الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / حول تجربة الكتابة: حوار مع الكاتب عبد المجيد سباطة

حول تجربة الكتابة: حوار مع الكاتب عبد المجيد سباطة

حاوره محمد بدازي،

أستاذ مادة الفلسفة/المغرب

محمد بدازي – المغرب

mohamedbaddazi1992@gmail.com

يُلاحظُ المُتتبّع للشّأنِ الأدبيِّ في المغرب، ظهورَ أقلام أدبية صاعدة، سواءٌ في القصة أو الرواية أو الشعر، وتميّزها في الساحة الأدبية العربية. ومُسايرة لهذا التميُّز والإشعاع الأدبي المغربي، لا بد لنا، نحن المُهتمون، من إيلاء تلك الأقلام الاهتمام الذي تستحق: بقراءتها أولا، والتعليق عليها ومناقشتها ثانيا. في هذا الإطار، نقدم للقراء الكرام حوارات مع بعض الكتاب المغاربة لعل ذلك يساهم، ولو بقليلٍ، في التعريف بتجربتهم الإبداعية والتشجيع على قراءة نصوصهم.

وفي ما يلي نص الحوار مع الكاتب عبد المجيد سباطة.

  • في روايتك ساعة الصفر 00:00، والتي سيكون مجمل حوارنا حولها –إضافة إلى تجربتك في الكتابة عموما- يحاول الرّاوي الإجابة عن سؤال: مَن أنا؟ افترض أن رسالة جاءتك من قارئٍ/ةٍ كُتِب عليها: “عبد المجيد سباطة، من أنت؟” بماذا ستجيب قارئك/تك؟

عبد المجيد سباطة إنسان بحث عن ذاته فوجدها مختبئة بين صفحات كتب منسية في مكتبة. ليس منعزلا أو منفصلا عن واقعه، لكن أفضل أوقاته هي عندما يدفن رأسه بين دفتي كتاب بعيدا عن صخب وتفاهة العالم.

  • يُلاحظُ قارئ روايتك بأنك تُمْعِنُ في وصف أمكنة عديدة مثل شوارع البوسنة وقُرَاها وجبالها… إضافة إلى مناطق عديدة في المغرب، كيف أَمكنكَ ذلك خاصة وصفك للأمكنة البوسنية؟

بما أن الجزء الأكبر من رواية ساعة الصفر 00:00 تدور أحداثه في فضاء بعيد عني، لم يسبق لي أن زرته قط، كنت مطالبا بإجراء بحث مطول حول أدق التفاصيل التاريخية والجغرافية بالبوسنة والهرسك، لأضع القارئ في الصورة وأدفعه إلى التماهي مع الأحداث، مع اعتمادي على قاعدة ذهنية بسيطة للغاية: ماذا لو قرأ الرواية مواطن بوسني؟ قد يحاسبني إن وضعت شارعا أو جسرا أو جبلا في غير مكانه!

  • بعد الانتهاء من كتابة ساعة الصفر 00:00، وأنت تتحدث عن حرب بين بوسنيين مسلمين وصرب مسيحيين، وتتحدث عن عرب وعجم… هل وجدت نفسك محايدا أم إنك لم تقدر على ذلك فطاوعت مشاعرك المَيّالة إلى كل ما هو عربي مسلم؟

عندما أعددت لمشروع كتابة هذه الرواية، كنت أعلم بأنني أمام تحد صعب، يتعلق بالابتعاد عن البكائيات والعواطف الجياشة التي قد لا تعكس حقيقة ما جرى وما يجري على أرض الواقع وبالتالي لن تخدم النص بشيء، ولم يكن ذلك ممكنا إلا بعد دراسة طويلة لطبيعة ما جرى في البوسنة، ومن مصادر متعددة ومتنوعة تعرض مختلف وجهات النظر، وهو ما حاولت نقله إلى الرواية بخلق شخصيات متباينة تعرض آراءها بنوع من الحرية، بغض النظر إن كنت أنا ككاتب متفقا مع طرحها أم لا.

  • علاقة بمسألة الحياد، يلاحظ القارئ أنك كنت “قاسيا” إلى حد ما في حق الكنيسة المسيحية. فتارةً تصف مُمَثلها الأول، أي الأب فرانسوا، بالمنتقم والمجرم… (انظر مثلا ص 140)، وتارة أخرى تنعت الكنيسة نفسها، أو تتهمها، بالتحريض على العنف ضد المسلمين وكل من يخالفها (انظر مثلا ص 181-182)، ألا تجد نفسك هنا قد تخلّيتَ، أنت الكاتب المثقف، عن حيادك؟ أم إن واقع ما حصل من أحداث، خاصة أن مجملها حدث بالفعل، لا يمكن للمرء أن يتعامل معه بنوع من الحياد؟ ألا يمكن لهذا الأمر أن يُسيء إلى بعضٍ من قرائك المسيحيين؟

بالعكس، أعتقد بأنني بذلت كل ما في وسعي لتقديم نماذج متنوعة تخدم فكرة الرواية الأساسية في وحدة المشترك الإنساني، فإذا كان عرض نموذج الأب فرانسوا مثلا بتلك الطريقة، فإن برانكو الصربي المسيحي صديق الراوي المجهول كان مختلفا تماما، كما هو الشأن بالنسبة لرهبان دير ريف البوسنة الذين أنقذوا الراوي المجهول والطفلة نور من براثن الضياع، ونتذكر هنا أيضا الظلم الذي تعرضت له عائشة الوالدة البيولوجية للراوي المجهول من بني جلدتها، ونموذج فكرت عبيدتش، المسلم البوسني الذي خان رفاقه وأعلن ولاءه للصرب سعيا منه للوصول إلى السلطة. الخير والشر في نظري مرتبطان بدواخل الإنسان نفسه، ولا يمكن للدين أن يمنحه صكوك براءة أو اتهام مجانية.

  • في فصل بعنوان “مثالب الولادة”، حيث يُخْضِعُ الراوي امرأة بوسنية لعملية قيصرية بالغة التعقيد، يظهر مدى إلمام الكاتب بالطب، فهل هو إلمام سابق منك أم فرضته عليك كتابة الرواية وبالتحديد هذا الفصل؟

لا يتعلق الأمر بإلمام مسبق، تطلب مني مسار الحبكة وصف العملية القيصرية بدقة، ما دام الراوي المجهول طبيبا، فاستعنت بصديقة طبيبة، أطلعتها على ما يدور في ذهني وسألتها عن مدى تطابقه مع الواقع من منظورها كمتخصصة، فمدتني مشكورة بكل المعلومات الضرورية التي أغنت الفكرة الأساسية وساهمت في خروج الفصل بهذا الشكل.

  • لا شك أن القارئ لروايتك يلاحظ مدى الجهد المبذول من طرفك قبل كتابة الرواية، سواء تعلق الأمر بالاطلاع على أحداث من تاريخ حرب البوسنة، أو جغرافية هذه الأخيرة، أو أسماء بعض الذين خاضوا الحرب… وتوظيف كل هذا في عمل مشوق. لذلك أسأل: ما الأصعب في كتابة الرواية؟ هل تجميع معطيات واقعية، من التاريخ أو الحاضر، والكتابة عنها كما فعلت في رواية ساعة الصفر 00:00 أم الأصعب هو كتابة عمل روائي قائم على التخييل؟

الواقع إنني أجد متعة كبيرة في البحث، فمع كل معلومة جديدة أكتشفها، أجد ذهني منشغلا بالبحث عن طريقة لتوظيفها وبالتالي إغناء الحبكة بأفكار جديدة، لكن وجب التوضيح هنا بأن المسألة ليست بتلك السهولة المتوقعة، فأن تجمع معطيات تاريخية شيء، وأن توظفها في عمل أدبي قائم على صياغة شريط كامل من الأحداث المتخيلة، أمر غير هين، ويتطلب صبرا وتأنيا، وإعطاء نص قدرا كافيا من الوقت والجهد.

  • عندما ننتهي من الرواية، يظهر أنك تركت الأحداث بلا نهاية: الراوي لا يتعرف على أناه ولا نعرف ماذا حل به، لا نعرف ماذا حصل مع جيهان وخطيبها، وحتى مصير المخطوط لا نعرف هل سينشر فعلا أم لا… ما قصتك مع النهايات غير المنتهية حتى أنك قلت في الصفحات الأخير من الرواية إن “حكمة الجمال تكمن روعته الحقيقية في نقصانه وعدم اكتماله”؟

يقال بأن مهمة الروائي الأساسية تكمن في طرح الأسئلة، لا في الإجابة عنها. أعتقد بأن هذا النص اكتسب قوة إضافية وبعدا إنسانيا أكثر شمولية ببقاء بعض الأحداث معلقة، للقارئ تأويلها كما يشاء، الراوي المجهول في رأيي نفذ مهمته بإيصال نور إلى بر الأمان وبالتالي إنقاذ مستقبلها هي من ماضيه هو، لا يهم بعد ذلك مصيره، مع يقينه بأن رحلة الإنسان مجرد تيه طويل يتوسط ولادته وموته، جسديا أو رمزيا، أما فيما يخص جيهان وخطيبها، فقد تخفي بعض سطور روايتي الجديدة الملف 42 معلومة عابرة بشأنهما!

  • آخر سؤال، مَن مِن الكتاب المغاربة، الأحياء والأموات، تعجبك كتاباتهم وما مميزات الكتابة عندهم في نظرك؟

أحب محمد زفزاف، بقدرته الرهيبة على تصوير أدق تفاصيل الواقع المغربي دون مساحيق تجميل، وبنظرة تجمع الفلسفي بالأدبي، ورغم تميز أعماله الروائية إلا أنني أميل أكثر لمجاميعه القصصية، تعجبني براعة عبد الكريم جويطي في توظيفه المحكم للتاريخ وانتصاره الدائم للأرض وتشريحه الدقيق للهوية المغربية في أعماله الأدبية، كما أقرأ أيضا لآخرين أعجبتني أعمالهم لأسباب مختلفة، إما لثراء لغتها، أو جدة تقنياتها السردية، أو عمق أفكارها، سواء كانوا من الأقلام الشابة الصاعدة، أو من أجيال أخرى، الأسماء كثيرة وقد أحتاج لقائمة طويلة لذكرها هنا، لكن الأهم في نظري هو خدمة هذه الحركية النشيطة لصورة الأدب المغربي ومدى قدرته على إثبات تميزه، إقليميا أو حتى عالميا.

شاهد أيضاً

عبد السلام بنعبد العالي: الحداثة ومسألة القطيعة

عبد السلام بنعبد العالي مفهوم القطيعة كما نعلم وليد فلسفة العلوم وتاريخها، وهو يُردّ عادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *