الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / صناعةُ الرَّعَاع: اللغةُ وجسدِ الثقافة(2)

صناعةُ الرَّعَاع: اللغةُ وجسدِ الثقافة(2)

سامي عبد العال

سامي عبد العال

هناك سؤالٌ مهم: كيف نفسر شيوعَ دلالة الرَّعَاع في الخطابات السائدة؟! فقد نقرأ بدائلها بكلمات تخاطب الجماهير والحشود، كلمات تُلصِق بهم فوضى الرغبات والغرائز واللاعقل، أي تزدريهم باعتبارهم أُناساً حمقى كما في الاعلام والسياسة والثقافة الدينية والحياة العامة. الحالة الأقرب إلى ذلك كانت مع حشود الربيع العربي، حيث اعتبرتهم السلطات السياسية- باختلاف بلدان العرب- طائشين مطرودين خارج أفكار المواطنة والحرية وحقوق الإنسان!!

 على صعيد التاريخ، لا تتوقف اللغة عن الالتحام بأنسجة الثقافة( تكوينها) حتى ولو بدت التعبيرات اللغوية أكثر اختلافاً. السياق واحدٌ من واقع الحياة الاجتماعية في كلِّ عصورها، سواء أكان من زاوية مساحة التعبير أم مساحة الفكر. وبما أنَّ اللغة هي فكرٌ منطوق، فالتَّوحُد بين (ما نفكر فيه وما نعبر عنه) تؤكده هذه الثقافةُ إلى درجةٍ مذهلةٍ. دليل ذلك أنَّ المعاني تاريخياً(والتي هي زمنية) لا تضيعُ، بل قد تأتي الكلماتُ المستحدثة لتعبر عنها وتتكيف مع تراثها البعيد. فالآن لا يقال مثلاً لشخصٍ أنت من الرَّعاع( بحكم كونِّها كلمةً قديمةً) إلاَّ مِزاحاً، لكن المعنى قد يأتي ضمن بدائل أخرى بالمضمون نفسه ولو كانت إشارة: أيا هذا… كنوع من النداء الساخر!!

تصفح الجزء الاول من المقال:

حيث يحمل السياقُ آفاق الإشارة السابقة إلى المقصود بها، وماذا يقول المنادي وكيف يتلقاها المستمعُ. والاستعمال ليس إعادة تشغيل الكلمة في ساحة الكلام، لكنه فتحُ منفذ للمعنى المتواري هنا أو هناك، حين تلتقطه عبارة ما تجاه الآخرين. ولذلك فإنَّ كل ما ينتمي إلى موروثاتنا الثقافية مطويٌ في جانب الكلمات التي تشكل طبيعة الفكر تاريخياً، على الأقل نعرف ملابسات اللفظة وماذا يكسوها ومتى كانت شائعة وبأية معانٍ كانت متداولةً

واللغة بهذا هي حدث event يكشف خريطة الثقافة ويبرز إلى أي مدى تتكّون أساليب الفكر. تعرفنا اللغة من ثمَّ: كيف توجد بنية الثقافة جسدياً، لأنَّ كل ثقافة تحيط أصحابها بوجودها الرمزي والعيني ما. وسمةُ الجسدية معناها أننا نتنفس ونحس ونعيش داخل ثقافة هي نحن عندما نمارس حياتنا. والعلاقة بين الأفراد والثقافة علاقة ملغزة، لكنها في كل الأحوال توجد سلباً وإيجاباً بصدد كل المواقف الممكنة.

ولذلك يقول مارتن هيدجر”  اللغة هي النمط الأساسي لاكتمال وجودنا في العالم والشكل الذي ينطوي على شمولية تأسيس وتشكيل العالم، وكذلك يقول ابن عبد الجبار النفري” إذا اتسعت الرؤية، ضاقت العبارةُ “. والضيق قد يعني كون العبارات تمثل جوامع الرؤى(مفاتيح الكلم، لُباب الكلم) بتراكم التاريخ وعمقه. ولكن الاضافة هنا أنَّ العبارات تحمل جذور القضايا بحكم كونِّها شفرات للحياة بجميع ماضيها المؤثر في الحاضر. وهذا ينطبق على أنَّ الرعاعية ظاهرة منتمية إلى دائرة فكريةٍ تحدد نمطَ العيش بالمثل، أي أنَّ العبارات إذا كانت أدوات تواصُل، فهي خطاب له سلطته  التي لا زالت ساريةً. 

فلئن كانت الموروثات الثقافية( الخاصة بمفاهيم الرعاة والرعية والرعاية سياسياً واجتماعياً) لم تعد واضحةً في أيامنا هذه، فسلطة الخطابات الشائعة تكرس الرواسب والتصنيفات القديمة تجاه إهمال المهمشين. وهو ما يضمن استمرار أوضاعهم واتخاذ مواقف مماثلة تجاه الفئات الاجتماعية الأقل شأنا بفضل وجود طرائق التفكير ومعايير الحكم على الناس وتراتبهم في المجتمع.

 في التُراث الديني، يتجلى أمر الرعاع ومكانتهم من واقع خطابات الجماعة الأولى في حياة المسلمين، جماعة الصحابة والخلفاء الراشدين والدائرة الأكثر اتساعاً حولهم، وهي أول نُواة لتشكيل اهل الاسلام، هؤلاء الذين كانوا نموذجاً حدَّد إلى درجة بعيدةٍ ما هو الاسلام وكيف امتد تاريخياً. حيث ظلت تلك الجماعة نموذجاً يتمتع بمكانة رمزية في الخيال الشعبي إلى اليوم. 

إذ يواصل معجم لسان العرب قائلاً بصدد أحد مواسم العرب حين تلتقي الجموع لحدث ما جاء:” في حديث( كلام) عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنَّ الموسم يجمع رعاع الناس، أي غوغائهم وأخلاطهم. ومنه حديث عثمان ابن عفان رضي الله عنه، حين تنَّكر له الناسُ: إنْ هؤلاء النفر رعاع غثرة. وفي حديث علي رضي الله عنه.. وسائر الناس همجٌ رعاع “(1).

لنلاحظ -كما أشرت بين قوسين- أنَّ الكلام برعاعية الآخرين يؤكد اعتراف قائليه بالحقيقة واعتبارها حالةً جمعيةً، إنَّه في الواقع ليس رأياً ولا إشارةً ولا فكرةً في عداد الآراء الثانوية، هو حُكم أخلاقي يبلغُ مرتبةَ اليقين الجازم بمنطق الخطاب الجاري آنذاك. هكذا ذكر صاحب المعجم(ابن منظور) أقوال الأئمة والخلفاء الراشدين والسلف الأوائل، وقد أراد لفت ذهنية القارئ إلى جانبهم واعطاء صورة ناصعة عما يرونه صحيحاً تجاه أصناف الناس. 

  ونحن نعلم كون الأـلفاظ المفتاحية مثل أقوال الخلفاء، أهل السلف، الأئمة، أهل الايمان، هي تيمات رمزية symbolic themes تصبُ في رصيد الخطاب التي يستعملها وتنحاز إلى ما يقول. فلهذه الأقوال قدرة ثقافية على التواتر والإعادة طالما هي طي النموذج العام. ليس بطريقة البلاغة اللفظية، ولكن ببرهان التقديس والتسليم المفترض لكون الكلام متداولاً دون مساءلةٍ ولا تدقيق. فلم يتساءل أحد هل الرعاع كانت شائعة في عصر العرب، هل التصنيف كان غالباً ثم ترك آثاره على الخطاب الديني.

إنَّ هذه التيمات لها قوة الاثبات المسبق، وبالتالي حين تذكر في سياق تداولي جديدٍ( كما نسمعها في الخطابة والدعوة)، فهي تسْحب تسليمها على ما ورد في خطابها إجمالاً. وبخاصة أنَّ معاني الكلام في الثقافة الشفاهية ليست حالة حاضرة باستمرار، لكنها تتعلق بذاكرة ماضوية لها طابع التصديق والقبول. إذ تؤكد الذاكرة قوتها أخذاً من نظام اللغة الذي يكثفها ويجعلها على أعتاب الخطاب اليومي. فكيف سينطق الخلفاء غير الحق قبل الحقيقةِ مثلما ينطقون في كل الأحوال؟! كيف لا يكون كلامهم دينياً وسياسياً بالتبعية؟ إذن سيقول المتلقي لاريب إنَّه الكلام الذي يمثل اليقين ولا غير.

         المعنى إذن وراء تعبير (الرَّعاع) مقصود لذاته في مثل هذا الوضع.  فطالما قال الخلفاء الراشدون أنَّ أغلب الناس رعاع همج، فهم بالفعل رعاع همجٌ وغثاء كغثاء السيل. القضية عندئذ ليست طرحاً عابراً، لكنها توثيق لرعاعية ستبقى سارية في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وحواشيها. ذلك طالما كان الخليفة(وهو المثال) قابضاً على دفتي الدين والسياسة، ويوظف أحدهما لخدمة الآخر بالإحالة المتواترة التي توفرها كل سلطة. وهذا كان وما زال هو ديدن الحكام والولاة والرؤساء وأصحاب الفخامة والسمو والمعالي إلى الآن. المهم هنا ليس الكلام بفحواه الديني، لأن ذلك في نطاق الإيمان، أما الملاحظ أنه انتقل خلسةً من مجاله الخاص إلى التوظيف السياسي داخل أحشاء الدولة واصبح معياراً للتعامل مع الفئات الأقل حظاً من الحياة.

         وعند نقطة الخلط هذه، يتأكد المعنى بإيراد عبارات الرضى والتصديق إزاء خلفاءٍ عن الله قبل أي شيء آخر. مجرد التعبير(رضي الله عنهم) عقب أسماء الخلفاء والولاة- رغم أنهم سياسيون- يؤكد عدم التعقيب وضرورة القبول بلا نقاشٍ من الجميع. ويظل الرضى مبذولاً لأي شخصٍ له مكانة مقدسة ويحتلها على صعيد الوعي الجمعي( فلان رضي الله عنه وأرضاه). والعبارات نفسها في مواقف التبجيل والثناء تُطلق على الشيوخ وأصحاب المذاهب وأقطاب التنظيمات  والحركات الاسلامية. وبذلك لا يستطيع المسلمون الخروج عن حدود هذا الكلام. لأنَّهم ملزمون- بدوافع الدين- على الرضوخ له. وليس هذا فقط، إنما غدا الأمر متناقلاً بواسطة الخُطب الدينية والفتاوى والمذاهب الفقهية. وهي مذاهب كانت تشرع للرعية وتمجد ولاة الأمر وترى الخروج عليهم معصية.

  • فهم صارمون في التشريع للرعية ويمسكون شواربهم بمقابض العبادات والنواهي والأوامر والمناسك والطقوس وما يجوز ومالا يجوز( الحلال والحرام).
  • وهم يلينون الكلام للحلفاء والوزراء على مهل، وكما يريد هؤلاء الحكام دون التفات لأوضاع الرعية المزرية.
  • وهم كذلك يعطون الراعي مبرراً لإطباق كتاب الدين والسياسة على اعناق الرعية كطي السجل للكتب( ممارسة السياسة كقيامة قبل يوم القيامة).

        لقد ذهب الإمام الغزالي مباشرةً إلى” الجام العوام عن علم الكلام” كما يقول عنوان كتابه الشهير. في مثال صريح لوظيفة الراعي الذي يسوس دوابه نحو ما يريد. إنه يريد زجر العوام والشعوب والناس عن التفكير أو معاقرة المعتقدات التي بثتها المذاهب الإسلامية. وهنا وضع أبو حامد الغزالي نفسه موضع رجل السياسة باسم الدين فارزاً الناس باعتبارهم لا يعرفون شيئاً وأنَّهم غير ناضجي العقل والإرادة. وأنَّ أخطر ما يتلاعب بعقولهم هم علماء الكلام ليس أقل. وينسحب وصفه إياهم  بالرعاع حتى على جميع أقطاب الفرق الكلامية أنفسهم، ومن ثمَّ إذا كان هذا حال علماء الكلام( وهم الفقهاء والعارفون واللغويون والبلغاء والكتاب وأصحاب الفكر)، فإنَّه أولى بأن يمثل أحوال العوام. ذلك كله في مقابل مذهب السلف مؤكداً – أي الغزالي في كتاب الإلجام- أنَّه بمثابة المذهب الأولى بالعناية وهو المانع لدخول الجهلة والسفلة إلى قضايا الاعتقاد(2).

        وكأنَّ( الغزالي) يقول خطابياً إنَّ اتساع أفاق العقل خارج حدود السلف هو ضد العقل كما نعرف. وأنَّ العقل غير موثوق به في حدِ ذاته وقد يجهل أصول الاعتقاد، ولا ينبغي ترك مساحته العمومية مشاعاً دون تكبيلها مخافة الانحراف. وأنَّ العقل هو مجال الصراع الفعلي الذي ينبغي الهيمنة عليه. ويجب التعامل مع الناس بوصفهم عواماً قصري الفهم والإدراك وغير مؤهلين لإرادتهم الحرة. 

هكذا ليست ثمة ” عبارة سياسية” political phrase ضلت طريقها إلى الدين مثلما تعبر عبارة الغزالي في معالجته لقضايا الكلامية، وليست ثمة عبارة قامعةٌ لما نمتلك من عقلٍّ مثلما تفعل. على أثرها تحول الإنسان إلى دابةٍ تُساس وتساق وتزجر وتلجم وتسحب إلى أية مذبحة سياسية.  ولذلك تباعاً في تاريخ الثقافة العربية الاسلامية تمَّ وضع الحواجز أمام حرية التعبير عن الفكر واعمال العقل والانفتاح على الثقافات الأخرى، كنوع من المصادرة العنيفة على أي اختلاف!!

       وهنا لا يعبر الغزالي عن رأي شخصي كما قد يقول البعض، بل بموجب تراث الرعاع كان عنوان كتابه “بصمة ثقافيةً” ممتدة طوال عصور المسلمين القديمة والراهنة. ولم يكن علم الكلام- قديماً- سوى رمزاً لقتل المثقفين وأصحاب الفكر( الجهم بن صفوان والحلاج والسهروردي المقتول) وملاحقة حريات التعبير والإبداع والتجديد بتهم انتهاك المحرمات وخلخلة ثوابت الأمة والعصف بالقيم والاخلاقيات. 

الغزالي نذر كلامه وبعض مؤلفاته بالدين إلى هذه السياسات التي تخصي العقول كخصاء الذكور في إطار ثقافة الإلغاء. واللجام ألة معدنية تدمي وجه الحيوان إن حاول الافلات من قبضة راكبه وتجعله خاضعاً بالعنف لتوجيهاته. اللجام ليس كلمة مزجاة بواقع الفئات التي تستعملها، بل هي نصوص وخطابات وممارسات سوّد صحائفها الغزالي، أي أنها جسد الثقافة بعدما تتعرَّى وتتصفَّى في الألفاظ. ويكفي أنْ تنطق كلمة كهذه(إلجام) وسط البيئات العربية الاسلامية حتى ندرك وقعها الدلالي على المتلقي. فالمتحدث حجة الإسلام وقطب الأقطاب ومجدد الإسلام وصاحب الإحياء كما يقال بصدده. وحين يطلق عبارة “إلجام العوام”، فإنه يمسك باللغة كمؤسسة ثقافية وكتاريخ يراهما في المستقبل البعيد وقد وجب زجر الناس عنهما وعن الخوض فيها.

      ولذلك عندما شرح الغزالي قضايا الاعتقاد اكتشفنا أنَّ السلفية هي اللجام الحديدي الذي كان يقصده. ومازالت السلفية تستعمل بهذا المعنى القسري لما يكونه البشر في المستقبل. باعتبار أنَّ سلف الأمة هم الأصح عقيدةً ومذهباً وأنَّ ما سواهم غثاء لا قيمة لهم. يقول الغزالي:” اعلم أنَّ الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب أهل السلف، أعني مذهب الصحابة والتابعين”(3).

        والأولى بناء على هذا الكلام أنَّه طالما صح اعتقاد السلف( وهو يقصد الدين)، فحياتهم هي الأولى بالصحة والاتباع والتكرار( الاستنساخ )( واللغة تقصد السياسة والاجتماع). وهذا يفسر أنَّ ثمة نزعةً سلفيةً غائبةً عن النقد والمناقشة في ظلال المجتمعات العربية الإسلامية. لأن السلفية ليت تقريظاً فات أوانه، لكنها قرار مصيري يتلاعب بالتاريخ والعصر، أي إلغاء فكرة الإنسان الذي قد يأتي يوماً ما ليجدد فهم الدين.

        لذلك- على المنوال ذاته – ارتبطت بهؤلاء الرَّعاع لدى فقيه آخر كلُّ الفواحش والبذاءات وإمارات الدعة والموبيقات كما يعبر ابن حجر الهيتمي( عنوان كتابه: كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع) رابطاً بين مصطلح الرعاع وما هم فيه من أحوال فاحشةٍ ولا أخلاقية(4). والعجيب أنَّ الرَّعاع مدرجون بهذا الكتاب كأنَّهم فئة( طبقة) مخصوصة ومتميزة في تاريخ الفقه. كما لو أنَّ المعازف والمراقص محصورة بينهم ولا شيء آخر. وهم أهل المجون والسفه والخلاعة والفجور كقدر محتومٍ. فهم مرتع للرزيلة وأهل للرقص والبذاءات. والربط بين الغناء واطلاق العنان للشهوات يصور هذه الفئة كأنَّهم شياطين مارقة. ويوضح كَّم لا يبالي الفقيه بالآخرين ولا بمحاولة معرفة ظروفهم واحوالهم. 

      إنَّ المعالجة الأخلاقية القائمة على التحريم تدفع الفقهاء لإطلاق الأحكام بلا تقييد وينعكس ما يفضلون وينحازون على ما يجري بالفعل. أليس هذا انحرافاً فقهياً لا يري الواقع ولا الأحداث الاجتماعية ولا يعرف معنى الإنسان؟! فضلاً عن عدم فهم معنى الغناء والنغم أصلاً وربطهما بكل الرذائل والخلاعة. إذن القضية برمتها نبذ الطبقات الدنيا في المجتمع وتحميلهم فساد الأخلاق ومآل التدين، بينما أعالي القوم لا يسمعون معازف ولا يفسدون الدين!! 

وبالتالي كان يجب إثارة التساؤل إزاء هذا الرأي: من كان يسمع لهم ومن كان يستمتع بهؤلاء( السفهاء وأهل المجون) طالما هم الفاسقون وحدهم؟ فلو كان ثمة مراقص ومغانٍ للرعاع، فبالتأكيد هناك من يرقصون ويغنون له( طبقة الحكام). وإلاَّ فلا يوجد غناء للعدم أو للجان في خفاء الحياة. هذا هو الاستعمال الصامت المغْفل عنه قصداً والذي اسقطه الفقهاء من ذاكرتهم. فلم يقل الفقهاء أن هناك نخباً سياسية تستعمل أهل المجون في إمتاع انفسهم وحاشيتهم( الغلمان والقيان والجواري والمراقص وحفلات السمر وإلقاء أشعار الملذات والشهوات الحسية بقصور الملوك والأمراء). وظل الفقه سارياً في تلكم المسألة على هذا الغرار كما لو كان ثمة رقص في الفراغ دون طبقةٍ حاكمة مرفهة!!

        أما على بن أبي طالب من قبل وبصدد جذور المسألة، فلّه عبارة ( في كتب نهج البلاغة) ستسرب المعنى صراحة من الخطابة إلى الطائفة والمذهب الديني السياسي. يقول كميل بن زياد ” أَخَذَ أمير المؤمنين عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرْنَا تَنَفَّسَ الصعداء ثُمَّ قَال: يَا كُمَيْلُ إن هذه الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. فاحْفَظْ عني مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: َعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ”(5).

       والأبرز أنَّ الإمام علي كان يتحدث عن العلم، فجاء تصنيفه للناس كأنَّه قدر وجودي حتمي. وكأنَّهم بالتالي لا علاقة لهم بالسياسة ولا بأحوال المجتمعات وظروفها التي تسبب ازدراءهم ولا توجد إمكانية لتعليمهم وتثقيفهم. فهؤلاء الرعاع لا حظَ لهم منه في مقابل العلماء الآخذين عن الله. وهؤلاء معصومون لا يخطئون ولا يذهبون وراء السوقة ولا ملذات الدنيا. وهذا إنْ أظهر شيئاً، فهو يظهر النَّفس الإلهي الذي يحفظ تراتب الأئمة وأشباههم. 

        يقول على بن ابي طالب….” أولئك والله الأقلون عدداً و الأعظمون قدراً. يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعها نظراءهم ويزرعها في قلوب أشباههم. هجم يهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه”(6). 

        هذه الكلمات- إذا خرجت إلى مجالات السياسة والاجتماع-  فلا تهتم بالإنسان كإنسانٍ، إنما لكي يحيا هذا الإنسان لابد له من طبقةٍ عُليا هم الخلفاء عن الله. وبمقدار ما يصعد هؤلاء بأرواحهم علماً ومعرفة بمقدار انحطاط غيرهم أو سيتمايزون حتماً، لأنَّ السياسة لا تعترف بالاختيار أو الاصطفاء مقابل آخرين أقل شأناً. السياسة هي مجال الحقوق والواجبات والمواطنة والمساواة دون تفرقة ولا تمايز. أما الرعاع فهم هؤلاء الذين لا مناص لهم من وضعيةٍ همجيةٍ تهبط بهم إلى أسفل. وهكذا فالنص السابق مليء بالأطراف المتنافرة والتي قد تملأ المجتمعات وتثير صرعاً لا حل له. العلماء: الجاهلون، الأعظمون قدراً: الأقلون منزلةً، الخلفاء: الغوغاء. هي تصنيفات تقمع التنوع وتجعله على هامش التصنيف نوعاً من التسلية، وتعطي جماعةً ما(هم الاصفياء) كلَّ السطوة باسم الله.

_______________

  1.  ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، تحقيق نخبة من الاساتذة، دار المعارف، القاهرة د. ت،  ص1672.
  2.  أبو حامد الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام، تحقيق هيئة التأليف في وقف اسماعيل أغا، دار السراج، اسطنبول- تركيا الطبعة الأولى2017، ص21.
  3.  المرجع السابق، ص 25.
  4. أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، تحقيق: عادل عبدالمنعم أبو العباس، مكتبة القرآن، القاهرة 1989.
  5. علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، الجزء الرابع، شرح وتعليق محمد عبده، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان د. ت، ص ص53-36.
  6.  المرجع السابق، ص ص 377-380.

شاهد أيضاً

حول الجنوسة الاجتماعية

رقية لكبير يهتم علم الإجتماع بالدراسة التفصيلية للمجتمات البشرية، و الانساق الإنسانية، و العلاقات الأسرية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *