الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / نهاية الملة والبابا الأخير تأويل معاصر لقضايا الدين عند نتشه

نهاية الملة والبابا الأخير تأويل معاصر لقضايا الدين عند نتشه

حسن العلوي


التأويل الذي نعرضه في هذا المقال، هو لفتحي المسكيني من كتابه: “الإيمان الحر أو ما بعد الملة”. ونفترض أن السؤال الذي يجيب عنه هو، كيف نحرر علاقة الإنسان بالله من سلطة الأديان واعادتها إلى العقل؟ سؤال بنى الجواب عليه مما استخلصه من كتابات الفلاسفة حول قضايا الدين، ومن هؤلاء الفلاسفة نتشه، الذي خصصنا هذا المقال للقضايا الدينة من فلسفته كما أولها فتحي المسكيني، وكيف ربط بشكل رائع مقولات نتشه النقدية، بقضايا واشكالات ثقافة المسلمين الدينية.
ركز المسكيني أساسا على مقولات كتاب: “هكذا تكلم زرادشت”، شارحا ومؤولا، ومجترحا قنوات وصل مع ما يتعين إنجازه في مجالنا الفكري الذي تؤطره ثقافة دينية ترتبط بالثقافة الدينية التي عالجها مختلف الفلاسفة الغربيين بأواصر القربى. والغاية هي السعي إلى تحرير الله من السردية التقليدية للأديان التوحيدية؛ وهكذا قابل المسكيني مقولات نتشه، بمُعادِلات من اختراعه في الثقافة الدينية الإسلامية.
ففكرة موت الإله، مقابلها نهاية الملة، ومقابل البابا الأخير عند نتشه، هو الخليفة الأخير أو التقي الأخير، ومقابل زرادشت هو المؤمن الحر. وكما شخص نتشه مشكل الثقافة والحياة الغربية، في الكنيسة ورجل الدين؛ الذي اكتشف، بعدما سحبت الحداثة بساط السلطة من تحت قدميه، أنه “البابا الأخير”، شخص المسكيني مشكل الحياة الإسلامية في “الملة”. وكما استطاعت الفلسفة في الغرب، وضع “البابا الأخير خارج الخدمة”، يرى المسكيني أن مهمة الفلسفة عندنا هي الوصول إلى اللحظة التي يتم فيها الإعلان عن “نهاية الملة” ووضعها خارج الخدمة، وحينها سنتحدث عن “الخليفة الأخير”، الذي يخلي المكان للمؤمن الحر.
بدأ المسكيني بالتوضيح أن نتشه لم يقل إن الإله قد مات؛ وإنما قال: “لم يعد حيا”؛ “إذ الأمر لا يتعلق بالإله في حد ذاته؛ بل بوعي المؤمنين به”. وهو توضيح سبق أن نبه عليه هايدجر بالقول إنه: “لا يعني البتة أنه لا يوجد إله”. بمعنى أن العبارة: “تطرح مشكلا أخلاقيا، وليس موقفا عقديا” يقول المسكيني؛ مشكل فرض اعلان أن الإله لم يعد حيا. وهو نفس المشكل الذي تعانيه حياتنا في إطار الملة. (ص 186).
يقابل المسكيني “البابا الأخير” بالخليفة الأخير، رغم تنوع تجربتيهما الدينية. فهما يطرحان نفس المشكل الأخلاقي في الحياة. يقول: “نحن في العالم الإسلامي (…) نوجد في وضعية روحية مشابهة”. (ص 187) ويتمثل المشكل في فرض الوصاية على مستقبل علاقة الله بالمؤمنين به؛ مجسدة في الفكرة التي يحملها كل من يصر على مواصلة الحياة القديمة بطرق مختلفة.
فكرة الله ليست هي المشكل عند نتشه؛ وهي كذلك عند المسلمين ليست مشكلا؛ إنما المشكل في كل مسلم يؤمن بالإرهاب وممارسة الوصاية على الناس، هو “خليفة أخير”. الخلافة بما هي: “رؤية لنمط الكينونة في العالم بالنسبة إلى المسلمين”؛ وهو النمط الذي تؤطره الملة بما هي: “نمط الجماعة الروحية السابقة على الفرد” (ص 188). وكرر التأكيد في سياق ضرورة استحضار الفرق بين موت الإله المسيحي، واستمرار الإله الإسلامي بأن التشابه: “لا يتعلق بالإله في حد ذاته؛ بل هو يهم الأفق الروحي الذي يؤثث المؤمنون داخله علاقتهم بأنفسهم وبعالم الحياة”.
فأفق الأول هو الكنيسة، وأفق الثاني هو الملة أو الجماعة الروحية. ولهذا ما ينبغي أن يموت عندنا: “ليس الله بل الملة”؛ بالعمل على تحرير المسلم التقليدي، الذي يصر على مواصلة الملة بطرق أخرى، رافضا الحياة التي نصبتها الحداثة في أفق الإنسانية. وهو نفس وضع “البابا الأخير” الذي وجد نفسه متشبثا بخدمة إله قد مات، وأصبح خارج الخدمة؛ الأمر الذي أفقده الحرية. يقول “البابا الأخير”: “والآن ها أنا خارج الخدمة بلا سيد، ومع ذلك لست حرا”. (ص189)
يسأل المسكيني أين هو التقي الأخير؟ الذي لم يقدر على التصالح مع القيم الكونية الحديثة؟ هل تحرر من الدين المسلح (دين الجماعة) الذي حول الله أداة عسكرية لتنصيب الملة في الفضاء العمومي؟ (ص190) فهو خارج الوعي بأن الدولة الحديثة رفعت من قاموسها: “كل طمع سلطاني في فرض شكل تدينها على الشعوب الأخرى”؛ ولم يعرف أن الملة انتهت منذ أن أرخ ابن خلدون لهذه النهاية.
أوقع غياب الوعي لدى التقي الأخير؛ في الخلط بين الله والملة، مع أن الله أكبر من الملل كلها. فالملة ظاهرة عرضية، في حين: “أن فكرة الله مكسب أخلاقي يخص الإنسانية” جمعاء. الملة جهاز سلطة، نواتها الحكم باسم “الشريعة” التي كرسها فقهاء الدولة الدينية. (ص 191)
في سياق وضع الحدود بين الله والملة، التي لن نتحرر إلا إذا اقتنع المسلم الأخير بأنها لم تعد أفقا أخلاقيا للانخراط بإيجابية في أفق الإنسانية. (192) وقف المسكيني عند محطة المثقف العربي، فاتهمه بالتملق للملة في قراءته التراثية، مثلما اتهم أدعياء التنوير بالتملق المنهجي للحداثة دون القدرة على الانتماء إليها؛ وتحديدا في طريقة تبنيهم لأطروحة “موت الإله”. فما يجب في نظره ليس تبني الفكرة؛ بل أن نُعلم التقي الأخير أن الملة قد انتهت، وأنها لم تعد حية وان: “تاريخ الله لا علاقة له بتاريخ الملل”.
وفي سياق تلك الانتقادات، أكد أن الإنسانية تحتاج دائما إلى الرجاء؛ لأنه حاجة: “نابعة من استعداد ميتافيزيقي للأمل؛ كامنة في طبيعة البشر”. وهنا عرض قول نتشه بأن الأمل: “هو هدية الآلهة للناس في شكل علبة السعادة” التي عندما تُفتح لا نجد داخلها إلا أسوأ الشرور؛ أي العجز عن رفض الحياة مهما كانت.
يقول إن الملة لم تخترع الرجاء؛ وإنما استولت عليه وحولته إلى سياسة رسمية للتقوى. الملة تقنية سلطة وليست دينا، والدين هو الآخر متضرر منها. فلم تصبح المسيحية ملة: “إلا بعد قرون من الشهداء”. الخلط بين الدين والملة هو: “خطة خبيثة لتحويل المؤمنين إلى رعايا”. (ص 194) ترتب عنها: “مماهات مرعبة بين الله والحاكم”. لقد أصبحنا-يقول المسكيني-أمام مطلب انقاد الله من المؤمنين به؛ أولئك الذين يستعملون الله للدفاع عن أنفسهم.
فكيف يعبد الله بدون ملة؟ في الجواب عاد إلى نتشه، فأكد أن نتشه لا يعادي كل الآلهة، فبعضها: “يمكن أن يكون أقوى تعبير عن ماهية شعب ما”. ولا ينكر الأخلاق أيضا بل يرفض فقط ما يعبر منها عن نفسه: “في شكل أخلاق سالبة”. (195) أدى اعلان موت الإله كما يقول المسكيني في الغرب إلى: “اختراع ما يمكن من تقنيات المستقبل” جعلت “ميدان المقدس قابلا للسكن من دون حاجة إلى الشهداء”.
أهمية فلسفة نتشه أنها أعادت اكتشاف براءة الحياة في الوثنية الإغريقية، وسعى نتشه في أفقها إلى: “استئناف تقوى غير دينية” وإيمان لكن: “بإله يقف ما وراء الخير والشر”؛ أي تحرير الإيمان من لعبة السلطة. أما الإشكال هنا هو أن الإرهابي لا ينتمي إلى حياته هو؛ بل: “يريد بشراسة (…) مرعبة أن يواصل الملة بعد موتها”؛ أي مواصلة تنصيب الملة في وعي المؤمنين بها. وعندما يشعر بأنها لم تعد حية يزداد كراهية لنفسه: “وينقلب إلى قاتل باسم الله”. (198) وهو في ممارسة فعل القتل: “يعتدي على حق الله في احتكار معنى الوفاة”. لأنه لاحق لأي انسان أن يصادر حياة انسان آخر، لكن الإرهابي يفعل ذلك باسم الله، ولا يوجد اعتداء أكبر على الحرية من استعمال الله ضدها، بينما الله هو: “التعالي الذي جعل كل أنواع الحرية الإنسانية ممكنة” من خلال الحدود التي وضعها في العالم.
الرهان كما يرى المسكيني في هذا المجال، أن يكون المرء روحانيا، ولكن بلا انتماء ديني. (202) يقول نتشه: “هو ذا قلبي يستقر على قرار أن أنطلق في البحث عن تقي آخر؛ عن أكبر المتقين من بين كل الذين لا يؤمنون بالله؛ أن أمضي بحثا عن زرادشت”. زرادشت شخصية سردية انبثقت من نهاية الأديان دالة على تطلع الناس إلى شيء يتجاوزهم، وهو النبي ما بعد النبي. هو: “علامة على نوع جديد من التعالي لم ينقرض؛ بل غيرت من طبيعتها فحسب”. مدده الروحي هو قدرته على الحرية. (203)
يقول المسكيني: “نهاية الملة لا يعني أبدا نهاية فكرة الله”، فما يشير إليه زرادشت عند نتشه: “أن التقوى ليست دينية بالضرورة”، لذا فهو: “أكبر المتقين من بين كل الذين لا يؤمنون بالله”. المؤمن “الآخر” كما وصفه “البابا الأخير”: “هو من يواصل تراث الأنبياء بوصفه أفقا أخلاقيا لا يزال صالحا للاستعمال” للنوع الإنساني خارج الأديان؛ يخترع فكرة الله في قلبه ولا يستمدها من خارج؛ فالإله القديم هو: “الذي لم يعد حيا”. (204) يقول ما رفضه نتشه هو: “المعنى الديني للإله، أما الألوهية فتبقى ميدانا لا يسبر غوره”. (205)
كيف نفكر في الله ما بعد الملة؟ يرى الرجل أننا لم نجرؤ بعد على الإجابة؛ لأن التفكير لم يصبح بعد مهنة عندنا، وما هو قائم في الميدان مجرد عمل ثقافي: “والمثقف ليس مفكرا ولا ينبغي له”؛ المثقف نتاج انتظارات جيل أو مجتمع أو طائفة؛ فهو عقل منحاز سلفا. بينما المفكر لا يبقى حبيس أي انتظار؛ هو يخلق افق انتظاره الخاص. كل واحد منا هو: “الأخير من نوعه التاريخي”، وكل من يريد مواصلة سكن نفسه القديمة لا يمكن: “ولا ينبغي له أن يدعي التفكير” (207) مصيره الانقراض الأخلاقي على مستوى الإنسانية.
ومثلما لم يستطع “البابا الأخير” الإجابة عن أسئلة زرادشت: هل مات الإله شفقة على الانسان؟ هل مات من محبته لنا؟ هل محبته لنا هي عين جحيمه؟ لا نجيب نحن عن الأسئلة الأخيرة حول أنفسنا؛ أي حول ما هو ميت ولم يعد حيا عندنا. فنحن لم نغير الموضوع، بعد أن تجاوزنا السؤال عن وجود الله أو عدم وجوده، كما ينحصر فيه: الإلحاد المناضل”. (215) “كل ما أفلحنا فيه هو الدفاع عن أنفسنا بكل الوسائل ضد عدو لم نحدده إلى الآن بشكل مناسب”.
ختم المسكيني هذا الفصل الشيق بقول نتشه: “دعه يذهب؛ قال زرادشت” وعلق بالقول: “كلمة لا تتضمن أي ضغينة أو ضرب من الثأر، مثلما تتضمن خطابات نقد الدين والألحاد المنهجي” مثله مثل الإيمان المناضل؛ فكلاهما يعانيان: “من مخزون رهيب من الضغينة؛ أي من الحقد المركب تجاه رهط من البشر”. والخلاص من الضغينة يتطلب ما يسميه نتشه: “النسيان النشط”؛ فمن لا ينسى لا يصفح: “دعه” كلمة نسيان (216) معناها اتركه لمصيره: “دعه يتحرر منا، من الشفقة علينا، من محبته لنا، من جحيمه ومن ثم من موته”.
نصيحة زرادشت للبابا الأخير، إذن مضادة للأخلاق التقليدية. يقول المسكيني في الأخير: “يبدو أن نتشه الذي أعلن خبر موت الإله قد كان تقويا أكثر مما يعتقد (…) تقوية جديدة قائمة على تقوى غير دينية (…) تسخر من الإله الأخلاقي، وتصبو إلى تصور إله ما وراء الخير والشر”. (217-218)
حسن العلوي

شاهد أيضاً

في الحاجة الى نظام عالمي جديد: حوار مع برتراند بادي

محمد ازويتة ترجمة: محمد ازويتة  مدخل عندما ينظر الإنسان الإفريقي الى ما يحدث في قارتنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *