Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / عامة / فلسفة القوة وفلسفة الضعف

فلسفة القوة وفلسفة الضعف

هادي معزوز

بين فلسفة القوة وفلسفة الضعف جدران سميكة حد التطرف.. بينهما مسافات تعد بملايير السنوات الضوئية.. وبينهما أيضا صراع حول من يستطيع التحكم في زمام تاريخ العالم وتصوراته.. فلسفة القوة ترتبط في هذا الصدد بما تقدمه الحياة فتقول لها “نعم” رغم ما يحدث وبغض النظر عما نريد. بينما تُمنّي فلسفة الضعف نفسها بما تريد وتطرد ما لا تريد، أي أنها تقول للحياة “لا” لأنها لا تمنحها ما يجب منحه.. الأولى تحركها الروح التراجيدية بينما الثانية تحركها روح التمني.. الأولى تقول أن للحياة بداية ونهاية، وأن ما يحدث هو ما يجب أن يحدث وفق إرادة القوة وليس إرادة الإنسان.. في حين أن الثانية ترى في الحياة مرضا والموت دواءه، تقول إن ما يوجد الآن ليس إلا صورة مشوهة عما سيأتي.. الأولى لا تؤمن بالحقيقة، بل تراها مجرد وهم صنعه الإنسان الضعيف كي يضمن لنفسه البقاء لأنه لم يتمكن من تحويل الحياة إلى حلبة رقص.. أما الثانية فإنها تؤكد مطلقا بثقل الحياة وسطوتها، بهمومها ومآسيها.. الأولى تسخر من كل شيء والثانية تأخذ كل شيء على محمل الجد فتبدو حينئذ في منظر مضحك..
وفي نفس المقام، فإن لفلسفة القوة محركها الخاص الذي يقول: “كل ما لا يقتلني يقويني.” بينما محرك فلسفة الضعف يرى أن “الموت دواء للحياة، وأن الحياة بداية الموت أو تعلم للموت على الأرجح.” فلسفة القوة تذهب مع كل شيء إلى أقصى مداه، بدل فلسفة الضعف الذي تبني لنفسها هدفا واحدا ومطلقا.. الأولى يحركها حس المغامرة الذي لا ينتهي. بينما الثانية مهووسة إلى حد السخرية ببلوغ الهدف الوحيد، أي الهدف المعطى سلفا. لنقل إذن إن الأولى تعيش والثانية تنتظر.. الأولى تفتح عيونها عما يقع فتقبله وتلتهمه، بينما الثانية تتطلع إلى الأفق حيث الأمل أي الانتظار..
لفلسفة القوة زمنها الخاص كما فلسفة الضعف، زمن الأولى ليس زمنا تقدميا ولا استرجاعيا ولا استباقيا ولا لولبيا ولا خطيا، زمنها زمن العود الأبدي للشيء كاختلاف، في حين أن زمن الثانية هو زمن الحضور والاسترجاع.. زمن فلسفة القوة يؤمن بكل الاحتمالات الممكنة ومستعد دوما لقبول أي احتمال حصل.. أما زمن فلسفة الضعف فإنه يجمع بين وهم التقدم ووهم التراكم.. إنه متشبث بطريقة غريبة بالاحتفاظ الذي يحقق التراكم، متشبث حد القداسة بعودة الماضي كحضور للأصل، حاضره ومستقبله في قبضة ماضيه، أو لنعتبره مريضا بالاحتفاظ بالماضي.. أما زمن فلسفة القوة فإن ماضيه مضى وحاضره مجرد لحظة ليست خالدة في الامتداد وإنما خالدة في العمق، زمن يكسر كل ما هو تراتبي لصالح كل ما هو مبعثر خارج أي منطق.. زمن يتنطع من الاحتفاظ لصالح ما تريده إرادة القوة التي لا تحتفظ، وإنما تتجاوز نفسها دوما درءا وتجنبا للاحتفاظ..
التربة الفلسفية لفلسفة القوة تتأسس على الاختلاف، بينما تقف سواري فلسفة الضعف على التكرار.. هوية الأولى تتغير دوما، أو لنقل إن هويتها تكمن في أن لا هوية لها.. أما هوية الثانية فإنها تقتل ما يوجد وما سيأتي لأنها تستحوذ على كل شيء، مؤمنة بصوابها المطلق أما ما عداها فمجرد خطأ لا غير، مجرد مسخ للنسخة المقدسة أي للهوية كدفعة أولى، كمحرك لا يتحرك، وكخير مطلق وفضيلة فريدة.. فلسفة القوة لا تقدس أي شيء لأن لا شيء يستحق التقديس بما أنه نتاج لظروف وشروط آنية.. أما الثانية فإنها تجعل من شرط بعينه شرطا على كل ما يحدث، وهذا هو عيب التقديس الذي تتغذى منه وعليه وفيه.. لنقل إذن إن فلسفة القوة تقتل الأب والإبن لصالح الطفل الذي يلعب، بينما تقتل فلسفة الضعف الابن لصالح الأب الذي يتحول إلى طوطم totem يستحق منا التخليد والتقديس والإحياء المتواصل دوما..
قوة فلسفة القوة ترتبط بالنسيان الذي يعتبر محركها كلما كادت تتوقف عند معنى بعينه إلى الأبد، على عكس فلسفة الضعف فإنها عندما لا تحتمل كل هذه التغيرات اللامتناهية والمحتملة في ديمومتها، فإنها تعلي من شأن الأصل وتتذكره دوما لأنه يغذي استيهامها ويمنحها جرعة زائدة في البقاء.. أما إذا عدنا للفلسفة الأولى فإن ارتباطها بهذا الذي يحدث بغض النظر عن طبيعته أو شكله يجعلها تنسى ما مضى لأنه مضى، الأولى ترى في النسيان محرك البقاء.. بينما الثانية تقول: “المعرفة تذكر والجهل نسيان.” فلسفة القوة تكاد تعلي من الجهل وتضعه في مرتبة المعرفة، إنها تفتت المركز تقوضه وتفككه دوما.. بينما فلسفة القوة عندما تعلي من هذا وتحط من ذاك، فإنها تتقوقع في مركز تدور حوله وتتوهم أنه الأوحد والوحيد، المطلق والدائم، وكنتيجة لذلك فإنها تقتل فيها روح الحياة التي لا تستقيم وأي مركز..
عندما نقول فلسفة الضعف، فإننا نتحدث أيضا على ثنائية الفعل ورد الفعل، جميع ما تقوم به وتتصوره وتفكر فيه ليس سوى رد فعل على إرادة القوة، إنها تبني لنفسها عالما آخر أي عالم الاستيهام، كرد فعل على عالم الحدوث، بينما تتجاهل فلسفة القوة رد الفعل مادامت تستقبل كل شيء.. الأولى أي فلسفة الضعف مريضة ومهووسة بالحكم على الأشياء وتصنيفها بتراتبية، أما الثانية أي فلسفة القوة فإنها تضع كل شيء في مستوى واحد، إنها تؤمن مثلا بأن الشر ليس قيمة مطلقة والخير هو الآخر، وإذا أرادت أن تعلي من شيء ما، فإنها تعطي الأولوية لهذا المنسي فينا، لهذا اللامفكر فيه والمهمش، أي الذي تم تهميشه من طرف فلسفة الضعف لأنه يعري حقيقتها ويشوهها، لكن ليس سعيا لجعله مركزا وتهميش ما عداه، وإنما لوضع كل شيء في خانة ومستوى وحيدين، وهي بذلك تنأى عن كل تصنيف وتمييز وتفضيل..
وأخيرا فإن لفلسفة القوة تصور خاص عن الجمال عكس فلسفة الضعف، الأولى ترى الجمال في كل ما من شأنه أن يجمع القبح والبشاعة، النظام واللانظام، الاتصال والانفصال، أما فلسفة الضعف فإنها ترى في الجمال ما لم تتمكن من تحقيقه أو عيشه، إن الجميل بالنسبة إليها هو الذي لم تتمكن من القبض عليه، إنه ما تتمناه وتسعى إليه.. وعلى النقيض من ذلك، فإن الجميل بالنسبة لفلسفة القوة مزيج بين كل شيء وقدرة هائلة على الجمع بين ما لا نتصور جمعه، إنها تجعل من الخطيئة مثلا عملا مسرحيا نصفق عليه من حيث لا ندري.. تجعل من الخيانة عملا أدبيا يحملنا إلى تفاصيل التفاصيل ويصنع فينا تلهفا لمعرفة ما سيحصل بعد ذلك.. فن فلسفة الضعف إما إنه لا يؤمن بالفن أبدا باعتباره تقليدا للأصل ليس إلا، أو أنه يتخيل ما نأمله وليس ما لا يخطر على بال.. بينما يتمكن فن فلسفة القوة من جعل كل شيء قابلا للنظر إليه من زاوية أخرى، هناك حيث جمال النسيان وسحر التكبر وخفة الرقص وإثارة الخطايا، ووضع المتعة إلى جانب القداسة في كفة واحدة دون التفريق بينهما.. لنقل أخيرا إن فلسفة القوة ترتبط بالأرض بينما تتطلع فلسفة الضعف إلى السماء، هناك حيث تمني ما لم نستطع تحمله هنا في الأرض.. على العموم بين المكانين أو الرمزين إن صح التعبير، مسافات لا تدرك ولا تقدر بأي مقدار..

شاهد أيضاً

في أسباب تراجع الحضارة العربية الاسلامية وفشل نهضتها: سؤال فوكو / جواب الجابري

محمد ازويتة إنجاز: محمد ازويتة  سئل فوكو في إحدى حواراته عن موضوع  العلاقة بين العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *