الرئيسية / ترجمة / سلافوي جيجيك: ما القاسم المشترك بين الفيروسات التاجيةواحتجاجات فرنسا؟

سلافوي جيجيك: ما القاسم المشترك بين الفيروسات التاجيةواحتجاجات فرنسا؟

(أو لم يحن الوقت بعد للعربدة “orgies”؟)

ترجمة: محمد فتوحي 

الأوبئة – مثل الاحتجاجات الاجتماعية – لا تندلع ثم تختفي ؛ بل تصر على أن تتربص في انتظار إلى أن تنفجر بشكل غير متوقع. يجب أن نقر بهذا الأمر، ولكن هناك طريقتان للقيام بذلك.

يعتقد الكثير من الناس خارج الصين أن الحجر الصحي سيكون كافيًا لمعالجة انتشار الفيروس ، وأنهم إلى حد ما في مأمن وراء هذا “الجدار”. ولكن الآن وقد تم الإبلاغ عن حالات الإصابة بالفيروس التاجي في العديد من الدول، تبين لنا أننا فعلا في حاجة إلى مقاربة جديدة. كيف لنا أن نتعامل مع مثل هذه التهديدات المؤلمة؟ 

ربما يمكننا أن نستفيد بعض الشيء من ردود أفعالنا تجاه أوبئة الفيروسات التاجية من الكاتبة السويسرية إليزابيث كوبلر روس، التي اقترحت في كتابها “الموت والاحتضار” النموذج الشهير المعروف ب”مراحل الحزن الخمسة”. 

في هذا النموذج تصف كلوبر روس كيفية تعامل الفرد مع الحزن الناتج عن مصيبة, او أية كارثة قد تلم به (مرض قاتل, خسارة فادحة ….الخ), حيث يمر بخمس مراحل تتوالى كما يلي: أولا، مرحلة الإنكار Stage of Denial: وتوصف بكونها حالة دفاع عن النفس، حيث ينكر الشخص خطورة حالته أو حتى وجودها. ثانيا، مرحلة الغضب Stage of Anger: يقول المريض لنفسه: لماذا أنا بالذات؟ إضافة إلى الغضب الذي يُسقِطه على أيِّ شخص آخر. ثالثا، مرحلة المساومة Stage of Bargaining: يحاول الشخص أن يقيم نوعًا من التوافق والتسوية مع القدر. رابعا، مرحلة الاكتئاب Stage of Depression: تحل مع ضعف الشخص ووهن طاقته حين يتطور المرض عنده، إذ يشعر بالخسارة الكبيرة المقبلة والنهاية المحتومة (اليأس).خامسا وأخيرا، مرحلة التقبل Stage of Acceptance: يتقبل الشخص حالته ومصيره
ويستسلم للامر الواقع ويستعد نفسيا للنهاية بإنهاء الصراع. إلا أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن كلوبر روس تؤكد أيضًا على أن مراحل الحزن الخمسة هذه لا تأتي بالضرورة بنفس الترتيب. 

يمكننا أن نستشف أن نفس مراحل الحزن الخمسة تنطبق على أي مجتمع يواجه كارثة معينة. لنأخذ على سبيل المثال، خطر الكارثة البيئية.

في بدأ الأمر، نحاول “إنكار” حقيقة أن هناك فعلا شيء إسمه كارثة بيئية بقولنا أن “المسألة لا تتعدى أن تكون مجرد ذعر و جنون ارتيابي و فقط، حيث يتعلق الأمر هنا بتقلبات معتادة في أنماط الطقس ليس إلا”. ثم يأتي بعد ذلك”الغضب” الذي نسقِطه على الآخرين مثل الشركات الكبرى التي تتحمل مسؤولية تلوث بيئتنا أو نحاول صب جام غضبنا على الحكومة التي تتجاهل الخطر. في مرحلة المساومة نحاول أن نقيم نوعًا من التوافق والتسوية مع خطر الكارثة البيئية، رافعين شعار “إذا قمنا بإعادة تدوير نفاياتنا ، فيمكننا ان نربح بعض الوقت، بل هناك جوانب إيجابية أيضًا حيث يمكننا الآن زراعة الخضروات في غرينلاند …. إلخ” . ثم في المرحلة الرابعة، نشعر بالإكتئاب واليأس، أي الشعور بالخطر الوشيك والنهاية المحتومة (“فات الأوان ، لقد خسرنا كل شيء”) ، وأخيرًا تأتي مرحلة التقبل التي نستسلم فيها للخطر ونستعد له نفسيا.

إننا في مواجهة مع تهديد خطير و يتعين علينا تغيير نمط حياتنا بأكملها. 

ينطبق الشيء نفسه أيضا على التهديد المتزايد، اليوم، لنظام التحكم والمراقبة الشبكيين في حياتنا. مرة أخرى ، أولاً ، نميل إلى رفضه ، واعتباره “مبالغة” ،و “جنون ارتيابي يساري” ، حيث “لا يمكن لأي وكالة السيطرة على نشاطنا اليومي”. بعد ذلك ننفجر غضبا على الشركات الكبرى ووكالات الدولة السرية التي “تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا” والتي تستخدم هذه المعرفة للسيطرة علينا والتلاعب بنا. بعد الغضب نحاول إيجاد وسيلة للمساومة، معبرين أنه من حق السلطات استخدام نظام التحكم والمراقبة الشبكيين للبحث عن الإرهابيين ، ولكن ليس لاختراق خصوصياتنا. أما في مرحلة الاكتئاب، نحس باليأس، نحس أنه قد فات الأوان، ونحس بفقدان خصوصياتنا وبانتهاء عصر الحريات الشخصية. وأخيرًا ، نتقبل الخطر مدركين أنه فعلا هناك شيء اسمه نظام المراقبة الشبكي و أنه فعلا يشكل تهديدًا لحرياتنا ، ويجب أن يعلم الجميع بخطورة الوضع ونعمل عل محاربته. 

حتى في مجال السياسة ، ينطبق الشيء نفسه على أولئك الذين أصيبوا بصدمة كبيرة بعد تولي ترامب لرئاسة الحكم: أولاً ، واجهوا الأمر بالإنكار (“لا تقلق ، ترامب مجرد موقف، لن يتغير حقا أي شيء إذا تولى السلطة”) ، بعد ذلك عبروا عن غضبهم تجاه كل من “قوى الظلام” التي مكنته من تولي السلطة، وتجاه الشعبويين الذين يدعمونه ويشكلون تهديدًا لجوهر الأخلاق. في مرحلة المساومة، اكتفوا بترديد (“لم نفقد كل شيء بعد، ربما يمكن احتواء ترامب، لنتسامح مع بعض من تجاوزاته “) . مرحلة الاكتئاب يمكن تلخيصها في(” إننا في طريق يتجه بنا إلى معانقة الفاشية، و الديمقراطية تضيع في الولايات المتحدة “) ، ثم التقبل :(” هناك نظام سياسي جديد في الولايات المتحدة ، وأيام الديمقراطية الأمريكية انتهت ، لنواجه الخطر ونخطط لكيفية التغلب على شعبوية ترامب.) 

في العصور الوسطى ، تفاعل سكان المناطق المتضررة من الطاعون بنفس الطريقة: الإنكار أولأ ، ثم الشعور بالغضب من الذنوب المعاقب عليها ، أو حتى بالغضب تجاه ذاك الإله القاسي الذي سمح بانتشار الطاعون. بعد ذلك، تأتي مرحلة المساومة (الوضع ليس سيئًا للغاية ، فلنتجنب فقط الاحتكاك مع المرضى) ، ثم الاكتئاب (انتهت حياتنا). لكن المثير للاهتمام في مرحلة الاكتئاب هذه هو العربدة orgies (“بما أن حياتنا على وشك الانتهاء ، فلنحصل على المزيد من الملذات الممكنة كالخمر والجنس …وما إلى ذلك” ). وأخيرًا ، مرحلة تقبل الأمر: (” لنتصرف ونتعامل مع الوضع قدر الإمكان كما لو أنه طبيعي. وتستمر الحياة”)

أليست هي أيضا نفس الطريقة التي نتعامل بها الآن مع أوبئة الفيروسات التاجية والتي انفجرت في نهاية سنة 2019؟ أولاً ، كان هناك تعبيرا عن الرفض و الإنكار (لا شيء خطير يحدث، هي مسألة تتعلق ببعض الأفراد الذين ينشرون الذعر فقط) ؛ ثم التعبير عن الغضب على شكل موقف عنصري (الصينيون القذرون هم المذنبون) أو على شكل موقف معارض للدولة: (دولتنا غير قوية وتتحمل كل المسؤولية …) ؛ ثم تأتي بعد ذلك مرحلة المساومة (هناك بعض الضحايا ، لكن الوضع أقل خطورة من فيروس سارس ، حيث نستطيع أن نحد من الأضرار) ؛ وإذا لم ننجح في ذلك، ننتقل إلى الاكتئاب (لنتوقف عن خداع أنفسنا، فنحن جميعاً في ورطة كبيرة). ولكم ان تتخيلوا الوضع في مرحلة التقبل. 

إنها لحقيقة غريبة أن هذه الأوبئة تظهر سمة مشتركة مع المرحلة الأخيرة من الإحتجاجات الاجتماعية مثل تلك التي حدثت في فرنسا و هونغ كونغ: فهي لا تنفجر ثم تتلاشى ، بل تبقى هنا لتستمر ، ولتحدث خوفا مستمرا في حياتنا. 

ما يجب أن نتقبله ، أو بالأحرى ما يجب أن نتصالح معه كذوات، هو الطبقة الفرعية من الحياة. إنها تلك الحياة غير الميتة والمتكررة للفيروسات ،و التي كانت وستظل دائما موجودة معنا كأنها ظل مظلم يهدد بقائنا بانفجار لا يمكن التنبؤ به.

بصفة عامة، هذه الأوبئة الفيروسية تذكرنا بحالة الطوارئ القصوى التي نعيشها وتذكرنا أيضا أن حياتنا لا معنى لها. بالرغم من كل هذه الصروح الروحية والرائعة التي نخلقها نحن البشر، فيمكن لطارئ طبيعي و تافه مثل فيروس أو كويكب أن ينهي كل شيء، ناهيك عن الدرس الإيكولوجي الذي يذكرنا بتورطنا في الوصول إلى هذه الحالة، ولو عن غير قصد. 

لكن كيف يمكننا حسب نموذج كلوبر روس أن نتقبل (Acceptance) هذا الوضع الخطير الذي نعيشه الآن؟ نحن أمام خيارين اثنين. إما أن نستسلم للأمر ونتطبع مع المرض، وبالتالي نتقبل الموت، فالحياة ستستمر رغم كل شيء، وإما أن ندع الذعر والأوهام جانبا، ونعمل على تعبئة أنفسنا، والتنسيق بشكل تضامني وجماعي فيما بيننا. 

شاهد أيضاً

أفاية ينعي الفيلسوف محمد سبيلا

محمد نورالدين أفاية محمد نورالدين أفاية بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *