الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / دانييل لورينزيني: السياسة الحيوية في زمن الفيروس التاجي ( فيروس كورونا )

دانييل لورينزيني: السياسة الحيوية في زمن الفيروس التاجي ( فيروس كورونا )

محمد ازويتة

ترجمة : محمد ازويتة

مدخل :

يندرج هذا المقال ضمن سلسلة الحوارات التي تمت بين عدد من الفلاسفة الغربيين المعاصرين بشأن إشكالية العلاقة بين الطب و السياسة ، ما أسماه فوكو بالسياسة الحيوية ، في ظل اجتياح الفيروس التاجي . إنه بذلك ” إضافة ” لما نشرته الباحثة عائشة نجار على نفس الموقع بعنوان ” كورونا : حوارات الفلاسفة و أشياء أخرى ” ، و جميلة حنيفي ” جورجيو أغامبين : حالة استثناء أثارتها حالة طوارئ بلا دافع / آلان باديو: حول جائحة الكورونا فيروس .

في مدونة حديثة ، لاحظ جوشوا كلوفر Joshua Clover rightly ، عن حق ، الظهور السريع لمجموعة جديدة من ” أنواع الحجر الصحي”. ينبغي أن لا يكون مفاجئا أن يركز أحدهم على فكرة فوكو بخصوص السياسة الحيوية ، ويسأل عما إذا كان لا يزال من المناسب أم لا وصف هذه التجربة التي نمر بها حاليًا . و ينبغي أن لا يكون مفاجئا أنه في جميع المساهمات التي تستخدم مفهوم السياسة الحيوية تقريبًا لمواجهة وباء فيروس كورونا الحالي ، يتم ذكر نفس المجموعة من الأفكار الغامضة مرارًا وتكرارًا ، بينما أخرى – بلا شك أكثر إثارة للاهتمام – تهم فوكو يتم تجاهلها . في ما يلي ، أناقش اثنين من هذه الرؤى ، وأختتم ببعض الملاحظات المنهجية حول إصدار ما قد يعنيه ” الرد” على ” الأزمة ” الحالية .

ابتزاز” السياسة الحيوية


النقطة الأولى التي أود أن أثيرها بخصوص فكرة فوكو عن السياسة الحيوية ، كما طورها عام 1976 (1)، هي أنه لم يكن يود فقط إظهار ماهية هذا الشكل ” الحديث ” من السلطة و لا مدحه . يبدو لي أن فوكو أراد ، بالذات ، أن يخبرنا و ينبهنا الى العبور التاريخي للعتبة ، و بشكل أخص ما أسماه ب ” عتبة مجتمع الحداثة البيولوجية ” (2)threshold of biological modernity ‘’
لقد تجاوز مجتمعنا مثل هذه العتبة عندما أصبحت العمليات البيولوجية التي تميز حياة البشر قضايا حاسمة لصنع القرار السياسي ، ” مشكلة ” جديدة يتعين على الحكومات معالجتها – وهذا ليس فقط في الظروف “الاستثنائية” ( مثل الوباء) ، ولكن في الظروف ” العادية ” أيضًا (3) . قلق دائم يحدد ما أسماه فوكو أيضا ” بتسييس البيولوجي ” (4) the nationalization of the biological . أن تظل وفياً لفكرة فوكو بأن القوة ليست جيدة أو سيئة في حد ذاتها ، ولكنها خطيرة دائمًا ( إذا تم قبولها بشكل أعمى ، أي دون التشكيك فيها على الإطلاق ) ، يمكن للمرء أن يقول إن هذا ” التحول النموذجي” في الطريقة التي نحكم بها ، مع نتائجه الإيجابية والفظيعة ، يتوافق بدون شك مع الامتداد الخطير لنطاق تدخل آليات السلطة . لم نعد محكومين فقط ، ولا حتى في المقام الأول ، كذوات سياسية للقانون ، ولكن أيضًا ككائنات حية تشكل مجتمعة كتلة عالمية – ” سكان” – بمعدل تشريح ، ومعدل وفيات ، ومعدل اعتلال ، ومتوسط حياة التوقع ، الخ …
في ” مع هي الأنوار ؟. ” أشار فوكو إلى أنه يرفض ” ابتزاز الأنوار ” – أي فكرة أننا يجب أن نكون إما ” مع “أو” ضد “- ومعالجتها بدلاً من ذلك كحدث تاريخي لا يزال يميز ، على الأقل إلى حد ما ، مـــــا نحن عليه اليوم (5) . أود أن أقترح ، بطريقة مماثلة ، أنه سيكون من الحكمة بالنسبة لنــــــا أن نرفض “ابتزاز” السياسة الحيوية : لا يجب أن نكون ” مع ” أو “ضد” (ماذا يعني ذلك؟ ) ، و لكن تناولها كحدث تاريخي لا يزال يحدد ، على الأقل جزئيًا ، الطريقة التي نحكم بها ، والطريقة التي نفكر بها في السياسة ، و في أنفسنا . عندما أرى الناس في الصحف أو وسائل التواصل الاجتماعي يشكون من الآخرين الذين لا يحترمون قواعد الحجر الصحي ، أعتقد دائمًا كم هو مدهش بالنسبة لي ، على العكس ، أن هناك الكثير منا ، حتى عندما يكون خطر العقوبات ، في معظم الحالات ، منخفضً جدًا . لقد لاحظت أيضًا مجموعة كبيرة من الاقتباسات من ” الحراسة والعقاب ” ، خاصة من بداية الفصل ” البينتامية “(6) ” ، والذي بالطبع يتردد صدى تام مع تجربتنا الحالية للحجر الصحي ، لأنه يصف حراسة المدينة وسكانها خلال وباء الطاعون . ومع ذلك ، إذا أصررنا فقط على التدابير القسرية ، على أن نكون محاصرين ، محكومين ، و “محاصرين” في المنزل خلال هذه الأوقات غير العادية ، فإننا نخاطر بتجاهل حقيقة أن القوة التأديبية والسياسية الحيوية تعمل بشكل رئيسي بطريقة تلقائية وغير مرئية وعادية تمامًا – إن ذلك أخطر بالذات عندما لا نلاحظ ذلك .
فبدلاً من القلق بشأن زيادة آليات المراقبة والسيطرة العشوائية في ظل “حالة استثنائية” جديدة ، فإنني أميل للقلق بشأن حقيقة أننا بالفعل دائما طيعون ، ذوات سياسة حيوية مطيعة . لا تمارس سلطة السياسية الحيوية (فقط) على حياتنا من “الخارج” ، كما كانت ، ولكنها صارت جزءًا مما نحن عليه ، من شكلنا التاريخي للذاتية ، على الأقل خلال القرنين الماضيين . لهذا أشك في أن أي استراتيجية فعالة للمقاومة لجوانبها الأكثر خطورة يجب أن تأخذ شكل الرفض العالمي ، يلي منطق “ابتزاز” السياسة الحيوية. قد تتحول ملاحظات فوكو حول ” الأنطولوجيا النقدية لذواتنا ” هنا إلى شكل مفيد مدهش ، حيث أن نسيج كياننا هو نفسه الذي يجب أن نكون مستعدين للتساؤل بشأنه (7) .

السياسة الحيوية للضعف التفاضلي ( بين الأعراق و البشر)


النقطة الثانية التي أود مناقشتها – نقطة حاسمة ، ولكن للأسف ، نادراً ما وجدتها في المساهمات التي حشدت مفهوم السياسة الحيوية لمواجهة جائحة فيروس كورونا الحالي – هي الرابط الذي لا ينفصل الذي يربطه فوكو بين الطاقة الحيوية والعنصرية . في مشهد أو مقال حديث لاحظت جوديث بتلر Judith Butler عن حق ” السرعة التي يتكاثر و يتعزز بها التطرف ، القومية والاستغلال الرأسمالي داخل مناطق الوباء . يأتي هذا كحاجة ماسة للتذكير بما يجادل فيه مفكرون آخرون ، مثل جون لوك نانسي Jean- luc Nancy ، الذي أكد ، في المقابل ، على أن فيروس كورونا ” و ضعنا على أساس المساواة ، وجمعنا معًا في ضرورة اتخاذ موقف مشترك ” . بالطبع ، إن المساواة التي تحدث عنها نانسي هي مجرد مساواة للأثرياء والمميزين – أولئك الذين يحالفهم الحظ بما يكفي لامتلاك منزل أو شقة لقضاء الحجر الصحي الخاص بهم ، والذين لا يحتاجون إلى العمل أو يمكنهم العمل من المنزل ، كما لاحظ فعلا برونو لاتور Bruno Latour . ماذا عن أولئك الذين لا يزالون مجبرين على الذهاب إلى العمل كل يوم ، لأنهم لا يستطيعون العمل من المنزل ، ولا على استعداد لفقدان رواتبهم ؟ . ماذا عن أولئك الذين ليس لديهم سقف فوق رؤوسهم؟ .
في المحاضرة الأخيرة لـ “يجب الدفاع عن المجتمع” ، أكد فوكو على أن العنصرية هي “وسيلة لإدخال الانقسام في مجال الحياة الذي استولت عليه السلطة : الانقسام بين من يجب أن يعيش من يجب أن يموت (8) ، وبعبارة أخرى ، مع ظهور السياسة الحيوية ، صارت العنصرية وسيلة لتجزئة المنتظم البيولوجي – فنحن جميعًا كائنات حية لديها نفس الاحتياجات البيولوجية تقريبًا – من أجل إنشاء تسلسل هرمي بين مجموعات بشرية مختلفة ، و وبالتالي اختلافات (جذرية) في الطريقة التي تتعرض فيها هذه الأخيرة لخطر الموت . فالتفاضل المطروح بين البشر بخصوص المخاطر الصحية والاجتماعية ، وفقا لفوكو ، هو السمة البارزة للسياسة الحيوية الحكمانية . إن العنصرية ، بجميع أشكالها ، هي ” شرط قبول” مثل هذا التفاضل المعروض للحيوات في مجتمع تمارس فيه القوة بشكل أساسي لحماية الحياة البيولوجية للسكان وتعزيز قدرتها الإنتاجية (9) . لذا يجب أن نتجنب بعناية اختزال السياسة الحيوية إلى صيغة فوكو الشهيرة ” اجعلهم يعيشون و اتركهم يموتون ” (10) . لا تقوم السياسة الحيوية في الحقيقة على معارضة واضحة للحياة مقابل الموت ، غير أنه من المهم فهم ذلك بشكل أفضل على أنه جهد لتدبير و تنظيم المنطقة الرمادية بشكل مختلف بين بعضهما البعض (11) . إن حكومة الهجرة الحالية هي مثال ممتاز على ذلك ، كما أظهرت مارتينا تزيولي Martina Tazzioli ، بشكل لافت للنظر ، عند حديثها عن “السياسة الحيوية بخصوص التنقل . في الواقع ، كما يتم تذكيرنا باستمرار ، وأحيانًا بشكل مؤلم في هذه الأيام ، فإن السياسة الحيوية هي أيضًا ، وبشكل حاسم ، مسألة تتعلق بحركة التنقل – وعدمه . ربما تساعدنا هذه التجربة الجديدة بالنسبة لمعظمنا على إدراك أن الطريقة العادية التي تكون فيها “الحدود” مسموحة إلى حد ما للناس من مختلف الألوان والجنسيات و الأصول الاجتماعية تستحق اعتبارها أحد الأشكال الرئيسية حيث تمارس القوة في عالمــــــــــنا المعاصر.
وباختصار ، فإن السياسة الحيوية هي دائمًا سياسة للاختلاف أو التفاضل بالنسبة للكائنات الهشة . بعيدًا عن كونها صارت سياسات تمحو التفاوتات الاجتماعية والعرقية من خلال تذكيرنا بانتمائنا المشترك لنفس الأنواع البيولوجية ، فهي سياسات تعتمد بشكل هيكلي على إنشاء التسلسلات الهرمية بخصوص قيمة الأرواح و الحيوات ، وتنتج وتضاعف الهشاشة و العطوبية كوسائل لحكم السكان . نود التفكير ، في المرة القادمة ، بكوننا نثمن جميعا بشكل جماعي بـخصوص “الأطباء الأبطال ” و ” عمال الرعاية ” الذين يقاتلون ضد فيروس كورونا . إنهم يستحقون ذلك بالتأكيد . ولكن هل هم حقا الوحيدون الذين “يعتنون بنا” ؟ . ماذا عن رجال التوصيل الذين يتأكدون من أنني أستلم ما أشتريه مع البقاء بأمان في شقتي المعزولة ؟ . ماذا عن الصرافين في الأسواق الكبرى والصيدلة ، وسائقي النقل العام ، وعمال المصانع ، وضباط الشرطة ، وجميع الأشخاص الآخرين (معظمهم من ذوي الدخل المنخفض ) الذين يشتغلون داخل وظائف تعتبر ضرورية لعمل المجتمع؟ . ألا يستحقون أيضًا – وليس حصريًا في ظل هذه الظروف “الاستثنائية” – اعتبارهم “عاملين في مجال الرعاية” ؟ . الفيروس لا يضعنا على أساس المساواة . بالعكس إنه يكشف بشكل صارخ بأن مجتمعنا يعتمد هيكليًا على الإنتاج المستمر للتفاضل بين الكائنات و التفاوت داخل الحياة الاجتماعية.

القواعد السياسية للأزمة


إن عمل فوكو في مجال السياسة الحيوية هو أكثر تعقيدًا وثراءً وإلحاحًا بالنسبة لنا اليوم ، مما يبدو عليه أن يكون تحت سيطرة أولئك الذين يختزلونه بسرعة كبيرة إلى سلسلة من الاتهامات ضد الحجر الصحي والمراقبة الجماعية ، أو الذين يحرفونه للحديث عن حالة الاستثناء والحياة العارية (12) . لا أريد أن أقترح ، مع ذلك ، أن فكرة السياسة الحيوية يجب أن تؤخذ كمبدأ توضيحي نهائي قادر على إخبارنا بما يحدث وما “الحل” لجميع مشاكلنا – وهذا ليس فقط بسبب ” الطابع التاريخي المتميز للظواهر السياسية الحيوية ” ، كما أكد بشكل صحيح روبرتو اسبوزيتو Roberto Esposito، ولكن أيضا لسبب منهجي أعمق . إن فكرنا السياسي هو أسير ” قواعد الأزمة ” وزمنها المقيّد ، لدرجة أن الاستجابات الحاسمة للوضعية الصعبة ( أو ، في هذا الصدد ، لجميع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية الأخيرة تقريبًا) لا تبدو قادرة على النظر إلى ما هو أبعد من المستقبل القريب (13) . لذلك ، إذا اتفقت مع لاتور Latour على أن ” الأزمة الصحية ” الحالية يجب أن ” تحرضنا على الاستعداد لتغير المناخ ” ، فأنــــا متفائل للغاية بكونها : لن تحدث إلا إذا استبدلنا حكاية ـ الأزمة بجهد نقدي طويل الأمد لإيجاد استجابات متعددة ومتطورة للأسباب الهيكلية لـ “أزماتنا”. إيجاد و بناء أجوبة ، بدلاً من البحث عن حلول ، يعني تجنب استراتيجيات حل المشكلات على المدى القصير التي تهدف إلى تغيير أقل قدر ممكن من طريقة حياتنا الحالية ، في الإبداع ، والسفر ، وتناول الطعام ، وما إلى ذلك . وهذا يعني استكشاف بديل اجتماعي و مسارات سياسية على أمل أن تستمر هذه التجارب لفترة أطول من الوقت بين “الأزمة ” الحالية والأخرى القادمة ، مع الاعتراف بأن هذه التحولات بطيئة بالضرورة ، حيث لن نتخلص من شكلنا التاريخي في غمضة عين . باختصار ، هذا يعني أن نؤمن بقدرتنا على بناء مستقبل ليس فقط لأنفسنا ، ولكن للأجيال القادمة . والبدء بذلك فعلاً في الحاضر .
مدينة نيويورك 1 أبريل 2020

النص الأصلي
Biopolitics in the Time of Coronavirus

الهامش :


1) انظر م فوكو ” تاريخ الجنسانية ” الجزء 1 ط 1978 ص 135 ـ 145 / فوكو ” يجب الدفاع عن المجتمع ” 2003 ص 239 ـ 263 .
2) فوكو ” تاريخ الجنسانية ” الجزء 1 ص 143 بتصرف .
3) فوكو ” يجب الدفاع عن المجتمع ” ص 244 .
4) نفس المرجع ص 240 .
5) فوكو ” ما هي الأنوار ” 1984 ص 42 ، 43 .
6) انظر ” ملف حوارات الفلاسفة ” . انظر أيضا ” الحراسة و العقاب ” 1977 ص 195 ، 200 .
7) نفس المقال السابق ص 47 .
8) فوكو ” يجب الدفاع عن المجتمع ” ص 254 .
9) نفس المرجع ( بتصرف ) ص 255 ـ 256 .
10) فوكو ” تاريخ الجنسانية ” الجزء 1 ص 138 ، 141 . ” يجب الدفاع عن المجتمع ” 241 ، 243 .
11) مارتينا تازيولي ” صناعة الهجرة : السياسة الحيوية للتنقل على حدود أوروبا ( لندن 2019) ، 106. على الرغم من أن هذا قد مر دون أن يلاحظه أحد ، في المجلد الأول من ” تاريخ الجنسانية ” ، يذكر فوكو الهجرة باعتبارها واحدة من المجالات الرئيسية التي تعمل فيها آليات السياسية الحيوية للسلطة ” .
12) جورجيو أغامبيان ” حوارات الفلاسفة ” .
13) انظر دانييل لورينزيني ومارتينا تازيولي ، ” نقد بدون أنطولوجيا : جينيالوجيا ، الموضوعات الجماعية ، ومآزق الأدلة ” . ”

شاهد أيضاً

سبينوزا مرة أخرى

كل ما هو ثمين هو أيضا شاق ونادر عبد الكريم وشاشا كشف الفيلسوف جيل دولوز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *