الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / دعوى الاعجاز ووهم الاستعلاء او عندما يلبس المتالعم جبة الفقيه

دعوى الاعجاز ووهم الاستعلاء او عندما يلبس المتالعم جبة الفقيه

حسن العلوي

إذا نظرنا إلى السجال المتلازم مع الحدث الزلزال لفيروس كورونا المستجد، في المجتمع المغربي من المنظور الثقافي-الحضاري؛ سيبدو لنا طبيعيا ومنطقيا. ذلك أن السجال الذي تناقضت حوله وجهات النظر والتقييمات والتخمينات حول كورونا، يعكس زمنيين ثقافيين وحضاريين، تاه ويتيه بينهما الكثير من الناس في مجتمعنا.

  الزمن الأول؛ هو زمن الماضي والعصور الوسطى الذي لا زال هيكله الثقافي والمعرفي، هو الذي يشكل محددات الثقافة لدى الكثيرين منا، وهو الذي أيضا لا زال يشكل الخريطة الذهنية، والهندسة العقلية الموجهة للكثير من السلوك في مجتمعنا، والمنتجة للأفكار والتصورات حول الوجود والحياة والأشياء؛ وبالتبع هي المرجعية الأساس لبناء المواقف من المستجدات، ومنها المستجد الحدث لوكرونا.                                 

استمرار الماضي الثقافي كبنية معرفية وثقافية، تسكن وتقبع في لا وعينا، هو ما لا ينتبه له المستغربون لما يصدر عن البعض منا ممن نشترك ونتقاسم معه الحياة على أرض هذا الوطن، ومصدره في الحقيقة ما ترسخ في تلك البنية اللاشعورية العميقة.                                                                                         

وهنا ننبه إلى ضرورة تجاوز حالة الاستغراب الذي قد يصل لدى بعضنا درجة الصدمة، من استمرار مثل هذه النماذج البشرية التراثية؛ والتي تنتج خطابا خارج السياق التاريخي لجائحة كورونا؛ الذي هو تاريخ العلم والمعرفة؛ أي التاريخ الذي يفترض أن نبلغ فيه ومعه مستوى وضع الحدود التي تفصل العلم وتمييزه عن غيره من الأنشطة الثقافية الموروثة والسائدة في المجتمع.                                                                  

  يتعين إذا التركيز على شروط التجاوز والتحول، والاشتغال على إنضاج الشروط وتمهيد الأرضية الملائمة. ويمثل حدث كورونا، وهذا ربما من ايجابياته، فرصة لتدشين مشروع ثقافي مفتوح على أفق يتحول معه الانسان عندنا إلى كائن يتصالح مع ذاته وكينونته؛ كائن يعي قيمته، وقيمة حياته في زمنها بعد أن صودرت منه لقرون باسم السلفية و”الدين”. بدون مشروع نقدي ثقافي يحرر الانسان بما هو انسان كذات لها كيانها، وكينونتها المستقلة عن أي كينونة ماضية أو حتى حاضرة أو مستقبلية، سيبغى استغرابنا مؤبدا تعيشه الأجيال تباعا.                                                                                                                   

  ورغم أن هذا الورش قد تم تدشينه في العقود الأخيرة من القرن العشرين، فهو لا يزال يحتاج إلى التقوية وإلى من يحمل مشعله من الأجيال الجديدة والمستقبلية، لأن غاياته لم تنجز بعد؛ بل يحتاج أيضا إلى النقد والتقويم. فتطورات الوضع الثقافي والاجتماعي، أكدت وتؤكد أن المشروع الذي دشنه مفكرو نقد التراث، عانى من عوائق كثيرة، وعرف تراجعات ملاحظة وملموسة؛ إذ لم يستطع الصمود في الكثير من الساحات؛ إن لم نقل انهزم في بعضها أمام التقليد وقواه.                                                                               

الزمن الثاني؛ هو زمن الحداثة والعلم والتكنولوجيا، الذي وجدنا أنفسنا مورطين في التزامن معه، وليس العيش فيه؛ فنحن لم ننخرط بعد في الأفق الروحي لهذا الزمن من موقع المشارك في الإنجاز؛ المساهم فيه بنصيب ما. إلى درجة أننا نبدو في الزمن الحداثي نشازا: “ينظر إلينا كأننا ضيوف من عصور أخرى في عقر دارنا”، كما يقول المفكر فتحي المسكيني في الإيمان الحر.                                                                       

   غالبية الناس في مجتمعنا لا زالت الألة “الصناعية” الثقافية؛ للعصور الوسطى القديمة هي التي تصنعهم، وبعد ذلك يقدف بهم القدر دون اختيار منهم في زمن الحداثة والعولمة. ولهذا يعيش المجتمع حالة الفصام الذي تعاني منه الحياة الجمعية. ولعل السجال المشار إليه في البداية مظهر من مظاهره.                                     

ما تنتجه الذهنية الماضوية؛ تنتجه على مقاسها، ولا يمكن أن ننتظر منها غير ذلك. وهو دليل كاف على ضرورة الاشتغال على المتعين المشار إليه. في هذا السياق ندلو بمسامة متواضعة حول القضية المثارة فنقول: ترسخت بفعل التربية التقليدية الموروثة، أفكار وتصورات، تحولت عبر التاريخ إلى مسلمات، منعت وتمنع حاملها حتى من استيعاب وفهم، في الكثير من الأحيان والحالات، ما يردده من شعارات أو يتبناه من دعاوى. منها ربطا بسياق موضوع السجال: الخلط بين ما هو ديني، وما هو علمي؛ أو لنقل بالتوصيف الدقيق تناول ما ينتمي إلى العلم بلغة “الدين” التي هي في الحقيقة لغة المتدين، لأن لغة الدين لغة واحدة؛ هي لغة الدين دون زيادة. والعنوان المؤطر لهذا الخطاب “العلمي” المتدين، الذي هو خطاب مستجد ولا أقول جديدا؛ إذ لم يكن معروفا بهذا العنوان في الماضي التراثي، هو ما يسمى “الاعجاز العلمي”.                                           

وهي دعوى من اختراع الأصولية المستجدة، أو الإسلام السياسي. وهذه الدعوى إذا نظرنا إليها من منظور-وهذا من المفارقات الغريبة-السلفية القديمة فهي “بدعة” ضالة مضللة، لأنها كما يقول الشاطبي ليست من معهود العرب الأميين، ولا هي مما كان معروفا عند السلف.                                                               

  دعوى الاعجاز؛ أسسها نفسية ولا أساس علمي لها. هي نتاج لشعور الذات التقليدية التراثية التي تريد أن تستمر كما هي، بالخطر الذي يهددها من الحداثة ومنجزاتها، كما ترى وتدعي، أو كما تتوهم. تماما كما حدث للسلفية التقليدية القديمة، التي نشأت كردة فعل على الفكر الجديد الذي حمله غالبا المسلمون العجم في القرنين الثاني والثالث الهجريين؛ حيث واجهته بالتبديع والتضليل، وبلغ أحيانا درجة التكفير.                                   

وعوض أن يستجيب مدعي الاعجاز لتحدي الحداثة التي كشفت وعرت ما أغرقه فيه التراث الذي ينسب له الاعجاز من تخلف وجهل وعجز (…) وهذا من إيجابيات الحداثة عليه. بالعمل على تقوية الذات، والسعي إلى امتلاك أدوات العلم والمعرفة التي تحقق الندية والفعالية؛ بدل ذلك انطوى على نفسه مدعيا أن أسلافه وتراثه، وليس هو نفسه، قد سبقوا منذ قرون ما تعرضه الحداثة والعلم.                                                   

  لنعمل الآن على اختبار دعوى “الاعجاز” في مختبر المعرفة التراثية التي يدعي المدعي، انه يمثلها وينطلق منها. تقوم فكرة الاعجاز القرآني، التي ولدت في أجواء الصراع والجدل الديني بين الفرق الكلامية، ثم بين هذه الفرق وبين أصحاب المرجعيات الفكرية والدينية القديمة؛ غير الإسلامية بعد ذلك، على معنى اثبات عجز المتحدَى بالقرآن على الاستجابة لما طلب منه على سبيل التحدي، رغم توفر الدواعي للاستجابة.                    

وتتعلق النصوص التي تأسست عليها الفكرة في البداية، بالدعوة أو طلب انتاج خطاب شبيه بخطاب النص القرآني.  وبتدقيق الفكر في دعوى “الاعجاز العلمي”، في ضوء فكرة الاعجاز التراثية، نجد أنها تفتقر إلى جميع مقومات مفهوم الاعجاز بالمعنى التراثي القديم. فالعلم والمعرفة لم يقع التحدي بهما في النص القرآني؛ بل عكس ذلك يقعان ضمن مطلوب بعض نصوصه، مثل النصوص التي تحمل الدعوة إلى التفكر والنظر والاعتبار (…)                                                                                                           

ثانيا لم يتحقق في المجال العلمي المدعى فيه الاعجاز، الشرط الذي يتوقف عليه معنى الاعجاز ومفهومه؛ أي اعجاز الانسان، واثبات عدم قدرته على انتاج العلم والمعرفة. ونقيض الدعوى هو الحاصل تماما كما يشهد له وعليه الواقع الذي يعيش ادعياء “الاعجاز العلمي” أنفسهم على أفضاله ونتائجه الصناعية والتكنولوجية والطبية (…) والعلم الذي أنتجه الانسان في هذا السياق؛ أنتجه ليس استجابة لتحد ديني غيبي، وإنما استجابة لمتطلبات حياته في التجويد والتطوير والنمو.                                                                                 

ما يزيد مواقف أدعياء الاعجاز مفارقة وغرابة، الذين بدل أن يفرض عليهم تخلفهم البحث عن سبل التطور والتطوير، فسقطوا في أوهام التفوق والاستعلاء الأخلاقي، أمران وهما. أولا أن البنية التراثية التي تتغدى منها عقلياتهم، كانت تبيح لنفسها توظيف الدين والمقدس، ووضع ما تعتقد أنه يحميها ومصالحها باسم الدين من ذلك حديث يقول: “إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه ولا تنكرونه، فصدقوا به قلته أو لم أقله، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر” (القاضي عياض: مقدمة اكمال المعلم، ص 247). والشواهد في هذا كثيرة، منها أنه سألهم: “ما لكم لا تسألون؟” فلما بينوا أن سبب الامتناع عن السؤال هو الخوف من الوقوع في الكذب، قال لهم: “ليس ذلك أردت؛ إنما قلت من تقول علي ما لم أقل يريد عيبي وشين الإسلام، أو شيني وعيب الإسلام”. (الكفاية في علم الرواية: 235) وبعضهم قال نكذب له ولا نكذب عليه.                                                            

ثانيا ان من يعتبرهم الداعي سلفه، كانوا يرفضون، ليس فكرة الاعجاز العلمي فحسب؛ بل كانوا يرفضون العلوم نفسها. فالشاطبي وهو واحد من كبارهم ناضل كثيرا في سياق تكريس وتأبيد الأمية في الحياة الاسلامية، فوضع قاعدة لما يجوز على المسلم وما لا يجوز سماها “معهود العرب الأميين”؛ فقرر أن كل ما لا ينسجم مع ذلك المعهود هو ممنوع في الحياة الإسلامية، بما في ذلك كل علم لم تعرفه العرب ما قبل الإسلام ومنها علوم الطبيعة. يقول عن علم الطب: “فقد كان في العرب منه شيء لا على ما كان عند الأوائل، بل مأخوذ من تجارب الأميين غير مبني على علوم الطبيعة”. (الموافقات في أصول الشريعة: ج2، 54)                           

ويقول عن مثل الفعل الذي يقوم به المتعالمون اليوم: “إن كثيرا من الناس تجاوزوا الحد في الدعوى على القرآن، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات، والتعاليم (الفلسفة) والمنطق (…) وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح”. (نفس المصدر: ج2، 58)                                                     

حسن العلوي 

شاهد أيضاً

الفلسفة والأطفال: تأسيس العقلانية المرحة

سامي عبد العال سامي عبد العال        ربما لم يلتفت كثيرٌ من الفلاسفة إلى ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *