الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / أوراق شخصيّة جدا…

أوراق شخصيّة جدا…


إلى أبي..

حين بكى نوّار البرتُقال, كَتَّ ونادى عَلَيك..

“.. كم شكّل هذا الزّيتُ المشحوم علامة فارقة في حياتك؟ كثيرا يا أبي، كثيرا، وأكثر ممّا تتذكّر. كلّ شهاداتي منذ الأوّل ابتدائي كانت مدبوغة بالزّيت، وبصمات الإبهام بعروقها مرسومة على طرف الورقة البيضاء، كأنّها الشّاهد السريّ على أبوّتك الغارقة في محبّتها..”،  رجاء_ب

(1)

رحل أبي ظهر الثّالث عشر من نيسان, أوائل الرّبيع تماما، وعلى بُعدِ أيّام من تفتّح عطر  البرتقالات الّتي زرعها قبل عقود من الزّمن ورعاها بحرص وصبر شديدين. كان يترك تصليح إحدى المركبات الزّراعيّة وينزل إلى الأرض. ينقل ماسورة الماء من شجرة البرتُقال “المُجوّرة” والحاملة إلى شجرة اللّيمون المُجاوِرة. يفعل ذلك مع بيّارة واسعة تزدحم باللّيمون والبرتقال. يوما قبل السّقاية يُجوِّرُ ما حولها بحرص كي تستوعب جذورها الماء جيّدا. هكذا يفسّرُ ما يفعل حين أسأله ويبتسم، ابتسامة تكشف عن سنٍّ طرفها أسود، لسبب ما اعتبرتُهُ علامة فارقة تخصّ الآباء النّبلاء لدرجة أنّي تمنّيت أن تصبح لديّ سنٌّ كسِنِّه. لكنّ الغريب أنّها حين اسودّت لم يحتمل أن يراها بين أسناني، أليس غريبا ألّا يفهم الآباء منطقنا في محبّتهم؟ همستُ لنفسي وأنا ماضية إلى طبيب الأسنان كي يعيد إليها لونها.  

كانت المرّة الأولى الّتي أجاور فيها الموت لهذا الحدّ، وأوّل كارثة أصطدم به وجها لوجه. تساءلت وأنا ألملم دمعي الصّامت، كيف يواجهون الموت عن قرب. كيف يتصرّفون؟ بأيّ لغة يتحدّثون، هل يمتلك الموت لغة تختلف عن يوميّاتنا البشريّة؟ هل يمتلك صوتا يختلف مثلا؟ هل يمشي على رأسه أم على أصابع قدميه؟ ماذا يلبسون في مراسيمه، كيف يتصرّفون؟ بأيّ لغة يبكون؟ على غير توقّع أخذني الى مراسيمه، واذا به يقرّر كلّ شيء عنك. كيف تمشي، كيف تحكي وماذا تحكي. ومن ترافق إليه؟ الحدث الجلل أن تجد نفسك أمام تفاصيل حياتك في وجه أبيك النّائم أمامك نومة وداع أخير. أب صادقتَ تفاصيله في طفولتك وصباك أكثر ممّا يعرف هو عنها، لأنّها تمطر فيك أنت الفارغ من تفاصيل الحياة منذ عرفك أكثر. هو الّذي سمع صوتك، بقلبهِ بعينيهِ وحتّى أظافره المغموسة بشقاء الحياة. كتبتَ إليه، ردّ عليك. بكيتَ، وهدّأ من روعك. عاتبك، زعلَ منك، ابتسم أمام جهلك، سامحك، دعمك، ملأكَ حتّى فاضت أفعاله بكَ ولم يبق شبر واحد فارغ من بصماتهِ فيك. وكان يجب أن تبتعد ذات يوم، لكن على غير توقّع منك كنتَ في عينيهِ يراقبك عن بعد لئلا تشعر بالوحدة ويرعاك سرا كيلا تستوحش حين يهجرونك، ويرسل إليك أنفاسَ البرتقالِ في ورق مغلّف برائحة يديهِ مع أحد الأصدقاء الوافدين إلى حيفا لأنّكَ تأخّرتَ في العودة. تشمّ براعم البرتقال فتتنبّه لنقطة الزّيت الّتي سالت من سبّابتهِ وهو يُلَقّطُ ذاكرَتَك من النُوّار عن الشّجر، زيت المركبات الزّراعيّة الّتي يعيد لها الحياة لتحيا بِثَمَنِ حياتِها أنت. كم شكّل هذا الزّيتُ المشحوم علامة فارقة في حياتك؟ كثيرا يا أبي، كثيرا، وأكثر ممّا تتذكّر. كلّ شهاداتي منذ الأوّل ابتدائي كانت مدبوغة بالزّيت، وبصمات الإبهام بعروقها مرسومة على طرف الورقة البيضاء، كأنّها الشّاهد السريّ على أبوّتك الغارقة في محبّتها. كنتُ دائما نموذج الطّالبة الّتي تأتي بشهادة الفصل بيضاء ناصعة رغم دمغتك الواضحة على طرفها. لم يرها مربّي الصّف مرّة واحدة، كان يتواطأ مع اعتزازي البالغ بأبي الّذي يحجز الشّارع وهو يراني مقبلة آخر الفصل كي تقع عيناه أوّلا على النّتائج الموسميّة. أتوسّل بغنج زائد، “..لا تمسكها الآن ستتّسخ “، لكنّك لا تسمع، تتّسع ابتسامتك وأنت تقرأ ممتاز من أعلى إلى أسفل وتنادي أصدقاءك في الورشة، “هذه ابنتي”، ألانني البكر أم لأنّكَ أبي؟ لا أعرف! ما أعرفه فقط أنّ بعض أخواتي كنّ يتجاوزنك، حين تكون مُقعيا تحت مركبة مفكّكة فيفلتون من بقعة الزّيت، ويستبدلونها بطبعة أخرى بيضاء في ساعات المساء، وكنتُ أستغرب دائما كيف تدمغ إبهامك طرف الورقة وهي مغسولة تماما بصابون الآما؟ وأحيانا لا ينجح أحد بتجاوز البصمة السّوداء الأسطوريّة تلك، إذ تقرّرُ أن تترك عملك وتتفرّغ لعلاماتنا. تدمع أطراف الأوراق البيضاء ببصماتكِ وابتساماتك، تظلّ تحلّق حتّى ساعات المساء حين تدخل إلى البيت وتجدنا بانتظار الحلوان النّقدي والبقلاوة حديثة الدّخول إلى القرية في تلك الأيّام البعيدة.  

(2)

كنتُ..

في مقدّمة الّذين دخلوا كي يستضيئوا  ببهاء ساعاتك الأخيرة في بيتنا الّذي ملأْتَهُ بخطواتك وصوتك وتعليقاتك، وصلواتك، ومداعباتك للصّغار. في مركز الخطوات الّتي بحثتْ عن شكلك الغائب منذ أيّام عنّا. أمام جلال الموت لا تمشي غير الرّوح حول الكفن. كأنّي أتعرّف إليك للمرّة الأولى الآن، خلف القماش الأبيض. بدأت أطوف حولك، وأحاول أن أتذكّر تفاصيلك. البنت الّتي كبرت على عشق تفاصيل والدها لا تخاف من موتهِ شأن حياته، تحبّه في الحالتين، وأنا أحببتكَ ساكنا مطمئنّا، خال من الألم. تحسّستُ كفنك لم أشبع. طافت عيناي بوجهك فظمئتْ روحي. كان وجهك أبهى ممّا يخيّل للبهاء، جميلا حدّ أنّه يخطف ضوء العين، بلا تجاعيد ألم. كأنّما استعدتَ سنوات ألمك كلّها حين أغمضتَ عينيك. تحسّستُ وجهك بشوق مضاعف وأنا أمرّر أصابعي عليهِ كلّه كما لم أفعل في حياتكَ، ربّما. ولا شعوريّا بدأتُ أطوف حولك بسورة الفاتحة، أحاول أن أنتقل لسواها فلا أنجح، علِقَتْ بأطراف قلبي مثل شريط َتلفَت خيوط أغنيته الكاملة؟ أهذا ما يسمّونة الخرس في حضرة الوهج الخاطف للرّوح؟ لم أشبع من التّحديق. تأمّلتُ بعد ذلك أكثر ممّا بكيت، وشعرتُ براحة غريبة، لم تكن بحاجة لصوتي كنتَ تسمعني، أعرف، كما اعتدتَ أن تفعل في صمتي. قد يكون السرّ الّذي نحتفظ به، أنا وأنت، منذ صباي أنّنا في الحزن نصمت لكن يسمع الواحد وجع الآخر، سمِعَتْنَا شجرةُ العنب الوارفة كثيرا فيما مضى حين جلسنا كلانا ساعات المساء بعد أن تقفل ورشتك وتستعدّ للقاء أصدقائك. في طريق ذهابك دائما تتدركم بنظراتي فتنزل مباشرة إليّ. كثيرا حكيتُ لك، أشياء ربّما لا تحكيها البنات لآبائهنّ. حين أفعل تتملّكني قوّة غريبة واعتزاز لمجرّد أنّك أبي. وأفسّر الشّعور بمنطق ما كنتُ أشتهيه في الفرسان الّذين أنتظر وفودهم إلى حياتي، تمتلك سواعد قويّة وبسطار ضخم ثقيل، وصوت جهوريّ، وكلمات قاطعة، وقرارات لا رجعة فيها، وملامح صارمة لوجه قارنته في طفولتي بملامح عبد النّاصر الّذي عشقتَ وجهه وصوته، وعلّقتهُ خلف رأسك كآية شرف لعروبة شامخة. خيّطتُ لك صورة أسطوريّة لوجه لا يعاد، بمساحةِ حُلُمي، وختمتها بعينيك الرّحيمة، فيهما رحمة ليست في عيون كلّ الآباء رحمة في عمقها نبع بكاء، لذلك كنّا ثماني بنات نغترف محبّتك القاسية الّتي وجدتُ منفذا سريّا دائما إلى رقّتِها دون أخواتي. وكنتُ أحاججك، وأقارعك، وأخالفك، وأقنعك. لا يهمّ أنّ كتفي اليمنى كانت ترتعد وهي تفسّر نفسها بإصرار كإصرارك، المهمّ أنّي أفوز بك، بدعمك، ورعايتك، وغياب مساءلاتك. في ذلك الزّمن وقّعتَ على أوراق كثيرة غيبا تتعلّق بمستقبلي، وخياراتي، أهمّها أنّني فرضتُ فكرة تعلّم الفنّ التّشكيلي الّذي كان غريبا على قريتنا وغير مطروق تقريبا. أذكر حيرتك، فن ماذا يعني؟ بعد سنة عدتُ إليكَ بشَعرٍ مقصوص طيّرَ صوابكَ. يومها أذكر لعنتَ الآباء الّذين يرسلون بناتهم إلى الجامعات. ما يهمّ أن الحياة مشت بعد ذلك بشعر قصير وأنبوب بلاستيكيّ يحمل رسوماتي ذهابا وإيابا من وإلى حيفا.

هذا أنت بكلّ الأساطير الّتي نكتبها عن الآباء الكبار، ثمرة زمن جميلٍ لا يُستَرجَع. هل فكّر الباكون حولي برأسي الّتي خضّت بذاكرتي البعيدة وأنا أتأمّل ويستغربون استغراقي؟ كانت فرصتي الأخيرة يا أبي كي أبثّ إليك دفء اللّحظات الّتي تورق بدني وأنا في ظلّك، وأعلن بصمت عمق محبّة ستفهمها في لحظتك السّرمديّة تلك. تَنادَوا عليّ كي أفسح مجالا لغيري. لم أجب، لم أسمع كنتُ أبحث عن بقعة صغيرة في جبينكَ أقبّلُها لم يصل إليها أحد، تقول، “وداعا للأساطير العظيمة”. هكذا هي تماما، وفي غفوتها الأبديّة تتأمّل وجودا كاذبا، وتظلّ عصيّة على تفسير منطقها في فكّ البشر، مثلك، مثل المساحات البيضاء الّتي استراحت في ساحات وجهك وركضَت فيها أقدام الصّغار الّذين تحبّهم لمرّة أخيرة. ولأنّ الأساطير تُغلّفُ قوّتها بغموضها لم أسأل عن سرّ نُوّار البرتقالِ الأبيض الّذي كتّ عطرا فوقكَ، وبكى عَلَيك..

21 أبريل، 020  

الجليل..    

شاهد أيضاً

ﻫﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﻋﻤﻮﻣﻴﺔ؟

ﺃﻡ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﺑﻨﺸﻴﺨﺔ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻨﻲ ﺃﻡ ﺍﻟﺰﻳﻦ ﺑﻨﺸﻴﺨﺔ ﺍﻟﻤﺴﻜﻴﻨﻲ ﺛﻤّﺔ ﻫﺸﺎﺷﺔ ﻣﻔﺰﻋﺔ ﺗﺼﻴﺐ ﻓﻀﺎﺀﺍﺗﻨﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ ﺍﻟﻴﻮﻡ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *