الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / أسئلة الجمال في الفلسفة: بين امانويل كانت وروجر سكروتن

أسئلة الجمال في الفلسفة: بين امانويل كانت وروجر سكروتن

نصير فليح

في فلسفة الجمال مجالات متعددة، كالابداع الفني والادبي، واسئلة جمال الطبيعة، ومواضيع الجمال في الحياة اليومية أيضا كما نعيشها جميعا من اختيار الملابس الى اشكال الاقداح التي نشرب بها الى اثاث بيوتنا وما شابه، فضلا عن الجمال في الكائن الانساني وعلاقته بالرغبة الجنسية (الايروتيكي).
أما مصطلح “الاستطيقا” aesthetics الذي بات يستخدم من القرن الثامن عشر للتعبير عن فلسفة الجمال او نظريته، فماخوذ من اصل اغريقي يعني “الحس” او “الادراك الحسي”. وهذا الاصل اللغوي ستكون له اهميته في علاقة سؤال الجمال بالحس، وهو سؤال ما يزال هاما ورئيسيا في عصرنا الحالي مثلما في الماضي، كما سيتضح في سياق المقالة.
يعتبر (امانويل كانت) من ابرز الفلاسفة في التاريخ الذين تناولوا موضوع الجمال فلسفيا، وذلك في كتابه (نقد ملَكة الحكم) في ثلاثيته الشهيرة التي تتضمن ايضا (نقد العقل المحض) و(نقد العقل العملي). ورغم ان (كانت) لم يكن هو من استحدث مصطلح “الاستطيقا” كمبحث او دراسة الجمال النظرية، فان عمق وسعة مقاربته للموضوع حدث بارز ومنعطف في تناول الموضوع الجمالي عبر التاريخ الفلسفي. أما اذا عدنا الى الماضي بسرعة فسنجد ان افلاطون كان ابرز من تناول اسئلة الجمال في العصور القديمة، ولعل تصوراته عن الجمال المثالي الموجود في عالم المُثل تصور معروف للكثيرين. بينما قارب ارسطو الموضوع بصورة مختلفة، مركزا على طبيعة الجمال في الاعمال الفنية في التراجيديا الاغريقية، ومفهوم “المحاكاة” في الفن، والدور التطهيري للروح او النفس الذي يمكن ان يقوم به الفن، على خلاف الموقف السلبي لافلاطون من الفنانين والشعراء.
الاسئلة الاساسية التي يتناولها مبحث الاستطيقا، كما يشير معجم اوكسفورد الفلسفي (2016) هي التالية: ما هو العمل الفني؟ ما الذي يجعل عملا فنيا ناجحا؟ هل يمكن للفن ان يكون واسطة لايصال الحقيقة؟ هل يمكن للعمل الفني، من خلال تعبيره عن مشاعر الفنان، توصيل او تحريك او تطهير او ترميز المشاعر؟ ما الفرق بين فهم عمل فني معين والفشل في ذلك؟ كيف نحصل على متعة جمالية من اشياء مفاجئة، كالمآسي، او مشاهد الطبيعة المرعبة؟ وهل لتحسس الجمال صلات مع الفضيلة الاخلاقية، واسئلة كثيرة اخرى. مبينا ان (كانت) رأى ان طبيعة الحس الجمالي تكمن في التناغم بين الفهم والخيال، وهو بالتالي التناغم الذي يمكن ان يشعر به اي كائن عقلاني. وعليه فانه خاصية للانسان، وان احكام الذوق يمكن طلبها من الاخرين، ومن هنا تنبع موضوعيتها الضرورية. لكن كل هذه الاسئلة ما تزال في يومنا كما كانت في الماضي موضع جدل ومقاربات جديدة مستمرة.
فما نزال نحن في ممارستنا اليومية، كحال المنظرين في نظرية الجمال، نتناول ونتحاور او حتى نتجادل في كون شيء ما جميلا ام لا، وهل ان الذائقة امر نسبي خالص ولا يمكن ان تكون له جذور او اية مبررات موضوعية، وهل يمكن ان تكون هناك معايير معينة يمكن الاستناد اليها في الحكم والتقييم الجمالي؟ وكل هذه الاسئلة يتم تناولها ايضا على المستوى النظري في الحاضر كما في الماضي.
الفيلسوف المعاصر الشهير روجر سكروتن Roger Scruton، المتخصص في الاستطيقا، في كتابه Beauty: A Very Short Introduction ( = الجمال: مقدمة قصيرة جدا) (الطبعة الاولى منشورات اوكسفورد 2009) (وبالمناسبة، هذا الكتاب يندرج ضمن السلسلة المعاصرة المهمة التي تصدرها جامعة اوكسفورد بعشرات الاعداد عن مواضيع مختلفة بعنوان “مقدمة قصير جدا”) يبين جوانب عديدة من مقاربات هذه الاسئلة التي ما تزال فاعلة. وهو في مجرى عمله مضطر بالطبع للعودة الى امانويل كانت مرة بعد اخرى ومحاججة افكاره، رغم ان (كانت) ليس هو الوحيد في هذا المضمار، فقد سبقته اسماء مهمة اخرى ايضا كما قد يعرف القاريء الكريم، من امثال باومغارتن، ولسنغ، وهيوم (فضلا بالطبع عن افلاطون وارسطو)، مثلما اعقبته اسماء مهمة اخرى من امثال لوكاتش وكروتشه واوسكار وايلد واخرين كثيرين.
من الافكار المهمة التي يحاججها سكروتن هي افكار (كانت) عن أن ما هو جميل هو ما يشعرنا بالمتعة الجمالية فورا ومن دون مفاهيم concepts. حيث يبين سكروتن، اولاً، ان هذه النظرة تمد جذورها في تصور قديم عن الجمال باعتباره موضوعا للمتعة الحسية وليس الفكرية، وان صياغة (كانت) لهذه الفكرة هي بمثابة تاسيس نظري لما كان موجودا من مدة طويلة، وان القديس توما الاكويني Thomas Aquinas في العصور الوسيطة يعتنق هذه الفكرة أيضا، بتعريفه لما هو جميل باعتباره “ما يسرّ العين”.
ولكن السؤال والمحاججة الهامة التي يثيرها سكروتن هي كيف يمكن بالتالي، من هذا المنظور، مقاربة الموضوع الجمالي ذي الطابع الزمني التعاقبي بطبيعته، مثل الروايات والافلام السينمائية او المسرح. في هذا المجال، ورغم ان سكروتن يرى صواب حصر الحواس الجمالية لدى الانسان في البصر والسمع (اي اقصاء التذوق والشم واللمس، باعتبارها حواسا لا تتداخل بما يكفي مع عناصر الخيال والفكر والتأمل التي هي عناصر ضرورية في الخبرة الجمالية) فانه يرى ان الجانب الحسي الفوري للتاثير الجمالي قاصر عن الاحاطة بالخبرة الجمالية بانواعها المختلفة. ويَخلص، بعد مناقشة تفصيلية، الى ان التاكيد على الجانب الحسي، والفوري، والحدسي في الجمال غير كاف، وان صياغة ادق للموضوع ينبغي ان تعتبر الجمال هو الطريقة التي “ياتي بها” ما هو جميل امامنا، أي اعتباره “تقديما” presentation. فعندما نشير الى الطبيعة الاستطيقية لموضوع معين، فاننا نحاول التعبير عن طريقة “تقديم” هذا الموضوع امامنا لا الاحساس sensation به فقط. وفي هذه الصياغة، التي ترى الخبرة الجمالية بالاساس طريقة لتمثل الموضوع الجمالي الماثل امامنا باعتباره “تقديما” لا استجابة حسية فورية، فان سكروتن يضع اطارا نظريا اوسع لمحاولة فهم طبيعة هذه الخبرة التي نعيشها باشكالها المتعددة، وتفتح افقا مختلفا للتعامل مع اسئلة مهمة ذات صلة، مثل طبيعة المتعة في الخبرة الجمالية البعيدة عن الانشغال بالمنفعة، وطبيعة التأمل التفكري contemplation اللاحق الذي يولده الموضوع الجمالي بالضرورة.
ـــــــــــــ
29-4-2020

شاهد أيضاً

واقع الشعر في العالم اليوم

كه يلان محمد كه يلان محمد رأي كثيرُ من المتابعين في منح جائزة نوبل للآداب  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *