الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / منطق الفكر المركب

منطق الفكر المركب

بقلم: ذ. ياسين بنعيشة 

افرزت التطورات التي حدثت في تاريخ العلم عن تغيرات عديدة على مستوى القيم الابستمولوجية، فبعدما كان العلم يؤمن فقط باليقيني والمتعين، جاءت الفيزياء الكوانطية لتهدم هذه القيم الكلاسيكية، وتنبهنا بجال اللايقين والنسبية التي يجب أن ندركها إذا ما أردنا فهم العالم، ذلك أن هذا الأخير يعيش التناقض كما جاء على لسان إدغار موران. إن أزمة الميكانيكا وانهيار المفاهيم العلمية الكلاسيكية إبان ظهور نسبية أينشتاين عجلت بضرورة تغيير فهمنا للواقع والاعتراف أنه متغير وله مستويات مختلفة وعديدة. وبالتالي وجب التخلص من المبادئ الكلاسيكية، بما فيها المنطق الجوهراني الأرسطي الذي تبيّن قصوره في استيعاب كل هذه التغيرات. في مقابل ذلك وجب بناء منطق جديد يواكب التركيب والتعقيد في الفكر والواقع.

اخترنا هذا العنوان ( منطق الفكر المركب) كإشارة إلى المحاولات المنطقية المعاصرة  التي حاولت تجاوز المنطق الأرسطي الذي يقوم على البساطة والإطلاقية. وعليه سنحاول الوقوف عند أهم النماذج التي انتقدت المنطق الثنائي القيمة المؤسس على مبدأ الهوية والثالث المرفوع. 

يعتبر مبدأ الثالث المرفوع   le tiers exclusأهم مبادئ المنطق الأرسطي وأكثرها إثارة للجدل في تاريخ المنطق، لاسيما منذ الربع الأول من القرن العشرين، فمن خلال تطبيقاته المختلفة برزت الحاجة بقوة إلى تجاوزه، وتطوير المنطق الرمزي الكلاسيكي إلى مايعرف منذ ذلك الحين بالمنطق متعدد القيم، اعني ذلك الذي لا يقتصر الحكم المنطقي فيه على استخدام قيمتي الصدق المعروفتين( ص، ك) فلم تعد القضية فقط صادقة أو كاذبة، وإنما تتعدد قيم الصدق بينهما بما يسمح باستخدام قيمة الصدق الثالثة، والرابعة… وصولا إلى المنطق ذي العدد اللامتناهي من القيم. 

من جهة ثانية تمثل المفارقات المنطقية تحديا قويا، لا يمكن تجاهله، لثنائية (الصق، الكذب) الكلاسيكية، وثغرة في البناء المنطقي لم يستطع المناطقة المعاصرون التخلص منها إلا بتجاوز مبدأ الثالث المرفوع. والمفارقة هي ببساطة قضية تحتمل الصدق والكذب في آن واحد، او بعبارة أخرى هي حجة استنباطية محكمة تبرهن على الحكم ونفيه بشكل مقترن. 

من جهة ثالثة جاء اكتشاف هايزنبرغ لمبدأ اللايقين القائل بأننا لا نستطيع مطلقا تحديد موضع الإلكترون وسرعته بدرجة كافية من الدقة في وقت واحد، وتأكيده وعلماء الكم في كوبنهاجن على ضرورة التفسيرات الإحصائية في مجال “دون الذرة”، كضربة موجعة للمنطق الكلاسيكي ثنائي القيمة، ولقد أصبح اللايقين قانونا فيزيائيا معمولا به، وغدت اللا حتمية : “indéterminisme ” سمة أساسية من سمات التعامل مع الواقع. فلا مندوحة إذن من تجاوز الثالث المرفوع، والبحث عن أداة منطقية تلائم غموض الواقع الفيزيائي وتفرد مكانا لاحتمالات تأتي بدرجات متوسطة بين الصدق والكذب.1 

هذا ماحاول بعض المناطقة القيام به، ومن بينهم ستيفان لوباسكون :  stéphan lupasco، من خلال تبيانه للحدود المنطق الكلاسيكي ثنائي القيمة وحديثه عن ما يسمى بالثالث المتضمن كبديل عن الثالث المرفوع الأرسطي.

لوباسكون: منطق التعارض والثالث المتضمن:  le tiers inclus  

تعد فلسفة ستيفان لوباسكون: stéphan lupasco (1900-1988) مهمة في الطريق نحو بناء مفهوم جديد للواقع، ذلك أنه يعتبر التناقض بين الهوية واللاهوية، تناقضا ملازما للعالم الصغير، عالم الجزيئات الدقيقة، حيث أن مركب الكيان الواقعي يمكن أن يثبت أوجها متعارضة متناقضة وغير مفهومة وغامضة بالنسبة للمنطق الأحادي القيمة أو الكلاسيكي الذي كان يتماشى مع مفاهيم العلم الحديث: اليقين، التحديد، الموضوعية، مما ساهم في ظهور مبادئ منطقية بديلة تتأسس على أنقاض مبدأ الثالث المرفوع. هذا وقد ظهرت قيم جديدة للصدق عددية أو غير عددية ، متناهية أو غير متناهية تعكس الغموض الذي يشوب الواقع، وقصور أدواتنا القياسية والتجريبية. كل هذا أدى إلى انهيار الثنائية: ( الصدق والكذب)، وهذا المشكل لم ينل حظه حسب لوباسكون من الدراسة الفلسفية المعمقة. في هذا السياق يتساءل لوباسكون: هل المنطق الكلاسيكي له قيمتين صدقيتين أم هو فقط منطق شارح : ((métalogique ؟ يؤكد في هذا الصدد أن المنطق الكلاسيكي له قيمة واحدة وهي الصدق بينما تلعب قيمة الكذب دور النفي فقط، وعليه فهذا المنطق يعتبر القضايا المتناقضة تحتوي على النفي وفي نفس الوقت نفي الوجود، فإذا كان كذلك فالقضية المنفية لا يمكن أن تكون صادقة لأنها لا توجد أصلا، هذا هو مبدأ عدم التناقض الذي ينتج عنه اللاوجود. 

على خلاف ذلك يرى لوباسكون أن القيم الصدقية ليست كيانات قارة، بل هي دينياميات متعارضة تنتقل من التوقع: potensialisation إلى التفعيل: actualisation والعكس صحيح. هي متناقضة لأنها دينامية فعندما نفعل النفي: (non-A)مثلا لابد أن نتوقع (َA). كل قيمة من هذه القيم يجب أن تكون احتمالية إحصائية ويعتبر لوباسكون التفعيل والتوقع من أهم خصائص هذه القيم الصدقية الإقترانية، التي تستجيب لمبدأ الإرتياب مع هايزنبرغ، وكمية الحركة واحداثيات الإلكترون التي تشكل نواة العلم المركب الذي يقبل اللايقين واللاتحديد. 

إن ظهور ظاهرة ما يساوي نوعا من التفعيل الذي ينزع نحو التطابق، لكن هذا الظهور نفسه يطبق نوعا من التغيير ومن توقع كل ما لا يطابق هذه الظاهرة، توقع اللاتطابق. التوقع ليس نوعا من التقسيم أو التجزيئ، لكنه أخد بعين الإعتبار مالم يظهر بعد من هذه الظاهرة، هذا المفهوم هو ترجمة مباشرة للوضعية الكوانطية، ذلك أنه في هذه النظرية فكل ملاحظة فيزيائية لديها قيم ممكنة ومتعددة وكل قيمة سيكون لها احتمال معين. 

النتيجة التي توصل لها لوباسكون من خلال مفهوم التوقع هو أن السببية المحلية الناتجة عن التفعيل هي مصاحبة دائما حسب مقاربته لغاية متعارضة، فالواقع لا يقوم فقط على آلية التفعيل بشكل مطلق، بل هناك دائما اقتران بين التفعيل والتوقع. 

إن هذين المبدأين (التفعيل والتوقع) لا يكفيان حسب لوباسكون لتقديم تحديد منطقي موافق للواقع: الحركة، التحول، المرور من التوقع نحو المفعل غير مناسب بدون دينامية مستقلة التي تخلق توازنا متكاملا صارما بين التفعيل والتوقع، لهذا يأتي ما يسميه لوباسكون الحالة : (T) وهي وجود أساسي “للثالث المتضمن”  le tiers inclus   الذي يميز العالم الميكرو فيزيائي، عالم الجزيئات. وعلية فالواقع يشتغل حسب لوباسكون ببنية ثلاثية، وهو يعتمد على دياليكتيك ثلاثي بين التفعيل والتوقع والثالث المتضمن.2

يرى لوباسكون أن مبدأ الاقتران في الفيزياء الكوانطية لا يمكن استيعابه إلا من خلال مبدأ الثالث المتضمن ففي العالم الكوانطي الربط بين حالة الإثبات l’affirmation ، وبين حالة النفي  négationأمر ممكن بحضور الثالث المتضمن، وعليه يصبح لدينا ثلاث حالات: (A et non-A et T)، كما هو الحال في الفيزياء الكوانطية ؛ “فاالإلكترون”  يجمع بين شيئين مختلفين : جسيم: corpuscule / شعاع: onde، والتوحيد بين هذين العنصرين يكون عبر الثالث المتضمن، وبالتالي فما كان متناقضا سيبدو عكس ذلك.

 الواقع له مجموعة من المستويات، وإذا كان هناك مستويان مجاوران يمكن الربط بينهما من خلال منطق الثالث المتضمن، بمعنى أن الحالة  T تقدم مستوى من الواقع يمكن أن يربط بين زوجين متناقضين (A et non-A) من خلال مستوى وسيط من الواقع ومجاور. ينتهي لوباسكون إلى القول أن هناك توافق ما بين مستويات الواقع المختلفة، هذا التوافق موجه بسلم يشترك فيه كل تحويل للمعلومة من مستوى إلى آخر، ويقف عند أعلى أو أسفل مستوى ممكن من الواقع. كما أن مجموع مستويات الواقع يمتد من خلال منطقة شفافة تملكها تجاربنا، تمثلاثنا، صورنا التي نكونها، وصياغاتنا الصورية والرياضية للواقع. وبهذا فمجموع مستويات واقع الموضوع: “realité de l’objet ” يمكن إخضاعها للمعرفة الإنسانية، لأن هناك مستويات مختلفة لواقع الذات la réalité de sujet”، التي تتواجد في اتساق مع مستويات واقع الموضوع. النقطة الشفافة للموضوع تلعب دور الثالث المختفي: “le tiers caché”  الذي يسمح بتوحيد الموضوع المنفتح، والذات المنفتحة، وتسعى لتحقيق علاقة تفاعلية بين الذات والموضوع. هذا الثالث المختفي غير منطقي لأنه ينتمي للمنطقة الشفافة ” la zone de non-résistance ” بشكل  مباشر، بينما الثالث المتضمن: منطقي لأنه يرجع إلى المتناقضات التي تتموقع في منطقة صلبة : la zone de résistance. 

تجذر الإشارة إلى أن لوباسكون لا ينفي مطلقا مبدأ عدم التناقض ولكن يجعله محدودا يتعلق مجاله بالفكر الماكر وفيزيائي، والخاص بالفكر النفعي الأداتي. وهذا ما دفعه نحو البحث عن منطق وجودي يحتوي التناقض الخلاق، وينظر للمطلق كخطر، فهو يدعو لمنطق الغموض الذي يدخل في الواقع بشكل مباشر وبدون وسائط عقلية، فالواقع بالنسبة له ليس معطى واحدا، ويتأثر بأفكارنا وأحاسيسنا وحركاتنا، فهو ليس شيئا داخليا أو خارجيا، بل هوداخلي وخارجي في آن معا. الواقع عقلاني لكن عقلانيته متعددة وليست مستقرة جامدة فهي مرتبطة بمستويات عديدة، ومنطق الثالث المتضمن هو الذي يسمح لعقلنا /تفكيرنا بالانتقال من مستوى إلى آخر. إن مستويات الواقع تتناسب مع مستويات الاستيعاب والفهم من خلال انصهار المعرفة والوجود.3 

هكذا إذن حاول لوباسكون بناء تصور للمنطق الذي يحتوي التناقض ويدمجه داخل عالم المعرفة، من خلال تجاوز مبدأ الثالث المرفوع وبناء مبدأ الثالث المتضمن الذي يوحد المتناقضات. لكن حسب ادغار موران فإن هذه الأفكار التي قدمها لوباسكون فهي فلسفية أكثر مما هي منطقية حيث يؤكد على أنها بمثابة نمط فلسفي دياليكتيكي فكر في مسألة التناقض ومحاولة جادة داخل ما يسمى بالفكر المركب. 

لم يتوقف البحث المنطقي حول مسألة تجاوز المنطق الأرسطي عند هذا الحد؛ حيث تعددت النماذج المنطقية في هذا الباب، وأهمها ظهور ما يسمى بالمنطق المتعدد القيم، الذي يتجاوز ثنائية القيم، ويبحث في : اللامتعين؛ الغامض؛ اللامتناهي… وفي هذا الصدد سنقف عند بعض هذه النماذج المتعددة.

المنطق ثلاثي القيمة:  la logique trivalent 

 خطا المنطق الثلاثي القيم أولى خطواته التصورية على يد رائد من رواد المنطق الرمزي الكلاسيكي، وأحد الذين اتسع فكرهم في مجالات مختلفة من البحث العلمي والفلسفي، ويتعلق الحال بالفيلسوف والمنطقي الأمريكي ” تشارلز بيرس”- c.s. peirce  ((1849-1914 الذي ارتبط إسمه بالنزعة البراغماتية كمؤسس أول لها.

قام بيرس بجهود منفردة ومستقلة عن أعلام المنطق الحديث أمثال “فريجي” و”راسل” و” وايتهد” لتطوير الجهاز الرمزي المنطقي وسد ثغرات المنطق القديم، فساهم مثلا في إقامة أولى نظريات المنطق الرمزي، وهي نظرية حساب القضايا ووضع بعض قوانينها، وإليه يرجع الفضل في إقامة نظرية حساب العلاقات، بادئا من تلك الإشارات والتوجيهات التي قدمها ” دي مورجان”. وفضلا عن ذلك استخدم “بيرس” قوائم الصدق ثنائية القيمة، وقد قادته هذه الأخيرة إلى تصور إمكانية بناء قوائم أخرى تتسع لقيمة صدق ثالثة، هادفا بذلك إلى تعميم المنطق ثنائي- القيمة بمجاله المحدود ليصبح أكثر فاعلية إزاء قضايا لا نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب فقط. ففي أحدى مسوداته غير المنشورة، كتب يقول ” المنطق الثلاثي هو ذلك المنطق الذي مع أنه لايرفض كلية مبدأ الثالث المرفوع، فإنه يعترف أن كل قضية ( أ هي ب) إما أن تكون صادقة، أو كاذبة أو أن تكون (أ) بخلاف ذلك، لها نمط أدنى من الوجود، بحيث أنها لا يمكن أن تكون (ب) على نحو محدد، ولا غير (ب) على نحو محدد، ولكنها في منزلة ما بين (ب) ونفيها.4 

يمكن القول أنه مع بيرس بدأت تظهر بوادر تجاوز المنطق ثنائي القيمة، وانهيار مبدأ الثالث المرفوع، رغم أننا لا نستطيع الربط بين أفكار بيرس عن المنطق ثلاثي- القيمة وبين مشكلة الغموض، إذ لم يكن هدفه الأساسي هو معالجة تلك المشكلة، بقدر ما كان استكشاف آفاق جديدة للجهاز الرمزي المنطقي بصورته الرياضية الحديثة، وهو هدف يحمد له بغض النظر عن المدى الذي وصل إلى تحقيقه. 

الخطوة التالية للمنطق ثلاثي- القيمة جاءت على يد الرياضي والمنطقي البولوني ” جان لوكاسيفيتش” وذلك حين وضع عام 1953 نسقا منطقيا للقضايا الثلاثية القيم، أتبعه عام 1953 بنسق رباعي القيم، ليطرح في الوقت ذاته فكرة توسيع المنطق إلى أنساق أعلى مرتبة تعتمد على الأعداد كرموز لقيم الصدق المختلفة للقضايا. 

لم يكن اهتمام لوكاسيفيتش منصبا على مشكلة الغموض، وإنما كان يهمه مشكلة الحرية. لقد اعتقد أن القول بالجبرية إنما يرجع إلى تطبيق مبدأ الثالث المرفوع على القضايا المرتبطة بالمستقبل، فإذا خلعنا على تلك القضايا قيمة صدق ثالثة أو رابعة، تتوسط بين الصدق والكذب، أمكننا تجاوز الحتمية المنطقية التي تنتج عن هذا المبدأ، ومن تم دحض القول بالجبرية. وهكذا يمكننا النظر إلى القضيتين ” غدا من الضروري وقوع معركة بحرية” و “غدا ليس من الضروري وقوع معركة بحرية”، على أنهما ليستا بصادقتين ولا كاذبتين، وإنما غير متعينتين، وتلك رؤية تمتد بجذورها إلى أرسطو. 

تجذر الإشارة إلى أن الحافز وراء اهتمام لوكاسيفيتش بالمنطق ثلاثي القيم هو الرغبة في التوصل إلى المنطق الذي يهتم بالجهة، حيث إن كلا من منطق الجهة والمنطق متعدد القيم لايتعامل مع قيمتي الصدق والكذب فقط، ولكن مع قيمة الممكن أيضا. والمشاكل الأساسية التي يتناولها المنطق الموجه لا تختلف في جوهرها عن تلك الواردة في المنطق الكلاسيكي. غير أن المنطق الكلاسيكي ينظر إلى القضايا إما صادقة أو كاذبة ولا توجد احتمالات أخرى، أما في المنطق الموجه فهناك تعديل مفاده أنه هناك قضايا صادقة بالضرورة، وكذلك تلك الممكنة الصدق ومن تم يمكن تصنيف القضايا وفقا لأنماط مختلفة. 

نسق سورن هولدن 

شهدت الأبحاث حول المنطق المتعدد القيم تطورا سريعا أدى إلى نشأة العديد من الأنساق المختلفة للمنطق متعدد القيم، ولن نستطيع بطبيعة الحال أن نعرض لكل تلك الأنساق، لذا سنكتفي بنموذجين للمنطق ثلاثي القيم، لنقف في ما بعد على المنطق متصل القيم.

لعل أول محاولة جادة لمعالجة مشكلة الغموض بالمنطق متعدد القيم هي تلك التي قام بها المنطقي السويدي ” سورن هالدن” soren hallden من مواليد (1923) في مقال له بعنوان: منطق الهراء: the logic of nonsense، والهراء عند هالدن هو التمتمة الخالصة، أي تلك الكلمات التي يتلفظ بها الإنسان على نحو عشوائي فتكاد لا تفهم. 

كيف يمكن إذن أن نضع منطقا لتمتمة الخالصة؟ إزاء هذا التساؤل يسارع “هالدن” بتحديد مصطلحاته، فيعلن أنه حين يصف قضية ما بأنها هرائية وبلا معنى، فإنما يعني أنها ليست صادقة ولا كاذبة. وكمثال للقضايا التي بلا معنى يشير هالدن إلى مفارقات الإستدلال التراكمي التي تؤدي إلى قضايا لا نستطيع الحكم عليها بالصدق أو بالكذب، وهكذا فالسؤال ” هل الرجل الذي برأسه مائة شعرة أصلع؟” هو سؤال عن حالة غير متعينة، ومن تم فإن إجابته الوحيدة الممكنة هي قضايا بلا معنى؛ إذ ليست القضية ” الرجل الذي برأسه مائة شعرة أصلع” ولا القضية ” الرجل الذي برأسه مائة شعرة ليس أصلعا” صادقة أو كاذبة. إن كون القضية بلا معنى يعني إذن حسب هالدن أنها تصف حالة غير متعينة، حالة عرضية يختلف الحكم عليها بالصدق والكذب من شخص إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، ومن ثم فإن وصفه لهذه القضية وأمثالها بالهراء إنما يأتي على سبيل المجاز. 

ق 
ص
ح (مكون بلا معنى)
ك
ص
ك
ص

إن نقطة البداية في عمل هالدن هي تعديل قوائم الصدق بإضافة قيمة صدق ثالثة، لتصبح القيم المستخدمة للحكم على أي قضية هي ” الصدق” و”الكذب” و”اللامعنى”. الشيء الذي يقتضي تعديل القواعد الدالية الكلاسيكية لتلاءم القوائم الجديدة. ولكي يفعل ذلك يتبع هالدن سياسة بسيطة: فإذا كنا نعطي لكل مكون من مكونات القضية المركبة قيمة صادقة أو كاذبة فقط، فإن قيمة صدق القضية ككل تكون هي ذاتها قيمتها في المنطق الثنائي- القيمة، أما إذا كان أي مكون (ح) بلا معنى، فإن القضية المركبة تصبح أيضا بلا معنى. فضلا عن ذلك يضيف إلى مجموع الثوابت الكلاسيكية ثابتا جديدا هو ثابت “حيازة المعنى” (+)، وهو كثابت النفي يرتبط بمتغير قضوي واحد، لكنه ينفي كون القضية بلا معنى، وبعبارة أخرى يمكننا القول أن (+ق) تعني أن (ق) ذات معنى، ومن تم إذا كانت (ق) بلا معنى، فإن (+ق) تكون كاذبة أكثر منها بلا معنى، وتكون صادقة إذا كانت (ق) صادقة أو كاذبة، لأن مجرد صدق القضية أو كذبها يعني أنها ذات معنى: 

وهكذا فإن (~ + ق) سوف تعني أن (ق) بلا معنى. من الواضح أن سياسة هالدن في بنائه لقوائم الصدق تناظر فكرة “فريجيه” القائلة بأن أية دالة لن تؤدي وظيفتها الإشارية ما لم يكن كا مكون من مكوناتها يشير إلى شيء ما، أو إلى واقعة ما، نحكم عليه، أو عليها بالصدق أو بالكذب. وهو مادفعه إلى إضافة الثابث الجديد (+) كوسيلة لمعالجة الفشل في الإشارة الذي تعبر عنه القيمة (ح)، بحيث نحصل في النهاية على خط رأسي من قيم الصدق الكلاسيكية تحت الثابت الرئيسي لأية دالة. لكن هل يعني هذا ضرورة إضافة ثابت “حيازة المعنى” لأية صيغة استدلالية تخضع للحكم لاستخدام قوائم الصدق؟ يجيب هالدن عن هذا السؤال من خلال تعريفه لمفهوم صحة الاستدلال. فإذا كنا نرشح ” الصدق” فقط لتعريف الصحة بحيث يكون الاستدلال صحيحا حينما ننتقل من مقدمات صادقة إلى نتيجة صادقة، فلابد من إضافة ثابت ” حيازة المعنى” لأن أي صيغة لا تحتوي هذا الثابت سوف تكون بلا معنى عندما تكون بعض متغيراتها كذلك. أما إذا كنا نرشح ” الصدق” واللامعنى” معا ( أي اللاكذب) فلسنا بحاجة لإضافة الثابت الجديد، إذ يكفي حينئذ/ لكي يكون الاستدلال صحيحا أن ننتقل من مقدمات صادقة أو بلا معنى إلى نتيجة صادقة أو بلا معنى. 

بهذا التعريف تصبح الصيغة (ق V  ~ ق)، التي تعبر عن مبدأ الثالث المرفوع، غير صحيحة في حالة ترشيح الصدق فقط، لأن الفصل يؤدي إلى قيمة صدق كاذبة. أما في حالة ترشيح الصدق واللامعنى فصيغة المبدأ صحيحة؛ حقا إنها ليست صادقة دائما، لكنها ليست كاذبة. 5

نسق ” ستيفان كورنر” 

تمت معالجة مبدأ الغموض بمنظور مختلف للمنطق ثلاثي- القيم في سلسلة من أعمال الفيلسوف والمنطقي البريطاني ” ستيفان كورنر” stephqn korner  (2000-1913) بدأها عام ( 1950) في كتابه ” التفكير الصوري” الذي شرع من خلاله في بناء ما سماه” منطق التصورات غير المضبوطة” The logic of inexact concept ، هادفا منه إلى معالجة فروض وتصورات العلم بصفة خاصة، والتصور غير المضبوط هو ذلك الذي ينجم عن حالة غير متعين، ومن تم نعبر عنه بقضية محايدة، لاهي بالصادقة ولاهي بالكاذبة، وإنما تتأرجح بين الصدق والكذب وفقا لأمثلة التدعيم أو التكذيب – الموجبة أو السالبة- التي يكشف عنها الواقع. وعليه يصنف كورنر صدق القضية أو كذبها كحالات ثابتة أو مستقرة، والحيادية تبقى مؤقته ريتما نعطي للقضية قيمة صادقة أو كاذبة وفقا لإختيار حر. 

عموما يمكن القول أنه بالرغم من هذه المحاولات إلا أنها غير كافية لمعالجة مشكلة الغموض واللايقين. فإذا كنا نعترض على المنطق متناهي القيم من حيث استحالة تصنيف كل القضايا إلى صادقة وكاذبة، وذلك نظرا للتعدد القضايا الغامضة التي تحتمل الصدق والكذب، إلا أن إضافة القيمة الثالثة المحايدة إلى قوائم الصدق تؤدي إلى مايعرف بحالة الغموض من الطراز الثاني، فنحن لا نستطع أيضا تصنيف القضايا المحايدة إلى صادقة أو كاذبة، وهكذا فإن القيمة الثالثة غير كافية، وهذا ما دفع المناطقة إلى البحث عن بناء أنساق لا متناهية القيم وهو ما يعرف بالمنطق المتصل القيم. 

    بالإضافة إلى هذه الأنساق المنطقية الجديدة التي حاولت احتواء الفكر والواقع المركبين، نجد محاولات أخرى من أهمها مايطلق عليه: المنطق الغائم: la logique floue، الذي أسسه المنطقي لطفي زاده، والغاية منه معالجة المشاكل العضوية المتعددة المتعلقة بنظرية المجموعات، وهو منطق متعدد القيمة أيضا، يأخد بعين الاعتبار: التقريبي: Approximatif، والضبابي / الغائم : le floue، علاوة على اللامحدد، اللايقيني، الغامض، الممتد والواسع. كما أن هذا المنطق يبحث عن القيم الصدقية لهذه القضايا (الغائمة/ الضبابية) التي تتحدد داخل القيمة الفاصلة بين( 0 ,1) .

حقيقة هناك العديد من المحاولات المنطقية المعاصرة التي سعت جاهدة في محاولة فهم الواقع المركب، حيث كان الشعار هو؛ “نحو منطق جديد لإحتواء التناقض”  هذا الذي كان المنطق الكلاسيكي  ينبذه ويحاول التخلص منه، لأنه تعبير عن خلل يصيب الفكروالفهم. تجدر الإشارة أيضا إلى أن هذا المنطق حاول أن يستوعب مستويات كبيرة ومختلفة من الواقع، فهو يتجه ليس فقط نحو عالم الأفكار بل حتى الأحاسيس والعواطف والخيال، وهي مستويات لم يقوى المنطق الكلاسيكي على احتواءها. 

لايمكن القول أنه من خلال هذه المقالة المتواضعة قد تمكنا من التعريف بهذا المنطق، ولكن حاولنا أن نقترب منه فقط، ايمانا منا بضرورة تعميق البحث في هذا المجال نظرا لأهميته وقيمته، فمن خلاله يمكننا فهم آليات العلم المعاصر و أرضيته الصلبة التي يستند عليها. 

الإحالات: 

  1. Edgar morin ; contradiction et logique ; atelier sur la contradiction ; Ecole n.s. des mines
    Saint-Etienne 19-21 Mars 2008. P ; 54-55
  2. Barsarb nicolescu ;contradiction ; logique du tiers inclus et niveaux de réalité. Ibid. p ;54-55
  3. Barsarb nicolescu. Ibid. p ; 56
  4. د. صلاح عثمان, المنطق متعدد القيم: بين درجات الصدق وحدود المعرفة؛منشأة المعار؛ الطبعة الأولى،2002؛ص: 48-47
  5. نفس المرجع السابق؛ ص: 62-63

لائحة المراجع:

باللغة العربية 

د. صلاح عثمان, المنطق متعدد القيم: بين درجات الصدق وحدود المعرفة؛منشأة المعار؛ الطبعة الأولى،2002؛

باللغة الفرنسية:

– atelier sur la contradiction ;  Nouvelle force de développement en science et société ; Ecole n.s. des mines Saint-Etienne 19-21 Mars 2008. 

– gaston bachelard. Philosophie du non ;essai d’une philosophie du nouvel esprit scientifique ;quatrième édition ; la bibliothèque paul –emile-boulet.

– hanz reichenbach ; les fondements logiques du calcul des probabilité ; Annales de l’I. H. P., tome 7, no 5 (1937) 

– De Koninck, C. (1956). Un paradoxe du devenir par contradiction. Laval théologique et philosophique, 12(1), 9–51. https://doi.org/10.7202/1019935ar   

شاهد أيضاً

ميكائيل فوسيل (1): اجتثاث الشر نهائيا، معناه المساس بالحرية(2)

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة في هذا الحوار الشيق، يستعرض الفيلسوف الفرنسي ميكائيل فوسيل، مُختلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *