الرئيسية / ترجمة / سلافوي جيجيك: بربرية بملامح إنسانية

سلافوي جيجيك: بربرية بملامح إنسانية

مصطفى العارف

بقلم:سلافوي جيجيك

ترجمة: مصطفى العارف

خلال هذه الأيام أحاول جاهدا محاصرة نفسي لالتقاط فيروس كورونا، فبهذه الطريقة على الأقل ستنتهي حالة عدم اليقين المُتعِبة جدا. من بين العلامات الواضحة التي تدل على تزايد حالة القلق لدي هي علاقتي بالنوم، فقبل أسبوع تقريبا كنت أنتظر بفارغ الصبر الليل، لأن النوم يجعلني أهرب من مخاوفي ونسيان متاعب الحياة اليومية… بيْد أن الأمر عكس ذلك تماما، فأنا أخاف أن أغفو حتى، لأن الكوابيس تطاردني في أحلامي وتجعلني في حالة ذعر، إنها كوابيس عن الواقع الذي ينتظرني

الكثير منا في حالة حجر داخل شققهم ) لكن ماذا عن أولئك الذين ليس في استطاعتهم تحمل الحد الأدنى من احتياطات السلامة؟

ما هذا الواقع المزري؟ فغالبا ما نسمع هذه الأيام عن الحاجة لتغييرات اجتماعية جذرية إذا ما أردنا مواجهة عواقب الأوبئة المستمرة ) أنا بدوري أساهم في نشر هذا الشعار(، المشكل أن التغييرات الجذرية تحدث بالفعل. ما كنا نعتبره مستحيلا قبلا فرضه علينا فيروس كورونا التاجي، فلم يكن من الممكن تخيل ما يحدث اليوم في حياتنا اليومية، فالعالم توقف عن الدوران، ودول بأكملها في حالة انسداد كامل تقريبا، والكثير منا في حالة حجر داخل شققهم ) لكن ماذا عن أولئك الذين ليس في استطاعتهم تحمل الحد الأدنى من احتياطات السلامة؟( إننا نواجه مستقبلا غامضا، فحتى لو بقينا على قيد الحياة فإن أزمة اقتصادية كبيرة تنتظرنا… يعني ذلك أن رد فعلنا اتجاه هذه الأزمة هو القيام بالمستحيل، أي ما يبدو مستحيلا في النظام العالمي قد حدث، فقد توقف العالم عن الدوران، والمستحيل هو ما يجب علينا فعله لتجنب الأسوأ، لكن ما هو هذا الأسوأ؟

أختلف كثيرا مع جورجيو أغامبين الذي يرى في هذه الأزمة المستمرة علامة على أن “مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء سوى الحياة العارية


لا أعتقد أن أكبر تهديد نواجهه هو العودة إلى البربرية والعنف من أجل البقاء داخل نظام من الفوضى العامة والذعر، وما إلى ذلك ) رغم احتمال انهيار أنظمة الصحة وبعض الخدمات العامة الأخرى(، فما أخشاه هو أكبر بكثير من البربرية المفتوحة، إنه بربرية بملامح إنسانية، فقد لاحظنا إجراءات لا ترحم تقرر بأسف وبتعاطف كبيرين من سيعيش ومن سيموت، الأدهى من هذا أنها انتزعت الشرعية من الخبراء. هذا ما لاحظناه بوضوح في طريقة ونغمة خطابات من هم في السلطة: فهم لا يحاولون فقط إظهار الهدوء والثقة، بل يصرحون بتنبؤات مخيفة بشكل منتظم مثل احتمال استمرار الوباء لعامين كاملين، وأنه سيصيب ما بين ستين وسبعين في المئة من سكان العالم وسيموت الملايين… إن رسالة هؤلاء الحقيقية في نهاية المطاف هي أنه يجب علينا التخلي نوعا ما عن أسسنا الأخلاقية الاجتماعية: رعاية المسنين والضعفاء مثلا، فقد أعلنت إيطاليا بالفعل أنها ستتخلى عن المسنين الذين تزيد أعمارهم عن الثمانين عاما. يجب أن ننتبه إلى أن قبول هذا المنطق المتمثل في “البقاء للأصلح” ينتهك حتى المبدأ الأخلاقي داخل الحرب المتمثل في ضرورة رعاية الجرحى حتى ولو كانت فرص بقاءهم ضعيفة، لكن رغم ذلك لا ينبغي أن نتفاجأ من كل هذا لأن المستشفيات تقوم بنفس الأمر مع مرضى السرطان.
حتى نتجنب سوء الفهم ههنا، وأنا واقعي تماما فيما سأقول، يجب على المرء البحث حتى عن الأدوية التي تخفف ألم الموت لتجنب المعاناة غير الضرورية. لكن هدفنا الأول من كل هذا ليس هو الاقتصاد بل المساعدة غير المشروطة وبغض النظر عن التكاليف الناتجة عن أولئك الذين يحتاجون للمساعدة لتمكين بقاءهم.
لذلك أختلف كثيرا مع جورجيو أغامبين الذي يرى في هذه الأزمة المستمرة علامة على أن “مجتمعنا لم يعد يؤمن بأي شيء سوى الحياة العارية، فمن الواضح أن الإيطاليين مستعدون للتضحية عمليا بكل شيء- ظروف الحياة الطبيعية والعلاقات الاجتماعية والعمل وحتى الصداقات والمشاعر والقناعات السياسية والدينية- لمواجهة خطر الإصابة بالوباء. إن الحياة العارية – وخطر فقدانها- لا تعمل على توحيد الناس بقدر ما تعميهم وتفرقهم”. إن الأمور أكثر تعقيدا مما نظن، فالحياة وفقا لهذه الظروف توحد الناس أيضا، لأن الحفاظ مثلا على مسافة الأمان هو إظهار لاحترام الآخر وتقديره لأنني قد أكون حاملا للفيروس، فأبنائي يتجنبونني قدر الإمكان لأنهم يخافون إصابتي بالعدوى بسبب كبر سني، فما يعتبر بالنسبة إليهم مرضا عابرا يمكن أن يكون مميتا بالنسبة لي.
نسمع مرارا وتكرارا خلال هذه الأيام أن كل واحد منا يتحمل المسؤولية، وعليه الامتثال للقواعد الجديدة، فوسائل الإعلام تحبل بقصص عن أشخاص أساؤوا التصرف ووضعوا أنفسهم والآخرين في خطر محدق ) مثل رجل دخل إلى المتجر وبدأ في السعال…( إنه نفس المشكل مع موضوع البيئة مثلا حيث تؤكد وسائل الإعلام مرارا وتكرارا على المسؤولية الشخصية )مثل إعادة تدوير الصحف المستعملة(. إن مثل هذا التركيز على المسؤولية الفردية يشتغل كأيديولوجية في اللحظة نفسها التي تقوم بها هي نفسها بالتعتيم على التساؤل الكبير حول كيفية تغير نظامنا الاقتصادي والاجتماعي بأكمله. فلا يمكن خوض المعركة ضد الفيروس التاجي إلا إذا دخلنا في معركة أخرى ضد الغموض الأيديولوجي ، باعتباره جزءا من معركة لصالح المجال الإيكولوجي العام، لأن انتقال الأمراض من الحياة البرية إلى البشر هو” التكلفة الخفية للتنمية الاقتصادية البشرية، بسبب تقليص موطن الحيوانات واقتحام مجالات أخرى غير بشرية، وتشييد بيئات جديدة تسهل انتقال الفيروسات بسهولة، ثم نتفاجأ بأن لدينا فيروسات جديدة”.
لا يكفي إذن فقط توفير الرعاية الصحية العالمية للناس، بل يجب أن نُدرج في حساباتنا الطبيعة نفسها، لأن الفيروسات تهاجم النباتات أيضا التي تعد من المصادر الرئيسية لأطعمتنا، مثل البطاطس والقمح والزيتون. يجب علينا أن نضع في اعتبارنا المفارقات التي ينطوي عليها العالم الذي نعيش فيه، فمن الجيد مثلا أن حالة الإغلاق التي عرفتها الصين بسبب الفيروس التاجي أنقذت أرواحا كثيرة من تلك التي قضت نحْبَها بسبب الفيروس ) هذا إن كنا نثق في الأرقام الرسمية للوفيات(، يقول بهذا الصدد عالِم اقتصاد الموارد البيئية مارشال بورك أن هناك ما يثبت العلاقة بين نوع الهواء السيء والوفيات المبكرة المرتبط باستنشاقه: آخذين ذلك بعين الاعتبار فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت الأرواح التي أُنقذت من الانخفاض الكبير للتلوث الناجم عن الاضطراب الاقتصادي من الفيروس يتجاوز عدد الوفيات جراء الفيروس نفسه. إن الجواب هو الإيجاب بطبيعة الحال، ففي ظرف شهرين من انخفاض التلوث جراء الاغلاق الاقتصادي من المحتمل إنقاذ حياة 4000 طفل دون سن الخامسة و73000 شخص بالغ فوق سن السبعين في الصين وحدها”.
إننا عالقون في أزمة ثلاثية: أزمة طبية جراء الأوبئة نفسها، واقتصادية تلك التي ستضرب بشدة كيفما كانت نتيجة الأوبئة، ثم أزمة الصحة العقلية التي لا يجب الاستهانة بها. إن إحداثيات العالم ستتفكك ومعها حياة الملايين، وسيطال التغيير كل شيء، بدءا من الرحلات الجوية إلى الإجازات والعطل، وصولا إلى التواصل الجسدي اليزمي. علينا أن نتعلم التفكير خارج إحداثيات سوق الأسهم والربح، وإيجاد طريقة أخرى بسيطة لإنتاج وتخصيص الموارد اللازمة. فمثلا عندما تعلم السلطات باحتكار شركة كبرى ما لملايين الأقنعة في انتظار اللحظة المناسبة لبيعها، لا يجب في هذه الحالة التفاوض مع الشركة، بل يجب ببساطة مصادرة تلك الأقنعة.
أفادت وسائل الإعلام أن الرئيس الأمريكي ترامب عرض مليار دولار على شركة CureVac للأدوية الحيوية مقرها مدينة توبنغن لتأمين اللقاح لأمريكا فقط، فصرح وزير الصحة الألماني أن محاولة سيطرة إدارة ترامب على لقاح CuveVac فاشلة، لأن اللقاح سيتم تطويره للعالم كله وليس لدولة بعينها. ههنا لدينا حالة نموذجية للصراع بين البربرية والحضارة. لكن ترامب نفسه كان عليه التذرع بقانون الإنتاج الدفاعي الذي سيسمح للحكومة بضمان قدرة القطاع الخاص على زيادة إنتاج الإمدادات الطبية. يعلن ترامب عن اقتراح لتولي القطاع الخاص زمام الأمور، وسيلجأ إلى حكم فيدرالي يسمح للحكومة بتنظيم القطاع الخاص استجابة للوباء، وسيوقع قانونا يمنح لنفسه بموجبه السلطة لتوجيه الإنتاج الصناعي في حالة الحاجة.
عندما استعملت مصطلح “الشيوعية” قبل أسبوعين سخر مني الكثيرون، لكن ترامب اليوم يعلن عن اقتراح لتولي الحكومة القطاع الخاص، هل كان من الممكن تخيل هذا الانقلاب قبل أسبوع حتى؟ ليست هذه سوى البداية، لأنه يجب اتباع المزيد من التدابير مثل هذه، إضافة إلى ضرورة تنظيم ذاتي للمحليات إذا ما خضع النظام الصحي الذي تسهر عليه الدولة لضغط كبير. ليس العزل الصحي كافيا من أجل البقاء على قيد الحياة، بل يجب على الخدمات الأساسية أن تعود للعمل مثل الكهرباء والغذاء وإمدادات الأدوية… كما سنحتاج للمتعافين للعودة سريعا إلى العمل والإنتاج. لا يتعلق الأمر برؤية شيوعية طوباوية، بل إنها شيوعية تفرضها ضرورات البقاء العاري، وهي للأسف نفس النسخة التي أطلق عليها الاتحاد السوفياتي سنة 1918 “شيوعية الحزب”.
يقول المثل أننا كلنا اشتراكيون في أوقات الأزمة، فحتى ترامب منح لكل مواطن بالغ شيكا بقيمة ألف دولار، وسيتم إنفاق تريليونات الدولارات لانتهاك كل قواعد السوق، ولكن كيف وأين ولمن؟ وهل ستكون هذه الاشتراكية القسرية خاصة بالأغنياء؟ لنتذكر عملية إنقاذ الأبناك خلال سنة 2008، بينما خسر الملايين من الناس مدخراتهم الصغيرة. هل سيتم إحالة الأوبئة إلى فصل آخر في القصة الطويلة الحزينة لما سمته نوامي كلاين “رأسمالية الكوارث”، أم سيخرج منه نظام عالمي جديد أكثر تواضعا وربما أكثر توازنا؟

الكثير منا في حالة حجر داخل شققهم ) لكن ماذا عن أولئك الذين ليس في استطاعتهم تحمل الحد الأدنى من احتياطات السلامة؟

شاهد أيضاً

حوار مع بيير حادو: ما هو الايتيك؟

ترجمة : محمد ازويتة بيير حادو ، أنت متخصص كبير في الفلسفة القديمة . فأنت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *