الرئيسية / ترجمة / تشريح للهشاشة المُنَظَّمة للعولمة الرأسمالية: فيروس كورونا كآلية للتحليل

تشريح للهشاشة المُنَظَّمة للعولمة الرأسمالية: فيروس كورونا كآلية للتحليل

خالد جبور

سعيد بوعمامة

ترجمة: خالد جبور.

تدقيق مفاهيمي:


تمكِّن المقارنة بين نتائج إعصار ’’ إيفان’’ الذي ضرب كوبا فـي شتنبر 2004، وإعصار ’’ كاترينا’’، ’’ لويزان’’ و ’’ ميسيسبـــي’’ سنة بعد ذلك، من تدقيق بعض المفاهيم المتعلِّقة بالخطر، بالكارثة، و بالهشاشة. كلتا هاتين الكارثتين من الفئة 5، أي من تلك التــي تتميز بسرعة للرياح تتجاوز 240 كيلومتر فـي الساعة، لكن رغم ذلك، كانت الخسائر البشرية الناتجة عنهما متفاوتة: ولا حالة وفاة فــي كوبا، في مقابل 1836 قتيل و 135 مفقود في الولايات المتحدة. مخاطر متطابقة تؤدي، إذن، إلى نتائج مختلفة بشكل ملفت للانتباه. إن المعجم المستعمل لتفسير هذه الظواهر الطبيعية الفريدة وجرد نتائجها المختلفة يمكِّن من تيسير فهم الوضعية الحالية في ظل جائحة كورونا.
أول هذه المفاهيم – المفتاح- هو الخطر الطبيعـي، والذي يحيل إلى الأحداث المناخية التـي لا دخل للإنسان –بطريقة مباشرة- في اندلاعها: الفيضانات، الأعاصير، ثوران البراكين… ورغم اختلاف ظهور فيروس قاتل عن هذه الكوارث، إلا أنه يمكن تعريفه وِفق نفس المنظور. إن الأخطار تحمل تهديدات للإنسان، أي نتائج مُحتمَلَة لهذه الأخطار. والهشاشة تعـــنـــي بدورها النتائج المتوقَّعة لخطر ما على الإنسان، والتـي ترتبط، بشكل مباشر، مع العديد من العناصر: الكثافة السكانية، القدرات الوقائية – الدفاعية، وضعية البنية التحتية التي تمَكِّن من مواجهة المخاطر بطريقة فعالة… وأخيرا الكارثة: وتعنـي تهديدا كان مُحتّمّلا، ليصُبح واقعا يفرض نفسه، ويؤدي إلى نتائج ذات ارتباط وطيد بوضعية الهشاشة.
إن الحديث عن كارثة ما دون الإجابة عن سؤال الهشاشة لَهُوَ حيلة إيديولوجية تُمَكِّن من إعفاء الطبقات المسيطرة من المسؤولية، عبر إبعاد الأسباب الاقتصادية، السياسية والاجتماعية حيث تظهر حدة النتائج وهولها. تكمن هذه العملية في التنصُّلِ من المسؤولية، وربطها بالطبيعة، والمجتمع… مع العلم أن معظمها ذو علاقة وطيدة مع الخيارات الاقتصادية والسياسية. إنَّ حدة النتائج تحددها وضعية المجتمع من جهة فـي وقت الكارثة، والقرارات المتَّخَذَة لمواجهتها من جهة أخرى.
على المدى البعيد، يمكن أن ننتظر من تطور العلوم معرفة أفضل بالمخاطر، وقدرة أكثر على التحكم فيها، لكن، على المدى القريب، يُعتَبَرُ خَفضُ الهشاشة هو السبيل الأوحد للحد من نتائج هذه المخاطر، الأمر الذي يعنـي الحيلولة دون تحوُّلِها إلى كارثة.
يمكن اعتبار الوباء الحالي كفاضح للهشاشة: وهذا ما أوضحته العديد من التقارير السوسيو- إقتصاية ومختلف الأبحاث التي علمتنا كيف أن الكوارث، فـي السنوات الأخيرة، تكشف الهشاشة على المستوى البشري والمجالي في المجتمعات التـي تشهد هذه الكوارث. وظيفة الكشف هذه تتم على مستويــيــن: درجة التعرض للمخاطر التي تفرض بالضرورة، فـي حالة الأمراض والأوبئة، مساءلة للسياسات الوقائية و للتفاوتات الطبقية، ومدى القدرة على مواجهة الكارثة التي تكشف عن وضعية المنظومة الصحية، من حيث بنياتها التحتية وأطرها… ومن جهة أخرى، السياسات المتبعة في ميادين أخرى: سياسة الإسكان، سياسة الهجرة…
لهذا يمكن اعتبار هذه الجائحة في فرنسا كما على المستوى الدولي مناسبة لتحليل العولمة الرأسمالية.

هشاشة جماعية وليدة العولمة الرأسمالية


تنبنــي الأيديولوجيات المرافقة للعولمة الرأسمالية على افتراضين اثنين، تَمَّ تَبَنِّيــهما في الخطابات السياسية والإعلامية المُهيمنة طيلة عقود. الافتراض الأول ، هو طابع الأولوية الذي يكتسيه الفرد على البنيات في شرح وتفسير المشاكل المجتمعية على مستوى كل مجتمع. هذا الافتراض يمكِّن من إبعاد مفهوم الطبقة الاجتماعية، ومفهوم التفاوت المجتمعي، ليترك المجال للمسؤولية الفردية الوهمية والـتــي عادة ما تظهر في خطابات تحميل الأفراد مسؤولية المخاطر ، وبالتالي، حسب وجهة النظر هذه، فإن الهشاشة المتفاوتة الدَّرجات أمام الأمراض، ومشاكل الصحة، لا تُعتَبَرُ نتيجة للتفاوتات الطبقية، و إنما للخاصيات والسلوكيات الفردية .
وفي هذه الحالة، يمكِّن خطاب المسؤولية الفردية من حجب مسؤولية النظام الاجتماعي، أي مسؤولية الطبقات المهيمنة، التي تُحدِّدُ قواعد هذا النظام. ’’ لازالت الهشاشة الاجتماعية للسكان تقدَّم انطلاقا مِن زاوية الفرد، ومكانته في المجتمع. وإن كان الأفراد هم الذين يخوضون تجربة الهشاشة، فعلى مستوى البُنــــى تتمظهر الشروط الكفيلة بجعل هذه التجربة محتمَلة أو قاسية. بتعبير آخر، بين الفرد والمخاطر، هناك أيضا بُنــى اجتماعية، لا يجب غضُّ الطرف عنها’’ كما يلخص الجغرافيان: ماريون بوردرون و ساباستيان أوليفو. من المؤكد أن الجائحة الحالية، وبسبب شدِّتِها، ستضرب كل الطبقات المجتمعية، لكن، من الواضح أيضا، أن أثارها ستكون أكثر حدة على الطبقات الشعبية، وفي مقدمتها الفئات المعدومة.
والافتراض الثاني هو مدى إسهام كل دولة على حدة، في تأسيس وتقوية الآليات التي بـها يتِمُّ ضبط العلاقات الدولية. يمكِّن هذا الافتراض من إخفاء علاقات الهيمنة بين دول المركز المُهيمنَة، والدول التي ترزح تحت وطأة هذه الهيمنة، وبالتالي، في هذه الحالة، فإن الهشاشة الوطنية، في حالة اجتياح الأوبئة أو أي كارثة أخرى، لا تحيل إلــى التفاوتات الاجتماعية الدولية، وإنما إلى خصوصيات كل دولة على حدة: الطقس، الثقافة، الكثافة السكانية… هنا يظهر خطاب آخر، هو خطاب المسؤولية الوطنية الذي يحجُب وجود الاستعمار الجديد (Néocolonialisme)، والامبريالية بشكل عام. ويكفـي مشاهدة خريطة التفاوت على المستوى العالمي في مجال الصحة، لملاحظة أنها تعيد التقسيم الثنائـي: مركز- هامش، مع بعض الاستثناءات التــي تحمل دلالات مهمة ك ’’كوبا ’’ على سبيل المثال.
تقول إحصائيات المنظمة العالمية للصحة ،OMS بخصوص عدد الأطباء في كل بلد في سنة 2015: 52 طبيب ل 10000 نسمة في النمسا؛ 39 في إيطاليا و إسبانيا؛ 32 في فرنسا… وفي الجانب الآخر: 1 لكل 10000 في رواندا وأوغاندا؛ 9 في السريلانكا؛ و 10 في باكستان… وجدير بالذكر أن المؤشرات الأخرى (عدد الممرضين، نصيب قطاع الصحة من الميزانية العامة، توفير الأدوية…) كلها تقدم معطيات مماثلة.
لابد من الإشارة إلى أن هذه النظرة الخاطفة لا تمكِّن من الإحاطة بنتائج العولمة الرأسمالية في شموليتها، وخصوصا تلك المتعلقة بصحة الإنسان، وبالتالي يجب تدعيمها بمراعاة تدهور فرص الاستفادة من الخدمات الصحية في المركز كما في الهامش.
إن العولمة الرأسمالية لا تعنــي فقط الرأسمالية؛ إنها رأسمالية مرحلة تاريخية محددة، تتميز بالهيمنة النيولبرالية على مستوى السياسات الاقتصادية: تخلي الدولة عن القطاعات العمومية، تضعيف/خوصصة هذه القطاعات، تبنِّــي سياسات التقشف… كلها عوامل دفعت العالم كله نحو تطوُّر مهول في نسب الهشاشة. وهذا ما أصبح جليَّا بعدما أصبحت جائحة كورونا واقعا يفرض نفسه على العالم أجمع.
في بلد كفرنسا، عمَّقت الرأسمالية وسياساتها النيولبرالية، وزادت من حدة الهشاشة. في المنظور اللبرالي، يُسَمى هذا الأمر ب ’’ عقلنة عروض الخدمات’’، أما على أرض الواقع، فهذا لا يعنــي سوى التخلُّص من %13 من الأسرَّة المخصصة للاستشفاء (69000 سرير في الفترة الممتدة من سنة 2003 إلى 2006 حسب الأرقام المقدمة من طرف وزارة الصحة).
لو أخذنا مثلا، كمؤشرات: ميزانيات المستشفيات، عدد العاملين بقطاع الصحة، أو عدد المؤسسات العمومية في نفس القطاع، سنصل إلى النتيجة ذاتها. إن هذه الهشاشة المُتنامية تتجلى اليوم بوضوح مع الاختبار الذي فرضته الجائحة العالمية، وخصوصا فـي نقص أسرَّة الإنعاش، وعدد التحاليل المُنجزة للكشف عن الوباء، و فـي ندرة الكمامات، وباقي المعدات اللازمة للتصدي للوباء. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النقص ليس وليد خطأ، وإنما هو بداهة من بديهيات المنطق النيولبرالي، والمتمثل فـي التحكّم في الإنتاج، الذي يهدف إلـى تقليص المُنتجات المُخزّنة، من أجل خفض التكاليف، ورفع هامش الربح.
إن ما تمّ تنزيله، في الأربعة عقود الماضية، ليس سوى ” خوصصة ماكرة” للمستشفى، كما تُصرِّحُ نقابة الصحة CGT : ” تمت خوصصة المستشفيات عبر أجزاء، وشيئا فشيئا، مع الإصلاحات المتتالية. هناك مرحلتين محوريتين لفهم التحوُّل الذي عرفه المستشفى العمومي؛ تعديل طرق التنظيم لتصبح شبيهة بالطرق المُعتَمَدة فـي القطاع الخاص، ثم التبضيع، أي إدخال منطق الربح إلى قطاع الرعاية الصحية. تشكِّل هاتين النقطتين المعالم الأساسية لما سميناه ب ” الخوصصة الماكرة”. فحتـى وإن لم تصبح المستشفيات مخوصصة من الناحية القانونية، فإنها كذلك فعليّــــا، بحيث تتبنـى نفس الأساليب والنماذج، وتسعى إلى نفس الأهداف المُطابقة لأهداف القطاع الخاص.”
تطوّر نفس المنطق في الدول التابعة، لكن بطريقة أكثر عنفا وتدميرا. فلقد أدّت مُخطّطات التقويم الهيكلـي، المفروضة من قِبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمـي، أي من طرف القوى الامبريالية، إلى تفكيك منظومات الصحة الوطنية. إذ للحصول على الدُّيون، فَرَضَت هذه المخطَّطات، كشرط من شروطها، تقليص الميزانيات العمومية، وخوصصة القطاعات العامة. وهكذا فإن الصحة والتعليم، هما القطاعان الأكثر تضررا من هذه الإجراءات المفروضة.
إحدى آثار هذه السياسات: هجرة الأدمغة، وخصوصا الأطباء و أطر أخرى في قطاع الصحة، والذين كانوا يعملون، سابقا، في القطاع العام الذي تمَّت التضحية به. الأرقام مفزعة، كما تشهد بذلك دراسة أُجرِيَت سنة 2013، والتـي اهتمَّت بمسألة هجرة الأطباء الأفارقة نحو الولايات المتحدة: ” بدأ فِرار الأطباء من دول إفريقيا جنوب الصحراء نحو الولايات المتحدة حوالي سنة 1980، لتتزايد وثيرته مع حلول التسعينيات، وما عرفته هذه السنوات من تنزيل لسياسات التقويم الهيكـلـي، المفروض من طرف البنك العالمي وصندوق النقد الدوليين.” ويُبَيِّن عدد الأطباء القادمين من شمال إفريقيا، ومن الشرق الأوسط، أن أوربا اتخذت نفس المنحى. إن الخسائر التـي ستشهدها الدول الإفريقية، بسبب هذه الجائحة، إذا لم يتم التصدي لها، ستكون مهولة، بالمقارنة مع ما نشاهده في أوربا، والحال أن الهيمنة الأوربية على وسائل الإعلام تحجب هذه المجزرة البشرية المُحتملة.

ورطة العولمة الرأسمالية المكشوفة من طرف الجائحة


بعد خوصصة كل شيء، سنصبح مخصوصين من كل شيء ( Quand tout sera privé, nous serons privé de tout ).
هذا الشعار الذي لطالما رُفِع ولطالما ظهر على اللافتات، خلال التظاهرات، يُلخصّ بشكل فريد “عقلية” الطبقات المُهيمِنة، في هذه الفترة التاريخية المتميّزة بالتشدد في تنزيل التدابير النيولبرالية المتوحشة. وعكس النقد السريع والمتسِّم بالنزعة التبسيطية، يمكن القول أن هذه الطبقات، ليست بالبث المطلق ساذجة أو غبية.كلُّ ما في الأمر أن لها (الطبقات المُسَيطِرَة) عقليتها (وعقلانيتها) الملائمة لمصالحها. وبطبيعة الحال، هذه العقلية المُهيمِنة مُناقِضة لعقلية أخرى؛ تلك التي لا ترتكز على الدفع بالربح إلى أعلى مستوياته، مهما كانت النتائج. إن الصراع الطبقـي هو أيضا صراع للعقليات. وهذا ما تَبَيّنَ من خلال العديد من الورطات التي أظهرتها الاستراتيجيات المتَّبعة لمواجهة جائحة كورونا في فرنسا. إنها ورطة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إنه تناقض مستعصي على الحل.
لنُعطي مثالان تمَّ الكشف عنهما بواسطة الاختبار الذي فرضته الجائحة العالمية.
المثال الأول: يحمل الكثير من الدلالات، وهو السياسة المتَّبَعَة في المؤسسات السِجنِيَة طيلة عقود طويلة. يُعتَبر الانفجار الديمغرافي الذي شهدته هذه المؤسسhت (السجون) واقعا موثَّقا إلى حد كبير؛ إذ بلغ معدل السجناء %116، يعني 70651 سجين، مع فقط 61080 سرير (1 يناير 2020). يتركزّ هذا الارتفاع الكبير في عدد السجناء، في مراكز الاحتجاز التي تستقبل الأشخاص الذين ينتظرون أحكامهم، والذين سيقضون في السجن مددا قصيرة. في هذه المؤسسات التي تأوي ثلثـي السجناء، نجد أن معدل ارتيادها %138، مجبرة بذلك شخصين أو ثلاثة أشخاص (في بعض الأحيان أكثر) على مشاركة نفس الزنزانة، بالإضافة إلى أن 1600 شخص يُجبَرون على النوم على أغطية موضوعة مباشرة على الأرض، كما يؤكد المرصد الوطني للسجون. وممّا لا شك فيه، تُعتَبر هذه الوضعية تناقضا صارخا مع أية مجهودات للتّصدي للجائحة، ومن جهة أخرى، يمكن اعتبارها استهدافا وتضحية بشريحة واسعة من المجتمع.
ونجد أيضا وضعيات مُشابهة في السياسات المتَّبعة في مجال الهجرة؛ مع ما تشهده الملاجئ من تكديس للمهاجرين، دون أن ننسى وضعية الأشخاص المشردين، بالإضافة إلى وضعية السكن غير اللائق، وخصوصا في صفوف الطبقات الشعبية الفقيرة. إن الثمن ” البشري” الذي ندفعه إباَّن هذه الجائحة، لهو راجع إلى توزيع الخسائر حسب الانتماء الطبقي، و حسب أصول الضحايا، وكل هذه المعايير ترتبط ارتباطا وثيقا بالاختلالات السالفة الذكر.وبالتالي، فإن البعد الطبقي سيطبع آثار هذه الجائحة.

يحيل المثال الثاني إلى العديد من الدلالات. يتعلق الأمر بوضعية اللاجئين الذين يتكدُّسون في الملاجئ الإيطالية واليونانية، كنتيجة مباشرة لسياسة الصرامة التي تتَّبعها أوربا في مجال الهجرة. وقد زاد فتح الحدود التركية، وقمع السلطات اليونانية من تأزُّم الوضعية الكارثية لأعداد كبيرة من اللاجئين، في حين نلاحظ أن وسائل الإعلام المُهيمنة تلزم الصمت، وتَحُوُل دون تعرُّف الرأي العام الدولي على هذه الوضعية.
وجدير بالذكر، في هذا الصدد، أن الحقوقية كلير رودييه، قدّمت تقييما لوضعية الملاجئ اليونانية، تقِرُّ فيه بالوضعية الكارثية التي ترزح تحتها هذه الملاجئ: مشكل الاكتظاظ، اختلاط البالغين مع القاصرين، نقص التغذية، انعدام وسائل النظافة بسبب استنزاف المعدات المخصصة لذلك… ففي سنة 2017، أقرّت أمنيستي الدولية أن معدل اللاجئين في ملاجئ مدينة ليسبو وصل 148 %، و 215 % في مدينة ساموس، و 163 % في كوس، حيث أُجبِرَ العديد من اللاجئين على النوم في الهواء الطلق، مستعملين فقط أغطية بسيطة، تتراكم عليها الثلوج خلال الليل.
و “وضعية الملاجئ الايطالية لم تسلم بدورها من هذه الوضعية” تُضيف كلير رودييه، باعتمادها على تقارير بعثات أمنيستي. والخطير في الأمر أن المنظمة الغير حكومية “أطباء بلا حدود”، استعملت عبارة ” قنبلة صحية” للتعبير عن هذه الوضعية: ” في العديد من مناطق مخيم موريا، تقول المنظمة، هناك فقط مصدر وحيد للماء لكل 1300 شخص، وزِد على ذلك عدم وجود الصابون. في هذا المخيم، عائلات مكونة من خمسة إلى ستة أشخاص، تكون مُجبرة على النوم في فضاءات لا تتجاوز مساحاتها ثلاثة أمتار مربعة؛ وهذا يعني أنَّ التدابير التي يجب أن تُتَّخذ، كغسل اليدين باستمرار، و الابتعاد عن مُخالطة الآخرين، للحيلولة دون انتشار العدوى، يمكن القول ببساطة أنها تدابر مستحيلة.”ما يعني، من جهة، ضعف القدرة على المواجهة الفعالة أمام الجائحة العالمية، والتضحية باللاجئين، من جهة أخرى.

اليوم المُوالي.

هناك إذن اختلالات كبيرة تُضعِف بشكل واضح فعالية الأيديولوجية المُهَيمِنَة، والتي خرجت للتو من مأزق خانق، ألا وهو حِراك “السترات الصفراء”، والحركة المُناهضة لإصلاح منظومة التقاعد. وهكذا، ففي الفترة الراهنة، لم يَعُد ممكنا ترديد الخطابات الليبرالية حول الصحة، واحتقار الخدمات العمومية، أو شيطنة تدخل الدولة في هذه القطاعات. ولكن، رغم ذلك فإن سيناريو ما بعد الجائحة قد تمَّ حَبكُهُ مُسبقا في قصر الإليزيه.
بعيدا عن لغة التعميم، يمكن رصد العديد من مظاهر هذه الاستعدادات. مثلا، عندما يتمُّ الحديث عن ” لا مسؤولية” شريحة من المواطنين تجاه التدابير الوقائية من الجائحة: الصور التي يتم نشرها للأشخاص الذين لم يلتزموا بالحجر الصحي، ومكانة هذه “اللامسؤولية” في الخطابات الحكومية، والتذكير اليومي بعدد المخالفات التي تم تسجيلها… كلها عوامل تُشير إلى إستراتيجية تهدف إلى تقديم الآثار المُهولة المرتقَبة للجائحة على أنها نتيجة لِعَدَمِ الانضباط وتحمّل المسؤولية، أي توجيه الأنظار و إبعاد الاهتمام عن الأسباب السياسية والاقتصادية. الهدف أيضا، هو توظيف الخوف الذي خلَّفته الجائحة لتسويق صورة حكومة مسؤولة، تواجه هذه الفترة الحرجة بشجاعة، “رغم عدم التزام المواطنين”، كما صرَّح إمانويل ماكرون.
المظهر الثاني، من مظاهر الاستعداد لما بعد كورنا، يتركز في الجانب الاقتصادي؛ يتعلق الأمر بتهيئ الرأي العام مسبقا لجولة جديدة من السياسات التقشفية، والتي سيتم تبنِّيها حتما بعد الجائحة. ففي الوقت الذي ندفع فيه الثمن غاليا، والمتمثل في الخسائر البشرية المُّهولة، نتيجة لسياسات تقليص ميزانيات القطاعات العمومية، نجد أن الهدف هنا هو توظيف الجائحة لإعادة شَرعَنة سياسات التقشُّف والتي برَّرتها ” خسائر الحرب” ضد كورونا، وواجب إعادة البناء بعد نهايتها.
وتتَّخِذ مفردات ” الحرب” و ” الوحدة الوطنية ” نفس المنحى. هنا، نحن بصدد عيش ما سمِّته الصحفية نايمي كلين، ب ” إستراتيجية الصدمة .” ففي كتابها الصادر سنة 2007، توضح هذه الصحفية، كيف يتِمُّ استثمار الصدمات النفسية التي تُخلِّفها الكوارث، وتوظيفها لِفَرض الإجراءات النيولبرالية الأكثر إجحافا. لقد أطلقت كلين على هذه الأوالية (processus) تسمية: “رأسمالية الكوارث”، حيث يتم
استغلال الأزمات والكوارث لإقامة وترسيخ قوانين السوق وهمجية المُضاربة، عِوَض القيم الديمقراطية التي تتطلع إليها المجتمعات.

ويتجلَّى ثالث مظهر من مظاهر هذه الاستعدادات في الجانب التشريعي، إذ يتَّخِذ شكل قانون “طوارئ لمواجهة جائحة كوفيد 19 “، تَتِمُّ فيه إعادة النظر في العديد من حقوق الطبقة العاملة. بواسطة هذه القوانين، ستتمَكَّنُ الحكومات من اتخاذ إجراءات “مؤقَّتة” تشمل الحق في الشُغل، بالسماح للمُشَّغِلين، في القطاعات الضرورية لضمان أمن الوطن، و الحفاظ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بإمكانية عدم الالتزام بالاتفاقات التعاقدية التي تُحدِّدُ شروط العمل، كمُدَدِ العقود، والعطل الأسبوعية وغيرها (المادة 17). فلقد تمَّ تقليص مدة العطل المؤدى عنها، من أربعة أسابيع، لستة أيام. كما تسمح للحكومة بتعديل طُرُقِ الاستشارة والتمثيل من طرف هيئات المستخدَمين التمثيلية، وخصوصا اللجان الاجتماعية الاقتصادية، في حين أن الحكومة لا تنبس ببينة شفة، بخصوص التدابير الوقائية في صفوف الشّغيلة، إذ لا يظهر لها مدى ضرورة توفير الكمامات لشريحة واسعة من العاملين الذين تجعلهم ظروف عملهم عرضة للوباء، وكأن مهمة الحكومة تقتصر فقط على إعادة النظر في حقوق الطبقة العاملة ولا شيء غير ذلك.

إذا كانت الجائحة فرصة مكّنتنا من اكتشاف العديد من الآليات التي تُسهل عملية تحليل العولمة الرأسمالية، فإنَّها بيَّنت أيضا (الرأسمالية) أنها بعيدة كل البعد عن هزيمتها؛ إذ سيكون اليوم المُوالي (ما بعد الجائحة) يوم أداء الفواتير، وقبل ذلك سيتِمُّ تحديد من سيدفع هذه الأخيرة. ورغم حالة الشتات المفروضة علينا في ظل الحجر الصحي، يجب أن نستعدَّ، كما تستعِدُّ الطبقات المسيطِرة. يجب أيضا أن نطالب بمساعدات كبيرة وبدون شروط للدول الإفريقية، لكي لا تكون أكثر الدول تضررا من الجائحة، علما أن هذه الدول، وبسبب تدخل الحكومات الغربية، أصبحت تعيش حالة من الهشاشة المفزعة في قطاع الصحة.
إن المُسَيطرين على العالم، يركزون اهتمامهم، أكثر من أي وقت آخر، فقط على أسباب هذه الوضعية ويغضُّون الطرف عن نتائجها ، وفيروس كورونا بيَّن بالملموس أن الأسباب الحقيقية تكمن في العولمة الرأسمالية. هي من يجب أن نلقي بِلَومِنا عليها، وإليها يجب أن نوجِّه الانتقادات والاتهامات.
إذا كان تحقيق عالم آخر ممكنا، فإنه أصبح اليوم أكثر ضرورة واستعجالا.

المصدر: مدونة سعيد بوعمامة

شاهد أيضاً

بيير ديلو: الإنترنت.. أو في روح العالم

الحسين أخدوش  Pierre Dulau [1] ترجمة الحسين أخدوش افتتاح الشّاشة المصطلحات: نّوافذ  «windows»، سّافاري «Safari»، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *