الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الموت والخلود في الفلسفة الغربية الحديثة

الموت والخلود في الفلسفة الغربية الحديثة

علي محمد اليوسف

علي محمد اليوسف

ذهب فلاسفة التنوير الى أن السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا، وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد، وبالتالي هي الحياة الوحيدة التي لها قيمة، أما الخلود فهو أكذوبة كهنوتية يتعّين كشف النقاب عنها، والقضاء عليها، لتحقيق حياة أفضل في أطار من الحرية والسعادة، ومعرفة كيفية الموت على الوجه السليم: فن الموت هي عند الرجل المستنير جزء من فن الحياة.
ويعتمد هولباخ (1723-1775) مؤلف كتاب (نظام الطبقة) معتبرا الفلسفة تأملا للموت، والخوف من الموت هو العدو الحقيقي الوحيد الذي يتعين قهره، وعدم وجود حياة اخرى،والموت يحررنا من سلطة القساوسة(). وهو ما عارضه اسبينوزا تماما بقوله جوهر الانسان في تأمله الحياة وليس الموت.
كما هاجم ديفيد هيوم (1711-1776) نظرية الخلود ، بأن الانسان يخشى واقعة الموت, وهي ذاتها تؤكد الافتراض بأن الموت ينهي كل شيء وبدون واقعة الموت ما كان للجنس البشري أن يبقى. ونقد هيوم المدمّر لنظرية الخلود تزداد عمقا من خلال تفنيده لمفهوم الجوهر Substance ، فيما يخص النفس البشرية، ويرفض أن هناك شيء يسمى (الذات Self) ، حيث أن الذات لايمكن أدراكها حسّيا وليست لدينا فكرة عنها، وما ندعوه (أنا) ونعتّز به ، ونتوقع أن يواصل الحياة لا يعدو أن يكون حزمة من الادراكات الحسية().
كما فنّد (كانط) برهان مندلسون في خلود النفس في كتابه (نقد العقل الخالص) معتبرا دوام النفس الذي ينظر اليه كموضوع للاحساس الداخلي يظل بلا برهان بل غير قابل للبرهان أساسا.

يذهب فويرباخ بأن كل الاعمال الانسانية يمكن أن تشتق من الحب، ولا بد للانسان ان يحب. ويصبح انسانا حقيقيا حين ينفض عن نفسه الانانية الطبيعية، والحياة الاسمى عنده في الدين، والفكر، والاخلاق، انما هي الحياة حين يتخلى المرء كليا عن انانيته وذاتيته الزائفة. والحب في نظره لا يكتمل اذا لم يكن هناك موت، فالموت هو التضحية الاخيرة والبرهان النهائي على الحب. والانسان يحقق ذاته الحقة مرة واحدة، حين يصبح في لحظة اللاوجود.

أما برونو (1564-1600) فكان أقتناعه بأستحالة الموت كعدم ، في تأكيده أن الكون اللامتناهي الذي عدّ تأمله (المهمة السامية للانسان) فالانسان أذ يسعى الى أكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل في الكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر كل كائن هناك الخلود والتحقق ، وفي الكون اللامتناهي للكون عند برونو لاسيطرة للموت.
بقي ديكارت مؤمنا بأن النفس تبقى خالدة بعد الموت، وأن الطب الجاد مع التغذية الصحية الصحيحة ممكن أن تطيل عمر الانسان الى قرون عديدة، ولم تتمالك الملكة كريستينا ملكة السويد في حينها من التهكم الخفي على نظرية ديكارت حينما توفي في الثالثة والخمسين، لكن ديكارت عرف طوباوية أفكاره عن واقعة الموت والخلود قبل وفاته. وفي رسالة الى (شانو) وهو عاكف على تأليف كتابه (حول انفعالات النفس) يقرر: (بدلا من أيجاد السبيل للحفاظ على الحياة، أكتشفت سبيلا اكثر سهولة ويقينية هو ان لا نخشى الموت).
لأن النفس حسب تصوره باقية بعد فناء الجسم، وأن ذلك ليس من تعاليم الدين، وأنما في الاطلاع على أسباب طبيعية تؤكد ذلك، ويناقض نفسه حين يقول: أني لأستطيع التفكير في أولئك الذين ماتوا بأعتبارهم ينتقلون الى حياة أكثر سلاما وعذوبة من حياتنا، وأننا سننضم اليهم يوما ما().
ويعني ديكارت أن شهادة العقل الطبيعي تثبت أن الجسم ينتمي الى عالم المادة (الجوهر الممتد…) والذي يخضع لقوانين الحركة والذي يمكن أن يفهم بأعتباره نظاما ميكانيكيا، بينما الفعل جوهر مفكر غير ممتّد (جوهر مفكر) وهناك ثنائية متطرفة بين هذين النوعين من الجوهر، وما يمنح الجسم الحياة ليس العقل أو النفس وأنما (الارواح الحيوانية) فالعقل أو النفس هما لسكن الجسم، ومسألة تفاعلهما هي المشكلة المحورية التي يتوجب علينا أن نميّز بين وظائف النفس من وظائف الجسم. ويؤكد انه (من الخطأ الاعتقاد بان النفس تمنح الجسم حركته وحرارته.) ()
وأوقع ديكارت نفسه في سخرية لايحسد عليها حين أعتبر ان الجسم مركّب من أجزاء مختلفة، لكن جزءا واحدا من الجسم هو على اتصال مباشر بالنفس وهو الغدة الصنوبرية. التي تحتل موقعا مركزيا في الدماغ، وقد أراد ديكارت بهذه الفكرة الخروج من المأزق الذي وقع فيه بعد ان فصل تماما بين الجسد وجوهر النفس التي لم يعتبرها ديكارت هي العقل..كما تذهب له الفلسفة السلوكية الحديثة.
بمجيء باسكال القس المسيحي قوله: (افضل ما في هذه الحياة هو الامل في حياة أخرى)، وباسكال يرى أن الفلسفة ليست جديرة بساعة من الدراسة والاخفاق في دعم الامل في الخلود عن طريق العقل الطبيعي, هو الذي جعل رفض باسكال للفلسفة الشرط المسبق للاعتقاد في الخلود بعد الموت. وكان أهتمامه منصّبا على البرهنة على صحة النظرية المسيحية. ومشكلة الخلود هي في رأي باسكال ، المشكلة الاكثر عمقا والاشد الحاحا، وهو على استعداد لمساعدة الآخرين في العثور على الرد الذي عثر عليه هو في أيمانه الديني، فهو يبدأ بالقول بانه ما من احد يستطيع أن يلوم مسيحيا، لعدم قدرته على أثبات معتقدات عقلانية, لأن – الله – اذا كان موجودا فأنه لايمكن الاحاطة به على نحو لا متناه… فنحن عاجزون لا عن ادراك ماهيته فحسب، وانما كذلك من ادراك ما اذا كان موجودا(). فعمد باسكال الخروج من هذا المازق المستديم بمقترح براجماتي مفاده الانسان لا يخسر شيئا اذا اعتقد بوجود الله وفي الاخير لم يصدق معه ايمانه بالخلود بعد الموت قائلا: في حل هذه المعضلة (اثبات وجود الله)، يعطي باسكال حلا براجماتيا فيقول في ما يتعلق بوجود الله، فاما أن الله موجود، او أنه غير موجود، والشيء الذي يمكن عمله هو الرهان، فأذا ما راهنا على أن الله موجود فأننا نكسب كل شيء في لانهائية النعيم، اللامتناهي، واذا ما اتضح أن الله غير موجود فاننا لا نخسر شيئا بعد الموت.
وفي هذا الصدد يقول كانط: (انني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية وأني على يقين من انه ليس هناك ما يهّز هذا الايمان). () وعلى الرغم من هذا الافصاح الكانطي حول الايمان ,الا أنه أجهز بردود افعال تشنيعية عليه أنه في كتابه نقد العقل المحض أجهز على وجود الله مما سبب له عداءا مستحكما له لم يخلص منه من الملك والكنيسة والمجتمع.

الموت بحسب شوبنهاور هو (الارادة) والانتحار ليس مهربا وليس حلّا حيث ان طبيعتنا الحقّة ليست قابلة للفناء، فأن الانسان يمكنه انهاء حياته لكنه لا ينهي ارادة الحياة، وبالموت يتخلى الانسان عن الحياة فقط ويبقى محتفظا بارادة الحياة

وعن الخلود يقدم كانط في كتابه (نقد العقل الخالص) صياغته الاولى لنظريته في الخلود بأعتباره شرطا ضروريا للعقل العملي، فالسعادة والفضيلة لاتتطابقان في هذه الحياة وذلك على الرغم من أن العقل يتطلب ضرورة تطابقهما، فعلى الرغم من أمكانية تحقيق السعادة في هذا العالم فأن الفضيلة يمكن تحقيقها بصورة حقيقية اذا ما كان هناك تقدم لامتناه فحسب، ومن هنا يتعين أن تكون هناك حياة أخرى. كما يتعين – حسب كانط – فهم الاعتماد على الحجة الاخلاقية لأثبات الخلود بدلا من الرجوع الى التجربة الدينية أو الايمان الاعمى.
ويشير كوجيف في كتابه: (مقدمة لدراسة هيجل…. الى ان فلسفة هيجل الجدلية أو الانتثروبولوجية هي في التحليل النهائي فلسفة الموت أو والمعنى واحد فلسفة الالحاد وأن الانسان ليس فانيا وحسب، وأنما هو تجسيد للموت. موت الانسان وبالتالي الوجود الانساني الحق هما بمعنى ما أنتحارا، كما أن الواقع وما يحدث فيه كل يوم لايأتي من الله فحسب ، وبموافقة الله، وأنما هو بالاساس عمل الله ذاته).
يتساءل (شوبنهاور) لماذا يخاف الانسان الموت رغم أن ابسط تأمل للحياة يظهر بجلاء أن الحياة (عوز وتعاسة واسى وبؤس وحزن) ولماذا يعتير الموت الشر الاعظم، واسوأ عقاب يمكن التهديد به؟ ولماذا يعد الخوف من الموت، الخوف الاعظم؟ ويضيف (ان فكرة اللاوجود non-being ليست هي التي تجعلنا نخاف الموت والا لكنا سنفكر بفزع في الاوقات التي لم نكن موجودين فيها بعد. كما يدين شوبنهاور الانتحار لأن النفس حقّها على من يريد الخلاص بالانتحار ، ولأن الانتحار ينفي الفرد فحسب لا النوع. فبالتالي فأن الافناء الارادي للوجود الظاهرة المفرد هو عمل أحمق وعابث. وأن مبدأ الخلود الطبيعي العظيم هو الذي يسعى الى تعليمنا أنه ليس هناك فرق هائل بين الرقاد والموت وأن هذا الاخير لا يفوق الاول في تعريضه وجودنا للمخاطر. والنقطة الاساسية في حجة شوبنهاور هي أنه ليس هناك خلق من العدم، وأننا اذا أكدنا هذه الفكرة فأن علينا أن نوافق كذلك على أن الموت هو النهاية المطلقة أي العدم. وصحة المبدأ القديم: لاشيء يخرج من لاشيء وفي العدم لايستطيع شيء العودة من جديد.() ويعود شوبنهاور ثانية الى الانتحار في تساؤل ماذا عن أولئك الذين لايمكنهم تحمل الحياة ويرغبون كخلاص من الالم والمعاناة في الانتحار؟
ان الموت بحسب شوبنهاور هو (الارادة) والانتحار ليس مهربا وليس حلّا حيث ان طبيعتنا الحقّة ليست قابلة للفناء، فأن الانسان يمكنه انهاء حياته لكنه لا ينهي ارادة الحياة، وبالموت يتخلى الانسان عن الحياة فقط ويبقى محتفظا بارادة الحياة.هنا يقصد شوبنهاور الحقيقة الفلسفية المتداولة قبله ومن بعده بأن الموت يطال الانسان الفرد , مبقيا ارادة الحياة في (النوع) الانساني غير القابل للافناء.
أهمية ارادة الحياة كخلود نوعي غير فان بالعدم لدى شوبنهاور يتمثل في التوضيح التالي:
(ان التمييز القاطع بين الارادة والمعرفة بالاضافة الى اولوية الاولى وهما ما يشكلان السمة الاساسية لفلسفتين هما المفتاح الوحيد لحل التناقض الذي يطرح نفسه بالعديد من السبل وينشأ من جديد في كل وعي، حتى في اكثر ضروب الوعي فجاجة والقائل بأن الموت هو نهايتنا، وأننا مع ذلك ينبغي أن نكون خالدين وغير قابلين للافناء. ومن هنا يأتي شعورنا بالخلود، عند اسبينوزا ايضا في مبدأ وحدة الوجود، وقد أخطأ الفلاسفة جميعا في هذا ، (حين وضعوا العنصر الميتافيزيقي غير القابل للافناء والخالد ، عند الانسان في الذهن على حين أنه يكمن حصرا في الارادة، التي تختلف كليا عن الذهن وتتسم وحدها بالاصالة، أما الذهن فهو ظاهرة ثانوية ويتحدد بالمخ، وبالتالي يبدأ وينتهي معه، أما الارادة فهي وحدها التي تحده، أنها جوهر كافة الظواهر وبالتالي متحررة من الاشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي اليها الزمن، والتي هي بالتالي قابلة للافناء ، تنقضي الحياة ، ولكن لاينقضي معها مبدأ الحياة)().
في مقولة فويرباخ ينبغي أن تعاش الحياة بكامل أمتلائها رغم الموت، جمع فويرباخ منذ كتاباته الاولى، الفرح بأن تعيش الحياة والوعي بالموت ومن الصعوبة أن يحذوا الناس حذوه. في كتابه الاول (تأملات في الموت) يبدو كان واقعا تحت تأثير كبير لهيجل، وعلى نحو مميّز في المغزى الاخلاقي للموت، الذي كانت بذوره الاولى كما مر بنا لشوبنهاور، ويذهب فويرباخ بأن كل الاعمال الانسانية يمكن أن تشتق من الحب، ولا بد للانسان ان يحب. ويصبح انسانا حقيقيا حين ينفض عن نفسه الانانية الطبيعية، والحياة الاسمى عنده في الدين، والفكر، والاخلاق، انما هي الحياة حين يتخلى المرء كليا عن انانيته وذاتيته الزائفة. والحب في نظره لا يكتمل اذا لم يكن هناك موت، فالموت هو التضحية الاخيرة والبرهان النهائي على الحب. والانسان يحقق ذاته الحقة مرة واحدة، حين يصبح في لحظة اللاوجود.
ويتساءل فويرباخ لماذا أذن تموت الحيوانات والنباتات؟ واجابته أن ذلك يرجع فحسب الى أن البشر يموتون. فالموت البشري هو سبب موت الكائنات الحية الاخرى. والاسمى (الانسان) هو دائما سبب الادنى (مخلوقات الطبيعة ما عدا الانسان)، وموت الاسمى هبوط الانسان بالموت لما هو ادنى منه.
كما يؤكد فويرباخ أن للموت علّة وسبب وأصل ميتافيزيقي ، ونفسي وعضوي، والعلة الاولى غير المحددة واللامتناهية للموت هي اللامتناهي في الله. اما العلل المحددة المتناهية فهي الزمان والمكان والحياة. والسبب المحدد واللامتناهي هو العقل والروح والوعي().
والنفس لاتصبح نفسا بدون الجسم تماما كما ان السيد لايصبح سيدا بدون العبد، وانفصال الجسم عن النفس ووجود هذه الاخيرة خارج الجسم انما يمكن ان يعني شيئا واحدا: ان النفس مختلفة عن الجسم بالطريقة ذاتها التي يختلف بها التفكير عن العقل، والا لتعين علينا أن ننظر الى علاقة الجسم – النفس باعتبارها شيئا مكانيا، كما لو كانت النفس تشغل حيّزا، ومن ثم فأن الاعتقاد بالخلود بقدر ما يتمّثل الخلود في صورة النفس وهي تغادر حقا الجسم هو (جنون نظري) ().
والقول بأن الموت قانون الطبيعة هو قول سطحي لأنه حينما لاتوجد روح ولا حرية لايوجد موت، فالموت يفترض الروح مقدما التي مكمنها الوحيد هو الجسم قبل الموت. فالانسان لايموت الا لأنه كائن حر ومفكر واع، وهنا بحسب جاك شورون، (يبدو فويرباخ غارقا في التراث المثالي الذي سرعان ما يتنكر له بعد قليل، وقد بدأ على نحو ما فعل شوبنهاور قبله، بالانسان الذي يتميز عن كل الكائنات الحية الاخرى بقدرته على أن يصبح موضوعه الخاص، فالانسان ذات وموضوع في آن معاً، وهو عارف وموجود وكلما ازدادت روحانية الانسان، اتسع نطاق حريته، وسما رقيهّ، على وجوده الفيزيقي. والنتيجة التي توصلها فويرباخ هي أنه لا الخلود ولا الموت على نحو ما يفهمان عادة حقيقيان: (لايغدو الموت حقا مؤلما الا قبل وقوعه، وليس في غمار هذا الوقوع، فالموت أشبه بوجود الشبح او الطيف بحيث أنه لايوجد الا عند لا وجوده، كما أن لا وجوده يعني وجوده).*
فماهية الانسان تسمو كثيرا عن فنائه أو خلوده. (كما أن الموت والزوال لايحرمانه من أي شيء، كذلك الخلود لايضيف أي شيء له، فليس هناك شيء بعد الموت، ومن السمات الاخرى التي ربما لاتقل أهمية في تدعيم فلسفة فويرباخ عن الموت، هو تمجيده للموت، (الطبيعة ليست توّاقة للحياة) وغريزة المحافظة على التراث هي في الوقت نفسه غريزة تدمير… فميلاد كائن هو في الوقت نفسه موت كائن اخر(). والانسان نجمة المساء في الطبيعة ونجمة الصباح للروح، والحمقى وحدهم يظنون أن هاتين نجمتان منفصلتان ، وأنهم بعد الموت وحده يصلون الى عالم الروح، وأن الحياة الروحية تبدأ بعد الموت فحسب، وينكر فوير باخ الخلود الشخصي في العالم الآخر، ويتبنى وجهة النظر القائلة بأن الخلود الوحيد، هو الخلود العضوي في نسلنا(النوع)، وان النعيم الحق يتمثل في الحياة من أجل الاجيال المقبلة، والبقاء في ذاكرتها.
وفي قصيدته (القصيدة المقّفاة عن الموت) يبين وحدة الجسد والنفس وخرافة الخلود: أنا من طبيعة لا تتجزأ / فالانسان لايمكن ان يصاغ في اشلاء/ أو يتجزأ على نحو ما تهوى/ لان الموت ليس نكتة سخيفة/ والطبيعة لا تأتي حيلا مرحة/ فأنها تنهي الحياة بأسرها بالموت/ والحق ان الوجود يتبدد/ ويلحق بمرتبة العدم/ لن أنهض أبدا من جديد/ فالموت ينهي حياتي/ ولابد ان افنى واتحوّل الى عدم.
أعجب نيتشه بالفيلسوف شوبنهاور أعجابا كبيرا، لكنه لم يخلو من أختلاف مع ذلك المتشائم العظيم حول العديد من القضايا الجوهرية، ووصف نيتشه: (شوبنهاور كفيلسوف، أول ملحد يعلن الحاده على رؤوس الاشهاد، ويرفض انصاف الحلول في صفوفنا نحن الألمان). وقد أثّرت في نيتشه بعمق الحقيقة المروعّة القائلة بأن (الرب قد مات) وفي خطاب أرسله لأحد اصدقائه كتب (أن العذاب المخيف الذي لايكّل وينتهي لحياتي، يجعلني في ظمئي للنهاية… وبقدر تعلّق الامر بالمعاناة والتخلي، فأن حياتي خلال هذه السنوات الاخيرة تعادل حياة أي ناسك في أي وقت… غير أنه ما من ألم استطاع أغوائي أو سيكون بمقدوره أن يغويني للادلاء بشهادة زائفة عن الحياة على نحو ما ادركها)، (ان المعاناة ليست حجّة ضّد الحياة) طموحي وعذابي وسعادتي أن اتجاوز محيط الوعي المعاصر بأسره… وان أقهر النزعة التشاؤمية. وبعد معاناة مريرة على الصعيدين الفكري والشخصي الذي مرّ بهما نيتشه، تملكته فكرة الانسان الاعلى (Superman) نوعية جديدة من البشر لا بالمعنى الدارويني، وانما موجود عظيم وانساني حقيقي، والانسان الاعلى الذي يقهر طبيعته الحيوانية، وينظّم نفسه مع الكل، والانسان الاعلى ضرورة ، فهو وحده الذي يمكنه تحمّل الحقيقة وان يجد الحياة قابلة للاحتمال، كما كتب قبل أصابته بالعمى عام 1888: (أن العيش مع الحقيقة أمر مستحيل)().واضح أن نيتشة اراد القول, كما ردد فلاسفة الوجودية من بعده, أنه ليس هناك حقيقة على الارض نسعى لها, ولا حقيقة بعد الموت يمكننا التحقق منها. كما تملكته ايضا نظرية العود الابدي وغدت حجر الزاوية في فلسفته: (كل شيء يمضي كل شيء يعود، وتدور الى الابد عجلة الوجود، كل شيء يموت كل شيء يتفتح من جديد، وخالدا يمضي زمن الوجود، الاشياء كلها تعود في خلود ونحن انفسنا كنا بالفعل مرّات، لاحصر لها، ومعنا كل الاشياء).
وكان لشوبنهاور أن كتب (العالم كارادة وتمثّل – المجلد الثالث، ص267- ان الرمز الحق للطبيعة في كل زمان ومكان هو الدائرة لأنها نموذج او نمط التواتر).** نظرية العود الابدي كانت عند نيتشه دفاعا في مواجهة الفناء والموت، فقد كان يرغب في تخليد الوجود الزائل للانسان المتناهي، ويبدو أن الايمان بـ (العود الابدي) كان يحقق له الوظيفة ذاتها التي يؤديها الايمان بخلود النفس للآخرين، وهناك تشابه بين نظرية العود الابدي ونظرية التناسخ، ففيهما معا نجد ضربا من الحفاظ على هوية الذات الشخصية بفارق في نظرية تناسخ النفس وحدها هي التي تعود وتشارك في تحقيق المزيد من التقدم للعالم ذاته. وأصبحت العدمية ميراث الانسان الحديث، وعذاب النفس الموحشة، ويأسها وهو ما أعترف به زرادشت صراحة (ان الحياة الانسانية مخيفة، ولاتزال بغير معنى)().
لا يتساءل ماكس شيلر كيف يمكن اثبات الخلود لأنه لايمكن اثباته فأن تكن (خالدا) هو واقعة سلبية لاتقبل برهانا. لذا يتحدث عن بقاء الشخص وليس عن خلود النفس.
ما الذي ينتمي الى ماهية الشخص حينما يكف الجسم في غمار حدث الموت عن أن يكون موجودا..؟ يرد شيلر بأنه ليس شيئا جديدا وانما هو على وجه الدقّة ما انتمى الى الشخص عندما كان الجسم حيّا، أي الوحدة العينية الفعلية لكل افعاله، وكما أن افعال الشخص الروحي خلال الحياة تندفع متجاوزة الحالات الجسمية ، فكذلك على وجه الدقة ستدفع الشخص الروحي نفسه حين ينهار جسده. ويعتبر شيلر النقد الموجه له من قبل انصار (كانط) القائل أن الظواهر الروحانية لايمكن أن تقدم لنا اشارة الى الواقع القابع خلفها، حيث أن اندماج الظواهر في سياق القوانين الطبيعية هو على وجه الدقة الذي يعد معيارا لحقيقتها الموضوعية، رغم صحّة النقد يعتبره شيلر غير صحيح. فهو يؤمن بعالم الروح الخالدة، ويعتقد ان وجوده يمكن أن تنكره نزعة وضعية بيولوجية تتجاهل أبسط الاشياء حسب تعبيره. وشيلر يشاطر (برجسون) الرأي بأن عبء برهان عدم الخلود يقع على عاتق الذين ينكرونه لا على عاتق المؤمنين به (غير انه حتى حينما يصر شيلر على أن عبء البرهان على كاهل من ينكر البقاء (الخلود) وينحاز الى القول باستقلال الشخص عن افعاله، وعن القوانين الروحية والبيولوجية ، فانه لايؤكد اكثر من أن الخوف من الموت ليس سببا كافيا لافتراض توقف الشخص، ولايمكن القول بحال بأن بقاء الشخص تبرهن عليه واقعة أن منكريه يخفقون به في البرهنة على عدم بقائه، اضافة الى ذلك فأن البقاء يعتمد دوما على موقف الشخص منه، وعلى افعاله الحرة المستقلة عن القوانين البيولوجية، ومن ثم فأن استمراره سيكون رغم ذلك في مهب الاحتمالات تماما)().
ومن بين المحاولات التي بذلت لتأكيد حقيقة الخلود والدفاع عنه هو البروفيسور الفريد نورث وايتهيد، لما له من مكانة في الفكر الفلسفي المعاصر، يقول وايتهيد أن مفهوم الخلود يتعيّن فهمه بالأحالة الى نقيضه أي الى الفناء، ويطلق على الخلود والفناء (عالمين) يتطلب كل واحد منهما الآخر، وهما معا يشكلان الكون المتعيّن. وهذان العالمان هما تجريدات من الكون، وكل تجريد يتضمن أحالة الى شمول الوجود ، تتضمن سمات مستعارة من العالم الاخر. ويأخذ وايتهيد على مأساة الفلسفة الأفلاطونية انها في اساءتها لفهم فكرة الوجود المستقل، في حين يرى هو أن كل كيان يتعيّن فهمه من خلال الطريقة التي يتداخل بها مع باقي الكون فحسب.

علي محمد اليوسف – الموصل

الهوامش:-


*حول مفهوم بعض الفلاسفة ان الانسان ذات وموضوع في وقت واحد, تنظر مقالتنا حول الموضوع بعنوان(هوسرل والفهم المثالي للوجود).(الكاتب)
** حول ادعاء شوبنهاور في تعبيره عن العود الابدي النيتشوي, بان الحياة الانسانية دائرة, يريد الافصاح عن خلفيته الالحادية , لاشيء كان سابقا ولا شيء سيكون, وان البداية والنهاية شيئان للتعبير عن حالة انسانيىة واحدة يعيشها الانسان كنوع في تكرار دائم بلا نهاية وغير محدود.(الكاتب)

شاهد أيضاً

تيودور أدورنو: نقد الحداثة وما بعدها

إبراهيم الحيدري ارتبط اسم تيودور أدورنو مع اسم ماكس هوركهايمر بتأسيس “معهد البحث الاجتماعي” في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *