الرئيسية / ترجمة / جاك طاسين: الحجر الصحي أو أفول حاسة اللمس

جاك طاسين: الحجر الصحي أو أفول حاسة اللمس

ترجمة سليم يوسف


الكائن البشري كائن لمسي بامتياز، فلمس العالم حاجة ومصدر سعادة له. لكن يلزمنا، وبأسرع وقت ممكن، أن نعيد تعلم العيش وفق أهواء أجسادنا.
لم تخلق الأزمة الصحية الحالية شكلا من أشكال التذرية الجسدانية التي لا سابق لها فقط، ولكن خلقت أيضا شكلا من أشكال الحذر حيال كل جسد ليس جسدنا. فأن لا نلمس الآخر كي لا نشارك في لعبة التلوث الفيروسي، شر لابد منه اليوم. لكن لما يتلبس تصرف ودي في متخيلنا خطورة تصرف مميت، فيبدو من المشروع مساءلة تضامننا الجسدي الذي أصبح الآن مختلا، مفككا، مشظى، ومنذورا لتصدع ضار. إن أيادينا مدعوة اليوم للانضباط أكثر، لأن الحركات الموانع (gestes barrières) تلزمنا ذلك. ومع تعاقب أيام الحجر نتعلم، وبشكل عرضي، البقاء على مسافة مع من ليس نحن.
إن هزة بهذا العمق، وغير المسبوقة، لروابطنا اللمسية، لا يمكن أن تخلو من آثار جانبية في المستقبل؛ والانفصال الكبير الجاري الآن ليس بالأمر الهين، فما أن تصبح هذه الموجة الفيروسية في حكم الماضي، وتحت طائل فقدان التضامن، يتوجب أن ننسى ما تعلمناه من حذر حيال أجساد الآخرين.

الإنسان كائن عاشق للمس (Haptophiles)


إن هذا الجلد الذي يغطي جسمنا هو، بالفعل، عضونا الحسي الأول، بل أعمق ما فينا كما كتب بول فاليري (Paul Valéry) يوما. فعبر هذه الواجهة، المفعمة بالحياة، ومنذ المرحلة الجنينية من حياتنا، نعي ببطء وجود عالم خارج عنا. إننا في نشأتنا وتطورنا كائنات جسدية حسية (Somesthesiques) وعاشقة للمس (Haptophiles) قبل كل شيء. وببساطة أقول، إننا كائنات لمسية بصورة جوهرية.
خلال حياتنا، نقيم لصق هذه الحقائق اللمسية، المحسوسة، والأقرب إلينا. ولا يتردد بعض علماء الإحياء التطوريين في الاعتقاد أن صعود حاسة البصر يندرج ضمن شكل من أشكال اللمس عن بعد، ويصدر عن جلد تهذبت حساسيته نحو الضوء، وئيدا، واكتملت. إننا لا نفارق هذا الجلد الذي يشكلنا في أعمق أعماقنا، ومنذ سحيق تاريخنا.
إن راحات أيدينا وأطراف أصابعنا، عجائب الإدراك التي يملكها جسدنا، تقودنا إلى أقصى قرب ممكن من المادة، فتلابس المعالم وتروزها، وتجسها، وتلمسها، فجلدنا يقدم لنا العالم، ويقدم لنا الآخر أيضا. لكن الوباء يعيق ذلك اليوم، مما يلزمنا، ومن الآن، الاحتراز، كما يحترز أطفال تحت عين سلطة أبوية شزراء، على ألا نلمس هذا العالم إلا بحاسة البصر.

تَمَلُّك العالم من جديد


أحيانا، لا تخلو الكلمات من مفارقات، فالفعل (confiner) في الفرنسية، وفي صيغة المتعدي غير المباشر، يفيد: لمس، والشخصان: قرب بعضهما من بعض. ويعني هذا، ضمنيا، حظر كل تباعد اجتماعي. وفي المقابل، وفي الترتيبات التي تتطلبها مكافحة الأزمة الحالية، لا نعدم، بكل تأكيد، اقتراح أقسى مستويات التباعد. صحيح، إن أوامر الحجر الصحي تتضمن أشياء متناقضة بشكل غريب حقا.
إن اللمس ليس نافعا فقط، بل حيوي لنا نحن الرئيسات (Primates). في سنة 1958، كشف عالم النفس هاري هارلو (Harry Harlow) للعالم صورة قرد صغير جدا، أُبْعِدَ عن أمه، يلتصق بحلد دمية مزيف، تاركا دمية معدنية مزودة بقارورة رضاع لن تنقذه حتما. إن الاتصال الجسدي هو حاجة القرد الصغير الأولى، قبل حاجته إلى الغذاء، وتلك حاجة الإنسان الأولى أيضا.
في السبعينيات من القرن الماضي، أثبتت عالمة الإحياء إيريكا فريدمان (Erika Friedman) بدورها أن مداعبة الحيوانات الأليفة، وهو بديل علائقي ناجع، يخفض مخاطر أمراض الدورة الدموية. فلمس الآخر يُمَنِّعُنا من الإصابة بالمرض. وبينت دراسات حديثة أجريت في اليابان أيضا، أن تمرير الأصابع على الخشب يخفض من درجة التوتر لدى الإنسان. إننا كائنات لمسية بصورة أساسية، ولا نشعر بأننا على ما يرام إلا لما يكون جلدنا في اتصال وثيق بالآخر الحامل للحياة.
يلزمنا إذن، وبعد أن تعود السكينة إلى عالمنا، ولكي نتعافى كليا من هذا الوباء، أن نقبض على العالم ثانية بملء اليد، على مستوى الحقائق اللمسية، وفي كامل الاتصال مع الآخر. لن يلزمنا، فقط، القضاء على التباعد الاجتماعي، الذي لا غنى عنه اليوم، لكن أن نستعيد علامات هويتنا أيضا، وأن نتوجه ثانية نحوما يعنينا ويؤثر فينا.
يلزمنا أن نتعلم العيش من جديد وفق أهواء أجسادنا المنخرطة، بشكل عضوي وتضامني، في العالم، وداخل تماس اتصالي ضيق. إن التعافي من هذا الوباء يستلزم التعافي من أزمة لمس لا سابق لها. يجب علينا نسيان أننا تحولنا غب حجر صحي إلى كائنات كارهة للمس (Haptophobes) بشكل مؤلم.
 جاك طاسين، كاتب وإخصائي في شؤون البيئة بمركز التعاون الدولي في البحث الزراعي من أجل التنمية بفرنسا (Cirad).
 ترجمة يوسف سليم بتصرف عن: https://www.liberation.fr/debats/2020/04/09/en-confinement-le-crepuscule-du-toucher_1784703

شاهد أيضاً

الإلهُ على ورقةِ دولارٍ

سامي عبد العال سامي عبد العال        تعبر العملات النقدية عن كم التحولات التي طرأت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *