر تقسيم تبعات التوقيت المستمر خلال المرحلة الانتقالية للعملية، وبعدها سيقيس الجميع مدى أهمية تلك القرارات الجريئة.

أثار التوقيت المستمر المعتمد بالمغرب بالوظيفة العمومية، منذ سنوات، ردود فعل حينها، معتبرين ذلك إجراء تعسفيا سيساهم في خلق مشاكل لفائدة الموظفات والموظفين في مواكبة تمدرس أبنائهم. لكن مع مرور الوقت، لم نعد نسمع احتجاجات بهذا الخصوص. إن اخماد هذه الاحتجاجات لم يكن بفعل أهمية التوقيت، لكن بسبب خروج أغلبهم قبل الساعة الثانية عشر والتحاقهم بمنازلهم بشكل عادي، تاركين مكاتبهم فارغة. لا يتم التصدي لظاهرة الغياب لساعتين في اليوم، عوض نصف ساعة، لأن رؤساءهم يعيشون نفس الوضع، ينقطعون عن العمل للاهتمام بأطفالهم المتمدرسين، وأكثر من ذلك يستعمل بعضهم سيارات العمل للتنقل صوب المدارس. هذه بعض مظاهر الانعكاس السلبي على الاقتصاد المغربي والجانب الاجتماعي للأسر، ولم يتوقف التأثير في هذا المستوى، بل يشمل مظاهر أخرى، خاصة الجانب البيئي.

 تتحرك يوميا بشوارع المغرب ملايين السيارات، خاصة المدن الكبرى في أوقات الدروة، الثانية عشرة زوالا والسادسة مساء: الخروج، والثامنة صباحا والثانية زوالا: الدخول. هذه الفترات اليومية، لها انعكاسات بيئية ونفسية خطيرة على سكان المغرب، على المستوى البيئي يشكل انبعاث ثاني أكسيد الكربون كارثة حقيقية ويسبب في أمراض تنفسية مزمنة، حيث يتعرض الأشخاص لامتصاص دخان ملوث بشكل يومي ويصل الى دروته خلال الفترات اليومية التي ذكرناها أعلاه.

 اما على المستوى النفسي، يخلق الازدحام الرهيب في خلق توترات نفسية وضغوطات هائلة على نفسية السائقين، ويجعل الجميع تحت رحمة الوصول في الوقت المناسب، وهذا ما يِؤدي لحوادث وصدامات شخصية يومية وضجيج هائل بسبب منبهات الصوت المزعجة، الكل يريد أن يسبق الآخر، صراع مع الزمن. إنها شبيهة بلحظات الهروب من موت محقق.   

إن التوقيت العادي المعمول به في المدارس، لم ولن يتوافق مع التوقيت المستمر المعمول به في الوظيفة العمومية، وعليه أصبح لزاما على وزارة التربية الوطنية والتعليم ووزارة الاقتصاد والمالية واصلاح الإدارة ووزارة الداخلية، التنسيق من أجل اعتماد توقيت مستمر، من الساعة الثامنة صباحا الى الساعة الثالثة بعد الزوال، لوضع حد لهذا الوضع المأساوي.

الصحة:

إن قضية القطاع الصحي بالمغرب، لا يخلو من بعض الشوائب التي تحد من فعاليته الإيجابية، منذ أن كان قطاع الصحة ضحية لسياسة التقويم الهيكلي، بداية الثمانينات. قبل هذه المرحلة كان القطاع لا بأس به، عرف تشييد مستشفيات جهوية ووطنية ومستشفيات جامعية ومستوصفات القرب، وتشكل مصحات الضمان الاجتماعي نموذجا يحتذى به آنذاك بأفريقيا.

لكن منذ أربعون سنة مضت، أصبحت وثيرة تشييد بنية تحتية، تساير التطور الديموغرافي بالمغرب ضعيفة جدا، ولم تكن في المستوى المطلوب، بل تراجعت بشكل كبير ولا تخصص من ميزانية الدولة الى نسبة مئوية قليلة جدا، مقارنة بما توصي به منظمة الصحة العالمية.

إن ما تحقق في تلك الفترة، رغم قلته، من بنية تحتية صحية، شمل محور زعير الرباط والدار البيضاء وبالتالي طبعه سوء التوزيع على باقي مناطق المغرب. ومقابل ذلك عرف القطاع الصحي الخاص انطلاقة كبيرة، وتمكن من تجاوز عدد الأسرة بالمستشفيات العمومية، حيث حقق أزيد من عشرين ألف سرير.

 ساهمت الدولة، لتجاوز برنامج التقويم الهيكلي والتقشف في المجال الصحي العمومي، من منح أرباب المصحات الخاصة امتيازات ضريبية وفتحت البنوك الباب أمام خريجي كليات الطب للحصول على قروض لبناء وتجهيز المستشفيات بأحدث المعدات الطبية. تحمل المرضى المغاربة التكاليف الباهظة لهذا النهج الليبرالي في المجال الصحي، وتفاقمت تكاليف العلاج والاستشفاء وأصبح المواطن أمام رحمة جشع أطباء مستثمرون في مجال حيوي وتحول أغلبهم الى أصحاب العقارات والمشاريع الاستثمارية في المجال الفلاحي والصناعي والسياحي. هذه الوضعية التي خلفها نظام صحي، معتمد على القطاع الخاص أكبر من قطاع عام مهترئ، خلق استياء عميقا لدى المواطن المغربي، وجعل العديد يحتج ويندد بسلوكيات غير إنسانية.

 اعتمد المغرب سنة 2005 التغطية الصحية الاجبارية، كإجابة على وضع مأساوي يزداد تفاقما كل يوم ويهدد بردود فعل قوية من طرف المغاربة. شملت مدونة التغطية الصحية الاجبارية، ملايين من العمال المنخرطين ب ص.و.ض.إ.  وساهمت، ولو بشكل طفيف، من تغطية بعض تكاليف الخدمات الصحية للمرضى. لقد سبق موظفو القطاع العام أن استفادوا من التغطية الصحية، وكانت شغيلة بعض المؤسسات العمومية تتمتع بتغطية كاملة وجيدة، مستخدمو الفوسفاط والسكك الحديدية… وبالتالي فقد عرفت الخدمة الصحية، المقدمة للشغيلة المغربية، تفاوتا كبيرا بينها، وغير منصفة وغير عادلة وكانت بوثيرات مختلفة، دون مبررات موضوعية لذلك، ولا زالت الى يومنا هذا.

إن التفاوتات التي يعرفها القطاع الصحي بالمغرب، على المستويين المجالي والبشري، يظهر مدى الارتجالية والفوضى التي تعمه وسوء التدبير. كما سبق ذكرناه أعلاه، هناك ملايين من المغاربة ما زالوا محرومين من التغطية الصحية الاجبارية، خاصة قطاع المهن الحرة والقطاع غير المهيكل، باستثناء بعض المهن كالعدول الذي صدر مرسوم، مؤخرا، يحدد آليات الاستفادة من التغطية الصحية. ينتظر الملايين من المغاربة وضع حد لهذه التفاوتات المجالية والبشرية للاستفادة من خدمات صحية جيدة، يتم تغطيتها من طرف صندوق اجتماعي ينخرط فيه اجباريا.

يجب أن تسرع الدولة من وثيرة توفير تغطية صحية شاملة لكل المغاربة، تهم كافة القطاعات الإنتاجية والاقتصادية. يتحمل، هذه التغطية، صندوق واحد يشرف عليها، عبر اعتماد التسجيل الاجباري واستخلاص المساهمات الشهرية أو السنوية وتتبع عملياتها مع مقدمي الخدمات الصحية. هذا من جهة كمرحلة أولى، على أين يتم البث نهائيا، في نسبة التغطية الشاملة للأمراض والأدوية بنسب مئوية تتراوح 90 في المئة، وإعادة النظر في فاتورة الاستشفاء، المقدمة مسبقا من طرف المريض خلال فترات علاجه، لفائدة المصحات الخاصة، ووضع حد لإجبارهم على تسديدها، وعلى الصندوق أن يتحملها مباشرة.

إن التفاوتات المجالية، تتفاقم يوما بعد يوم، خاصة من طرف أصحاب المصحات الخاصة، الذين يفضلون الاستثمار في المدن الكبرى، في حين لا يشمل اهتمامهم العالم القروي. توجد بالمغرب الآلاف من المداشير، منطقة تمنار وأمزميز نموذجا، تحيط بها الآلاف من الدواوير والجماعات القروية وتضم الآلاف من السكان ويتحملون عناء التنقل الى المدن الكبرى، في ضل قلة سيارات الإسعاف. إن الجانب الأخلاقي والإنساني يجب أن يكون تاج على رؤوس الأطباء، ومسألة الربح والمال يجب أن تكون آخر اهتماماتهم، رغم تكاليف القروض الباهظة التي يسددونها لفائدة الأبناك. وعليه يجب أن تمنح لخريجي كليات الطب الراغبين في فتح مصحات بالعالم القروي امتيازات بنسب فائدة لا تزيد عن 2 بالمئة ومنح امتياز اقتناء العقارات بشراكة مع الجماعات القروية.

يعتبر توحيد الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي أو الهيئة المغربية لمنظمات الاحتياط الاجتماعي وإدماج جميع التعاضديات المنضوية تحته امرا ضروريا وعاجلا. كما سيكون لدمج تدبير التغطية الصحية الاجبارية من طرف ص.و.ض.إ، في إطار صندوق موحد مع الكنوبس، نتائج إيجابية مقارنة مع الوضع الحالي. إن توحيد الصندوقين سيساهم في تحقيق تكافئ بين المستفيدين من الخدمات الصحية ويحد من الامتيازات بينهم وهو ما سيشكل قفزة نوعية نحو دمقرطة الخدمة الصحية. نفس الأمر ينطبق مع الأشخاص المستقلين والمهن الحرة والفئات الهشة في المجتمع.   

إن الحديث عن القطاع الصحي الخاص، لا يجب أن يعفينا عن الدفاع عن قطاع صحي عمومي مجاني وجيد لفائدة الفئات الهشة والعاطلين عن العمل وذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع، تكون معززة بأطقم ومعدات طبية كافية وفي المستوى العالي من الجودة وأن تمثل نسبة مهمة مجموع البنية التحتية الصحية بالمغرب.

العقار:

أ: تعديل الفصل 570 من ق.ج

حضرت يوم الخميس 12 مارس 2020، بمدينة إيمنتانوت، قادما من أكادير، لحضور ندوة وطنية في موضوع: العقار والتنمية، بقاعة المحكمة الابتدائية بالمدينة. كانت القاعة مكتظة بالمحامين والقضاة والعدول، كالأساتذة: رئيس المحكمة الابتدائية لايمنتانوت و د. عمر أزوكار و د. حسن فتوخ و د. احمد الساخي و د. عز الدين الماحي و د. ادريس الشبلي وغيرهم من الأساتذة الجامعيين وطلبة الماستر قانون العقود والعقار والتوثيق وباقي المهتمين بملف العقار. تضمن البرنامج محاور مهمة: الترامي على عقار الغير والفصل 570و 571 المتعلق بانتزاع الحيازة والأراضي السلالية وغيرها من المواضيع الهامة.

كانت التدخلات مهمة للغاية، واستفدت من مداخلات القضاة والأساتذة. بدوري شاركت بتدخل لم يتجاوز ثلاثة دقائق، احتراما للتوقيت المخصص لتدخلات الحضور، لكن لم أتمكن من ” أن أشفي غليلي”. جاء تدخلي، بناء على معاناتي ونضالي في ملف عقاري دام عشر سنوات، كنت فيه ضحية للفصل 570 و571 من القانون الجنائي المتعلق ” بالهجوم على ملك الغير”، حيازة عقار، ملف: جنحي عادي استئنافي/أكادير عدد: 326/2801/2017. وقمت بنقض الحكم الذي لم يكن في صالحنا.

لقد وكلني أزيد من 26 وريثا من أحفاد وثلاث بنات لصاحب الملك، رقية 1928 وايجة 1930 وفاطمة 1934. أغلب الورثة يعيشون بالمدن خارج البادية، حسب ظروف العمل والزواج، لم يكونوا قريبين لأملاكهم، يملكون أراضي متفرقة، بمنطقة تليلت-إمسوان. خلال بداية سنة 2008، بعد وفاة مولاي الحسن أخوهن سنة 2001، بدأت مافيا العقار وأبناء العمومة، أحدهم موظف سابق بالمسح الطبوغرافي والعقاري بأكادير، من محاولة الترامي على الملك المسمى بحيرة البصلة.

 ملك يعتبر استراتيجيا بالنسبة لمافيا العقار، نظرا لتواجده على الطريق من جهتي الشرق والغرب وعلى شاطئ البحر (تقريبا خمسة هكتارات). أسالت لعاب المتربصين “بالهميزات”، واستعمل بعض من أبناء العمومة قضية الحيازة بالحرث، بتواطئ مع أشخاص نافذين. قاموا بحرث جزء من الملك وقمت برفع دعوة الهجوم على ملك الغير وخسرت الدعوة بسبب شهود زور. قمنا بدورنا بحرث أرضنا، لأنه لا يمكن أن نترك أرضنا يتم الترامي عليها بمبرر الحيازة زورا، تمت إدانتنا بسبب شهود تتوفر فيهم جميع صفات التجريح: يعتبرون سهرا المشتكين، رغم ذلك تمت إدانتنا.

 كنت أجهل حيثيات التقاضي بخصوص ملكية العقار، لكن التجربة دائما تصقلها الممارسة. أقدم هذه الإطلالة البسيطة حول الملف، لتوسيع وجهة نظري أكثر حول الفصلين 570 و571 من ق.ج وضرورة إعادة النظر فيهما جذريا.

إن صاحب الملك المدعو مولاي محند بن مولاي محمد، اشترى الملك المذكور أعلاه، بيعا صحيحا قاطعا ناجزا ومنجزا لا إقالة تتبعه ولا ثنيا يفسده سنة 1335ه/1915، رسم قديم يحمل هذه العبارة الدقيقة والدالة على صحة البيع والشراء. جميع الأملاك التي اشتراها تضم نفس العبارة، وبلغ عدد الرسوم 14 رسما، تمكنت من تعريف جميع الرسوم القديمة ومنها رسم الملك المدعو بحيرة البصلة وفم الأذن، رسم يضم ملكين، أرضه، شجره وحجره وطرقهما داخلا وخارجا وكافة مواد الجميع مطلقا.

لم أتمكن منذ البداية من اتباع المسطرة المدنية، نظرا لجهلي بأمور التقاضي حول العقار حينها، وتورطت في الملف بناء على حيلة الحيازة. لكن هذا لم يمنعني من مواصلة نزاعي ومجهوداتي، نظرا لعدالة قضيتنا وخدمة للأشخاص الذين وكلوني. نهجت مسطرة التحفيظ العقاري وتبين أن أحد الأملاك المحفظة، قبلة ملكنا “بحيرة البصلة” يشير إلى مولاي محند بن مولاي محمد، ملك تحت رقم: ت 3839/س وبجانب ملكنا جنوبا “مطره” مالك آخر يدعى تكزرين، ونتوفر على رسم استمرار، خاص به، يشير الى ملك بحيرة البصلة.

 فتحت مطالب التحفيظ تحت عدد 43989 و43990 و43991 لبحيرة البصلة وفم الأذن، خلال فترة الاستئناف وضعت لدى المحكمة الابتدائية بأكادير، شهادة التحديد الإداري المسلمة من طرف المحافظة العقارية. لكن كل ذلك لم يشفع لي، وتم تأييد الحكم الابتدائي، وقمت بنقض الحكم.

هذه القضية جعلتني، رفقة موكلي، نعاني الكثير وضيعنا أكثر من عشر سنوات مع أشخاص لم نكتري لهم ملكنا لحرثه أو استغلاله ولم يسبق لهم ان استغلوه مطلقا، لكن إمكانية الترامي على ملك الغير تبقى دائما مفتوحة أمام مافيا العقار، لاستعمال الفصل 570 و571 بشهادة شخص واحد او شخصين لإثبات الحيازة.

وضع أصبح المشرع المغربي ملزما بالتعامل معه بمنطق علمي دقيق، يثبت حالة الحرث بناء على خبرة تقنية في الموضوع، وليس شهادة شخص واحد أو أكثر. إننا في القرن الواحد والعشرين ومازال الأساتذة المحامون، يدلون في مذكرات تقديمهم أربعة أبيات شعرية للأصمعي لإثبات الحيازة.

إن القضاء المغربي ملزم بمراجعة عدد كبير من ملفات العقار، التي يتنازع فيها الآلاف من المغاربة، أغلبها متابعة بالفصل 570 و571 من ق.ج، للوقوف على حقيقة الملفات المتنازع حولها. لا يعقل اعتماد الملك المحفظ وحده المستثنى من قاعدة الحيازة. إن رسوم الملكية تعتبر قانونية، وتعزز ملكية الشخص للأرض، وبالتالي تحد من إمكانية فتح المجال للمتراميين على عقارات الغير، خاصة الضحايا الذين تركوا أراضيهم وهاجروا للمدن، لأسباب خارجة عن إرادتهم.

 إذا كان الفصل 570 و571 سلاحا، في يد مافيا العقار، ولا يحمي حق الملكية بناء على الدستور، ويعطي الأحقية للحائزين بالحرث، فما أهمية الرسوم والوثائق المثبتة للتملك؟ وما دور العدول والقضاة والموثقين؟ إن المشرع المغربي ملزم بتضمين أحقية المتنازعين، في القضايا الجنحية، من الإدلاء برسوم الملكية واعتبارها حاسمة في قضية النزاع وتسبيقها على الشهود، الذين تسقط شهادتهم امام الوثائق واعتبارهم للاستئناس في غياب الوثائق التي تثبت الملكية.

هناك طرف آخر من مافيا العقار، فتحوا مطلبا على جزء من ملكنا المسمى بحيرة البصلة، أشخاص ذوو نفود سياسي ومالي بالمنطقة، منهم رئيس جماعة قروية. هذا الملف لا يسع المجال هنا لنقاشه، لأن قضيتنا عادلة وستحسم المحكمة الملف بناء على وثائق التملك.  

اعتمدت على هذا الملف كنموذج، من آلاف الملفات، لمطالبة المشرع المغربي لتعديل الفصلين المشؤومين، ولم يكن غرضي التشهير بقضيتي أو التعريف بها، لكنه قضية قائمة بذاتها، ونموذج لاستخلاص العبر، والحد من ظاهرة شهود الزور، وتصحيح مآل الآلاف من الملفات العالقة حاليا بمدرجات المحاكم.

ب: المندوبية السامية للمياه والغابات

اخترت لهذا الفصل العنوان أعلاه، لمدى أهمية القضية ومعاناة المغاربة من مشكل تركه المستعمر الفرنسي بالمغرب. تعتبر مبادرة الدولة، بخصوص الأراضي السلالية، إنجازا تاريخيا بتوزيع مليون هكتار من الأراضي على ذوو الحقوق. يتساوى فيها الذكور مع الإناث.

لقد عان المغاربة مع المستعمر الفرنسي، خلال بداية القرن العشرين. استحوذ على الملايين من الهكتارات من الأراضي والتي كانت ملكا خاصا بهم، يستغل للحرث أو الرعي. لكن للأسف، لم يتوقف الامر عند حده وانصاف المتضررين، بعد حصول المغرب على استقلاله. بل استمرت إدارة المندوبية السامية للمياه والغابات على إعادة التحديد ووضع تحديدات جديدة خلال عملية فتح المطالب لدى المحافظة العقارية.

لتقريب القارئ أكثر من هذه القضية، سأعمل على إعطاء نموذج حي من منطقة إمسوان التابعة ترابيا لولاية أكادير. فتحت المندوبية مطلبا تحت عدد: ر 36888/09 ويضم الآلاف من الهكتارات، وضع حجر التحديد الطبوغرافي وطوقت الدواوير وسط المطلب كليا ولا يبعد من منزل بعض السكان الا 10 أمتار، دوار تشحيفا نموذجا.

يعتبر دوار تشحيفا ملكا خاصا للمرحوم مولاي محمد بن الحاج أحمد بن بهي، اشتراه سنة 1326 ه أي 1906 م، قبل دخول المستعمر الفرنسي. ويِؤكده ما تضمنه أحد الأحكام القضائية بمحكمة تمنار سنة 1939، هذا الحكم سجل به الملك المذكور أعلاه، خلال فترة الاستعمار، بجميع حدوده والبائعين، أرضه وشجره وحجره وطرقه داخلا وخارجا.

بعد وفاة صاحب الملك، طلب أحد أبنائه إحصاء تركة المتوفى، وتم إنجاز استمرار تحت عدد 606 صحيفة 284 من الأول عدد 8 والمسجل بالصويرة 7 نونبر 1960 صحيفة 47 عدد 1120 كناش 84. يضم هذا الاستمرار جميع أملاك المتوفى والبالغ عددها 19 ملكا ومنزله، ومنها الملك المسمى تشحيفا، نفس الحيف تعرضت له بعض من الأملاك التي تضمنها الاستمرار، تم تعسفا فتح المطلب على بعضها كليا أو جزئيا.

إن أي شخص، يملك وثائق الملكية، لا يمكن أن يقبل ويوافق على انتزاع أرضه ظلما وتعسفا، باستثناء المنفعة العامة. إن الدستور المغربي يعتبر حق التملك حقا مقدسا ولا يمكن أن يجرد الشخص من حقوقه تعسفا. لكن الآلاف من الأشخاص المالكين لوثائق إثبات التملك تعرضت أملاكهم للهجوم من طرف المندوبية السامية للمياه والغابات.

إن المندوبية ملزمة بإيجاد حل للآلاف من التعرضات من طرف المالكين، ولا يمكن أن يبقى الوضع كما هو عليه الآن، وهي ملزمة بوضع حد لهذه الدوامة من المشاكل العالقة وغير المنصفة. إن امتياز فتح المطالب لدى المحافظة العقارية، لا يمكن ان يعتبر هروبا الى الأمام، ويجب أن يتم فتح النقاش من جديد، بخصوص ذلك، واعتبار الوثائق الصحيحة والقانونية مرجعا رئيسيا للحل.

إن هذا الوضع يساهم في عرقلة تنمية حقيقية بالمغرب، وبمنطقة إمسوان نموذجا، منطقة شاطئية تستقطب كل سنة الآلاف من السياح الأجانب والمغاربة. إن تسوية الملف العقاري للمنطقة سيساهم في محاربة البطالة وخلق مشاريع سياحية تعود بالنفع الكبير للساكنة. وبالتالي فإن بناء نموذج تنموي بالمغرب، لا يمكن تحقيقه دون إيجاد حل للمالكين الحقيقيين مع المندوبية السامية للمياه والغابات، واعتماد القانون فاصلا بينهم.

  • فنان تشكيلي

شاهد أيضاً

أليساندرو جياكوني: هدنة فيروس كورونا في إيطاليا

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *