الرئيسية / العلوم الإنسانية / علم النفس / المنظور الفرويدي للإنسان

المنظور الفرويدي للإنسان

عصام نكادي،

شكل التحليل النفسي ومنذ قبوله والاعتراف به كعلم له موضوعه الخاص والمتفرد من طرف الجمعية العامة لعلماء النفس في عشرينيات القرن المنصرم منعطفا هاما في تاريخ الفكر الانساني الغربي بشكل خاص والإنساني منه بشكل عام، اذ يعد تمردا على الإرث العقلاني الديكارتي وقطيعة معه؛ حيث قلب التعريف الديكارتي – الذي إنبت عليه الحداثة وشيدت من خلاله صروحها الكبرى – الذي اعتبر أن الإنسان كائن عاقل وبالتالي افتتاحه لعصر ” يعطي الأولية للانسان وللذات الانسانية والاعلاء من شأن الفردية “[1]، إلا أن فرويد قوض هذا الرؤية  التفاؤلية للانسان وحاول الابحار في الجانب المظلم والخفي فيه مركزا في ذلك على المعنى الكامن وراء عقله والآليات الخفية التي يشتغل بواسطتها هذا العقل والتي تشرط إرادته وحريته وتحركه من دون سابق انذار منه.

سنحاول أن نوضح أهم الخصائص التي خصّ بها فرويد الانسان، مبرزين ذلك في شكل نقاط مختصرة وبأسلوب سلس يحاول الاختصار قدر الإمكان :

·       ما الإنسان ؟

يعتبر الانسان كائن وحيوان فيزيولوجي، يتميز بمظاهر نفسية ثابتة لاتتغير الا في السطح؛ وهذه المظاهر النفسية هي “الأنا والأنا الأعلى والهو”. فالأنا هو مركز الادراك والشعور الخارجي والداخلي، وهو منبع الوعي و العمليات العقلية التي يحاول من خلالها الانسان فهم ما يجول في الواقع الخارجي (من وقائع اجتماعية وثقافية …) وكذلك فهم العوالم النفسية الداخلية من احساسات ومشاعر ومحاولة تقديم تفسير لها. ان الأنا وظيفته الأساسية هي صون الشخصية ومحاولة حلحلت الصراع الدائم بين الأنا الاعلى الذي يمثل مستودعا لكل القيم والمعايير والقوانين الاجتماعية التي تمثل سلطة ورقابة على الفرد، وبين الهو الذي يعتبر المكون البيولوجي والغريزي في الانسان من غرائز جنسية ودوافع عدوانية تسعى دائما الى تحقيق اللذة غير آبهة بالمعايير والقيم التي تسود داخل المجتمع والتي تنظم عملية تحقيق هذه اللذة بطرق تتماشى وثقافة المجتمع. ان هذا الصراع المرير بين الهو والانا الاعلى يحاول الأنا جاهدا أن يوازن بينهم بغية تحقيق التوازن النفسي والاستقرار والتخلص من التوتر الناجم عن هذا الصراع والاحتدام. ان الهو هو الصورة البدائية للانسان قبل انتقالها من الطبيعي الى الثقافي، حيث كان ومنذ غابر الازمان يحقق رغبته ويحصل على اشباع لذيته من دون أدنى قيود أو عقبات كالتي أصبحث تجابهه الأن، لهذا فقد اعتبر في كتابه الشهير “قلق في الحضارة” بأن هذه الاخيرة أي الحضارة  تحد من رغبات الفرد وتحوّل جزءا من طاقته – الليبيدو – نحو خدمة وبناء الحضارة بما يتماشى و الأهداف العامة التي تسعى هذه الحضارة الى تحقيقها.

وفي الاخير يمكن ان نقول بأن الانسان عند فرويد يستمد هويته من خلال العناصر الثلاثة التي تم ذكرها، الا ان هذه الهوية دائمة التقلب وليست ثابتة حسب العنصر الذي يسطر على الانسان، فاذا سيطر عليه الهو فانه يستمد هويته من الهو او اذا سيطر عليه الانا الاعلى يستمد هويتها من الاعلى وبالتالي تكون هذه الهوية اجتماعية ومقبولة بحكم ان الاعلى يمثل خزان للقيم والمعايير العامة للمجتمع وهكذا دواليك…

·       الانسان كائن عدواني :

في نظريته الأولى حول الدوافع أرجع فرويد الدافع الانساني الى العدوانية الى دوافع لبيدية اي تلك الدوافع التي يشعر بها الانسان اذا لم يستطع تحقيق اشباعه وطاقاته الغريزية من جنس…وبالتالي تتراكم هذه الطاقة وتخزن في اللاوعي حتى تخرج منه بشكل عنيف وهدام؛ او الى دوافع الحفاظ على الذات ومكمنه الأنا الذي يحاول جاهدا الى الحفاظ على حياة الانسان وصونها، لكن في نظريته الثانية سيعطي للدافع العداوني مكانا خاصا ومستقلا ومنافسا بالتالي لدوافع الليبيدو والانا، ومن هنا تشديده على طبيعانية العدوان وتأصله في بيولوجية الانسان، مما يجعل القضاء على مظاهر العدوان والحرب وإلحاق الاذى بالأخرين مجرد سراب لا يمكن تحقيقه بل ما يمكن عمله هو تقليص وتحجيم هذا الدافع الى حدود معينة. وهذا ما عبره عنه في كتابه “قلق في الحضارة” حيث يقول: ليس الانسان بذلك الكائن الطيب السمح، ذي القلب الظمآن، الذي يزعم الزاعمون أنه لا يدافع عن نفسه الا نتى هوجم، وإنما هو على العكس كائن تنطوي معطاياته الغريزية على قدر لا يستهان به من العدوانية”[2]. بالتالي فإن الحديث عن عدوانية الانسان في كلا النظريتن الاوليتين التي تم ذكرهنا (دافع اللبييدو او الدفاع عن الذات وحفظها ازاء تعرضها لمخاطر خارجية) قد تم إبدالها من طرف فرويد في هذا الكتاب بنظرية ترى أن الانسان كائن شرير بطبعه ملاحظين تأثره الواضح بتوماس هوبز.

·       هل الانسان كائن أناني بطبعه ؟

ان الانسان ومن خلال مراخل تطوره العمرية الأولى تهيمن عليه نرجسية أولية تتبدى واضحة في بحثة عن تحقيق اللذة و الاشباع سواء عبر الفم وهي المرحلة التي تمتد من ولادة الطفل الى بلوغه السنة الاولى من عمره أو عن طريق الشرج وهي المرحلة التي تمتد من السنة الاولى حتى السنة الثالثة… كلها تبين عن الأنانية المتأصلة في الجبلّة الانسانية؛ فالطفل يصارع الى تحقيق لذته دون الاكتراث الى والديه ويسعى جاهدا الى الحصول على كل اشباعه بكل ما أوتي له من طرق و وسائل (بكاء ، صراخ…). ومن خلال هذا المعطى الاولي يمكن القول بان الانسان كائن أناني بطبعه يسعى دائما الى تحقيق لذته ولو على حساب الآخرين، “فليس القريب إليه مجرد مساعد وموضوع جنسي ممكنين، وانما ايضا موضوع و اغواء”[3]. وبالتالي فان ما يجعل الانسان يتنازل عن أنانيته هذه ولو قليلا هو مبدأ الواقع الذي يتعارض مع مبدأ  اللذة ” بما يتطلبه من تحديدات و إرغامات تفرضها  مصلحة المجتمع عامة ورغبات الآخرين”[4].

·       هل الحضارة هي التي تصنع الانسان أم الانسان هو الذي يصنع الحضارة؟

ان الحضارة عند فرويد تبنى من خلال قمع مبدأ اللذة عند الانسان وتحويل طاقة الليبيو عن طريق العمل بكل أشكاله، فالحضارة تقمع غرائز الانسان و تروضها لأهداف ومآرب تخدم الحضارة بالدرجة الأولى وتضرب بكل الغرائز الفطرية  للانسان عرض الحائط؛ فالحضارة تصنع الانسان الذي يصنعها بدوره. فهذه الثنائية تبقى ثنائية اشكالية عصية على الحل لكن من اجل فهمها لا بد من النظر اليها نظرة تكاملية، فالانسان والحضارة  يحددان ويكملان بعضهما البعض.

وفي في النهاية أود أن أقول بأن المثن الفرويدي هو مثن دسم يصعب التمكن منه وفهمه بحكم كثرته وضخامته وتحولاته، الا اننا حاولنا تقديم قراءة متواضعة وبسيطة فيه، وهي محاولة أولية تهدف الى تسليط الضوء على بعض القضايا التي أثارها حول الانسان ومنظوره اليه.

الحواشي :


[1] – إبراهيم الزيني، ديكارت، كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى سنة 2013، ص 8.

[2] – سيغموند فرويد، قلق في الحضارة، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ،بيروت، ص 72.

[3] – المرجع السابق، نفس الصفحة.

[4] – محمد سبيلا، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث و النشر،لبنان، الطبعة الاولى سنة 2009، ص 18.

الكاتب: عصام نكادي، طالب في شعبة علم الاجتماع بجامعة ابن زهر، 

42359160_2460656907284671_7546434715062894592_n.jpg

شاهد أيضاً

سبينوزا مرة أخرى

كل ما هو ثمين هو أيضا شاق ونادر عبد الكريم وشاشا كشف الفيلسوف جيل دولوز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *