الرئيسية / أنشطة ومواعيد / محمد المصباحي: درجة الحياة قاربت الصفر وأصبح كل شيء جحيماً مع هذا الوباء

محمد المصباحي: درجة الحياة قاربت الصفر وأصبح كل شيء جحيماً مع هذا الوباء

نص الحوار الذي أجراه صلاح بوسرف مع المفكر المغربي محمد المصباحي، بعدد يوم الخميس 08 اأبريل 2020، بجريدة “المساء”.

فرصة أمام المغاربة وأمام الإنسانية لإعادة النظر في الذات، في المصير المشترك وفي سلم القيم يحدونا أمل كبير أن تسفر هذه المحنة عن انبثاق “مواطنة صحية” تعزز المواطنة السياسية ما أقسى ازمات والجوائح على نفوس الناس. فالحياة بمغرياتها، تجعلنا أكثر ارتباطاً بها، لكنها أيضا، بين الفينة والأخرى، تكشف لنا ضعفنا وهشاشتنا، وأن الأرض هي لحظة عبور، فقط. في سياق الجائحة الكونية التي تُرْهِب العالم، وتسرق الأرواح والنفوس، لا بد أن يتدخل العالِم والخبير والطبيب، إلى جانب الدولة للحد من الوباء أو دحره، والمثقف، هو بين هؤلاء، بما له من رأي ونظر، بل بعد نظر، في إضاءة بعض ما نحن فيه من ظلمة وقلق وتشوُّش. فالمثقف، عارف بتاريخ الجوائح، وهو، في معرفته وثقافته، متحدّر من ماضي الوجود البشري على الأرض، يعرف كيف يقرأ راهن الجوائح، ويحللها، كما يفسرها بالعقل، ومن خلال ما عنده من معطيات، تجعله بعكس عامة الناس الذين يقوم فكرهم على التَّقَوُّل، يضع إصبعه على بعض ما نحتاجه من معرفة بما يجري، ليأخذنا معه إلى لحظة الأمل التي نحن في حاجة إليها. ومحمد المصباحي، المفكر المغربي، هو واحد من هؤلاء الذين يبعثون فينا هذا الأمل، وينظر إلى الأمور بعين المثقف صاحب الرؤية بعيدة النظر، وذات التوجه العقلاني التنويري، دون تبخيس للجائحة، أو تهويل لها.

حاوره: صلاح بوسريف

صلاح بوسريف

نعيش لحظة ارتباك وتشوش، لم نكن نتوقعها، ولا أحد ظن أنها ستكون ارتباكا وتشوشاً كونيين. كيف يمكن أن تقرأ بعض ملامح هذه اللحظة، التي بات فيها الإنسان، بل الوجود البشري على الأرض، مهدداً بالوباء، بل ثمة من يذهب إلى استبدال الوباء بالفناء؟

الارتباك الذي يخيم على علينا وعلى الإنسانية جمعاء بسبب شبح الموت الجاثم علينا هذه الأيام، مرده إلى أن هذه العدوى الوبائية حالة لا سابقة لها في تاريخ البشرية، لأنها تقدم نفسها كلغز محير. فكوفيد 19 هو بالتعريف كائن غير حي، ولكنه يصبح حيا متى تسرب إلى الإنسان فيذهب توّا إلى رمز الحياة فيه وهو التنفس أو النفس، فيخنقها، وهو ما يثير هلعا شاملا. ما يزيد في إلغاز شبح الموت الشامل للكرة الأرضية هذا، هو أنه موجود في كل مكان ولعله موجود في كل إنسان ولكنه لا يُرى، وهو حاضر في أي زمان بحيث يمكن أن يختطف منك الحياة في أية لحظة دون استئذان. هكذا أضحت المنايا طيفا يحوم حول الإنسان بالقرب منه دون أن يعرف متى ستخبط خبطتها العشواء. فتبدو أفعال الوباء كأنها طائشة لا معنى لها ولا نظام يضبطها، ولكنها في الواقع تتبع نظاما دقيقا خاصا بها لم يكتشف بعد، هو الذي على علماء الحياة (البيولوجيا) أن يبحثوا عن منطقه، وعلى علماء الصحة (الطب) أن يطوقوه بأدويتهم وخبراتهم. وبحكم شمولها الكوني تتحدى هذه العدوى الوبائية قدرة الدولة الواحدة، ولذلك لا مكان للتقوقع والتباهي بقدرة هذا البلد أو ذاك على التفوق عليه لوحده. فالوباء كلي، وينبغي أن تكون معالجته كلية، يساهم فيها الجميع، وإلا فإنه سيتفوق على الإنسانية. لقد أدركت الإنسانية هذا، ولذلك هناك أمل كبير وحقيقي للقضاء عليه، ومن ثم لا معنى للكلام عن الفناء، فالعقل قادر على كل شيء بشرط أن تتضافر كل جهود الإنسانية لحل هذا اللغز المحير. مع انتشار هذا الوباء أصبح كل شيء مُعْد حتى الأماكن والأشياء أصبحت موبوءة، الأمر الذي اقتضى الانفصال بين الناس، ومنع الأهل من التّماس مع أبنائهم وأحفادهم، وحرم التزاور بين الأصدقاء، وحظر السفر بين البلدان والأمم، فأمسى الآخرون جحيما كما قال سارتر، بل أصبحت حتى الأشياء والأماكن جحيما، وهذا ما جعل درجة الحياة تصل إلى ما يقارب الصفر. لم نفقد فقط حريتنا في التنقل والعيش المشترك، بل أصبحنا تحت طائلة الرقابة والحجز والمنع والتحريم. هكذا تعطل كل شيء في الدولة تقريبا، ولم يفلت من العطالة والتعطيل إلا الدولة التي أثبتت من جديد أنها هي الفاعل السياسي والتاريخي الوحيد في هذه الأزمة. بعبارة أخرى، لا تكتفي العدوى الوبائية التي تنخر كيان الدول والناس بالحد من حركة الإنسان ومن ممارسته لحريته، بل تحرمه أيضا من حقيقته الاجتماعية وفعله الاقتصادي، حيث جثمت العطالة على كل المرافق إلا مرفق الصحة والسلطة وجزء من التجارة. ولذلك، تحتاج هذه الجائحة إلى مقاربة كلية: وبائية وصحية وأمنية واجتماعية ونفسية واقتصادية وسياسية. ومتى رغب بعض الساسة في الغرب تسخير هذا الحدث الكبير لمصلحتهم الانتخابية أمسوا مثيرين للشفقة كما وقع لترامب وماكرون. لأول مرة أصبحت الصحة أو حفظ الصحة، بما هي حفظ للحياة، مشكلة دولية، وأضحى الكلام عن “الفيروس كورونا المستجد” يتم بلغة علمية لا تيولوجية. إن انتشار كوفيد 19 بهذه السرعة الهائلة في نفس الوقت، وفي جميع البلدان وجميع القارات، أثار ويثير قلقا كبيرا وهلعا حقيقيا بشأن مصير الإنسانية على هذه الأرض.

هل يمكن أن نعتبر ما يجري، ناتج عن مقدمات ما، ربما قد تكون كامنة في لحظة ما من لحظات ماضينا الثقافي والاجتماعي وحتى الديني، أم الأمر هو رد فعل من الطبيعة، كان يحدث بين الفينة والأخرى، للدفاع عن نفسها في مواجهة الإنسان وردعه، إذا ما اعتبرنا ما نحن فيه سببه الطبيعة لا أشياء أخرى لا يد للطبيعة فيها؟

طالما نبه ناشطو البيئة وعلماء البيولوجيا وعلماء المستقبليات وغيرهم إلى مخاطر الاستغلال الفاحش للطبيعة، وعدم احترام حق الأجيال القادمة في الاستفادة منها. يوميا يجري تخريب نظام الطبيعة، وتسميم مياهها ونباتاتها وتلويث هوائها واجتثاث غاباتها وإبادة حيواناتها. وهنا لا ينبغي أن نلوم العقل ومنتجاته وبخاصة العلم والتقنية، إذ لم يبق للإنسان ملاذ سوى العقل، فهو منقذنا من الضلال ومن الفناء بفضل أدواته العلمية. بدلا من لوم العقل علينا أن نلوم الرأسمالية التي تُسخّر العقل لتحقيق أرباحها دون أي اعتبار للضرر التي تلحقه بالطبيعة. من هنا صار التخلي عن معاداة البيئة، عن إهمالها، عن اعتبارها عدوا ينبغي السيطرة عليه، هو أحد الواجبات الأخلاقية السامية إزاء أنفسنا وإزاء الأجيال اللاحقة. ولا يمكن وضع حد لجشع الرأسمالية الفاحش إلا بنظام إنساني مندمج في الطبيعة، وهنا سيكون علينا تذكر المشروع الفلسفي السياسي لكارل ماركس بكثير من التقدير. بعبارة أخرى، ما نحتاجه اليوم وبكثير من الإلحاح ليس هو بالضبط ابن رشد أو أفلاطون، وإنما كارل ماركس منقوعا بشيء من جون رولز وريتشارد رورتي، وملقحا بقليل من نيتشه وابن عربي.

باعتبارك مفكراً، اشتغلت على ابن رشد، اتصلت بفكره، وتعرف كيف كان الرجل يقيِّم الأمور الدنيوية والدينية، هل حين نفسر الأمر بالعقاب الديني، والتفريط في الإيمان، يمكن أن يستقيم في ظل هذا الوضع، خصوصاً أن هناك من يسعون لاكتساب مساحات في الواقع والتأثير في الناس، بالذهاب إلى هذه الزاوية. ابن رشد، كيف كان يمكن أن يقرأ الأمر، بهذا المعنى؟

محمد المصباحي

لو كنا قد اتبعنا روح التفكير الرشدي لكنا أمة أخرى، أمة على قدم المساواة مع الأمم الأوروبية التي أسست للحداثة العلمية والسياسية والحضارية. كان ابن رشد يدعو إلى النظر إلى الطبيعة باعتبارها كائنا حيا له أفعال تخضع لنظام وترتيب محكمين إلى درجة أن نظام عقلنا البشري ليس شيئا آخر سوى انعكاس لنظام العالم. على العكس من ذلك كان الغزالي (والفكر الأشعري والحنبلي) ينكر أن تملك الطبيعة ومن بينها الإنسان أفعالا خاصة بها، لأنه ليس هناك سوى فاعل واحد هو الله. بنى ابن رشد نظرته للعالم، للطبيعة، بوصفها قابلة للفهم والإدراك من قِبَل العقل الإنساني على أساس أنه يملك القدرة على إدراك الطبيعة والتأثير فيها انطلاقا من إدراك أسبابها. تصارعت الرؤيتان للعالم، لكن مع الأسف انتصرت الرؤية الغزالية (الجامعة بين الأشعرية والصوفية) في فضائنا العربي الإسلامي، بينما انتصرت الرؤية الرشدية في أوروبا بأوجهها المختلفة، فكان من نتائجها أن وضعت الحداثة غاية للعقل تمثلت في السيطرة على الطبيعة، خصوصا عندما تبدو أفعالها هائجة وكارثية وغير قابلة للفهم (كالزلازل، والبراكين، والأعاصير، والأمراض، والأوبئة). منذ ذلك الحين حققت الحداثة العقلانية ثورات علمية وحضارية ضمنت للإنسان حياة أفضل وخلصته من عبوديات كثيرة. هذا لا يعني أن العقلانية لم تثمر إلا الجوانب الإيجابية، فقد استغلت الرأسمالية المتوحشة طاقة العلم اللانهائية دون أن تحترم نظام الطبيعة والإنسان مما أدى إلى كوارث كونية إلى درجة أن بعض المتأولين يعتبرون جائحة كورونا إحداها. قد يظن المرء أن الطبيعة اختل نظامها هذه الأيام، فأمست تعاني نوعا من الجنون، فتقوم بأفعال طائشة، ولكن في حقيقة الأمر ما يتراءى لنا من فوضى ما هو إلا شكل من أشكال النظام الذي ينبغي على العقل البشري أن يعثر على قوانينه وأسبابه للتأثير في مجرياته.

عرف المغرب جوائح، وبينها ما تحدَّث عنه الناصري في كتابه «الاستقصا»، تدبير الأزمة اليوم، من قبل الدولة، هل كان دائماً يتم بالسعي للحفاظ على النفس البشرية مقابل الاقتصاد، أم أن الوعي اليوم، ودور الدولة، يبدو أكثر حكمة وتبصراً، وهو، ربما ما يجعلنا لم نبلغ مستوى من الأزمة، مثلما نراه في دول متقدمة، وتفوقنا من حيث التجهيزات الطبية والأطباء والخبراء، والإمكانات المادية؟

في تاريخنا، كانت كل الأوبئة متواترة وكانت كلها تأتينا من خارج، وعندما تحل بيننا غالبا لم نكن نعرف كيف نتصرف معها بعدما استبعدنا العلم من تعليمنا (البحث عن الأسباب والعلاجات) واعتبرناه كفرا، وبعدما لاحقنا العلماء وامتحناهم في عقائدهم حيث كانت آخر بعثة علمية نكبناها هي التي أرسلت إلى أوروبا في عهد الحسن الأول لأن الفقهاء شكوا في إيمانهم (بسبب توهمهم لوجود تناف بين العلم والعقيدة)! استدعاء التاريخ للمقارنة مع الأزمة التي نعيشها هذه الأيام يبين لنا بوضوح أن زماننا هذا ليس أبدا أسوأ زمان بسبب هذه العدوى الوبائية، بل بالعكس هو أفضل بكثير من الأزمنة السابقة التي لم يكن فيها لا أطباء ولا مستشفيات ولا نظام صحي للعزل ولا دولة قادرة على السيطرة على مجريات الوباء إلا في الحد الأدنى. الرأي عندي أن الدولة المغربية الحديثة بفضل ارتفاع منسوب حضور العقل والعقلانية في تسييرها أحدثت قطيعة فعلية مع الدولة في الماضي. كانت الدولة المغربية في الماضي تنوء تحت وطأة الإيديولوجيات الرافضة للعقل والمحرمة للعلم والإبداع، إلى درجة أنها كانت تعتبر أي إثبات لقوة في العدوى تجعلها قادرة على الانتشار من ذاتها من شخص لآخر هو من باب الكفر، وكل بحث عن الدواء وكل إجراء وقائي لعزل الناس هو فعل مضاد للدين، لأنه تدَخّل في إرادة الله؛ وحتى يتنصل منتحلي هذه الإيديولوجيات من مسؤولية “الاستخلاف في الأرض” التي ألقاها الله على الإنسان والتي تتطلب استعمال العقل في البحث عن الحلول والعلاجات المناسبة، كانوا ينسبون الأوبئة والمجاعات إلى غضب الله (تعالى عن ذلك) بذريعة عدم طاعة الإنسان لله وتفشي الفساد والظلم، ويصورون كل ذلك على أنه من علامات الساعة ونهاية العالم. لقد تطورنا كثيرا، وصارت لنا دولة لها هيبتها ولها أجهزتها الصحية ومعاهدها البحثية، ولو أنها ليست في المستوى المطلوب أمام هذه الجائحة العالمية. لذلك، علينا أن نأخذ العبرة مما نعانيه في هذه الأزمة، وهي أن على الدولة بكل مكوناتها ألا تستخف بالصحة (لا تتجاوز ميزانيتها 5 في المائة)، وأن تمكنها من الأدوات الضرورية لمواجهة هذه الجوائح الكبرى كالمعاهد والعلماء والخبراء والأموال اللازمة (برفع ميزانية وزارة الصحة على الأقل إلى 10 في المائة من ميزانية الدولة). إن مطلب إنشاء “أكاديمية للصحة” أصبح أمرا ضروريا ومستعجلا، على يتم اختيار أعضائها لا بمعيار الولاء للسلطة أو بمعيار التوازنات السياسية والإيديولوجية، وإنما بمعيار الكفاءة العلمية والاختصاص والإنتاج العلمي المتواصل. بدون هذه الإجراءات لا يمكن مواجهة تحدي مثل هذه الأوبئة التي ستتكاثر في المستقبل. كيف تقرأ هذا العزل، والحظر، وما صدر من سلوكات من الناس الذين لم ينصاعوا إلى الحظر، رغم ما فيها من خطر عليهم وعلى الآخرين، وأيضاً، ما فيها من عقاب، هل معنى هذا أن صفة المواطن أو الإنسان عندنا، هي العائق، وأننا، لا بد أن نعيد تفكير المجتمع والإنسان والثقافة، في ضوء رؤية ومقاربة أخرى، غير ما كان سائداً؟ المواطن العادي قد لا يفهم كيف يتم الربط بين الزكام وحرمانه من عمله ومن مصدر قوت يومه، فإذا أضفنا إلى ذلك تلاعب وسائل التواصل الاجتماعي بعقله التي تجعله ينكر وجود الوباء ويستخف بالموت المحقق، فإنه لا ننتظر منه أن يكون منضبطا لتعاليم الأطباء وخبراء الصحة ورجال الأمن. وهذا السلوك يمكن أن نجده في أي بلد سواء كان متقدما أو متخلفا، خصوصا عندما تم تسييس هذا الداء على المستوى الكوني. وعندما يرفض هؤلاء الانضباط، فإنهم لا يدركون معنى الموت، أو يرفضون الاعتراف بوجوده، مما يعني أنهم يرفضون الاعتراف بامتلاكهم العقل، وانتمائهم للإنسانية. وفي هذا الصدد نتذكر شوبنهاور الذي كان يقول إن معرفة الموت من قِبل الإنسان كانت متزامنة مع معرفة العقل، ولذلك كان الإنسان هو وحده الذي يعرف الموت لأن له عقلا. ومن أجل ذلك فهو وحده الذي يستطيع التصدي لأحد فاعلي الموت: كورونا المستجد. كانت وسائل الإعلام، وكانت الدولة من قبل، تعطي أهمية للملاعب، وللغناء وبرامج الطبخ، وللمشاهير من نجوم السينما، وغيرهم، ولا أحد كان يفكر في العلماء والأطباء والمفكرين، وفي مراكز البحث، إلى الدرجة التي صوت فيها نواب الأمة ضد الرفع من ميزانيتي الصحة والتعليم، وكذلك تقليص ميزانية البحث العلمي.

في ما يجري، هل ما زال الوقت يسمح بغض النظر عن هذه القطاعات، بما التعليم، أم أن مشروع التنمية الجديد، عليه أن يأخذ العبرة بما يجري على الأرض، ويفكر بواقعية، لا بالإكراهات التي تجبرنا على إهمال الأسس التي يقوم عليه المجتمع والدولة الحديثة معاً؟

هذه الكارثة الهائلة التي تهدد وجودنا، وربما ترهن مصيرنا الذي لا نستطيع التنبؤ بمآله كما يجب: إما أن تشكل لنا مدرسة نتعلم فيها التفكير في الأساسي ونبذ ما هو ثانوي وتدفعنا لإعادة خلق ذاتنا من جديد؛ أو أن تقودنا إلى الاستغراق في الكارثة كما جرت عادتنا في تاريخنا منذ القرن الرابع عشر إلى زمن الاستعمار. ولا يمكن أن نعيد خلق ذاتنا إلا بالعلم، الذي بعد أن حاربناه ونددنا به في الماضي صرنا لقمة سائغة أمام الذين كنا معلمين لهم. وإعادة خلق الذات من جديد ينبغي أن تكون شاملة ابتداء من الدولة التي عليها أن تجد في معالجة هذه الأزمة الصحية مناسبة لإعادة مشروعيتها على أساس الخلق العلمي لا التقليد والاقتداء بالسلف الصالح. العلم، وأداته العقل، وحده الذي يمكّننا من القوة والمناعة.

هل للمثقف دور فيما يجري، كيف تراه، وهل للثقافة، كذلك، دور، وما الأفق الذي ترى أنه ممكن لإعادة مراجعة ما كان، والنظر فيما ينبغي أن يكون؟

أمام هذه الضائقة التي فرضت على المرء “لزوم ما لا يلزم” في بيته وما يترتب عن ذلك من مشاعر الحزن والكرب والقلق والتوتر والهلع، لا يمكن أن نفكر في فرض نهج سلوك معين أو اتباع طريق خاص على المثقف وإلا كفّ عن يكون مثقفا. لكن هذا لن يمنعنا من اقتراح بعض المقترحات التي يمكن أن تلهم المثقف خصوصا إذا كان عضويا للخروج من المحنة. من ذلك مثلا أنه من المستحسن في هذا الجو التراجيدي ألا يزيد المثقف بقلمه أو بريشته أو بلحنه في تعميق الشعور بالإحباط واليأس وبعبثية الوجود، بل عليه أن يشجع مشاعر الأمل ومكامن المقاومة في الفرد، ويقوي إرادة للحياة وتحدي الصعوبات. وقبل ذلك، من المفيد أن يُسهم المثقف في تشخيص الوضعية الوبائية كما هي، بالابتعاد في نفس الوقت عن التهويل والتهوين من عواقبها، وأن يعمل، موازاة لذلك، على وقاية الجمهور من المغالطات والأضاليل التي تنشرها وسائل التواصل الاجتماعي المتسيبة وتسمم بها الأجواء والنفوس. وإذا كان من حق البعض أن يتكلم عن الدور “التنويري” لفيروس كورونا المستجد بنشر التفسير العلمي للظاهرة، فعلى المثقف ألا يترك الفيروس وحيدا يقوم بهذه المهمة، بل عليه أن يقوم بتوسيع مساحة التنوير لدى الجمهور، ونقصد هنا بالتنوير ببساطة إعطاء الكلمة لذوي الاختصاص من البيولوجيين والأطباء لتفسير وعلاج هذا المرض الخبيث، واستبعاد المهرجين والدجالين وأصحاب النفوس المريضة الذين يختصون في نشر الأوهام والترهات. وقد يكون من مهام المثقف ألا يعتبر هذه الضائقة مجرد حدث صحي عابر، بل عليه أن يفكر في بديل صحي واقتصادي واجتماعي وسياسي لما هو سائد الآن بعد انتهاء الغمة، بديلٍ يقوم على أساس تكريم الإنسان وإعطاء الأسبقية للخلق والابتكار ونبذ التقليد والاقتداء، بديلٍ يسعى إلى وضع قواعد لعبة سياسية واقتصادية جديدة يكون أساسها انتهاج ديمقراطية حقيقية تشجع على التعامل مع الواقع كما هو لا انطلاقا من أضاليل الدجل السياسي المسفّ، وتحض على التكافل بين المواطنين والتضامن بين الأمم. كما يمكن للمثقف أن يُسهم في تحرير الإنسان من الإحساس بالقنوط واليأس ومن الشعور بالإحباط وخيبة الأمل، والحد من التفكير الفردي والأناني وتعويضه بالتفكير التضامني. وقد يكون من مهام المثقف في هذه الضائقة تعميق الإحساس بخطورة المشكلة، إذ الأمر لا يتعلق فقط بحفظ الصحة، بل بالبحث عن شروط تقوية المناعة لدى المواطنين والدولة بتقوية العلم والعلماء والاهتمام بالأطباء والممرضين، لأن تقدم الأمة يقاس بعدد مختبرات البحث العلمي ومعاهد الصحة وبعدد المستشفيات والأطباء والممرضين. في هذه الظروف الاستثنائية سيكون على المثقف أن ينشر ثقافة الاعتزاز بالدولة القوية لأنه بدونها لا يمكن توفير شروط الصحة والحقوق الأساسية للمواطن، ولا يمكن الإعداد لمصير شريف. هذه المؤشرات تشكل نوعا من معركة ثقافية لا فقط من أجل الانتصار بالعلم على هذا الوباء الفيروسي، لكن أيضا من أجل تكريس الفكر التنويري. نعم، الوضع الحالي يصدق عليه المثل المغربي “ليس دخول الحمام بحال خروجو”؛ لقد دخلنا العزل الصحي بإرادة جماعية (إرادة الخبراء وإرادة السلطة وإرادتنا)، فهل يمكن للمثقف أن يساعد في البحث عن مخرج، لا أعتقد، لأن الأمر بيد المختصين، ولكنه يمكن أن يسهل أمر الخروج، بعد أن يرى المختصون بصناعات الصحة أنه حان الوقت للخروج من محنة العزل الصحي.

ما الذي تراه، مفيداً، في لحظات العزلة هذه، ليكون وسيلة للتغلب عن هذا الوضع الجديد، بالنسبة لعموم الناس، ممن لم يكونوا يتوقعون أنهم سيصبحون أسرى بيوتهم، وأسرى الخوف والرعب الذي يسكن نفوسهم، وخصوصاً ما يصدر من أخبار ومعطيات، عن وسائل الإعلام، وخصوصاً التشويش الكبير الموجود في وسائل التواصل الاجتماعي؟

تهاجمنا عدوى الكورونا المستجدة على جبهتين: الصحة والاقتصاد، فتصيب بالمرض صحتين: صحة البدن البشري وصحة الجسم الاقتصادي. الخوف كل الخوف هو أن يقوم المرض بهجوم ثالث على النفس. من أجل تفادي ذلك، وحتى لا يتحول العزل الصحي إلى أداة لنشر وساوس القلق والاضطراب النفسي والتوحد والانكفاء على الذات، ينبغي تحويله إلى فضاء لإثبات مزيد من المدنيّة والمواطنة والتكافل الاجتماعي وإن كان عن بعد. وهذا ما لاحظناه ونلاحظه بالفعل في هذه الأزمة الصحية التي نكابدها، فقد برهن المنعزل الصحي على أنه لا يعيش من أجل ذاته، بل من أجل غيره، من أجل الجماعة. بل إن هذه العدوى الوبائية فتَحَت أعيننا على أن الإنسان هو بالفعل كائن واحد ويملك عقلا واحدا مهما تعددت الحدود العرقية واللغوية والدينية والثقافية والسياسية الطبقية بين الناس. وهذا ما يشجعنا على النظر إلى هذه الغمة باعتبارها فرصة أمام المغاربة وأمام الإنسانية لإعادة النظر في الذات، في المصير المشترك وفي سلم القيم، لا النظر إليها على أنها كارثة مبددة لكل ما راكمناه من مكتسبات مادية ومعنوية.

العالم، بعد الجائحة، أكيد لن يبقى هو نفس العالم، وربما حتى الإنسان، كيف تقرأ، من خلال ما يجري، ما هو آتٍ، وما الذي تستشعره، أو تستشرفه، كمفكر، كانعكاسات على السياسة والاقتصاد، وعلى المجتمعات والإنسان عموماً؟

الرأي عندي أنه ليس من المؤكد أن يحصل تغير جوهري في العالم بما فيه المغرب، لأن الطبيعة لا تحمل في طيات أفعالها غايات أو مشاريع تاريخية لتغيير ما هو موجود بشكل جذري؛ الفيروس الذي خلخل العالم وقلب الحسابات وهز استقرار الإنسان لا هدف له. لكن هذا الرأي لا يعني أننا ننفي حدوث أي تغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية جراء هذه الأزمة الصحية. فنحن في هذا البلد العزيز يحدونا أمل كبير أن تسفر هذه المحنة عن انبثاق “مواطنة صحية” تعزز المواطنة السياسية وتضفي عليها مضمونا ملموسا. ولا شك أن كشف هذه الضائقة الصحية لهشاشة نظامنا الصحي وفقرنا العلمي في مقابل إغداق أموال لا حد لها على إنشاء مؤسسات مغلقة لم تعد الآن تصلح لأي شيء، سينبهنا إلى أن الصحة مطلب استراتيجي للأمة، وأنه ينبغي إعادة ترتيب سُلّم أولوياتنا الاستراتيجية. كما نتطلع على مستوى الفكر العام، كما قلنا، أن تتسع مساحة العقل والعقلانية في بلادنا، وتتقلص التفسيرات الخرافية والميتافيزيقية، ويختفي الحقد الأعمى على العقل الذي يذهب بأصحابه إلى وصف علماء الطبيعة بالجُهّال لأنهم يكتفون بالوقوف الأسباب الطبيعية، ولا ينظرون إلى مسبب الأسباب (وهذا افتراء على العلماء)، واتهام من يقول بانتقال المرض بطبعه من محل إلى آخر بأنه كافر، ومن يقول بانتقاله بقوة فيه بأنه عاص، أما الاعتراف بمفعول الدواء وتأثيره على المرض فهو في نظره إشراك مع الله. كما نأمل أن تتخلى الدولة والقوى السياسية عن النموذج التنموي لليبرالية المتوحشة التي قامت بتصفية كل ما هو أساسي للسيادة المغربية وأنهاك الإنسان المغربي، وأن تعود الدولة لتحمل مسؤولياتها في القطاعات الأساسية كالتعليم والصحة والصناعة والبحث العلمي، والعمل على توقيف نزيف العقول الهاربة إلى الغرب بإغرائها برواتب تكون في مستوى خبرتها وعطائها.

شاهد أيضاً

مايكل شيرمر: الإنسان المتدين

** ترجمة: أحمد شافعي * مايكل شيرمر هل تطور البشر حتى أصبحوا متدينين فآمنوا بالرب؟ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *