الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / دريدا..في أيامه الأخيرة

دريدا..في أيامه الأخيرة

نصير فليح

نصير فليح


قبل خمسين يوما من موته، الذي كان بسبب السرطان، اجرت صحيفة اللوموند حوارا صحفيا مع جاك دريدا، فاصبح بذلك الحوار الصحفي الاخير معه. فماذا يمكن ان يكون كلام فيلسوف مثل دريدا في حوار صحفي من هذا النوع والمرض في مراحل متطورة في جسده؟
الحوار الصحفي تعرض الى جوانب شتى، بدءا من اسئلة الموت والحياة، وسؤال مثل “هل يمكن تعلم العيش؟”، الى ما يتصوره دريدا بخصوص ما يتبقى من ارثه الفكري والفلسفي؟ فضلا عن اسلوب دريدا في الكتابة، تصوراته السياسية، سؤال الهوية ومواضيع متنوعة اخرى. لكننا في هذا المقال الموجز نتوقف عند بعض تصورات دريدا في المرحلة الاخيرة من حياته عن مشاعره تجاه الموت المرتقب، وعن تصوراته عما يمكن ان يتبقى من ارثه الفكري.
في بداية اللقاء، عندما يتحرج الصحفي من طرح سؤال المرض الذي يعانيه دريدا، يجيب دريدا على الفور ان بوسع الصحفي قول ذلك، اي ان المرض في مراحل متطورة، و لكنه يستدرك “”نحن لسنا هنا لنصدر تقريرا طبيا سواء أكان عاما أم سريا”. وعندما يتحول الصحفي الى السؤال الذي طرحه جاك دريدا في كتابه (اطياف ماركس) وهو عن كيفية تعلم العيش، يرد دريدا “لا، ابدا لم اتعلم كيفية العيش، في الواقع، لم أتعلم مطلقا…”، والسبب بذلك كما يراه دريدا ان “تعلُّم العيش ينبغي ان يعني تعلُّم الموت، تعلُّم ان نأخذ بالحسبان، وبالتالي ان نقبل، الفناء المطلق (اي، دونما خلاص، بعث، أو افتداء…). تلك كانت الوصية الفلسفية القديمة منذ افلاطون: التفلسف هو تعلُّم الموت”.
وبخصوص تصور دريدا عما يمكن ان يتبقى من ارثه الفلسفي، فهو يرى ان صيغ الارشفة والتوثيق في العالم المعاصر، احدثت تغييرا جذريا بخصوص هذا السؤال، مقارنة بالفلاسفة والمفكرين السابقين في التاريخ. وكما يجيب دريدا “عندما يتعلق الامر بالفكر، فإن سؤال البقاء اخذ صيغا يتعذر التنبؤ بها مطلقا. في عمري، أنا مستعد لاعتبار أكثر الفرضيات تناقضا في هذا الخصوص”، وهو وضع مختلف تماما لا عن الماضي البعيد فقط، بل عن الماضي القريب ايضا، كما يقول دريدا “الناس من جيلي، ومن بابٍ أوْلى اولئك السابقون، تعودوا على ايقاع تاريخي معين: الشخص يعتقد انه يعرف ان عملا معينا قد يبقى أو لا ، بالاستناد الى مواصفاته الخاصة، لقرن، قرنين، او، ربما، كحالة افلاطون، لخمسة وعشرين قرنا”. اما بالنسبة له في العالم الحالي، فانه يشعر بفرضيتين او شعورين متضادين في الوقت نفسه، وكما يقول “أنا مستعد لاعتبار أكثر الفرضيات تناقضا في هذا الخصوص: لدي وبصورة متزامنة – وأنا اسألك ان تصدقني في هذا – الشعور المزدوج بانه، من جانب معين، ولأقُلْها بصورة لعوبة ومع تبجح معين، لم يبدأ أحد بقراءتي، رغم ان هناك، لكي نكون دقيقن، العديد من القراء الجيدين (دزينات قليلة في العالم ربما، أناس هم ايضا كتاب، مفكرون، شعراء)، ففي النهاية، ستكون هناك فرصة لظهور كل هذا لاحقا؛ لكن ايضا، من الجانب الاخر، وبالتالي بصورة متزامنة، لدي الشعور انه بعد اسبوعين أو شهر من موتي لن يبقى هناك شىء. لا شىء عدا ما تم حفظ حقوق طبعه وأُودع في المكتبات. أُقسِم لك، أؤمن بصدق وتزامن بهاتين الفرضيتين”.
وهكذا فنه رغم وجود بعض القراء الجيدين، من كتاب او مفكرين او شعراء، مما يوحي بافاق قد تتفتح في المستقبل، فان لدى دريدا شعور ان لم يبدأ احد بقرائته بعد، من جهة، ومن جهة أخرى، لديه الشعور بانه بعد اسبوع او اسبوعين من موته لن يبقى هناك شيء من ارثه، الا ما عدا ما تم حفظ حقوق طبعه واودع في المكتبات.
لكن الموت في تصور دريدا ليس محصورا في موته الشخصي الذي ينتظره بسبب مرضه. بل يرى كل كتاب ينشره، كل نص، هو حالة من “الموت” ايضا ولكن بمعنى مختلف. فهو يرى ان هذا “الاثر” الذي يصدر عنه يجعله في لحظة صدورة ظاهرا-مختفيا في آن واحد، وهذا شيء بنيوي كامن في بنية عملية الكتابة نفسها، وكما يقول “في اللحظة التي اترك فيها كتابـ “ي” (لينشر) – رغم ان لا احد يجبرني على فعل ذلك – اصير، ظاهرا-مختفيا، مثل الطيف المتعذر تعليمه والذي لم يتعلم ابدا كيفية العيش. الأثر الذي اخلّفه يدل عليَّ حال موتي، سواء المُقبل أو الذي اتاني اصلا، والأمل بان يحيا هذا الاثر بعدي. هذا ليس سعيا للخلود؛ انه شىء بنيوي.
الشعور باشياء متناقضة في الوقت نفسه ربما يحيلنا الى طبيعة تفكير وفكر دريدا نفسه. هذا يمتد ايضا الى الجانب الشخصي في فكر دريدا ومشاعره قبيل موته القريب المرتقب، وكما يعبر عن ذلك “أنا في حرب مع نفسي، هذا حقيقي، وربما لا تستطيع ان تعرف الى أي مدى، أبعد مما يمكنك تخمينه، وأنا اقول اشياء متناقضة، يمكن ان نقول عنها، اشياء في توتر حقيقي؛ انها ما يكونني، ما يجعلني اعيش، وسيجعلني اموت. احيانا أرى هذه الحرب مرعبة ويصعب تحملها، ولكن في الوقت عينه اعرف ان هذه هي الحياة. ساجد السلام فقط في الراحة الابدية”.
اذا لا سلام نفس وعقل، كما يرى دريدا في اواخر حياته، الا في “الراحة الابدية”. وبانتظار ذلك، وكما يعبر دريدا “أن تشعر بالمتعة وأن تبكي بسبب الموت الذي ينتظر هو بالنسبة لي شيء واحد”.

شاهد أيضاً

لوك فيري في جدوى الفلسفة المعاصرة: مواكبة تحليلية

عبد الرحيم امعضور عبد الرحيم امعضور في نص له تحث عنوان “ما جدوى الفلسفة المعاصرة؟”[1] …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *