الرئيسية / ترجمة / كيث انسيل بيرسون: الشارد و إغراءات المتاهة_ دولوز وتاريخ الفلسفة

كيث انسيل بيرسون: الشارد و إغراءات المتاهة_ دولوز وتاريخ الفلسفة

Keith ansell Pearson*     

ترجمة : ربيع جواد 

إن لحرف العطف ” و ”  مهمة الربط التي لا يمكن اعتبارها بريئة أو مجرد توافق رومانسي . إنها علاقة على المحك دوما، هكذا هي الإشارة و اللعبة التي صنعها دولوز في نص ” نيتشه و الفلسفة ” حيث كل إمكانات فلسفته الحيوية تتجه لممانعة قوى و قيم الارتكاس . إن حديثنا عن دولوز يستلزم الانتباه إلى سؤال ارتباطاته بتاريخ الفلسفة و شكل قراءته لهذا التاريخ، يسعنا القول أنها قراءة فاعلة و قائمة على مهاجمة الهوية التاريخية للفلاسفة و نصوصهم عبر  إقحامهم في مغامرات الصيرورة، لذلك تتحرك الفلسفة مع دولوز دوما في اتجاه خارج ما، تتيحه حركةالانفتاح على الكون و على صيرورة الفوضى الخلاقة و الواعدة . إن رشاقة دولوز مرتبطة بفن التفكير القائم على “البينيات” و ” التماسات ” التي تنسجها الفلسفة مع آخريها (السينما _الأدب_ السياسة_علم النفس..) ليكونَ وجودها المعاصر مقروناً بانمحاءاتها المتكررة.

إذا أمكننا الحديث عن هوية دولوزية فإنها لن تكون إلا  إرغامية، تنتدبُ المتباينات، ما يختلف و يتنافر بشكل مفارقاتي، يعمل على إنتاج و هندسة الاختلافات engineering differences  و إخضاع تجارب الفكر الإبداعية للعبة لا نهائية للاختلاف و التكرار، هكذا تستسلم الفلسفة لغواية ” الخارج Outside ” .

عندما يشير دولوز إلى ” خارجية الفكر ” فلا ينبغي افتراض أي تقابل بسيط أو صريح بين الداخل و الخارج بل إن الرهان مرتبط بمجاوزة هذه الثنائية نفسها و كشف تعقد هذه العلاقة، فما هو جديد يظهر و يكشف عن نفسه من خلال الوضع الحركي / الدينامي للانثناءة /الطية التي تتخذ دوما شكل ” متاهة ”  و لذلك كانت صيرورة الجدة عند دولوز لا تلتبس بجمودية ما هو ثابت، ساكن، بقدر ما تحيل إلى ” دينامية إبداعية ” مرتبطة بصيرورة معقدة لا تكف عن صنع تعقداتها .

كانت علاقة دولوز بالفلسفة و تاريخها، علاقة مشاكسات دائمة، فرهاناته المشدودة لتحرير الفلسفة من وهم الأعماق و شغفه بالخارج و ألعاب السطح دفعَاهُ إلى التقرب من تاريخ الفلسفة لا للوقوع تحت طائلته و لكن لاستعماله على نحو حصري، توظيفه لصالح شيء غريب عنه،  يتعلق الأمر بالتفكير خارج الزمن و لأجله، كي يتحول إلى قوة أخرى، غير ما يصنعُهُ بنا التاريخ و ما يسعى دوماً إلى جعلنَا إياه . هذا ما يفسر مناهضة الكتابة الدولوزية لكل أشكال التطورية سواء اتخذت شكل تطورية تاريخية أو بيولوجية أو إثنولوجية…و تحريكها لعنف مضاد لانحناءات العقل الطبيعية . لقد رافقَ المسار الفكري لجيل دولوز نوع من التوجس الذي أملته صداقته لنوع غريب من الحكمة و ترافعه عنه، إنها الحكمة التي لا يمكنُ الوثوق بها جراءَ ميلها المجنون لخرقِ السلام، القواعد و القوانين، لذلك علينا أن نتمتع بشجاعة كافية لولوج المتاهات الدولوزية و المناطق المَنيعة و المحرمة forbidden، تلك المناطق التي تهم عناصر المستقبل الأكثر غرابة.

دعنَا نقول أنَّ دولوز بمثابة حرباء تضَعُ تاريخ الفلسفة أمامَ أكبر امتحانات التعددية، لعبة مجنونة لهزم الأقنعة Unmasking  نكتشف خلالها دولوزية كانط و كانطية دولوز و نقفُ معها على الخطوط العجيبة التي تحلق باسبينوزا بعيدا عن نفسه، تجعله يختلف مع نفسه و تفضح بلاهة فكر يعتقد أن كانط و نيتشه طوعَ يديه  . استطاع دولوز بفضل ألعاب ” الاختلاف و التكرار ” أن يحرر تاريخ الفلسفة من استقراريته المميتة، ليكشف عن إمكانات بقيت متوارية عنه هو نفسه . هاجم دولوز الاستقرارية حتى على المستوى القيمي، فالفلسفة لا تعمل على  مهادنة القيم السائدة، إنها معنية فقط بالقيم الآتية، الموعودة و آليات التفكير نفسها لا يمكن أن نعتبرها أطر ثابتة بقدر ما هي دوما بصدد التكون في مسار الإحساس و الإدراك و التأثير دونَ أن تحيل إلى موضوع محدد أو وضع ثابت.

إن الفيلسوف و الفنان يتقاسمان نفس التطلعات، يضعان أمامها رهان التساؤل عن القوى التي تشكل العالم بدلا من الاهتمام بالأشكال النهائية، التي تتأتى  من أوهام الصلابة و الثبات . مهمتهما تتحدد في التأكيد على أن العالم في شكله الحالي ليس سوى إمكانية ضمن إمكانيات أخرى، هذا قريب جدا من الفهم الدولوزي لتاريخ الفلسفة .

أبدى  دولوز شغفا خاصا بالتجريب و التجريبية في تاريخ الفلسفة و كان يرى بعين المصاب ببعد النظر، وعودها الوجودية و الجمالية، على تجريبيبة دولوز ألا تختلط عندنا بأي نوع وضعي بسيط من التفكير، تفكير الآلة الخرقاء العاجزة عن الانخراط في تجربة الفكر الأكثر فداحة و التي تسمى ” التفسير ” ، إنها تجريبية متعالية تقود أكثر المحاولات جنونا لإبداع المفاهيم من خلال وعي العالم في بعده العلائقي و التركيبي، عبر هذا النوع من التجريبية المتعالية  يكشف دولوز عن أهم قدرات الفكر التي لازالت مجهولة بالنسبة لنا.

ولاءُ دولوز لتجريبيته المتعالية، يضعه في مواجهة خصمه ” هيغل ” و مساعيه الفلسفية التي دأبت على اختزال كل قوى الحياة داخل حالة توازن، تستجيب دوما لملحاحية التتالي و التراكم حين يتعلق الأمر بتاريخ الفلسفة، التوازن يمنعُ تاريخ الفلسفة عما يستطيعُه . في مواجهة التعاندات الأكثر تأزما و خلافية، ترفع الهيغيلية شعار ” المصالحة ” ، لذلك كان دولوز يؤكد دوما أنها لا تعلم شيئا عن عالم تعاندات الاختلاف و التكرار.

شاهد أيضاً

الكتابة والنساء والسترات الصفراء: حوار مع الكاتبة آني إرنو

أجرت الحوار: نيللي كابريليان (Nelly Kaprièlian) ترجمة: عبد السلام اليوسفي بينما يرد اسم الكاتبة آني …