الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / صناعةُ الرَّعاع: جسد الثقافة العاري(3)

صناعةُ الرَّعاع: جسد الثقافة العاري(3)

سامي عبد العال

سامي عبد العال

بطريقةٍ جذريةٍ تماماً، كان حالُ” الرَّعَاع” نتاجاً ثقافياً خلْف سلطةِ الجماعة الغالبة في المجتمعات العربية(جماعة الدين والطائفة وأهل الحل والعقد ثم النُخب والأحزاب ورجال الدولة والمثقفون)، فهذا التكوين العام المشوَّه لم يكن لصالح المجتمع وتنوع عناصره في تاريخنا الحديث والمعاصر، من حيث كونَّه غير قائم على أسس ثقافية وفكرية تضمن انضاج المسارات السياسية ونقد الظواهر والأفعال الطارئة.

كما ان المعايير الموضوعية التي يجب الاحتكام إليها اجتماعياً وسياسياً للعيش والتنوع والحقوق والقانون كانت تسطُو عليها السلطة السائدة باختلاف عصورها. وبالتالي يُعاد تشكيلها (في خفاءٍ) لخدمة مصالح فئوية تثير نعرات الاختلاف والتناقض السحيق وتعيد الكَرّةَ من البداية. فكلَّما تمَّ حرق مرحلةٍ بعيدةٍ وصولاً إلى أخرى أبعد، ” تعود ريمة إلى عادتها القديمة”، كأنَّ شيئاً لم يكن. وبالأغلب سرعان ما تُدير الأحداث السياسة عقارب التاريخ العربي نحو الماضي، والماضي دوماً ليس عصراً ذهبياً، بل قد يكون مستنقعاً للدسائس والاحتراب الفكري والمذهبي والاجتماعي بكل العناوين. وبالتالي أخذ الصراع في ابتلاع كل الجهود الممكنة التي قد تبلغ شأواً في تحسين الصورة وبناء الدول.
وهذا ما جعلنا الآن نعيش “عصر الثقافات العارية” naked cultures دون منازع :
• ظهر عُري الثقافة العربية كمستنقعات آسنة مليئة بالتطاحن واستغلال الإنسان واحتقاره. والثقافة العربية غدت كلحم مكشوف تحت ذُباب الحاضر كله.
• ظهرت جوانب مُظلمة في التراث الثقافي تحتاج إلى نقدٍ وغربلة وإعادة قراءة جديدةٍ بما يواكب الأفكار الراهنة ومبادئ الاختلاف والحياة المشتركة.
• عودة الصراعات في أشكال جديدة وبنفس الزخم الفاضح بين الطوائف والأقليات والدول والمذاهب… الكلُّ يكره الكلَّ، الكلُّ يطارد الكلَّ.
• انكشاف الرَّعاع كمادة دسمةٍ يومياً على شاشات التواصل الاجتماعي، أحوالهم المزرية، أمراضهم، مشاكلهم، جرائمهم… كأنهم في كوكب آخر (كوكب الرعاع).
• امعان القوى الدولية في نكأ جراح الحروب والعداوات وإدخالها حيز الأحداث الجارية في غير دولة عربية، هذا بعدما قتلوا التراث بحثاً من خلال التنقيب فيه واخراج نصوصه ووثائقه وكنوزه المدفونة إلى العراء( وربما هذه هي الخدمة الكبيرة دون تسييسها بالطبع).
• أصحاب الثقافة أخر من يعلم بالافتضاح، بضياع الوعي تجاه جذور المسألة من الأساس. وهذه خاصية توجد في الثقافة العربية نتيجة الانخداع الذاتي العام بقبول الذات كما هو، وأنَّ وجه المستنقع لامع لا تشوبه شائبة مع كونه مليئاً بالفيروسات والعوالق والأمراض.
• الأخطر أنَّ تغيير الثقافة العربية لم يعد بأيدي أصحابها، رغم كونها الحاضنة التاريخية لوعيهم، توقف الأمر على تيارات الفكر والمعارف الكونية التي تهب كلما اتفق من الغرب. وهذا ناتج عن تهميش دور المثقف غير الرعاعي (المستقل) الذي لا يمتهن الارتزاق والتسلق.
بهذا التكوين التاريخي شكَّل الرعاع جسداً ثقافياً فاضحا وعارياً cultural naked body. وبقدر انكشاف حالتهم كان المجتمع عرضة لانتشار التخبط وسوء الادارة وضعف المؤسسات وهشاشة الخطط وسوء معالجة القضايا. لأن مفهوم “الدولة لدى العرب” مازال عبارة عن رغبةٍ خادعة وسط زحام الرغبات الطبقية والفئوية المتواطئة مع القوة المهيمنة. ولذلك بقي الرعاع حالات قابلة للإغواء السياسي لدى كل من يستطيع ركوب القطيع. فليأخذ منهم جموعاً حركيةً للتكسب والخداع كما يشاء.

السؤال الحيوي إذن: بأي معنى يتم ذلك الانكشاف الثقافي؟!
إنَّه نتيجة غياب التطور الحضاري، لم يكن ظهور الكيانات المشوهة (الطائفة، الحزب، رجال السلطة…) إلاَّ في وجود انماط من المهمشين، هم الحشو المنتظر للممارسات العامة كالبارود المعد للصراع والاستحواذ الواسع. لقد كان يُفترض في إطار الدولة المعاصرة أنْ تهضم الحياةُ العامة هيكل الجماعة والقبيلة والعشيرة، لكن استمرارَ وجودها دليلٌّ على سوء هضم بنيوي، يظهر بفضل غياب الحرية والمساواة ومبادئ القانون والحقوق. هذا الغياب الذي قد يُلقي مزيداً من الشكوك حول وجود الدولة ذاتها وليس مجرد بعض الأتربة على ساحتها.
لفظة ” الجماعة” ليست موجودة فقط بالنسبة للتنظيمات الاسلامية( كالإخوان والسلفية وانصار السنة والجماعة الاسلامية المقاتلة وانصار الشريعة والتكفير والهجرة والناجون من النار….)، بل هي لفظة عابرة لأغلب أطياف المجتمع العربي، فعدم نضج السياسة والثقافة جعل ذهنية القبيلة والعشيرة هي السائدة في كافة القطاعات. الذهنية التي تعُود بالدولة إلى علاقات القرابة والعصبية والغزو والإغارة والغلبة القديمة(الدولة بنظام العائلة، والإدارة بنظام العائلة، والسلطة بنظام العائلة، والمؤسسات بنظام العائلة). الدولة هي الغزوة الكبرى الصامتة والتي تشهر سيف الخنوع والإخضاع في وجه مواطنيها، عندئذ من ذا الذي سيعطي الرعاع مساحةً(أدنى مساحة) للحياة والتعبير عن حقوقهم؟!
من هنا لم تكن هذه “الجماعة الغالبة” في أي عصر تسير تبعاً لاحترام إنسانية الإنسان ولا اعتباره مخلُوقاً سامياً، بل هو بالنسبة إليها مجرد أداةٍ، قفاز فارغ، سرعان ما يُلقى جانباً إذا نضُبت إمكانياته. ومع تعقد الحياة وسيادة نمط الإنتاج الرأسمالي والأسواق المتوحشة وسياسات الافقار، أمست ظاهرةً الرعاع سياسيةً اقتصاديةً بالدرجة الأولى، إذ يُعاد انتاجها من مرحلةٍ إلى أخرى. لأنَّ وجودهم الرخو( أي الرعاع) اكتسب أهميته بمجرد اعتبارهم مادةً للمضاربات السياسية.
وحتى لو نظر لهم النظام الحاكم على أنَّهم أحد معوقات التنمية( كّم مُهمل)، فهم مفيدون جداً في معادلة الاستبداد والقمع. بل ربما كانوا نوعاً من “الاستثمار الصفري” zero investment في ترجيح الانتخابات واتخاذ القرارات وتغييب الوعي تجاه قضايا الحياة التي يعانيها المواطنون. وهو “استثمار صفري”، لأنَّ هؤلاء الرعاع لن يكلفون الحاكم سوى فتات العبارات والأوهام الجوفاء لأقناعهم بمصيرهم الموعود وازجاء التسالي السياسية أمام ما يعانون منه، في مقابل استخدامهم كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وكذلك لن تكون تطلعاتهم وآمالهم أكثر من حوافز مادية يظنون أنَّها عطايا سلطوية، بينما هي من صميم حقوقهم الضائعة!!
على خريطة مجتمعات الشرق مثلُّوا تجمعات هائمةً في حظائر سياسيةٍ جري تسميتها بالدول لاحقاً. وكانت لهذا الجانب الفاضح من الرعاع أسماءٌ شتى في أدغال المجتمعات العربية. فقد يُسمون بأصحاب العشوائيات وبقاطني الضواحي، وفي غير حالة بالشعبيين وخلال سواها بعوام الناس ومرة أخرى بالبسطاء، ذلك اتصالاً بتراثهم الغارق بالسُوقة والعبيد والإماء والخدم والدهماء والهمج والغوغاء تحت عناوين مختلفة. وهؤلاء خلال ذلك التنويع استمر وجودُهم المشوَّش وكانت لهم مناطق تواجدهم الرمزي. إضافة إلى ذلك أخذوا يحددون خريطة الرغبات والمصالح في المجتمع سياسياً ودينياً بالخصوص.
ومن أسفٍ لم تفعل الدول العربية شيئاً سوى تغطية وجودهم الهش بألوان لا تمسح أوضاعاً مزريةً، ولا تعالج جذور مشكلاتهم من الأساس ( بدءاً من النشأة والوجود وانتهاءٍ بممارسة الحياة). كان دوماً هناك ” العلاج الخطأ ” نتيجة ” التوصيف الخطأ ” الذي يخدم “السلطة الخطأ” المنهمكة في عملية دائريةٍ بطريقة عَوْد على بدءٍ.
واستفحل ذلك الوضع نتيجة ذلك أنَّ الجماعات المختارة سياسياً ( النُخب والاحزاب الحاكمة) أمعنت في إشاعة روحَ الاقصاء تحت عنف السلطة. فطالما كان لها المكانة الاستثنائية في العلاقات والقرارات نتيجة نفوذها المهيمن، كانت تبطش بالقطاع الأكبر من الفئات الأدنى مكانة. حيث أخذت في اغراق أرض المجتمعات التي يحكمونها بالأفعال التي تمايز بين عناصر الشعوب و شرعوا يلتهمون كافةَ الامتيازات التي تُمنح لهم ولسواهم. وباتوا – أي النخب- مطرقة التمييز الرئيسة الذين يتقربون من السلطة بالإمعان في إذلال الآخرين.
ومن واقع الحياة الخاصة، انهمك المهمشون في حالهم الكئيب، واستسلموا مؤقتاً لمتطلبات الكفاف بين التسول والأعمال اليدوية البسيطة مع التقاط بعض السعادة المُرة نتيجة بعض الارباح الناقصة هنا أوهناك. وهو ما جعل هؤلاء يرون في الخلاص بالأعمال غير القانونية أملاً وحيداً للهُروب من الإهمال والفقر.
بكلماتٍ أخرى: كان الرعاع كُّتلاً آدميةً تلهث وراء احتياجات أوليةٍ مغلفة بالمتّع والملذات البسيطة. فتمرح بينها الخرافة والجريمة وينتشر الدجل وفساد الأخلاق وسوء المآل والأعمال. وذلك كله تحت بصر وسمع وبتدبير من رجال السياسة والحكام. وللأسف هذا هو الميراث المُر والأثقل من كل الأوزان الاجتماعية الأخرى. وهؤلاء العامة يسقطون في فقر(بالأدق افقار) عميق بعمق وضعية الدولة، لا ضوابط، لا قوانين، لا معايير نحتكم إليها لتفسير خريطتهم في الشارع. ذلك في مقابل( أو شريطة) ألاَّ يتجاوز هؤلاء مساحة الحركة اليومية واثارة نذر الفوضى هنا أو هناك، ولكن لو فكروا- مجرد التفكير- في المطالبة بحقوقهم، فسيكون حالهم عرضة للإقصاء وربما الإلغاء من جديد.
هكذا كان يجب أنْ نعرف: لماذا مثل هؤلاء( الرعاع) ظاهرة سياسية في حواشي المجتمعات العربية والاسلامية؟ ولماذا لم ينتهِ وجودُهم رغم خطط التنمية والتحديث المعلنة صباح مساء؟ وهل لعبت تلك الظاهرة دوراً أشبه بدور الوقود في الأنظمة السياسية المتوالية؟ وكيف كانت حالتهم المزرية في قاع الأوحال الثقافية والاجتماعية؟
تاريخياً واجتماعياً إذا كان الناسُ (سائبين) من أيديولوجيا أو بناء سياسي أو معرفي كان هؤلاء بذورا للرعاع وسط الجهل والديكتاتورية. ومن ثم كانت تتعامل معهم الأنظمة السياسية على انهم قطعان آدمية، ليسوا أكثر من رغبات وغرائز يمكن اشعالها بأي وقت. أمَّا في حالة انتظامهم وفق أنماط فكرية أو سياسية أو دينية، فهذه حالة القطيع المسيَّس. ليخرج منهم تكتل حركي هو الحشد الأيديولوجي الذي ينافح عما يعتقد ولو بحد الموت. هم بذلك الحال افراز لمجتمع يسود فيه القهر والفساد والامتيازات الاقتصادية والطبقية لأناس بعينهم، كانوا حاملي جينات لثقافةٍ متعلقة بالعبودية الاجتماعية منذ بواكير الحياة العامة لدى العرب.
ومع التحولات المتلاحقة طغت العبوديةُ في أشكال أخرى ضمن السياسة والفكر والتعليم والاعلام والتربية. فأصبح وجود الرعاع عصياً على المحو من جهةٍ، ومن جهة أخرى لم تتركهم الأنظمة المتعاقبة بمنأى عن ألاعيبها المرحلية، فلقد استعملتهم استعمال الدواب السوائم لمصالحها الخاصة. فإذا كان الفقهاء قد ألجموهم وقصقصوا وعيهم، فقد جاء الحكام ليجدونهم – نتيجة فراغ الوعي- أسهل منالاً وأسلس قيادةً وركوباً كالمهر الأليف.
في المقابل ربما لم يعترف هؤلاء المهمشون بالأنظمة الاجتماعية أو السياسية على تعاقبها، نتيجة يأسهم وقلة حيلتهم واعتيادهم على حياة الضنك والعنف، ونتيجة معرفتهم بالغريزة: أن ما أخذه آباؤهم لن يأخذ الأبناء أكثر منه. فقط كان هناك الولاء للثقافة الشائعة كجسدٍ رغبوي يتلقى الاشباع الفوري. من ثمَّ عمدت الأنظمة إلى نزع حريتهم، وجعلتهم مشروع بطالة إنسانية، لإفشال كل مفاهيم وآليات السياسة. فلا يوجد مجتمع يحارب ذاته مثلما تفعل المجتمعات على خريطة العرب اجمالاً. وبالتالي ظهرت ثنائية جديدة في معادلة الحُكم: الإلهاء والاخراج الاجتماعي السياسي لوضعية الرعاع. كما أنهم بذلك التوظيف مجرد قوى عشوائية سائلة تقوم على جر المزيد من العناصر الاجتماعية في هذا المستنقع.
لكن الشيء المثير للدهشة، أنه مع آفاق الحداثة مثل وسائط الاعلام والتواصل الاجتماعي أعدَّت الأنظمة السياسية حلبات مصارعة للرعاع المعاصرين، وجعلت لهم موقعاً مميزة كمادة للفرجة في إطار الدولة. لدرجة أنه ضمن الأوضاع العربية الراهنة لم يعد الرعاع أناساً بعينهم ولا طبقات بذاتها، إنما خلعوا صفاتهم على آخرين لا ينتمون إليهم، أي جاءت الرعاعية هنا كحالة ثقافية متزحزحة عابرة للفئات، حيث قد ينخرط فيها مثقفون ورجال دين وسياسيون ورجال فكر وفنانون وتجار واقتصاديون ورياضيون( المرتزقة الجدد).
لأنَّ طرائق التفكير والأفعال وردود الأفعال العامة واحدة من أدنى إلى أعلى. وليس هناك فارق سياسي كبير بين طبقةٍ وأخرى، بين فئةٍ وسواها إلاَّ بالامتيازات التي تتلقاها في الواقع. السلوك متشابه إلى حد التطابق، إن وجد اختلافٌ فهو اختلاف بالدرجة فقط. هذا الرعاعي هو انسان بسيط بمكانته الاجتماعية وذاك المثقف رعاعي في موقعه المرموق. وتلك الصورة الأخيرة تسمى بـ”الرُعاعية” الناعمة، وهو اصطلاح ثقافي يجدد دلالته متجاوزاً كافة الفضاءات، أي يخترق التصنيفات الحياتية والفكرية للإنسان العربي. ليقف هذا المصطلح مع تحولات الأوضاع في أغلب مستويات المجتمع.
الصورة الأوضح التي تبرز هذا التداخل بالأمس القريب، كانت هذا الهياج الرَّعاعي من البعض أثناء الربيع العربي وبعده، حيث انتشرت الفوضى العارمة وتم احياء ثقافة النهب والسلب والتدمير. بدأها الناس العاديون واكتشفنا سبق الساسة ورجال السلطة والراغبون فيها عندما ظهرت أرقام الثروات والممتلكات والأرصدة الخاصة بهم في البنوك الدولية. الناس العاديون كانوا على موعدٍ مع سقوط بغداد، فنهبوا جميع القصور ومنازل المسؤولين العراقيين. والأمر نفسه تكرر في تونس بعد سقوط بن على، نهبت قصوره ومنتجعاته ومؤسسات الدولة. وكذلك جاء الوضع في مصر مشابهاً بعد الخامس والعشرين من يناير(نهب مقرات الأحزاب وهيئات الدولة ومحلات الذهب والمنازل والقصور). ثم تسابقت جماعة الاخوان والجماعات الدينية والقوى السياسية المدنية – بنفس المنطق الرعاعي- لنهب السلطة السياسية برمتها (الاستيلاء على المجال العام).
الفارق أنَّ الناس العاديين نهبوا الممتلكات ظناً أنَّ عملاً كهذا يلحق الأذى بالحكام( نوع من الثأر المعكوس)، معبرين عن تراث الغوغاء بشكل خاص. بينما السياسيون قد نهبوا شيئاً رمزياً وهو الدولة بجميع مؤسساتها وأصولها. وبالتالي كانت السلطة السياسية هي السقف العام الذي يغطى انتشار الرعاعية على نطاق أعم( منها وإليها). ويحول دون ممارسة النقد الجذري للفكر والأعمال والسياسات. فإذا كان الرعاع البسطاء تحولوا إلى موجات من الغضب لأحوالهم المعيشة، فالسياسيون يرضون بمقابل ذلك وبالثمن الذي يقدرونه لتلك البضاعة الثقافية السياسية.
المهم أنه في هذه الحالة أو تلك كانت المواقف من الرعاع بمقدار الاجابة على هذا السؤال: كيف يمكن حقن ذهنياتهم بأيديولوجيا مناوئة للسلطة أو معها؟! فنتيجة القهر السياسي والتهميش الاجتماعي والاقتصادي، كان الرعاع إمكانيةً مفتوحةً وساخنة للتردي والخلل في عظام الدولة والمجتمع. ونحن ندرك خطورة الأيديولوجيا في استنفار الحواس لدى قطاعات عريضة من الناس لإشعال الاحتراب الأهلي.
فالتلاعب بوجودهم كان –على سبيل المثال- كان أهم معالم الخطاب الديني العنيف والإرهابي. بل نجد لديهم الرصيد الزاخر بعباراته وأفكاره وشخوصه الدعوية. حتى أنهم يقفون بهذا “الحقن الخطابي” ضد مساحة العقلانية المنشودة أو المفترض أنْ تكون إذا أردنا تطويراً للمجتمعات العربية. ومن جانب آخر ظل للرعاع والعامة النصيب الأوفر في نشر الخرافة والابتذال، فكانوا حشوداً من اللحم الاجتماعي الملتهب على نواصي الطرقات والشوارع. يركضون وراء سد الجوع والاشباعات الحسية الرخيصة كالجنس والإدمان ( ومن ثم كانوا مادة مزدوجة للسلطة وللجماعات الدينية). لقد أبقتهم السلطات العربية الحديثة تحت الاستعداد في ترويج الشائعات ومحاربة الخصوم وتعطيل التنوع وانفاذ القانون وبالوقت نفسه سعت الجماعات الاسلامية لتجنيدهم وغسيل أدمغتهم.
انتشر بينهم: “الجهل والفقر والمرض” كما انتشر سياسياً كذلك: ” تزييف الوعي وشراء الأصوات الانتخابية وسلوك القطيع والحشود”. هؤلاء لم يكن لأي نظام سياسي أنْ يستغني عنهم أو يتركهم دون هبات يقننها تدريجياً. لأنهم هم الرصيد الفعلي لتواجده الرخو في الشارع، وقدرته القصوى على اغراق الحياة العامة بأجسامهم. ذلك في مخاتلة هي الأبرز خداعاً بكون الديمقراطية متحققة والعدالة وافرة والمساواة ليست إلاَّ الحقيقة!!
والرعاعية السياسية هي البصمة الرسمية من بعض أنظمة الحكم التي تهدم الفوارق بين ثقافة الشارع وثقافة النخب بمبررات المشاركة والانجاز. لأول وهلةٍ كان حكام العرب وما زالوا يدفعون القوى والشخصيات عبر أفعال “غوغائية” كرست التخلف والتراجع الثقافي. الدفع الذي رسخ ركوداً سياسياً واجتماعياً بامتداد العالم العربي والإسلامي، وفي هذا الاتجاه كان الرعاع أيضاً ذخيرته الخصبة والأهم. يبدو أن مجتمعاتنا ستظل تعاني من هكذا حال طالما لم ينتشر التثقيف الحر على مستوى أشمل، ومتى لم يتم اخراج الدولة كطرف خفي من معادلة تجهيل الشعوب وافقارها. أي لا ينبغي تورط الدولة في إزجاء بضاعة الغوغائية ودعمها للشخصيات المنتقاة التي تحقق هذا المضمون اللاأخلاقي.
فإذا كانت الرعاعية في مجال الفرد ذات دلالة أخلاقية صرف، فهي سياسياً ذات صبغة من جنس التلاعب بالمجتمعات. إنها عندئذ توازي فكرة المجتمع ذاته بل تعادله في أحايين كثيرة. وتعديلها يساوي إمكانية الإنسان على الوجود من حيث المبدأ، لأنها ليست وسيلة، بل أصل طاله التشوه والتخريب.
ليست الدولة الحديثة باثولوجيا سياسية حتى تنتج الرعاعية، وليست هي الذنب التاريخي لشعوب لم ينالها من التقدم إلاّ النذر اليسير. فالأقدار السياسية يصنعها الناسُ بإرادة الحرية لا بقيود الجهل والتخلف. كيف يمكننا- إذا كانت الرعاعية عقاباً- أن ننهض بالدول ونجنبها المسار القمعي؟ فالذنوب الكبرى تحتاج إلها غفوراً رحيماً لمحو الخطايا، بينما الدول فهي تتطلب شعباً واعياً بأمراضها الثقافية. لا طبَّ في السياسة وإلاَّ… لأصبح المجتمع هو طاولة التشريح الأولى لعرض الأمراض والعلل المزمنة.
إنَّ الانسانية داخلنا لا تقبل غير العزاء والامتلاء الروحي الحي وإزكاء مقومات الحرية إلى أقصى نقطة. والمجتمعات التي تُهدر قيمةَ الإنسان، هي ليست إلاَّ غابات مفتوحة بقوانين الحيوان. تكرس مُناخاً يصبح فيه الإنسان ورقةً باليةً تداس بالنعال، ثم الأنكى مطالبته دوماً بأنْ يتسلق أكتاف الطغاة والمستبدين لقطف الثمار بالأعلى!!

شاهد أيضاً

الفلسفة وحدث الكورونا: خمسة دروس أساسية

بقلم الدكتور محمد محسن الزارعي محمد محسن الزارعي ما تزال حالة الهلع تسري في كيان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *