الرئيسية / ترجمة / فردريك فورمس: بِــمَ نتعَلّــــــــق؟ مُدّونة للزمن الحاضر

فردريك فورمس: بِــمَ نتعَلّــــــــق؟ مُدّونة للزمن الحاضر

ترجمة : محمد جديدي

محمد جديدي

يباغتنا شعور مزدوج، عندما تحدث كارثة ما: فهي لا تكشف لنا عن هشاشة فحسب أو تبعية بصورة عامة (نحدث أنفسنا بتعجب “ماذا علينا أن نفعل؟”)، لكن الهشاشة أو التبعية لشيء ما نتعلق به، بشكل إيجابي وليس هو الحياة فقط: إنما العلاقات، وأيضا الأفكار والعدالة، دائما (وتوقظ) بفعل سوء الحظ. نقترح هنا أخذ هذا الشعور المزدوج بمثابة دليل للزمن المعاصر.
بالفعل قد يبدو أن المرحلة لا حاضر لها ولا مستقبل لها، بعدما انتهت الإيديولوجيات، ومر التقدم، سوى الوقاية من الشر والشرور، ونحن نعيش مثل تراجعات العودة أو حتى تفاقم الكوارث الطبيعية، الفقر، العنف بكل أشكاله. غير أن هذه تكشف أيضا عن أواصر حقيقية وعن مهام قادمة وعن مشكلات جديدة، إذا ما عرفنا على الأقل كيف نعبّر عنها، وإذا ما تجنبنا الخطأ المزدوج للخير المطلق أو لمستقبل مشرق (أو أيضا لنوستالجيات خادعة)، ولكن كذلك لشر حتمي أو لحاضر مستقيل (دون نسيان الذاكرة، وهي لا تقّل خداعا حينما تصبح هوسا). لا يتطلب الأمر سوى “إرشاد للخوف ” بلغة هانس يوناس، أو ” نزعة كارثية مستنيرة” بتعبير جان بيار ديبويه، حتى وإن أشاروا لشيء أساسي ـــــــ ينبغي استباق، سواء على التبعيات بمثل ما يكون على الاقتضاءات التي تكشف فيما بعد، الكوارث والتجاوزات ــــــــ يجب القيام بعملية جرد لروابطنا، الأكثر واقعية والحيوية في كل الميادين، وكل مبادئنا، باختصار، بارتباطاتنا، تلك التي (لنوضح ذلك) نعدّها علاقات أكثر منها هوّيات، فكرة عن الإنسانية الحقيقية، في درجتها الدنيا والمفتوحة، وفي كل الحالات ليست المحددة سلفا. إذن نعتزم هنا اقتراح، بكيفية حرّة ولكن متواصلة، أن نتخذ كنقطة بداية حدثا أو كتابا (مثل كتب يوناس Jonas أو ديبويهDupuy )، بمثل ما يكون ذلك في مفهوم، مشكلة، ممارسات، معارف جديدة، والقيام بمثل هذا التحقيق من خلال أعمدة منتظمة. بحثا كهذا، يكون هدفه التوجه في الحاضر. سنجد المحاولة الأولى فيما يأتي أدناه.

الكارثة واللاعدل

قد يكون من المهم اليوم وأكثر من أي وقت مضى التمييز بين الكارثة واللاعدل (الظلم)، ليس لإضافة شر إلى آخر ! ولا حتى لتجنّب التباس خطير لأحدهما بالآخر، إنما محاولة لإبراز، انطلاقا من هذه السلبية المضاعفة، بتمييزها وازدواجيتها، مهمة إيجابية في عصرنا. وستكون أيضا فرصة لمناقشة تحليل جان بيار ديبويهJean-Pierre Dupuy ، لا سيما في ميتافيزيقاه الصغرى لتسونامي التي يبدو لنا أنها تتموقع في قلب الحاضر.

كل كارثة لا تُولد مجددا على ما يبدو مجرّد شعور واحد بل شعورا مزدوجا بالظلم. شعور بالتأكيد وقبل كل شيء ميتافيزيقي، يمكن أن يفضي إلى رمي الأحجار في السماء، والذي نتفق فيه مع ديبويه Dupuy أنه لا يعمل على تقديم لا المعرفة ولا الفعل

في الواقع، يبدو أن الكارثة تفرض نفسها اليوم، ويستنتج منها ديبويه Dupuy كل النتائج، من خلال رفض ثلاثي، من كل النواحي الاستراتيجية:
ــــ بداية ينبغي الانصراف عن النقاش الميتافيزيقي أو اللاهوتي. فقد انتصر فولتير Voltaire ضد روسو Rousseau أولا بمعنى أنه، ووفقا لـ ديبويه Dupuy الذي يرجع بالضرورة إلى نقاشهم حول ” كارثة لشبونة”، ولم يعد من الانسجام في شيء أمام كارثة، معرفة لمن يوجه الاتهام أو لمن تكون الشكوى: الله، الطبيعة، الإنسان ؟ يجب يقول ديبويه Dupuy مفسرا فولتيرVoltaire ، ” تعميق النظر في هاوية لامعنى (هراء)” الكارثة، حيث لا يوجهنا فيها سوى الطارئ؛
ـــــ لكن وجب أيضا بشكل أكثر تحديدا انتقاد روسو: وذلك باتهام أو على الأقل بتبيان مسؤولية البشر، حتى في ” الشرور” الطبيعية (دون المدن، لا توجد كوارث كبرى، وبشكل أعمق، دون وعي متعقل بالشر، أثر المجتمع، لا وجود للشر، لا شيء غير الحوادث)، فقد بلغ نتيجته المتناقضة! فهذا الناقد للعلوم والفنون قد انتهى إلى إفراطهم: أمام تسونامي سنتهّم الأرصاد الجوية بعدم توقّعها له، وسنعود إلى التأمين كي نصلحه. باختصار، أن يقال بان الإنسان مسؤول يحجب واقعة الكارثة ذاتها، هذا دون الحديث عن الكارثة التي يمكن ان تنجم عن التقنية نفسها، وهذا بشكل متزايد؛
ـــــ الرفض الثالث هو الأكثر إحراجا أيضا، لا يترك ديبويه Dupuy فقط روسو هناك، ولكن أيضا (ليس من دون مرارة محسوسة) راولزRawls ، الذي أدخله إلى فرنسا. وبعيدا عن تلميحه إلى فولتير، وهو ما يعرف بالفعل “النزعة الكارثية المستنيرة”، فهو لفتة استراتيجية قصوى: على الأقل في استيعاب مؤقت لحاجات القضية والكوارث الطبيعية الطارئة وجرائم الإنسانية ضد نفسها. وحده الاهتمام بالكارثة، على ما يبدو، يمكن أن يدفعنا للفعل، وهذا أيضا ضد هيروشيما بمثل ما يكون ضد تسونامي، أو موجة مد شديدة أو الإرهاب. إن “نظرية العدالة”، المركزية في سنوات الثمانينيات، ستكون في النهاية مجردة جدا، حتى بالنسبة للأفعال السياسية التي أعادت تحديد إطارها التعاقدي والعمومي. ينبغي إذن الرجوع إلى الشرّ وإلى العواطف التي يثيرها، بما في ذلك الأنثربولوجية، كما تبيّنه إعادة قراءة رينيه جيرارRené Girard.
سنلاحظ مغزى العمل. بما له من قوّة تضع الفكر أمام مسؤولية الحاضر، وتجعله في تحدّي الحدث. أكثر من هذا، إنه يقدّم وحدة لحاضر لا يبدو أبدا أنه يحدّد أفقا سياسيا إنما طارئا حيويا. فهذه اللحظة، لحظتنا، المنفتحة سرّا في سنوات الثمانينيات(مع مثال السيدا، مبدأ المسؤولية لــ هانس يوناسHans Jonas ، البيوإتيقا) هي الآن معروضة أمامنا، مع مختلف المشاعر التي تثيرها، وموجات المد على ما يبدو عادت إلى عمليات القتل الجماعي المستمرة، مرورا بالأوبئة وأزمة الطاقة والإيكولوجية العالمية. كل شيء يتّم كما في اللحظة التي تستطيع فيها الإنسانية أن تصبح جماعة تقنية، إن لم تكن سياسية، تصير مجددا كذلك جماعة حيوية: فالقرية الكوكبية تلتحق ببقاء النوع. إنه مختصر لافت للنظر، يحدد بالفعل مهمة عاجلة.
بيد أن ما يبدو لنا من الضروري أن نذهب فيه إلى أبعد من ذلك، وبأكثر تحديد إعادة التمييز بين الكارثة واللا عدل، هو ما يحدد المهمة ذاتها التي يجب القيام بها.


سنؤكد أولا على النقاط الثلاث الآتية:
ــ كل كارثة لا تُولد مجددا على ما يبدو مجرّد شعور واحد بل شعورا مزدوجا بالظلم. شعور بالتأكيد وقبل كل شيء ميتافيزيقي، يمكن أن يفضي إلى رمي الأحجار في السماء، والذي نتفق فيه مع ديبويه Dupuy أنه لا يعمل على تقديم لا المعرفة ولا الفعل (حتى وإن أوكل الأمر للفلسفة، بتوضيحه). لكنه أيضا شعور باللاعدل بين البشر. بالتأكيد فلهذا بداية تهمته الوهمية إذا ما صيغ كالآتي: لماذا أنا وليس هُم ؟ أو من مكان المتفرج: لماذا هُم ؟ بهذا المعنى، فإنه يظّل ميتافيزيقيا بالمعنى الوهمي بل وحتى مخادع لهذا المصطلح (الذي يتضمّن معاني أخرى).
لكننا سنرى أيضا بأن كل كارثة تظهر تمييزا دقيقا بين البشر، والذي انتهى إلى الاختفاء، تمييزا يحمل لظلم، وبالضبط من خلال التعامل المميز للبشر. وليس من قبيل الصدفة ساخطين تلقائيا لفرق التعامل بين، مثلا، السياح والسكان في تايلاندا، الأغنياء والفقراء في لويزيانا. إننا لا نبحث هنا عن المسؤول إنما عن معيار، سنقول أن هناك لاعدل حالما يصير التقسيم بين الناس هو مصدرا للتفاوت كالذي يكسر العلاقات بينهم؛ وتكشف الكارثة دوما عن كونها أحد مبررات الفعل الإنساني؛
ـــ فجأة، يبدو لنا ليس فقط أنه يتوجب علينا الاستمرار في تمييز الجرائم والتجاوزات الإنسانية، عن الكوارث الطبيعية، إنما علينا أيضا بتوحيدها من ناحية اللاعدل وليس فقط من ناحية الكارثة. ينبغي إذن الاستمرار في تحديد الشر السياسي، ليس من جهة الحرية والمسؤولية، مثل أي يفترضه أي فعل، إنما أيضا بواسطة القطيعة أو الإغلاق التام للعلاقات بين البشر، من خلال الإقصاء الرمزي لجماعة من الناس لجماعة أخرى، والذي يؤدي إلى القضاء الفعلي عليها. هنا، لا يوجد وقاية إنما حظر، وليس هناك مجال للإصلاح بل للتدخل. لكن، وعلاوة على ذلك، يمكننا البحث ضمن الكارثة نفسها عن فهم اين تكمن العلاقات بين البشر: وما هي أوجه التفاوت التي تكشفها، والتي من شدة عمقها تمنع عنهم الاستفادة من العلاج المتاح، والتي تتفجر لاحقا مثل تفاوتات إلى حد الآن كانت “صامتة”. يمكن أن يبقى هذا هو المعيار: ( وليس من دون صلة عميقة مع راولز Rawls حتى ولو استعيد هذا الأخير بوجهة نظر جديدة) بعد السماح أن يتسبب اللاتناظر أو التفاوت بين البشر علاقاتهم مستحيلة.
إن إحدى المهام الزمن الحاضر هي إذن إعادة العدالة إلى الحياة، وحتى في الاتجاهين: ليس فحسب في الأخطار الحيوية التي تنطبق عليها، ولكن كذلك في العلاقات، بالفعل حيوية، من حيث هي انحدرت. فلا مجال إذن للتراجع. فلا نناضل من أجل بقاء البشرية دون النضال لأجل فكرة الإنسانية؛ إننا لا نبلغ وحدة النوع فقط عبر أخطار مشتركة، من دون تجاوز التقسيمات الداخلية. وهنا تكمن مهمة إيجابية مزدوجة: لأنه إذا ما سمحت بذلك الوسائل التقنية ومبادئ العدالة، بغية الحفاظ على النوع، بإعادة تأسيس وفتح العلاقات بينها، وهذا في جميع المستويات، عندئذ فهذه تستطيع أن تنتشر بشكل مضاعف، وتفعل ذلك بنفسها، محذرة من تهديدين لا تتوقف أن تحدق بها، من دون الاعتقاد في أفق مشع، في حاضر مهما يكن، أكثر مما مضى، للتفكير فيه على أنه هكذا، في طبيعة وديمقراطية لم تكتسب مطلقا ودائما هشة، ولكنها وحدها من تستطيع على الأقل تحقيقها وتجديدها.

فريدريك فورمس
ترجمة : محمد جديدي

شاهد أيضاً

مَنْ كان يُدافعُ عن الفلسفة بالجامعة المغربيّةِ؟

عز العرب لحكيم بناني عزالعرب لحكيم بناني لا أعلمُ دوماً علمَ اليَقينِ من ناضلَ حقّاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *