الرئيسية / منتخبات / عامة / في الجوهر عند سبينوزا

في الجوهر عند سبينوزا


احمد اوزاهي

احمد اوزاهي

كل مقبل على سبينوزا وفلسفته، لابد وأن ينطلق بداية؛ من معرفة أساسية بمفاهيمه* قصد تشرب معاني خطابه وإدراك دلالاته، فيدرك الحوار الذي قاده سبينوزا وأجراه مع التراث الديني والفلسفات القديمة والمعاصرة له، محاولة في تقعيد وتأسيس معجم جديد هو بمثابة مشروع أصيل وجريء، يحدد من خلاله آليات تفكيره واشتغاله.

◄ مفــهوم الجوهر
“أعني بالجوهر ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته: أي ما لا يتوقف بناء تصوره على تصور شيء آخر” (1)

عم سبينوزا في فلسفته إلى فتح حوار عقلي منطقي، مع الموروث والفلسفات القديمة والمعاصرة له، من أجل تحديد مفهوم الجوهر وتقديمه، محافظا تارة على بعض معالمه ودلالاته، وتارة أخرى في تجديد معانيه بغية ترتيب أفكار واضحة مشكّلة بشكل هندسي معالم مفهوم الجوهر، هذا الأخير الذي يعرفه بكونه ما يتحدد بذاته، ويمكن تصوره في ذاته؛ كيقين مكتف بذاته ليفعل وينفعل، أي ما يكون مفهومه غنيا لا يحتاج إلى تشكيله أو تحديده أو حتى تبريره إلى شيء آخر غير ذاته، ولا يمكن أن ينتج عن شيء، وفي غير حاجة لشيء آخر ليوجد، ولا يحتاج في معرفته وتأكيده إلى شيء أو جوهر آخر، ومن طبيعته أن يكون موجودا، أي أن وجوده ضرورة أنطولوجية تحمل صبغة اللاتناهي والطبيعة الأزلية في ماهيته، وفي بعض مراسلاته (2) يتحدث عن الجوهر باعتباره كينونة، أي يعادل الوجود أو الحقيقة (3)، فالجوهر من هذا المنطلق لا يعني الجوهر غير الكينونة الفعلية الواقعية أو الصورية، فهو يشكل علة ذاته، ولا يحتاج إلى وسيلة أو أداة أو علة أخرى ليحقق وجوده، كما أن ماهيته تنطوي على الوجود، من حيث هو واجب الوجود سرمدي كامل شامل، ومطلق في تحققه بشكل أزلي، ولا يفسد أو يتغير، ولا يمكن أن تتصور عدما أو يصير كذلك، كما أنه لا يمكن الفصل هنا بين الوجود والماهية فهما وجهان لعملة واحدة، من هذا المنطلق، نستنتج أن الجوهر عند سبينوزا يعني مبدئيا الحقيقة الأساسية التي تشكل أساس كل الوجود والموجودات سواء كانت مادة أو فكرا؛ من حيث وجودها ومكنونها.

الجوهر عند سبينوزا علة ذاته وتوجد ضمن طبيعته ولا تتحدد من خارجه وبطريقة متعالية، أي أن الجوهر علة فاعلة وفعالة واجب الوجوب، يحمل في ذاته قوة وقدرة على الفعل بحيث يفعل من تلقاء ذاته وفقا لقوانين الطبيعة، ولا يحتاج إلى واسطة أو أداة ينتج من خلالها أفعاله، أو غاية ذاتية تحكم أهداف

بما أن الجوهر مفهوم لا ينطوي وجوده على شيء آخر غير ذاته، فهو علة فاعلة محايثة لذاتها يحمل في ذاته ضرورة أنطولوجية سرمدية، ويعبر عن ماهية جوهرية ثابتة، على اعتبار أن هذه الماهية في الحقيقة قوة وقدرة؛ إنها قوة إنتاج؛ إنها فاعلة؛ إنها قوة(4).
واتساقا مع هذه التحديدات يصل سبينوزا الى استنتاج منطقي بمقتضاه يصرح أنه لا وجود لغير جوهر واحد ذي طبيعة معينة(5) ، أي أن الجوهر شيء موجود فعليا ولا يتطلب سوى ذاته لكي يوجد، فهو علة ذاته، أي ما يكون في ذاته وما يكون متصورا بذاته(6) فقط، كما أنه لا متناهي إذ لو كان متناهيا لكان اتصل بجواهر أخرى تحده، وكان تابعا لها ومتصورا بها لا بذاته، وضمن هذا التعريف يكون سبينوزا قد قطع مع فكرة تعدد الجواهر، وجعلها أمرا مستحيلا، لأن الجوهر متميز واقعيا وعقليا/ منطقيا في فرادته من حيث الوجود ومن حيث الطبيعة اللذان يناقضان ويقطعان كليا مع الكثرة، ونعني بذلك أن وحدة الجوهر هذه لا تنفي التعدد، ولكنها تنفي تعدد الجوهر(7) ، أي أن الجوهر واحد وحيد من حيث وجوده وقوته وقدرته؛ يعبر عن ذاته في أشكال لا نهائية.
إن الجوهر عند سبينوزا علة ذاته وتوجد ضمن طبيعته ولا تتحدد من خارجه وبطريقة متعالية، أي أن الجوهر علة فاعلة وفعالة واجب الوجوب، يحمل في ذاته قوة وقدرة على الفعل بحيث يفعل من تلقاء ذاته وفقا لقوانين الطبيعة، ولا يحتاج إلى واسطة أو أداة ينتج من خلالها أفعاله، أو غاية ذاتية تحكم أهداف، وهذا أيضا إقرار ضمني لسبينوزا، بأن الجوهر حي نشيط فاعل وليس منفعلا، فماهية الجوهر ليست سكونا، بل هي قوة وفعل. إن الجوهر فعل مستمر ودائم، أي أنه علة تلقائية لكل الأشياء(8) ، من هذا المبدأ يمكن القول أن الجوهر في أبعد حدود فكر سبينوزا يدل على النظام الأبدي، والعلة الأخيرة التي تشكل سر ومكنون العالم.
يحوز الجوهر في منظور سبينوزا على ما لا يعد ويحصى من الصفات، فحقيقة الجوهر هي الصفة التي يتعرفها الفهم بصفتها مؤسسة للجوهر(9) ، فهي تعبر عن ماهية الجوهر وتلازمه في وجوده وتحدده، بل إن الصفات هي جوهر الجوهر، تحديدات مكونة ومطلقة، تربطهم علاقات تطابق وتلازم ضرورية، بحيث تم رفع الصفة إلى مستوى الجوهر، وهي عبارة عن تحديد مؤسس ومطلق للجوهر،
كل الصفات تعبر عن الجوهر الواحد الفريد، لكن كل واحدة منها كاملة، مستقلة وتتصور في ذاتها، لكن لا يمكن أن تكون إحداها نتيجة لأخرى، كما أن هذه الصفات من حيث كثرتها، لا يمكن أن تجعل الجوهر الواحد مجزأ أو قابلا للتجزيء، وهذا أمر مفصل ببرهان في فلسفة سبينوزا، بحيث من المستحيل أن نجد عدة جواهر من نفس الطبيعة أو نجد نفس الجوهر منقسم إلـى عدة أجزاء الشيء الذي يفقده القوة والقدرة بل يضعفه ويفقده خصوصيته، وبالتالي نخلص الى أن الجوهر لا يمكن أن يكون إلا لا متناهيا من كل الجوانب بما فيها صفاته التي تؤسس ماهية الجوهر.
كما أن الحديث عن الجوهر يضعنا أمام صفتين: الامتداد أو المادة، ثم الفكر أو النفس الأولى صفة أساسية للجسم، والثانية صفة تخص الفكر والتفكير والنفس، وهما صفتان مميزتان للجوهر كحقيقية ندركها خارجيا بيسر بواسطة حواسنا وتجربتنا المعرفية/ الشعورية باعتبارهما مادة وفكر، وبالتالي فإن ما يظهر لنا من الجوهر هو بعده المادي والفكري، قابل للإدراك على شكل اتحاد يعبر عن حقيقة واحدة.
إن الجوهر عند سبينوزا إذن، هو جوهر واحد قائم بذاته، وهو عمدة كل الصفات الأخرى(10) ، فعلي حيوي ومتحقق وجوبا في الوجود، يشكل علة ذاته، علة الموجودات، كما أنه واحد وثابت؛ إذ لو وجد جوهران أو أكثر، لكان كل جوهر يحد الأخر؛ ولبطل أن يكون الجوهر جوهرا أي متصورا بذاته، حاصل على ما لا يتناهى من الصفات، وكل صفة تدل على ماهية سرمدية لا متناهية في جنسها، وأبرز ما نعرفه هما صفتا الفكر والامتداد، بما هما صفتان قابلتان للإدراك قابلة للفهم الإنساني، مما يجعله أيضا جوهرا تاما مطلقا ولا متناهيا في طبيعته وكينونته.

الهوامش

. لا أقصد كل المفاهيم التي تأسست عليها فلسفة سبينوزا ككل، بقدر ما أعني ثلاثة مفاهيم أساسية هي على التوالي: الجوهر والصفة والحال، وسأخصص لذلك ثلاثة مقالات قصيرة، تعرف بها أستهلها بمفهوم الجوهر .

(1) سبينوزا، باروخ، علم الاخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2009م، بيروت- لبنان، ص31. (الفصل الأول تعريفات).

(2)هي مجموعة من المراسلات التي تؤرخ لحوارات جرت بين سبينوزا وبين أصدقاءه (منه وإليه)، والتي اكشفت بعد وفاته، ويصل عددها الى حوالي 88 رسالة. مورو بيير فرانسوا، سبينوزا والإسبينوزية، ترجمة جورج كتورة، سلسلة نصوص، دار الكتاب الجديد المتحدة، الطبعة الأولى يناير 2008.

وجدير بالإشارة هنا إلى أن علاقات سبينوزا محدودة بمحدودية زملاءه القلة وكانت عميقة ومخلصة، ناقشوا فيها قضايا لها صلة بالمواضيع الدينية وسياسية.

(3) إيهاب توفيق، سبينوزا سيرته وفلسفته، إصدارات العوادي، الحرية للنشر والتوزيع، ص 35

(4) ألكييه، فردناند، دروس في السوربون: الطبيعة والحقيقة في فلسفة سبينوزا، ترجمة وتقديم وتعليق العلمي أحمد، افريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2018م، المغرب، ص 105

(5) باروخ سبينوزا، علم الاخلاق، مرجع سابق، ص 37

(6)نفس المرجع، ص 31

(7) حدجامي، عادل، فلسفة جيل دلوز عن الوجود والاختلاف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2012م، المغرب، ص 59

(8)أحمد العلمي، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، افريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2015م، المغرب، ص 83

(9) نفس المرجع، ص 57
(10)- سبينوزا، باروخ، رسالة في اصلاح العقل- رسالة موجزة، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة صالح مفتاح، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2017م، بيروت- لبنان.، ص 93

المصادر:

سبينوزا، باروخ، علم الاخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2009م، بيروت- لبنان.

سبينوزا، باروخ، رسالة في اصلاح العقل- رسالة موجزة، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة صالح مفتاح، مؤمنون بلا حدود للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2017م،

المراجع:

ألكييه، فردناند، دروس في السوربون: الطبيعة والحقيقة في فلسفة سبينوزا، ترجمة وتقديم وتعليق العلمي أحمد، افريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2018م، المغرب.

العلمي، أحمد، فلسفة الوجود والسعادة عند سبينوزا، افريقيا الشرق، الطبعة الأولى 2015م، المغرب.

حدجامي، عادل، فلسفة جيل دلوز عن الوجود والاختلاف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2012م، المغرب

شاهد أيضاً

الاسقاط النفسي والزمن

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف لتكن البداية من منطلق التساؤل هل يمكننا اسقاط رغائب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *