الرئيسية / العلوم الإنسانية / علم الإجتماع / الأيديولوجيا وعلم الاجتماع

الأيديولوجيا وعلم الاجتماع

بقلم يونس فارس

لم يكن علم الاجتماع وليد صدفة . بل نشأ في ظل الصراعات الإجتماعية التي عمت القارة الأوروبية . وتجسد الثورة الفرنسية هذا الصراع الاجتماعي بشكل خاص ، ويذهب “روبيرت نيسبت” إلى القول باستثناء الثورة البلشفية في القرن العشرين حادثة أثارت العاطفة وأشعلت الفكر وكانت الساس للكثير من الآراء و الإجتهادات فيما يتعلق بالإنسان ومستقبله غير الثورة الفرنسية ” فقد أبرزت طبيعة القوى المتصارعة ومصالحها المتناقضة خلقت قطبان يتجذبان المجتمعات الرأسمالية أحدهما يمثل الطبقة البورجوازية التي هيمنت على الاقتصاد و السلطة وتسعى للحفاظ على النظام ، مقابل الطبقة الشعبية التي شكلت وقود هذه الثورات إيمانا منها أنها ستغير من وضعها بعد تدمير العلاقات السائدة في النظام الإقطاعي لكن وقع العكس تماما بعد سيطرة العلاقات الرأسمالية الجديدة ، فقد تعاظمت مشاكل الطبقة العاملة ( الاستغلال _ زيادة التفاوت _ الفقر_ الإغتراب …)
لقد أشرنا الى هذه التغيرات البنائية التي أصابت أوروبا جراء الثورة الفرنسية بشكل خاص أنها دفعت بالعقل الأوروبي إلى التفكير في تناول المشكلات الإجتماعية تناولا علميا ملموسا بالتالي الدعوة الى علم جديد يحلل المجتمع بكليته في تغيره و استقراره ، وظهرت إسهامات طرحت تصورات مختلفة وعبرت عن اتجاهين إيديولوجيين مختلفين ( راديكالي ومحافظ )
قبل التطرق إلى هذين الإتجاهين الرائدين في علم الإجتماع مع اتجاهات أخرى علينا أولا أن ثير مفهوم الأيديولوجيا ماذا نقصد بالايديولوجيا ؟ هذا المفهوم استخدمه لأول مرة المفكر الفرنسي “أنطوان ديستوت دي تراسي ” في كتاب له بعنوان “عناصر الأيديولوجية ” يهدف من وراءه تأسيس علم جديد _علم الأفكار- يقصي كل معرفة تقوم على الإيمان والإعتقاد أي القضاء على الخرافات والأوهام وانتشال المجتمع الفرنسي من جمود وتخلف فكري باستخدام منهج علمي يبحث عن الحقيقة .
فمفهوم الأيديولوجيا قد شهد تحول على مستوى المعنى وهو مايبرر تنوع طرق وأساليب استخدام هذا المصطلح و سأحاول تناوله بشكل مختصر وذلك من منظورين أساسيين :
المنظور المادي ( ماركس _ غرامشي )
لقد شهد مفهوم الأيديولوجيا تطورا مهما على يد كارل ماركس _ الذي أكسبه صبغة مادية _ باعتبار أن هذا المفهوم كما يتداول اليوم مدين لماركس او بتعبير كارل مانهايم ” أن لفظة الأيديولوجيا ترتبط في معظم اذهان الناس بالماركسية وتتحدد ردود فعلهم اتجاهها بهذا الارتباط ” فماركس يستخدمها إذن للإشارة إلى منظومة الأفكار التي يفهم الناس من خلالها عالمهم فالأيديولوجيا و الفكر يعتمدان على الظروف المعيشية و الطبقة الاجتماعية للشخص ، وباعتبار ان الطبقة الحاكمة تتصرف بوسائل الإنتاج المادي و الفكري فالأيديولوجيا إذن تعكس مصالح هذه الطبقة و التي تناقض مصالح الطبقة المحكومة ؛ فبتعبير ماركس ” الأيديولوجيا تقلب الأشياء رأسا على عقب وأنها الصورة الكاذبة التي يرسمها الناس على انفسهم بهدف تبرير بعض الأوضاع الإجتماعية تعمل على التزييف والخداع . لكن إذا ما إنتقلنا الى الماركسي أنطونيو غرامشي فهو يرفض كل المعاني السلبية لهذا المفهوم ، فهو ينظر اليها باعتبارها عامل محدد للحس المشترك وضرورة تاريخية لتنظيم وتوجيه الجماهير ، فهي أيديولوجيا مجتمع وليست بأيديولوجيا طبقة _ أي ان لكل طبقة ايديولوجيتها الخاصة _ كما اعتقد لينين كما ينفي أيضا زوالها في مرحلة زوال المجتمع الطبقي كما يذهب إلى ذلك ماركس هكذا يتحرر هذا المصطلح من صبغته السلبية وارتباطه الطبقي الحتمي
المنظور المثالي( هيجل)
في إطار الفلسفة الألمانية إنتقل مناط الحقيقة من العقل الى التاريخ يقول هيجل في هذا الصدد ” إن دعوة فلسفة الانوار الى العقل كانت ضرورية إلا ان العقل في مفهومها كان مجردا وفارغا من أي مضمون (…) اما اذا طبق على الواقع فانه يعطي الدليل على عجزه لأن المجرد لايعطي مقياسا للتعامل مع الواقع ، فيميز هيجل بين العقل المجرد القياسي الصوري التجزييئي _يسميه عبد الله العروي بالإعقال _ الذي يصلح للفهم فقط وبين العقل المشخص التركيبي المبطن في الأشياء
فعصر الانوار تفرض عقلها على التاريخ و الواقع فتهدم الأول وتعجز على فهم التاني أما الفلسفة الألمانية تستخرج عقلاتنيتها من التاريخ و الواقع ويقول هيجل ” بقي أن نسوق كلمة أخرى حول العالم الذي ينبغي ان يكون والذي يقال أن الفلسفة تبشر به إذ يبدو أن الفلسفة تأتي متأخرة اكثر مما ينبغي بالنسبة لهذه المهمة فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلا حين يكتمل الواقع الفعلي (…) حين ينضج الواقع الفعلي فعنذئد فقط يبدأ المثل الأعلى في الظهور ليجابه عالم الواقع ويواجهه ليبني لنفسه في صورة مملكة عقلية…” بالتالي فانتقال الأيديولوجيا الى الفكر الألماني انقلب واصبح التاريخ بدلا من العقل _ كما قال دي تراسي _ هو مناط الحقيقة ومناط المطلق
أما في ما يتعلق بعلاقة علم الإجتماع بالأيدولوجية فقد أشرنا سابقا الى أن التغير البنائي في أوروبا دفع الى التفكير في علم جديد يحلل هذا الواقع فظهرت تصورات مختلفة عبرت عن اتجاهين مختلفين بل اكثر من ذلك متصارعين الاتجاه المحافظ و الاتجاه الرديكالي فإذا كان الأول يرى ان الهدف من إنشاء هذا العلم هو إنهاء الصراع الاجتماعي بين القوى الرجعية التي تريد العودة بعجلة التاريخ الى الوراء وبين القوى التقدمية التي تثير الفوضى وتطمح الى التغيير فيتحقق الانسجام بين القوى المتصارعة وذلك بتثبيت سلطة النظام الرأسمالي والحفاظ على استقراره فهو يناهض الثورة ويعتبر نزعة التحديث التي جاءت بها الثورة شرا أي شر انه يهاجم كل ما تاتي به وتدافع عنه ، وفي نفس الوقت يدافع عن كل شيء تهاجمه الثورة . وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته مع اوغيست كونت
اما الثاني أي الاتجاه الراديكالي فيرى ان هذا العلم لا يهدف الى الحفاظ على النظام القائم وضمان استقراره بل إلى تدميره والقضاء عليه أي تغييره بشكل جذري لإقامة نظام جديد يحقق مبتغى الطبقة العاملة أي المساواة و العدالة الاجتماعية وتدمير كل أشكال الاستغلال والذي لا يمكن تحقيقه إلا بالقضاء على الطبقة البورجوازية وإلغاء المجتمع الطبقي والملكية الخاصة وهو ما عبر عنه كارل ماركس فيما عرف بالمادية التاريخية ويقول لينين في هذا الصدد في إطار العلاقة بين المادية التاريخية بعلم الاجتماع : ” إن علم الاجتماع فيما قبل ماركس وكذلك التدوين التاريخي يقدمان – في أحسن الأحوال – تراكماً من الحقائق الأولية التي جمعت بطريقة عشوائية ووصفاً لبعض جوانب العملية التاريخية . ولقد أضحت الماركسية بفضل دراستها لمجموع الاتجاهات المتعارضة وارجاعها – على وجه الدقة ، إلى ظروف الحياة والانتاج المحددة لطبقات المجتمع المختلفة وتنحيتها النزعة الذاتية والعشوائية عند انتقائها للأفكار الموجهة المختلفة أو في تفسيرها وكشفها عن أن كل الأفكار ، كل الأفكار المختلفة دون استثناء لها جذورها في ظروف القوى المادية لإنتاج ، وأوضحت بفضل كل ذلك الطريق إلى دراسة شاملة تستوعب عملية نشأة التكوينات الاجتماعية الاقتصادية وتطورها .
أخيرا يسعنا القول الى أن هناك مجموعة من الظروف والمواقف التي تشكل المنطلق الأساسي لعالم الإجتماع كما تؤثر لرؤيته للحقيقة الإجتماعية وهو ما يطرح مشكلة الموضوعية و صعوبة التحرر من الأيديولوجيا فالخلط الذي يحدث بين الموقف الأيديولوجي والإطار المعرفي والمنهجي للنظرية قد أثر أحياناً تأثيراً سلبياً ، وذلك في حالة طغيان الموقف الإيديولوجي على الأسس العلمية والمعرفية ، ولكنه استطاع ايضاً بما لا يدع مجالاً للشك أن يحدث تطوراً هاماً في النظرية الاجتماعية بظهور تيارات نقدية اتخذت من العلم الاجتماعي موقفاً نقدياً يسعى إلى الكشف عن تناقضاته وتحيزاته الاجتماعية والإيديولوجية في آنِ واحد .

الهوامش

زار وسيلة الأيديولوجيا وعلم الاجتماع جدلية الانفصال والاتصال. منتدى المعارف ص 11_ 12_18_22_30_273_285

العروي عبدالله . مفهوم الأيديولوجيا _ المركز الثقافي العربي ص.68_69 _ 77
قادة جليد مقال بعنوان ” الفلسفة وزمانها عند هيجل ” صحيفة المثقف 14 شتنبر 2017
ليلى عبد الوهاب ” النظرية الاجتماعية الكلاسيكية والمعاصرة ” ص 16 _ 18 _ 22_ 72
البحيري فيصل محمد ” دراسة في علم الاجتماع القانوني عند اميل دور كايم ” مركز الدراسات العربية ص 37

شاهد أيضاً

سايكولوجيا الذات والزمان

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف باشلار ومنهج تشيييء الزمان حين ينعكس الفهم الراسخ لدينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *