الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / إبْدَالُ نِظَامِ التَّحْريْمِ الكُلِّيِّ بالْحُرِّيَّة أو إِعَادَةُ تَكْوينِ الْعَالَمْ

إبْدَالُ نِظَامِ التَّحْريْمِ الكُلِّيِّ بالْحُرِّيَّة أو إِعَادَةُ تَكْوينِ الْعَالَمْ

عبد الرَّحمن بسيسو

يبدو جليّاً الآن، وبلا أدنى مُواربةٍ أو غُموضٍ، أنَّنا إزاء عمليّة بلورةٍ نهائيّةٍ لنظامٍ تَابُوِيٍّ كُلِّيٍّ مُعَوْلَمٍGlobalized Taboo System ؛ نظامٍ لا يتوخَّى شيئاً سوى إعادة تكوين العالم وفق مشيئة الرَّأسماليَّة العالميَّة المتوحِّشة، وبإرادتها المطلقة المُوظِّفَةِ كُلَّ قُوَّتِهَا وكُلَّ ما بِحَوْزَةِ أتباعها المتكاثرين من مواردَ وإمكانيّاتٍ وقُوَّة، لِيَكَونَ هذا النِّطام، الذي نَلْحَظُ الآن، عِيَاناً وبجلاءٍ ساطعٍ، علاماتِ تَبَلْوُره وملامحَ تَشَكُّل بعض ملامحه، نظاماً يتأَسَّسُ على الاسئشثار الرَّأْسِمَاليِّ، والاسْتِغْلالِ، والاسْتِعْمَارِ، والظُّلم، والإِرْهَاب والقَهْرِ، والعُنْصُريَّة العمياء، والتَّطَرُّفِ، والاستحواذ التَّملُّكيِّ، والسَّلب والنَّهب، والاسْتِلَاب، والاقتلاع والطَّرد، والتَّهجير القسريِّ، وفرض الخُنُوع، والتَّبَعِيَّة، والإِذْعَانْ.
ولِهَذَا التَّأسيس أَنْ يَسْتُوجُبَ إبْدالَ كُلِّ ما يَدُورُ في فَلَكِ “اللِّيبْرَاليّة الْجَدِيدَةِ Neoliberalism” الأَسْودِ مِنْ مُصْطَلحَاتٍ وَمَفَاهِيمَ تَنْفَلِتُ مِنْ كلِّ قِيْمَةٍ إِنْسَانيّةٍ أو عِقَالٍ اجتماعيٍّ إنسانيٍّ جمعيٍّ، وتَقُولُ، بتركيزٍ لافتٍ وجلاءٍ ساطعٍ، دلالةَ اسْتِفْحَالِ التَّوحُّشِ الْبَشَريِّ المُنْتَهِكِ كُلَّ مَبْدإٍ عَدَالَةٍ وسَلامٍ اجْتِماعيٍّ، وكُلَّ حَقٍّ إنسانيٍّ، وكلَّ قِيْمةٍ، وكُلَّ حرّيّةٍ إِنسانِيَّةٍ، بِنَقَائِضِهَا المَنْشُودَةِ، والمبْذُولِ مِنْ أَجلِ إدراكِهَا كُلَّ جَهْدٍ مُثَابِرٍ، مِنْ قِبَلِ كُلِّ إنسانٍ إنسانٍ يَنْشُدُ لنفسه، ولبلاده، ولآخريه من النَّاس، ولبلادهم، حياةً حرّةً كريمةً مُفْعَمَةً بالحياة، ووُجُوداً حقيقيّاً، فاعلاً وخلَّاقاً، في عالمٍ يتهدَّدُهُ جَشَعُ الرَّأْسِمَالِيَّة السَّاعية، بضراوةٍ فاتكةٍ وتسارعٍ مَحْمُومٍ، لِجَعْلِ هذا الإبْدَالَ التَّوحُّشِيَّ الفادحَ أمراً كونيَّاً يُرَسِّخُ هيمنتها، ويُؤَبِّدُ وجُودَهَا بِنَفْيِهِ وجُودَ أيِّ كِيَانٍ جزئيٍّ أو كلّيٍ، فرديٍّ أو جمعيٍّ، قَابِلٍ للوجود الفاعل في الوُجُود، وقَدْ يُمَثِّلُ، مِنْ مَنْظُورِهَا، تَهْدِيداً، وإنْ كَانَ ضَئِيلاً، لِاسْتِمْراريَةِ وُجُودِ كِيَانِهَا الْكُلِّيِّ الْكَونِيِّ الْمُعَولَمِ، والْمُغَطَّى بنظام تَحْرِيْمٍ كُلِّيٍّ يَنْفِي الْكَرامَةَ الإنْسانِيَّةَ، ويُحِيْلُ الْحُرِّيَّةَ إلى نقيضها، ويُحَوِّلُ العالمَ إلى مَحْضِ سُوْقٍ، ويَسْلُبَ الكائنَ البشريَّ فُرْصَةَ أن يَكُونَ إِنْسَانَاً، وَيَجْتَثُ مِنَ الْحَيَاةِ حَيَوِيَّتَهَا ومَعْنَاهَا، ويُفْقِدُ الوُجُودَ رسَالتَهُ الحقَّة، ومَغْزَاهْ!
اجْتِثَاثُ هَيَاكِلَ وتَفْريغُ كِيَانَاتْ:
إلى جانب الإبقاء على القديم المُلَائِمِ تَوجُّهَاتِهَا والمُشْبِعِ حاجاتها الملحَّة لتأْبيد حُكْمِهَا، وفي مجرى سعيها المحموم للأخذ بمقتضيات تكريسه وتقويته، عَمِلَتِ النُّخب السِّياسِيَّة، القبائليّة والطَّائفيَّة، وغيرها من نُخب حزبيّةٍ عُصْبَوِيَّةٍ حَاكِمَةٍ، وذات ماهيّةٍ عسكريّةٍ، أو أمنيّةٍ، قاهرةٍ ومستبدّةٍ، بأقصى ما تستطيعه من جهدٍ، وسرعةٍ، ودأبٍ عنيدٍ، وبكلِّ ما في حوزتها من وسائلَ قَمعٍ وأَدوات إرهابٍ، مادِّيٍّ ومعنويٍّ، جليٍّ وغامضٍ؛ عَلَى مسارين اسْتَهْدَفَا تحقيقَ أَمرين.
يتركّز أَوَّلُ هَذينِ الأمْرينِ في احتواءِ أيٍّ من الأشكال أو الأُطر، أو الهياكل أَو الكيانات النُّخبويّة، الّتي بَزغَتْ حَاجَةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ مُلِحَّةٌ، أَوْ غَايَةٌ إنْسَانِيَّةٌ وَاجِبَةٌ، إلى إيجاده، فَأُوْجِدَ، أو سُمِحَ بإيْجَادِه تحت ضغط هذا الإلحاح أو ذاك، وذلك عبر حرصها على مَلْءِ تلك الأشكال والأطر بمحتوىً يلائم غاياتها وحاجاتها هي، ولا يُلائِمُ، بأَيِّ حَالٍّ، الغاية الأصليَّة التي وَلَّدَتْ في عُقُول مُوْجِدِيْهِ من المُثَقَّفِينَ الْحَقِيْقِيِّنَ الأَوْفَيَاءِ التَّصَوُّر الغَائِيَّ المَقْرُونَ بالحاجة الماسَّة إلى إيجادها في الواقع الفعليِّ القائم، وعلى نحوٍ يَكْفُلُ إشباعَ هذه الحاجَة، وتحقيقَ غاية إشباعها على نحوٍ أمثل.
أمّا ثَاني هذين الأمرين، فيتمثَّل في احتجاز إمكانيَّة نُشُوءِ، أو بَدْءِ تَشَكُّل، أَيِّ كِيَانٍ نُخْبَويٍّ يُتَوَقَّعُ له، إِنْ نَشَأَ، أن يتأبَّى على الاحتواء، وهو احتجازٌ تَلَازَمَ، طيلة الوقت، مع استئصال كُلِّ مَنْ، وكُلِّ مَا، مِنْ شَأْنِهِ أنْ يُجَدِّدَ، فِي وعْيِ النَّاسِ، انْبِثَاقَ الحاجة إلى إِيْجَادِ هذا الكِيَانِ أو هذا الشَّكْل أو ذاكَ من الكيانات والأشكال، أو مَا ماثَلَهَا مِنَ الأُطُرِ المجتمعيَّة: السِّياسِيَّة، والثَّقافِيَّة، والاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، وغيرها من الأُطُر النُّخبويّة الجامعة، والمعنيِّة بالإِصْغَاء الصَّادق إلى صوت الحياة، وأشواق النَّاس، وبِالعملِ، فور تشكُّلها وبأقصى فاعليَّة ممكنةٍ، على تلبية حاجاتهما، ومتطلَّبات وجودهما الحقِّ، وفتح أبواب ارتقائهما الدَّائم صوب أعلى مراقي الوجود الإنسانيِّ الْحُرِّ، الكريم، والمفتوحِ، دائماً وأبداً، على مستقبلٍ مفتوح!
ولإنجاز كلا الأمرين، عَمَدَتْ السُّلُطاتُ الحاكمةُ المستبدَّةُ، وغيرها من القوى الْمُهَيْمِنَةُ، إلى تشديد قَبَضَاتِ الكبح والقمع والطُّغيانِ، المُتَعَدِّدَةِ المنابع والأنماط والأوجه، على بُنَى المجتمع وحيوات النَّاس، وحرصت، أوّل ما حرصت، على فرض سطوة الأجهزة الأَمْنِيَّة المتكاثرة، والمتعدِّدة المجالات والاختصاصات، على أيِّ كيانٍ أو شكلٍ من الكِيَاناتِ والأشكال والبُنَى المجتمعيَّة والمهنيَّة النُّخْبَوِيَّة التي تمكَّنت، لسببٍ أو لآخر، مِنْ إِدْراكِ وُجودٍ لِنَفْسِهَا في الوُجُود، وَتَأَبَّتْ، في الوقت نفسه، على التَّفْريغِ والاحْتِواءِ، أَوْ الَّتي لَمْ يُسْتَكْمَلُ قَمْعُهَا أَوْ احتواؤُها، بَعْدُ، أو تِلكَ الَّتي لم يُحْكَمْ إغلاقُ منافذ ولادتها المُمْكِنَةِ إِنْ بزغت في الأُفُق، مُجَدَّداً وفي غفلةٍ من قَبْضَات الأجهزة الأمنيَّة، حاجةٌ مُجتَمعِيَّةٌ مُلِحّةٌ تترافقُ مع بصيص نُورٍ يُنِبِئُ بِقُرْبِ ميلاد كِيَانٍ جَدِيدٍ سِيَكونُ لَهُ النُّهُوض بِتَلْبِيةِ هذه الحَاجَة، وتَولِّي تَأَمينَ وُجُودِ شَيءٍ مِنْ حَاجاتِ الْحَيَاةِ، ومُتَطَلَّباتِ عَيْشِ النَّاسِ!
وبِطَبِيعَةِ الْحَالِ، لم يَكُنْ لفرض تلك السَّطوة الأمنيَّة المُسْبَقَةِ، والمُتَشَعِّبَةِ، أن يتوخَّى شيئاً سوى اجتثاث إمكانيَّة أن يُصْبِحَ هذا الكيان الجديد، في مقبل الأيَّام، نُواةً لمعارضةٍ حقيقيَّةٍ، سياسيَّةٍ، أو اجتماعيَّةٍ، أو اقتصاديَّةٍ، أو ثقافيَّةٍ، أو أنْ يكون قابلاً للتَّحَوُّل إلى إطارٍ جَمْعِيٍّ عريضٍ يتوافر بُنَاتُهُ، والمُنْتَمُون بإرادتهم الحُرَّة إليه، على رُؤْيةٍ مُسْتَقْبَلِيّةٍ مُتكاملةٍ ومُتماسكةٍ، ومُؤَصَّلةٍ من كلِّ جانبٍ ومنظورٍ ووجهٍ.
وإلى ذلك، لَمَ يَكنُ لِسُلْطَة مُسْتَبِدَّة أنْ تَتَوانَى عَنْ اجتثاثِ إمكانيَّةِ أَنْ تُدْهُمَ بِكَابُوس إمْكَانِيَّة تَحَوُّلِ أَيِّ كِيانٍ أَو هَيْكلٍ نُخْبَوِيٍّ يَتَوافَرُ بُنَاتُهُ على رُؤْيَةٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ شَامِلَةٍ ومُتكامِلِةٍ وُمُمْكِنَةِ التَّحَقُّقِ، إلى حاضنةً لاسْتِنْبَاتِ بُذُور المشروع النَّهْضَويِّ العُرُوبِيِّ الشَّامل والمُتَكَامِل، هَذَا الَّذي تَتَطلَّبُهُ الحَيَاة الإنْسَانيَّةُ الحضاريَّةُ الحَقّةُ، وتَتَوقُ إِلَيْهِ مجتمعات “بلاد العَرب” على تعدُّدها، والَّذي أَمعَنَ في انْتِظاره النَّاسُ من أهل “بلاد العرب” وَضِمْنَهًم ناطقو اللُّغّةِ العربِيَّة، على اختلافِ مَشَارِبِهم، وتنوُّع أعراقهم ودياناتهم وألوانهم، وتَغَايُر منابت جذورهم الثَّقَافِيَّة الَّتي غرسوها بأنفسهم في تُرْبَةِ الثَّقافة العربيَّة الجَامِعَةِ، السَّاكِنَةِ بُيُوتَ هذه الثَّقافات، والمَسْكُونة بها، والمُسْكِنَةِ إيَّاها رحابَ بيتها الواسع، والمفتوحةِ، دائماً وأبداً، على التَّنَوُّع الإنْسَانيِّ الثَّريِّ، والتَّجَدُّد الحضاريِّ الخلَّاق!


تحْريْمُ الاشْتِغَالِ فِي السِّيَاسَة:


ويبدو جَلِيَّاً أنَّ إِصْرارَ أنظمة الاستبداد والطُّغيان على احتجازِ، إن لم يَكُنِ اجتثاث، إمكانيَّة أنْ تَتَشَكَّلَ، على نَحْوٍ تطوُّريٍّ طبيعيٍّ وفي أيٍّ من المجتمعات العربيَّة، منظومةٌ إطاريَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ، ومُتَفَاعِلَةٌ، للنُّخب المتعدِّدة المجالات والاختصاصات، قد تَجَسَّدَ، بِفَجاجَةِ وَقِحَةٍ ورُعُونَة حَمْقَاء، فِي دَأَبِهَا المَحْمُومِ على متابعة تعزيز هذا الاحتجاز عَبْرَ حِرْصِهَا الصَّارم على جعل اشتغال أحرار النَّاس من عامَّة النَّاس في السِّياسة، أَو حَتّى مجرَّد اقترابهم من أسوار حُرُمِهَا المُغْلَقَةِ البَوَّابَات بمصاريعَ مُضَاعَفَةٍ وذات أقفالٍ مَقْفُولَةٍ بأَقْفَالٍ شَتَّى، أمراً محظوراً؛ أي “أمراً مُحَرَّماً” باسم القداسة، والجلال، والهيبة، أو باسْمِ أَيّ نَعْتٍ، أو اسْمٍ، أو غَرَضٍ، أو غايةٍ!
وليسَ لِفَرضِ التَّحريم السِّياسيِّ المُطْلِق أنْ يُسَوَّغَ، أو يُبرَّرَ، إِلَّا عَبرَ مَقولاتٍ آيديولوجيَّةٍ اخْتُرِعَتْ وصِيْغَتْ لِمصلَحَةِ سُلْطة الاسْتِبْدادِ، فَأُكْسِبَتْ صِفَةَ الْمُقدَّسِ الْمُتَعَالي، والْمُنَزَّلِ، لِتُرَسِّخَ في مِخْيَالِ عَامَّةِ النَّاسِ، وفي ثنايَا وعْيِهِم الزَّائفِ، اعْتِقاداً مُؤَدَّاهُ أَنَّ الاشتغالَ في السِّياسة، أَو حتَّى مُجَرَّد الاقترابِ الْبَعِيدِ من أسوارها، نَاهِيكَ عَنِ السَّعْيِّ لِولوج حُرُمِهَا، إِنَّما هُوَ أَمْرٌ جَلِيلٌ ومُتَعَالٍ ومُتَطَلِّبٌ، وذُو شَأْنٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ والْقيمَةِ، وهُوَ، لِذَلِكَ، أَمْرٌ لا يَخُصُّ أَحَداً، ولا يَسْتَطِيْعُهُ أَحَدٌ، ولا يِقدرُ على حَمْلِ ثِقَلِ مُتَطلَّبَاته الْهَائِلَةِ أحَدٌ، سِوَى الزَّعيم الأَوحد، الذي هو الحاكم المُطْلَقُ ذُو العصمة الإلهيَّة، والقُدْرَة، والسُّمُوِّ، والفخامة، والبَسَالَةِ، والنَّبالة، والجلال، وسِوَى بعض من أفراد سلالته وأسرته، أو ثُلَل من أركان بطانته، أو ممَّن يصطفيهم بنفسه، أو يُصْطَفَونَ لَهُ، من أفراد قبيلته، أو عصبته، أو عصابته، أو منظومته العشائريَّة، أو حزبه، أو غير ذلك من أسماءٍ ترتدُّ إلى ماهيّةٍ استبداديّةٍ واحدةٍ تُجَسِّدُهَا، وتُجَلِّي حُضُورَهَا، نُخَبٌ أُولِيغَارْكِيَّةٌ (Oligarchy) مُتَعَدِّدةُ الأسماء، والتَّجلِّيات، والْهَيْئَاتِ، والتَّخَصُّصَاتِ، والصُّور!
وبِجَعْلِ الاشتغال في السِّياسة، أو الاقتراب من أسوار قلاعها المُسَيَّجَة وحُرُمِهَا المُغَطَّاة بهالات الْهيْبَةِ والقداسَة، نِظَامَاً تَابُويّاً يَضْفُرُ شَتَّى الأنظمة التَّابُويَّة الَّتِي تُشَكِّلُ، مُتَضَافِرةً، “نِظَامَ التَّابُو العربيِّ الكُلّيِّ”، المتعدِّد الأذرع والقَبَضَات والفُكوك والأنياب، تَكُونُ الأنظمةُ الحاكمةُ، والقوى المهيمنةُ المتحالفةُ معها، والدَّائرةُ في فَلَكِهَا مَدْعُومةً بِهَا وداعِمَةً لهَا، قَدْ تَوافَرت عَلَى كُلِّ ما تحتاجه من مرجعيَّاتٍ مُغَطَّاةٍ باللَّاهوتِ والقَداسَةِ، وبِوصايا الآلهة والأنبياء والأئمّة والأولياء، وبالْعِصْمَة والجلال، وبصلابة الإرادة، بَلْ وبإذعان القدر نفسه لمشيئتها، لتقبض، بِكُلِّ ما تَحْتَكِرهُ من قُوَّة سُلْطَةٍ قَاهِرةٍ، ومِنْ غَشَامَةِ غَاياتٍ، ودَنَاسَةِ وسائلَ، ودناءةِ أدواتٍ، ورُخْصِ أَساليبَ، على فُرَصٍ مفتوحةٍ، وعلى مفاتيحَ مستودعاتِ فَتْكٍ غاشمٍ تحتوي “بضائع وأدواتٍ” متنوِّعةٍ تتعدَّدُ مُكَوِّنَاتُهَا ولا تخضع لإحصاءٍ، أو نفادٍ، أو انتهاء صلاحيّةٍ، وجَاهزةٌ للتَّوظيفِ الْعاجلِ، وللاستعمالِ الْفَوريِّ والدَّائم، اللَّذينِ يُمَكِّنَانِهَا من اقْتِناصِ كُلِّ الْفُرَصِ للإمْعَانِ في مُمَارسَاتِهَا القَامِعَةِ الْمُتَوخِيَةِ تكريسَ وجود “نِظَامِهَا القيميِّ السُّلطويِّ الاستبداديِّ الخاصِّ”؛ المُغْلَقِ والمَفْتُوحِ، في آنٍ معاً؛ فَكيفَ لِنِظامٍ سِياسيٍّ أنْ ينطوي على هَذِه الثُّنائِيَّة المُتَضَادَّة عَلى نَحوٍ يبدو راسِخَاً وحَاسِمَاً وغير قابِلٍ لاحتضَانِ أَيِّ شَكلٍ مِنْ أَشْكَالِ الْمجَاوَرةِ أَو التَّضَايُفِ؟!

نِظَامٌ تَحْريميٌّ مُغْلَقٌ ومَفْتُوحْ


ليسَ التَّضادُّ القَائمَ في صُلْبِ “النِّظام القِيَمِيِّ السُّلطويِّ الاستبداديِّ الخاصِّ”، إلَّا تَضَادَاً يَتَجَاوبُ فيه الانْغلاقُ مَعَ الانفتاحِ مِنْ مَنْظُورِ الْغَايَة، وما ذَلكَ إلَّا لِكَونهِ نِظَامَاً مُغْلَقاً عَلَى غَايةٍ وَحِيدةٍ هِيَ حمايةُ السُّلطة الاستبداديَّة الحاكمة، وتَغْطِيَةِ هَشَاشَتِهَا، وتَرْسِيخِ هيبَتِهَا وهيمنتها، وتَأْبِيْدِ وُجُودِهَا. وليسَ لِهذهِ الْغَايَةِ الْمتراكِبَةِ، والَّتي تَسْتَوجِبُ مُتَابَعةً مَكَانِيَّةً وزَمَانِيَّةً حثيثةً، أنْ تُدركَ إلَّا بُوجُودِ نظامٍ تَحْريْميٍّ مفتوحٍ، في كُلِّ حَالٍ وطِيلةَ الوقتِ، عَلَى استيعاب تعديلاتٍ وإضافاتٍ وإبدلاتٍ تَصُبُّ إفْرَازَاتُهَا، بسَخَاءٍ وتَواترٍ، في مجرى تحقيق الأهدافِ التَّمْكِينِيَّةِ الَّتي يُسْهمُ تحقيقهُا في إدراكِ غَايَةِ تَأْبِيد وُجُود هذا النِّظام السِّياسيِّ الاستبداديِّ الحاكم، أو ذاكَ. وَمَا هَذِه الإفْرازاتُ إِلَّا عَناصِرَ تَابُوِيَّةً تَكْوينيَّةً تُعزِّزُ نِظامَ التَّحريمِ السِّيَاسيِّ ولا تُفَارق دلالةَ حِرْصِ الأنْظِمةِ الاستبدادِيَّةِ الموشُوم بإصْرارٍ عَنِيدٍ وشَراسةٍ مَقرونينِ بالْحَمَاقَةِ المُتَغَطْرِسَة والتَّفَاهِةِ الْمُوغِلَةِ في إدِّعَاءِ الْحِكْمَة!
ومَا لِوصْفٍ أَنْ يَتمَكَّنَ مِنْ وَصْفِ الْعِنادِ الاستبداديِّ المَقْرونِ بالشَّراسَةَ المتغطرسَةَ، أو أنْ يُحِيطَ بالتَّفَاهَة المُقنَّعةِ بالذَّكاءِ والحكْمَة وبُعْدِ النَّظَرِ، حتَّى لَو استَعَانَ بِكُلِّ مَا قد هَجَرهُ النَّاسُ، أو ما قد أَبْقُوه قيد التَّداول، من مُتَخَيَّل الصُّورِ الْعَجَائبيَّة السَّوداء، وسُوقيِّ الألفاظِ ومَوبُوئِهَا، اللَّذينِ لا يَمْكِنُهُمَا مَلءَ أَوسَعَ مِحِيطٍ وأَعْمَقَهُ، وأَعْرَضَ جَحِيمٍ وأَغْوَرَهُ قَعْراً، فَحَسْبُ، بَلْ وأنْ يفيضَا عَنْهُما أيْضاً!
وليسَ لِهذا الانْفِتَاحِ على التَّعديلِ والإبْدالِ والتَّوسِيعِ والإضافَةِ مِنْ غَايَةٍ سِوى امتلاكِ الْمزيدِ مِنْ مُقَوِّمَات الاستبداد الأقْصَى الَّذي يَفْتَحُ أَوسَعَ السُّبُل أَمامَ السُّلْطَة الاستبداديَّة الْحاكِمَة لِتَوسِيْعِ مصَالِحِهَا وتعْميقِهَا ضِدَّاً بِمصْلَحةِ الْوطن، وعَلَى حِسَابِ مَصَالِح عَامَّةِ النَّاسِ مِمَّنْ يُفْتَرضُ أنَّهم مِنْ أَبناءِ الشَّعْبِ المَنُوطِ بِحُكُومَتِهِ مُراعاةِ مَصالِحِه، ورعايَته، وحمايَةَ كرامتهِ ووطنه!
وبِامْتِلاكِهَا مُقَوِّماتِ الاستبداد الأَقْصَى، سيكونُ بِمقدور السُّلطَةِ المستبدَّة أنْ تُدْركَ أَقْصى غَايَات الاستحواذ الاستئثاري الكُلِّيِّ على مَنَابِعِ الحَياةِ الحَقَّةِ، وعلى شَتّى الأَحيازِ والمَسَاحاتِ، والمَوارد والمُقدَّرات، والمَصَائِر والأَقْدَارِ، والْخَيْراتِ والنِّعَمِ، وذلكَ بمعْزلٍ تَامٍّ عَنِ الالتفاتِ إلى تطلُّعات عامَّة النَّاس، وبإنْكارٍ كلّيٍّ لحَاجَات عَيْشِهِمْ، وبتركيزٍ قَمعيٍّ محْمُومٍ على اجتثاث أَيِّ مُقْتَضَىً مِنْ مقتضياتِ تَحْفِيز تَطَلُّعِهِم اللَّاهب لإدراك وجودٍ حياتيٍّ، إنسانيٍّ حقيقيٍّ، فرديٍّ وجمعيٍّ، في أيِّ مدارٍ من مداراتِ الْحَياةِ، وفي أيِّ فَضَاءٍ مِنْ فَضَاءاتِ الوُجُود!
وإذِ انغلقت غايات”الأنظمةُ التَّابُوِيّةُ” المتَنَوِّعَة على توفير الأُسِسِ والمقتضيات الجوهريَّة التي يُسْهِمُ إنفاذها، والعمل الدَّؤوب بمقتضاها، في تحقيق غاية حماية الأنظمة السِّيَاسِيَّة الاستبداديَّة الحاكمة، وتأمين بقائها، وترسيخ هيبتها، وتغطية هشاشتها، وتأبيد وجودها، فقد كان لَهَا، وهِيَ الأنْطِمَةُ المؤسّسة، أَصْلاً، على استثمار الجهل، والإمعان في الغاء العقل، والتَّحَكُّم في قنوات الصِّلة الممكنة بين الأَرْض والسَّمَاء، والتَّجَلُّل بالمقدَّس والمُحَرَّم المُتغايرين، والمُتَحوِّلين أَبداً، وغيرِ المستثنيينِ مِنْ تقديسِ الدَّنَاسَةِ وتَحليلِ الْحَرامِ، أَنْ تُمَكِّنَ الأَنظمةَ الحاكمةَ المستبدَّة، والقوى المهيمنة المتحالفة معها، من تفعيل “التَّابُو السِّياسِيِّ” الضَّافر شَتَّى التَّابُواتِ، ولا سِيَّمَا مِنْهَا أَوغَلَهَا في الرُّسُوخ الزَّمَانِيِّ، وأَعْتاهَا!
وهكذا كانَ للسُّلطةِ المُستبِدَّةِ الْمُسَلَّحَةِ بالتَّابُو السِّياسيِّ المُعزَّزَ بالتَّابُوات الدِّينيَّة والاجتماعِيَّة والثَّقافِيَّة، وبغيرهَا مِمَّا يَضْفُرهُ فِي إِطاره الْجَامِعِ مِنْ مُكَوِّناتٍ تَحْرِيميَّةٍ، أَنْ تُوغِلَ في تهديد النَّاس بالإفقار الأرضيِّ، وبالبُؤْسِ الدُّنيويِّ، وبجحيم اللَّعن السَّماويّ الآخريِّ الأَبَدِيِّ، وغير القَابلِ، تحت أَيِّ شرطٍ مُتَغَيّرٍ، أَو بُمُوجَب اعتذارٍ واضِحٍ، أو تَوبَةٍ نَصُوحٍ، لِلرَّفْعِ الْمُفْضِي إلى وَهْبِ الشَّخْصِ، أو الْكيانِ المعنيِّ، تَسَامُحَاً مُسْتَقْبَليَّاً مُمْكِناً، أو عَفْوَّاً لاحِقاً، أو غُفْرَاناً مَقْرونَاً بِصَفْحٍ ونِسْيَانٍ، إنْ هم جَرَؤُوا على اقتراف خطيئة الاقتراب، حتَّى عن بُعْدٍ، من أسوار السِّياسة، ناهيك عَنْ اجْتِرائِهم على اقتِرافِ إثْمَ انْتِهاكِ أَيٍّ من المحرَّمات التَّابُوِيَّة، أو إقدامهم عَلَى التَّهَاونِ في الالتزامِ بِأيٍّ من أَحْكَامِهَا، مَهْمَا صَغُر شأنُهُ، أو ضَئُلَتْ قيمته، أو تَدنَّى تأثيرُ خَرْقِهِ أَو تَخَطِّيْهِ، أَو رُغِبَ في مَا يُحَرِّمَهُ بِقَدْر مَا رُغِبَ في الاعتذار عَنْ تَجَاوِزه بزَعْمِ وُجُودِ غَفْلَةٍ عَنْ وجوده من قِبَلِ كائنٍ غَافلٍ عن نَفْسِه، وعن الْحَيَاةِ، بِقَدْرِ غَفْلَةِ الْحَيَاةِ، بدورها، عَنْهُ، وإِغْفَالِهَا وُجُودَهْ!
وإلى ذَلِكَ، ظَلَّت الأنظمةُ التَّابُويّةُ المُغْلَقَةُ على غاية حماية الأنظمة المستبدِّة والقُوى المهيمنةِ، مُنْفَتِحَةً على التقاط كُلِّ مَا يُكَرِّسُ بقاء عامَّة النَّاس في الدَّياميس والكُهُوف والأقبية، وعلى إعادة تَكْيِيفِ ما تلتقطه من مكوَّناتٍ تَابُويّة لِتَشْرَعَ في صَهْرِه في أتون إعادة إنتاج استبدادها، كيْ تدْمُجَهُ، بإحكامٍ، في بناها الآيديولوجيَّة المتكلِّسة الخلايا، والتي لا تُجَدِّدُ نفسها، مع مرور الأزمنة وتبدُّل المُيُول والأحوال، إلَّا بما يستجيب لطبيعتها الانْغِلاقِيَّة التَّكلُّسِيَّة، ولغاياتها التَّحريميَّة الاستئثاريَّة الاحتجازيَّة التي تَحْتَكِرُ الْحَيَاةَ والوجودَ فَتَقْصُر الحقَّ فيهما على الأنظمة الاستبداديَّة التي تَتَوافَرُ على أقنعةٍ آيديولوجيَّةٍ مُتَغَايرةٍ، وقابلة للنَّزع والإبدال، والتَّعديل والتَّحوير، والتَّفريغ والملءِ، والتي تَقبِضُ عَلَى السُّلطة والنُّفُوذ، والقُوَّة القاهرة، والتي هِي، وهِيَ وحدها، كسلطَةٍ شُمُولِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، المُؤَهَّلةُ والقَادرةُ، دائماً وأبداً، على انتهاك أَنْظمةِ التَّابُو التي وضعتها بنفسها وفرضتها على النَّاس لِتُغَطِّي بِهَا نفسها وهشاشتها، بل وعلى تعديل مُكَوِّناتِ هاتِه الأنْظِمَة، وتغيير توجُّهاتها، وضبط مَرَامِيْهَا، استجابَةً لمصالِحُهَا، وإشباعاً لحاجتها الدَّائمة إلى حماية نفسها، وتأمين بقائها، كمُفْتَتَحٍ ضَروريٍّ لمتابعة سعيها إلى تَأْبِيْدِهْ!
نِظامُ التَّحْريمُ الاقْتِصاديِّ الإنْتاجيِّ
سَيَبْدُو جليّاً، أمام بصر أيِّ مراقبٍ غير مأخوذٍ عقله بتغافلٍ مقصودٍ أو بغفلة بصيرةٍ مؤقّتةٍ، أنَّ أنظمةَ الْكَبْحِ والمَنْعِ والتَّحْريمِ التي اصطلح على تسميتها بـ”أَنْظِمةِ التَّابُو The Taboo Systems”، لم تَعُدْ مُقْتَصِرةً على ثالوث الدِّين والْجِنْس والسِّياسَة، وإنَّمَا هِيَ قَدْ تَمَكَّنْتْ وُجُوداً وتَأْثِيراً مع تعاقب أنظمة الاستبداد على تعدُّد أقنعتها الآيديولوجيَّة وتنوُّعها، ومع تمدُّدها الاستشرائيِّ في الأزمنة والأمكنة واللُّغات والثَّقافات، ومع تَعَزُّز رسوخ مكوِّناتها في النُّفُوس البشريّة الجاهلة المُنْهَكَةِ بالفقر والعوز وانتظار الفرج، ثُمَّ شَرَعَتْ في التَّشعُّب والتَّوَسُّعِ والشُّمول إلى حدٍّ كاد يُغَطِّي كُلَّ مَوردٍ وشَيءٍ وفِعْلٍ وسُلُوكٍ أَرادتْ قُوى الاسْتغْلال الرَّأْسِمَاليِّ والاستبداد السِّياسيِّ إِيثَارَ نَفْسِهَا به، وتملُّكَهُ، ومَنْعَ الآخرينَ مِنْهُ وعنهُ، أَو الحيلولةَ دونهم وممارسته.
ولَعلَّ ما سَنَقْتَرحُ تَسْمِيَتُهُ بـ”التَّابُو الاقْتِصَادِيِّ – الإنْتَاجِي”، الذي واكَبَ إنتاجُهُ صُعُودَ الرَّأْسِمَالِيَّة الْعَالَمِيَّة واتِّسَاعَ نِطِاقاتِ تَحَكُّمُها طَوْعاً، أَو قَسْراً وابتِزازاً، في اقْتِصاداتِ العَالم، وفي سَيَاساتِ عَددٍ مُتزايد مِنْ حُكُوماتِ دُولِهِ وتَجَمُّعَاتِهَا الإقليميَّة، وفي تَوجُّهَاتِ، وغاياتِ إيجادِ، ومَهَمَّات، الأعمِّ الأغلبِ من الهيئات والمؤسَّسات والمُنظَّمات والهَيَاكل الدَّولِيَّة، إنَّمَا يأتي في رأسِ قَائِمَةِ التَّابُواتِ المُسْتَحْدَثَةِ لِغَايَةِ تَعْميقِ هَذا التَّحَكُمِ وتَعْديدِ أَبْعادهِ وتَنْوِيْعِها.
وليسَ لِمَا شَهِدَهُ الْعَالمُ، ولِمَا لَمْ يَزلْ يَشْهَدُهُ، مُنذُ مَا بَعْدَ الْحَربِين العالَميَّتين، الأُولى والثَّانيَةِ، مِنْ ظواهرَ ومُمَارسَاتٍ ومواقِفَ وإجْراءاتٍ وتَصَرُّفَاتٍ ومُسَوَّدات اتِّفاقِيَّاتٍ، واتِّفاقِيَّاتٍ ومُعَاهَداتٍ، وصُكوكٍ، وخُططٍ، وصَفقَاتٍ، ومُدوَّنَاتِ سُلوكٍ، ومشاريَعَ قراراتٍ، تَتبَنَّاهَا الرأْسِمَاليّةُ الْعالَميَّة الاستبداديّةُ الُمتَوحِّشَةُ بِقيادة الولاياتِ المُتَّحِدة الأَمِيركِيَّة التي تُصِرُّ، بِتَعنُّتٍ ابتزازيِّ شَرسٍ، على إقرارهَا، والالتزامِ الْفوريِّ والشَّامِلِ بِهَا، والشُّروعِ في الْعَملِ بِمقْتَضاهَا عَلَى جميعَ المستويَات المحلِّيَة والإقليميَّة والدَّولية، إلَّا أَنْ يَعْكِسَ جانِبَاً مُهِمَّاً مِنْ جَوانبِ التَّحَوُّلات الْجَذْرِيَّة الَّتي يَشْهَدُهَا الْعَالمُ الْمُتَصَدِّعُ مَوشُومةً بِتَوقيعِ الأُولِيغَارْكِيَّة الرَّأْسِماليَّة الْعالَميَّة.
وما هذا التَّوسِيعُ الاقتصاديُّ الإنتاجيُّ التَّابُوِيُّ الْمُتَسَارِعُ، والمُتَمَادي في الكَبْحِ والمَنْعِ المُقَنَّعِينِ، الآنَ، بِغَاياتٍ إنْسانيَّةٍ، ومَبَادئَ سِيَاسيَّةٍ، وقيِمٍ مُشْتَركَةٍ، هي دائِماً زائِفَةُ التَّبَنِّي، وهائِلةُ التَّعَرُّض للاسْتِغْلالِ والتَّرويج الإعْلاميِّ الْمُبَرْمَجِ، إلَّا لِكَونِ نظامِ التَّابُو الدَّولي المُقَوْنَنِ عَبْر قَوانينَ واتِّفاقِيَّاتٍ أَقرَّتْها مُؤَسَّساتٌ دَوْليّةٌ، أو عَالَمِيَّةٌ، تُهَيْمِنُ الأُولِيغَارْكِيَّةُ الرَّأْسِمَالِيَّةُ عليها، قد شَرع يتأَسَّس، مِنْ زمنٍ بعيدٍ، وفي مجرى تَجَاوبٍ إيْجَابِيٍّ طَوعيٍّ أَو قَسْريٍّ إِذْعَانِيٍّ، على الاستجابةِ الإيْجابِيَّة الفوريَّة للحَاجَات المتنامية، والمتغيرةِ، الَّتي تتطلَّبُها غايَةُ حِمَاية التَّجربة الرَّأْسِمَاليَّة العالميَّة، وتأْمين مُقتَضَياتِ تَكريسِ هَيْمَنَتِهَا، وتعزيز استمرارها، بل وتأْبِيْدِ وجودها المهيمن على مَصَائرِ النَّاسِ ومُقدَّرات الْعَالَم.
وإذْ يَتَوافَرُ قارئو هَذِه التَّجْربَةِ الْمَدِيدةِ، والْمتَبَصِّرونَ فِيهَا، والمُكْتَوونَ بِنارِهَا، كَما يَتوافَرُ محلِّلوهَا، ودارسُوها، ومُتَفَحِّصُو أطوارها وتحوُّلاتها، والمُتَنَبِّؤُون بِمآلاتِهَا الْمُمْكِنَةِ، مِنَ الْعُلَمَاءِ والباحثين ذَويِّ الاخْتِصاصِ والصِّدْقِيّة والمَوضُوعِيَّة والْحَيْدةِ، عَلَى ما يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ الرَّأْسِماليَّة الْعَالَميَّة قد وصلت أَعْلَى ذُرَى التَّوحُّش والجشع، أو أَنَّها قد أوغلت في أعمق أغوار قيعانهما الجحيميّة المُنْذِرة بهلاكها! فإنِّي لأحسبُ أَنَّ العولمة الرأسماليَّة المنفلتة التي يشهدها العالمُ الآنَ لا تعدو أن تكون إلَّا تَجْرُبةً، أَو مُحَاوَلَةً، ذُرويّةً إضَافيّةً، يَتَصَوَّر مقترحوها، والمُنْخَرطِونُ فيها، أَنَّ نَتَائِجَهَا سَتُفْضي إِلى جَعْلِ الرَّأْسِمَالِيَّة، في تَجَلِّيها الْمُتَوَحِّشِ الأخِيرِ، القَابِل لتَّعْديلٍ ظَاهِريٍّ لا يَطالُ جَوهَرَ مَاهِيَّتِهَا، تَجْرُبةً مفتوحةَ الأَمْدَاءِ والمساحاتِ على نَحْوٍ يُمَكِّنُهَا من الاستمرار في حَمْلِ نَفْسِهَا المُشْرِفَةِ الآن عَلَى تَفَكُّكٍ يَعقبُهُ هَلاكٌ وتَحَلُّلٌ، صوبَ مستقبلٍ مفتوحٍ على مستقبلٍ لا ينتهي ولا يتناهى.
ومَا ذاكَ إِلَّا لأنَّهُم يَتَصَوَّرونَ آمِلينَ، أو معتنقينَ صَوَابِيَّة مَا يَتصَوَّرونَ، أَنَّ هذا المستقبلَ، كَمَا هَذِهِ الرّأسمالِيَّةُ النَّاشِدةُ الآنَ مُسْتقْبَلاً أَبَدِيَّاً لِنفْسِها، إِنَّما هُوَ مُسْتَقْبَلٌ قَائمٌ فوق المجتمعات، وفوق القوانين، وفوق الأزمنة، وفوق التَّاريخ، أو كأَنَّما هذه الرأسماليَّةُ المُتَوحِّشَةُ هي مَنْبَعُ الصَّيرورة الخَالِدةُ، وتَجَلِّيْهَا الأَسْمَى، وهيَ مُفَجِّرُها الأَزليُّ الأبديُّ الأَوحَدُ الَّذي أَدركَ غَايَتهُ بِكَمالِ كَمالِهَا، فَأبْدلَ الاسْتَكَانَة بالصَّيرورة، والاستقرارَ بالتَّدَفُّقِ، والتَّكلُّسَ بالحيويَّة، والكمال النِّهائيَّ الزَّائفِ المزعُومَ بالسَّعي الإنْسَانيِّ الجَادِّ إلى كَمَالٍ حقيقيٍّ يَكشِفُ زيفهُ، أَو يُكمِلُ نَقْصَه، ويَفْضُلهُ، ثُمَّ أوْدَعَ في كَفِّ الرأسماليَّةِ شَتَّى المَفَاتيحَ، وأَغْلَقَ كِتَابَ التَّاريخِ الْبَشَرِيِّ الْحيَويِّ، واسْتَراح!

تَوسِيعُ الْكَبْحِ وتفريغُ الضُّغوط:


لعلَّ في هذا الْفَهْمِ ما يُفَسِّر، على نحوٍ أو آخر، حِرْصَ الأُولِيغَارْكِيَّةِ الرَّأْسِمَاليَّة العالميَّة المُهَيمِنَةِ، والمُرتديةِ قِنَاعَ الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، على مُواكَبةَ خُطوات بَلْورة “نظام التَّابُو الْكَونِيِّ الكُلِّيِّ”، مُواكبَةً مُتفاعِلَةً ومُتداخِلَةً، مَعْ بَدْءِ بروز إرهاصات الْعَوْلمَةِ الرَّأْسِمَالِيَّة، وتَوالي ظُهُورِ تجَلِّيَاتِهَا العَديدةِ والمُتَنَوِّعة والمُتَشَعِّبَةِ؛ والمُتَبَايِنةِ أَحْيَانَاً؛ فَقَدْ بَدا واضِحَاً لِلْعِيانِ، عَبْرَ ما تتركُهً، أو مَا تَتَخلَّى عَنْهُ، كَمَا عَبْرَ مَا تُعارضه فتنقضه، ومَا تَتَبَنَّاهُ، وتُقْدِمُ عَلَيهِ، أو عَبْرَ مَا تُحَبِّذُهُ أو تَتَخِذُهُ، الولاياتُ المتَّحدةُ الأميركيّةُ، آمِرةً أو طَالبَةً أو مُرْغِمَةً، الدَّائرينَ في فَلَكِهَا، أَو المُصَنَّعِينَ فِي أَقْبيَتِهَا، من دُولٍ وكياناتٍ ومؤسَّساتٍ ومنظَّماتٍ وأَحلافٍ على الانقياد الْمُطْلَقِ إِلَيهِ، والالتزام التَّامِّ به، مِنْ مواقف وإجراءاتٍ وتصرّفاتٍ وأفْكارٍ وتصوُّراتٍ ورؤَىً ومشاريع قَراراتٍ واتِّفاقِيَّاتٍ وغيرَ ذلكَ مِنْ أُمُورٍ، سواءٌ تَعَلَّقَ أَمْرهَا بالمُسْتَويَين الدَّوليِّ والإقليميِّ المتعدِّدين، أوْ بالمستوى الإفراديِّ المُنْدَرجِ فِي سياق العلاقات الثُّنائِيَّة مع أطرافٍ أخرى، أنَّ مَا يجْري إنَّمّا يَصُبُّ في مجرى استهداف البُنَى التَّحْتِيَّة القائمة فِي شتَّى المجتمعات البشريَّة والكيانات الجمعيَّةِ بتغييراتٍ مًتَشَعِّبٍة، ومتنوِّعَةٍ لا تَستَهْدفُ شيئاً سوى تحويل العالم بِأَسْره إلى سُوْقٍ استهلاكيٍّ كَونيٍّ مَفْتُوح!
ولا ريبَ في حقيقة أنَّ تَحْويلاً إرْغَاميَّاً كَهَذَا لَنْ يكُونَ مُمْكِناً إِلَّا بِجَعْلِ المجتمعات البشريَّة الرَّخْوة، والكيانات السِّياسِيَّة الهشَّة، والدُّول الفاشِلَةِ، ورُبَّما الدُّولِ غير الْفاشِلةِ، والدُّولِ المارقة وغير المارقةِ بَحسب التَّصنيف المعياريِّ الأمريكيِّ القابل دوماً للتَّغيير حسب ما تقتضيه مصالحُ الرَّأسِماليَّة الْعالَميَّة ومَطَامِعِهَا وأَحوالهَا، بِمَثَابَةِ مَزَارع كائِنَاتٍ بَشَريَّةٍ حَيَوانِيّةٍ مْسْتَهْلِكَةٍ لا تحيا في واقع الحياة القائمة ولا تعيش فوق أَيِّ أرضٍ إلَّا لِتَأْكُلَ، وإلَّا لِتَتَسَوَّقَ مَا سَتأْكُلُ ومَا سَتَسْتَهْلِكُ؛ لِتَتَسوَّقَ من جَديدٍ تَسَوُّقاً أرضيَّاً، أو فضائيَّاً، أوْ كليْهِمَا مَعَاً، وباستمرارٍ لا يَنْقَطِعُ ولا يَتَوقَّفُ أبداً.
وإلى ذلك، ستبقى هَذِه الْكائناتُ الاسْتِهْلاكيَّةُ مُسْتَهْدَفةً، طوال وقتِ انْشِغالِها بالتَّسَوُّقِ والاسْتِهلَاكِ، بالْكَبْحِ، نَاعِمَاً وخَشِناً، وذلكَ للحيلولةِ دونها والسَّعْيِ لإدراكِ الْحَياةِ الإنْسانيَّة الّتي ينشدها كائنٌ بشريٌّ يتوق، بِطَبْعِهِ وبتحفيزِ وعْيِهِ الْفِطْريِّ، لأنْ يكون إِنْسَاناً إِنْسَاناً، أي إنْسَانَاً حسَّاسَاً، مُفَكِّراً، إنْسَانَاً ذَا قلبٍ مفتوحٍ وعقلٍ وقَّادٍ ووجدانٍ يقظٍ، وضميرٍ حَيٍّ؛ إنْسَاناً فاعلاً مُنْتِجاً، مُبْدعَاً خلَّاقاً، وصَانِعَ حضارةٍ وتاريخٍ وحياةٍ، ومُدْرِكَ مَعْنىً لوجُودِهِ الْحُرِّ فِي الْوُجُود!
وبغية تفريغ الضُّغوط الهائلة التي سَتُثْقِل كَوَاهلَ ونُفُوسِ ناسٍ من الإنسانْيِّين الْحِقِيقِيينَ، الأوفياءَ لإنْسَانِيَّتِهم، من النَّاسِ، جرَّاءَ الكبح التَّابُويّ الْكُلّيِّ المحْتَجزِ حَاضِرَهُم ومُمْكِنَاتِ مُستقبلِهِمِ ، سَيَكُون مُتَاحَاً لِهَؤلاء، بل سَيَكُونُ مطلوباً منهم جميعاً، ومُحَفَّزينَ ومُشَجَّعِينَ بوسائِلَ ومُغْرياتٍ تُغَيِّبُهم عن وعْيِ الواقعِ، وتُنْسِيهُم، أوْ تجْتَثُّ مِنْ عُقولِهِم، فِكرةَ السَّعْيِ إلى تغييره في الواقع، أَنْ يذْهَبوا صَوبَ مَا أُعِدَّ لهم، ومِنْ أَجل راحتهم، من فَضَاءاتٍ زرقاءَ يدخلونَها وهم على مقاعِدِهمِ، فتُريحِهم من وعْثاء الحياة، والرَّحيل الدَّائم، ومن مشَقَّة السَّعي والعْمَل!
سيكُونُ لوسائل التَّحفيز الإغرائيِّ أنْ تُوَلِّد في نُفُوسِ المستهدفينَ بِهَا، أو الواقعينَ بِمحضِ صُدْفَةٍ عليها، رغائِبَ تَبْدو ذاتيّةً وحقيقِيَّةً، فيما هيَ، في حقيقتها، رَغائبُ مُصْطَنَعةٌ وزائفةٌ، لِكَونِهَا مَسْكُنَةً بِتَحْفِيزٍ إرغاميٍّ مُضْمَرٍ يتوخَّى دفعهم، فرادى وجماعاتٍ وعلى نحوٍ يُشْعِرُهُم بِحُرِّيَّة الاختيار وذَاتِيَّتِهِ، إلى إدمان العيش في عالمٍ طُوباويٍّ مَهِيضٍ، يُجَافي الواقِعَ البائسَ، وتُوفِّرهُ مُخَيَّلَةٌ تُجَنِّحُ في فَضاءٍ بِلا هُوِيَّةٍ، أَو في عَالَمٍ فَضَائِيٍّ وهْمِيٍّ، أَو افتراضيٍّ اعتباريٍّ، تُوفِّرهُ التِّقانَةُ الحديثةُ، وشبكاتُهَا العنكبوتيَّةُ المرهونَةُ، بِدَورِهَا، لقطاعٍ، أو لأكثرَ مِنْ قِطاعٍ، من قطاعاتِ الرأسماليَّة الصِّنَاعِيَّة والتِّقانِيَّة والإعْلاميَّة، المُفْعَمةِ مواقِعُهَا المُتَكاثِرةُ، وبسخاءٍ منقطعِ النَّظير، بكلِّ ما يتخيَّلُ المَرْءُ للأسواق الأَرضيَّة والفضائيَّة أنْ تحتويه لتعرضه للبيع من سِلَعٍ اسْتِهْلاكِيَّةٍ، وأَجْهِزةِ تَسْلِيَّةٍ، وبَرامِجَ تغْذِيَةٍ لِلْخَيالِ الْمُفَارقِ الْواقِعَ على نحوٍ مُطْلَقٍ، وتطبيقاتِ إلْهَاءٍ، وقَتْلِ وقْتٍ، وتَفْريغٍ، ولَهْوٍّ.
لقد مَكّنَتْ التِّقَانَةُ الحديثةُ، والثَّورةُ الرَّقْميَّةُ المُصَاحبَةُ لَهَا، الشَّبكَةَ العنكبوتيَّةَ الدَّوليَّة (الإنترنت Internet) مِنْ أنْ تَتَوافَرَ، مَداراتٍ ومواقِعَ وأحْيَازاً مُتشَابِكَةً، على فضاءاتٍ هائلةٍ تبدو حرّةً، ومفتوحةً، طيلة الوقت، لِتُمَكِّنُ النَّاسَ مِنْ تَفْريغِ الضُّغوط الهائلة التي يفرزها التَّطبيقُ القسريُّ المُحْكَمُ لأحْكامِ أَنظمةِ التَّحريمِ والْكَبْحِ والْمَنْعِ، ولامتلاكِ شُعُورٍ مُصَاحبٍ، مُراوغٍ أو زائفٍ تَماماً، بِمُمَارَسَة الحرِّيَّة. وقَدْ كانَ لميلادِ هَذهِ المُفارَقَةِ الآسِرةِ والْمُذِهِلَةِ، أنْ يَحْمِلَ نَاسٌ مُتكاثرون ومتزايدونَ مِنَ النَّاسِ، للشُّروع في ممارسة السَّعي البشريِّ – الإنْسَانِيِّ اللَّاهب لإدراك إنسانيّةٍ أَعلى، وأنبلَ، وأَجملَ، في مَداراتِ حَيَاةٍ جديرةٍ بالعيش! وذلكَ لأنَّ الْفضاءِ التِّقانيِّ المُعْتبَرِ واقِعاً افتراضِيَّاً، قَدْ مَكَّنَهُم مِنْ مُمارسَةِ هَذا السَّعي التَّعْوِيضيِّ الذي يُفرِّغُ نُفوسَهم من وطْآتِ الشُّعُور ببؤسِ واقعِهم الواقعيِّ ومأساوِيَّته، ولا إنْسَانِيَّته.
فلتنْفَصِموا إِذَنْ، ولْتُمْعِنُوا في الانفصالِ عَن الواقِع الْقَائمِ في مُجْتَمعاتِكم، وفي وعْيِكُم الشَّقِيِّ، وفي نُفُوسِكُم الرَّخْوَةِ، ولِتُمَارسُوا الحُريَّة المُطلَقةَ المرفُوعَةَ، على ألفِ جَنَاحٍ تَقَانيٍّ وجَنَاحٍ، إلى أعلى سَماءٍ وأَوسَعِ فَضَاءْ. ولِتُوغِلُوا في دُروبِ سَعيِكُم اللَّاهبِ لإدراكِ إنْسَانيَّتِكُم الْمسْرُوْقَةِ أو الْمُضيَّعَةِ؛ ولكنْ ليسَ في العَالم الأرضيِّ الواقعيِّ الحقيقيِّ المَلْمُوسِ، والمُدْرَكِ من قِبَلِكُمْ مِنْ قَبْلُ، بَلْ في العالم الاعتباري الفَضَائيِّ المكْبُوحِ، بدوره وإلى أبدٍ هُوَ الأبَدِ، عَنْ أَنْ يكون واقِعاً مُمْكِنَاً في واقعٍ أرضيٍّ ذي تَعَيُّنٍ جُغْرافيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديٍّ وثقافيٍّ وسِيَاسِيِّ، ويَمْكِنُ لمسه، وإدراكه، والتّأَكُّدُ من وجوده، من قَبَلَ كائنٍ بشريٍّ يَحْيا، أو قَدْ كانَ مِنْ قَبْلُ يَحْيَا، في رحاب كوكبٍ مَعْلُومٍ هو كوكبُ الأرضِ الَّذي صَارَ بِأَسْره، مِلْكَنَا، وفي حَوزَتِنَا، ولا مُسْتَقرَّ فيه لأحدٍ سِوانَا إلَّا بِأمرنا، وبإرادةِ مَشِيئَتِنَا!
هَذَا هُوَ، بالضَّبطِ، بَعضٌ جَوهَريٌّ مِمَّا سَيُقُولُهُ الرَّأْسِمَاليُّ المُتَوحِّشُ، المسْكُونُ بالشَّراهَةِ والْجَشَع، للأَعَمِّ الأغْلَبِ مِنَ النَّاسِ الذين تُتَابِعُ الرأسماليَّةُ الْعالَميَّةُ تجميعَهم لِزَجِّهِمْ في مزارعَ كائناتٍ حيوانيَّة اسْتهلاكِيَّةٍ ومَرائبَ كَيْنُونَاتٍ بَشَريَّةٍ مُحَوسَلَةٍ، أعدَّتْهَا، بعنايَةٍ فَائِقةٍ، لِتكونَ زرائبَ عَيْشٍ لِأجْسَادِهِم، ومرائِبَ حَشْرٍ لِوجُودِهِم المُؤَجَّل، وحَظَائرَ احْتِجَازٍ لحَيَواتِهِم الْمُمكِنَةِ، ومَقَابرَ دَفْنٍ لِأجْثاثِ هُوِيِّتِهِم الإنْسَانيَّةِ الْجَامِعَةِ التي أماتَهَا وَعْيُهُمُ الزَّائفُ المُغَطَّى بجَهْلُهُم، وبعُنْصُرِيَّتِهِم، وبانْتظارهم المهيضِ لِمنْقِذٍ غَيبِبيٍّ لَنْ يأْتيَ أبداً، وبانْقِيَادُهم الأَعْمَى لأيِّ شِيءٍ سِوى إنْسانيَّتِهم ، وذلكَ قبْلَ أنْ يَعْمَدَ أَحدٌ إلى اجتثاثِ بُذُورِها مِنْ تُرْبَة فِطْرَتِهم ككائناتٍ بشرَيَّةٍ مُؤَهَّلةٍ بِكُلِّ مَا يُمَكِّنُهَا، إِنْ هيَ شَاءتْ وسَعَتْ، مِنْ الشُّروعِ في الخَطْوِ صَوبَ إدراكِ إنْسَانِيَّتَهَا الْمُمكِنَةِ، والْمَفْتُوحَةِ، دَائِماً وأَبَداً، على إدْراكِ كَمَالٍ مُمكنٍ يُنْقِصُهُ كُلُّ مَا يُدْرَكُ مِنْ دَرجاتِ كَمَال!

أَنْظِمَةُ التَّحْريم بُنَىً تَحْتِيَّةْ:


في تَساوقٍ مع إبدال عالمٍ فضائيٍّ إفتراضيٍّ بالعالم الأرضيِّ الواقعيِّ الملموس، وتأْسيساً على دوافع ومعطياتٍ تضمَّنتها الفقرات السَّابقة، إفصاحاً أو تضميناً أو إلماحاً، تنبثقُ فرضيّة إمكان تحويل “أنظمة التَّابُو” الكَابِحَةِ المُكَبِّلَةِ، والمُتَضَمِّنَةِ القديمَ، والمُكَيَّفَ عن قديمٍ، والمُسْتَحْدَثَ القائم الآن، وربَّما المُتَوقَّعَ بُروزُ حَاجةٍ رأْسِمَالِيَّةٍ إليه في زمنٍ قادمٍ، من كَونِهَا جزءاً من بُنَيً فوقيّةٍ تَتَأَسَّسُ، في الأصل الذي تُدْرِكُهُ مناهجُ العُلُوم الاجتماعيَّة التَّاريخيَّة والاقتصاديَّة المكرَّسة، على ما يتأسَّس عليه، وعلى ما يفرزه، واقعٌ اقتصاديٌّ قائمٌ ومتعيّنٌ، وذو ارتباطاتٍ خارجيَّةٍ مُتَغَايِرةٍ تفرضها حركةُ إدماج اقتصادات العالم في اقتصادٍ رأسماليٍّ وحيدٍ ومُعَولَمٍ، من حقائقَ ووقائعَ ومعطياتٍ، إلى أَعْمِدَةِ بُنَىً تحتيّةٍ ترتفع فوقها صروحُ “العالم الجديد” ذاتِ الأبراجِ الزُّجاجيَّةِ المشرعةِ الأَسْطُح على الرَّغبة الشَّرِهَة في إدراك عُلُوٍّ ذي رأسٍ ماليٍّ مُتَعَدِّدِ الرُّؤوس، والمهَاراتِ، والمطَامحِ، والْمطَامِعِ، والغَايات، ولا تنتهي فداحةُ جَشَعِهِ الوحشيِّ، ولا تتناهى رغبتهُ العارمةُ في الاسْتِحْواذِ الْكُلِّيِّ، والْمطْلَقِ، على كُلِّ شيءٍ!
يُفْرِزُ الواقعُ الاقتصاديُّ الرّأسماليّ التَّوحُّشيِّ المهيمن الآن على العالم وقائع تنتمي إلى مبدإ التَّملُّكِ الفرديِّ الأنانيِّ، ويضخُّ عَنَاصِرَ ومُكوِّناتٍ تَتَّصلُ بالاستحواذ الاستئثاريِّ الجشع على الأموال والطَّاقات والموارد، كَما أنَّهُ يُفْرزُ، أو يَضُخُ في الواقِعِ القائمِ، أو عبر قنواتِه الإعلامِيَّة والترويجيَّة الْهائلةِ التَّعَدُدِ والاتِّساعِ، مَا يَصُعُبُ حَصْرهُ مِنَ الوقائع والعنَاصِرِ والمكوِّناتِ والممارسات العمليّةِ والإجراءاتِ والْخَصَائصِ الَّتي تُجَلِّي مَاهِيَّةَ هذا الاقتصاد القَائِمِ، والرَّاسِخِ، والمهيمن، والَّتي تَتَحَوَّلُ، بدورها، إلى شبكاتِ عَلاقاتٍ إنتاجيَّة، وماليَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، وسياسيَّةٍ، ومَوَازِينَ قُوىً مُجْتَمَعِيَّةٍ، محَلِّيةً وإقْليميَّةً ودوليَّة، وإلى مراتب تَمَلُّكٍ وحُكْمٍ وهيمنةٍ، ومستويات تبعيَّةٍ، بَلْ وتصنيفاتٍ وجُودِيَّةٍ، وقيمٍ دينيَّةٍ وثقافيَّةٍ مُؤَدْلَجَةٍ، وشرائعَ وقوانينَ وسَياسَاتْ.
وتَعْمَلُ النُّخَبُ الأُولِيغَارْكِيَّةُ الرَّأْسِمَالِيَّةُ، بِدأبٍ ومُثابَرةٍ، على استثمار كُلِّ هذا، كَمَا تَعملُ على استثمار غيره مِمَّا يندرج في سِيَاقِهِ أو يُمَاثِلُه، أَو يُعَزِّزهُ،ليكونَ هَذا الاستثمارُ استثماراً جوهريَّاً، دائماً وأَبديّاً، فَلَا تَتَوقَّفُ عَائِداتِهِ، ولا يَزُول، ولا يَنْفَدُ عَطَاؤه أَبَداً.
ويبدو أنَّ النُّخَبَ الأُولِيغَارْكِيَّةَ الرَّأْسِمَالِيَّةَ قَدْ تَوافَرت، من زمنٍ بعيدٍ، على إدْراكٍ يقول إنَّهُ ما من وسيلةٍ عَمَلِيّةٍ لإغلاق أبواب التَّنافس الإنتاجيِّ والتَّسويقيِّ، ولسدِّ منافذ تقاسم أَيِّ شَيءٍ قد يُنْقِصُ إطلاقيَّةَ هيمنتها على الْعَالَمِ – السُّوقِ، أَوْ يُعَرْقِلُ بُلُوغَ تحقُّق غاياتها الاستثماريَّة الاستغلاليَّة الاستئثاريَّة أَعْلى الذُّرى، بقادرةٍ على أن تَفْضُلَ، أو أنْ تكون أنْجَعَ مِنْ، عَمَلِيَّة تَحْويلِ أَنْظِمَةِ التَّحْريم التَّابُوِيّ المُتَضَمِّنَةِ كُلَّ تلك المكوِّنات التَّحْريميَّةِ الكابحة إلى أَعْمِدَةِ بُنَيً تحتيّةٍ قوِيَّةٍ وراسِخَةٍ، ومَصْبُوبةٍ بإحْكَامٍ حَديديٍّ صلبٍ!
وبُغيَةَ تَحْويلِ هَذا الإدراكِ إلى خُطَّةِ عَمَلٍ قَابِلَةٍ للتَّطبيقِ الْواقِعيِّ الْفِعْليِّ، يبدو أنَّ النُّخَبِ الأُوليغَاركِيَّةِ الرَّأْسِماليَّةُ قَدْ شَرَعَتْ، مُذْ لحظَة تَملُّكِهَا هذا الإدراك، في إخْضَاعِ كُلِّ ما قد أَسْفَرتْ عنه مَسَارات المغامرةِ البشريَّةِ الحضاريَّة التَّاريخيَّة، بَلْ والوُجُودِيَّةِ، المُتَشَعِّبَة، مِنْ حَقِائقَ، ومعطياتٍ، ومكوِّناتٍ تَأسيسيَّةِ، وخُلاصات تَجَارُبٍ، إِخْضَاعَاً صَارمَاً وكُلِّيَّاً إِلى قَواعد اسْتِبْعَادٍ وضَمٍّ واسْتِبْقَاءٍ واجْتثاثٍ، وإلى إجراءات انتقاءٍ واختيارٍ، وآلياتِ تقطيرٍ وتصفيةٍ، وتَطويرٍ وتفعيلٍ، وخُطَطِ استثمارٍ، وبَرامِجَ توظيفٍ، تُؤَسِّسُ، مُتَضَافِرةً ومُتَفَاعِلةً ومُتداخِلَةً في تكامُلٍ حَذِقٍ، للإبقاء على كُلِّ ما من شأنه الإسهامَ، بفاعليّةٍ قُصْوى ومن دون أَدْنَى أثرٍ جانبيٍّ غير مرغُوبٍ في وُجُودهِ، لـ”إِعَادَةِ تَكْوِينِ الْعَالَم” تَكْوِيناً يُرَسِّخُ وُجُودَ قِيَمِ الاسْتَحْواذِ الاستئثاريِّ الأنانيِّ، والتَّملُّك الرَّأْسماليِّ الفرديِّ، القائمين على مَأْسَسَة الاسْتغلال، وتَكْريسِ الاسْتِعْمارِ، بَلْ وتَأْبِيدهِمَا عبر تبديل أقنعتهمَا وأسمائِهِمَا، وعَبْرَ تَسْويغِ مُصَاحِبَاتِهِمَا كالسَّرقة، والتَّسخير، والاستِلاب، وسلْب الموارد، وإفْقَار صُنَّاع الحياة من عامَّة النَّاس وتَجْوِيْعِهِم، وتَبْئِيْسِ عيشهم، والحيلولةِ دُونَهُم والتَّمَتُّع بثمار حَيَواتٍ حَقِيقِيَّةٍ هُمْ، في حقيقة الأمرِ وفي الأصْلِ، صُنَّاعُهَا الحقيقِيُّون!
فَهلْ سيَكُونُ لمَسَاعِي تَكْريسِ قِيمِ الاستحواذ الاستئثاريِّ الأَنَانِيِّ، والتَّملُّك الفرديِّ الرَّأْسماليِّ، المعزَّزةِ بتنظيرات “اللِّيبراليّة الجديدة Neoliberalism” الْمُنْفَلِتَةِ، وغير المعنيَّة بالعدالة الاجتماعيَّة، وفائِقَة التَّجَلِّي في “السُّوق الكونيِّ المَفْتُوح” وعَلَى أرض الواقع الْعالَميِّ الاستغلاليِّ الاستبداديِّ القَائم الآن؛ وهي التَّنظيراتُ المروَّجُ لَهَا، بتركيزٍ وكثافةٍ وبأساليبَ ومناهجَ تسويقٍ عديدةٍ ومُبْتَكَرةٍ، في الْوَاقِعِ الْواقِعيِّ، وفي فَضَاءات العالم الافتراضيِّ، وفي أسواقه المفتوحة ليلاً ونهاراً؛ هَلْ سيَكونُ لَهَا أَنْ تُعَزِّزَ استمرار إقْدام النُّخَبِ الأُولِيغَارْكِيَّةِ الرَّأْسِمَالِيَّةِ، على مُتَابَعةِ سَعْيِهَا الْمنْدَفِعِ، والمُتَسَارع الخَطْوِ، لتعميق مصالحها المُدْمَجَةِ، أو المُنَزَّلَةِ، في مصالح الرَّأْسماليّة العالميَّة المتوحِّشَة، ولتوسيع امتدادات هذه المصالح، وإكثار نِطَاقَاتِهَا، وتَوسيعِ أحْيَازها، لتشمل الكونَ بأسره؟!!!
إنَّنَا لَنَتَساءَلُ بِحَذَرٍ تَأْمُّليٍّ، وبقَلَقٍ عَلَى الْفِكْرة الإنْسَانيَّةِ مُؤْلِمٍ وعَارمٍ: هَلْ سَيَكونُ لمساعي هذا التَّكريس الفادحِ ذي العقابيل الجسيمة، والنَّاهِضِ على استثمار مَقُولاتِ اللِّيبراليَّة الجديدةِ وخُلاصَاتِ تفكيرهَا الخَالي مِنْ أيِّ قيمةٍ إنْسَانيَّةٍ، أنْ تَنجحَ، وأنْ تُمَكِّنَ الرَّأْسِمَاليَّةِ المُتَوحِشَةِ مِنَ “إعادةِ تكوينِ الْعَالَمِ” وِفقَ تَصَوُّرِ، وبحَسْبِ مَشِيْئَةِ، نُخُبَتِهَا الأُولِيغَارْكِيَّةِ العُلْيَا، حَاكِمةِ الْعَالَمِ بالْعِلمِ والْمالِ والتِّقانَة المُسَخَّرة مُنْجَزاتِها لإعْمالِ ذَكاءٍ بشَريِّ شَريرٍ، وذكاءٍ اصطناعيٍّ مُسَخَّرٍ لِصَنَاعَةِ الشَّر، لا يُسْفِرُ إعْمالهُمَا عَنْ شيءٍ سِوى إنتاجِ الاستغلالِ والاستبداد والبَطْشِ، والدَّمار والهلاك، وتَعميمِ الشَّرِّ السَّافِرِ، أَو الْمقنَّعِ بِقِيمٍ إنْسَانيَّةٍ خَيِّرةٍ، نبيلةٍ وسامِيَّةٍ؟!!
وهَلْ سيكونُ لِهذهِ النُّخْبَةِ الْحاكِمَة الْعَالَم، والْمحْكُومَةِ بِفِكْرٍ ظلاميٍّ عُنُصُريٍّ، قَديمٍ ومُسْتَحدَثٍ، والمُسَلَّحةِ بالنَّظَريَّةُ الْفاشيَّةُ الْمجَرَّدةُ مِنْ أيِّ ذرةٍ مِنْ ذرات الْفِكرِ الإنْسَانيِّ الجديرِ بالانتسابِ إلى الْكرامَة الإنْسَانِيَّة والْحُرِّيَة، المُسَمَّاةِ بـ”اللِّيبراليَّةِ الْجَديدةِ”، هَل سيكونُ لَها أَنْ تَتَمكَّنَ مِنَ الاستمرار في إنتاجِ التَّوحُّشِ الْبَشَريِّ، وفي إعادة إنتاجِهِ، ومُتابَعَة تدويره في أزمنة العالَم؟!!!
أَتُرانَا نُدركُ المدى الذي بلغتْهُ النُّخْبَةُ الأُوليغَاركِيَّةُ الرَّأْسِماليَّةُ، صَاحِبَةُ، وسَيِّدةُ، وَولِيَّة أَمْرِ، الْكِيانَاتِ والأنْظِمةِ الرَّأسماليّة الكُبْرَى، والمتوسِّطة، والصُّغرى، وتلكَ الَّتي لَمْ تُولَد بَعْدُ، والتي هِيَ نُخْبَةٌ قليلةُ العَدد، كثيرة الأتباع، والذُّيول، وذيول الذُّيول، والكيانات التَّابعة، والمُصْطَنعة، التي لا تأذن بانهيار أيٍّ منها، أو قَطْعِهِ أَو بَتْرِهِ، أو إِسْقَاطه، إِلَّا بأمرها ومشيئتها، في تَجْهيز جَميعِ خشباتِ مَسارح العالَم، أَرضاً وفضاءً، لاحْتِضَانِ لَحظَة الإعلانِ الْمُتزَامِنِ عَنْ نَتَائِجِ مَسَاراتِ سَعْيِها المُندفِعِ، والمتواصِلِ، ومُتَسَارعِ الخَطْو مُنْذُ ما قبْلَ الحربين العالمِيَّتين الأولى والثَّانية، لِتَعْميق مصالحها المُدْمَجَةِ، أو المُنَزَّلَة، في مصالح الرَّأْسماليَّة العالميَّة المتوحِّشة، ولتوسيع امتدادات هذه المصالح، وإكثار نطاقاتها وأحيازها، لتشمل الكون بأسره، وذلكَ على نحوٍ يؤكِّدُ انتصار هذه الرَّأْسماليّة المتوحِّشة على ما عداها، إذ يعولمها مُتَوخِياً تأبيد وجودها كذروةٍ قُصْوى لصُعود التَّاريخ صوب نهاياته، وكبدايةٍ جديدةٍ، وغير مسبوقةٍ، لأزمنةٍ لا يسود فيها، بل لا يوجد، ولا يسمح بأن يوجد في رحابها، من قوّةٍ تُهَيْمنُ، بإطلاقٍ حياتيٍّ ووجوديٍّ، على مُقَدَّرات الكون بأسره، وعلى مصائر قَاطِنِيهِ مِنَ الأشياء، والأحياء، والكائنات، والنَّاس، سِوَاهَا!

لحظةٌ فَارِقَةٌ، وغُمُوضُ مَآلات:


إِنَّهَا إذنْ، لحظةٌ حَضَاَرِيَّةٌ – تَاريخيَّةٌ فَارقةٌ وحَاسِمَةٌ؛ لَحْظَةٌ جَرى التَّأسيسُ لقُدُومِهَا بمثابرةٍ دَائِبَةٍ وإتقانٍ مُمَنْهَجٍ، وعلى مدىً زمنيٍّ واسعٍ شهد انْتِفاضَاتٍ، ونَهَضَاتٍ، وثوراتٍ، وصِراعاتٍ دَامِيَةٍ، وتحوّلاتٍ كبرى، لِتُؤَسِّسَ، بدورها، لما بعدها، ولِتُنْتِجَ مُصْطَلحاتٍ، ومفاهيمَ، ومقولاتٍ، من قبيل: “نهاية التّاريخ” و”صعود الرأْسِمَالِيَّة إلى أعلى ذراها وأُفول سواها” و”صراع الحَضَارات”، و”اللِّيبراليّة الجديدة” بمعناها المنفلت، و”الْعَوْلَمَة”بمعناها الرَّأْسِمَاليِّ المُنْفَلِتِ أيضاً، و”ما بَعْدَ الإمبرياليَّة” بمعناها الذي يُكَرِّسُ الاستعمار إذْ يُبَدِّلُ أقنعته ويُغَيِّرُ أسماءه، و”الْحَدَاثَةِ”، وما بعد الْحَدَاثَّة” وما بعدهما، وما بعد بعد غيرهما، وغير ذلك من مفاهيم وخُلاصاتٍ، ومصطلحاتٍ مُتَحَوِّلةٍ، كثيرةٍ ومتوالدةٍ، تَمَّ ترويجُهَا، باتِّساعٍ وكثافةٍ، في شتَّى أرجاء العالم، فَسُلِّعَتْ، وعُوْلِمَتٍ، فَاسْتَدْعَتْ، وإِنْ على نحوٍ عميقٍ وصريحٍ ومُقْنِعٍ وفَعَّالٍ، أو على نَحو مُواربٍ ضَئِيلِ القيمةِ العمليِّةِ وبَاهِتِ الحُضُور والإقْنَاعِ والتَّأثير، إنتاجَ ما يُغَايِرُهَا، أو ما يُنَاقِضُهَا، من تبصُّراتٍ، ومقولاتٍ، ومفاهيم ومصطلحاتٍ مُتَحَوِّلةٍ، وإبدالاتٍ اصطلاحيَّةٍ، كتلك التي اقترحها، ولم يزل يقترحها في أماكن شَتَّى من العالم، فلاسفةٌ، ومفكِّرون، وعلماءٌ مُتَخَصِّصُون في العُلُوم الاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والسِّياسيّة، وفي غيرها من العُلُوم الإنسانيَّة ذات الصِّلة بالحياة البشريَّة، والتَّاريخ، والحضارة الإنسانيَّة، وتطوُّراتها المنظورة، ومآلاتها المُمْكِنَة.
غَيْرَ أَنَّ الاستجابات المُتَغَايرةَ على تحدِّي الْعَوْلَمَةِ الرَّأْسِمَالِيَّة المُتوحِّشة المُنفلتة من كُلِّ عِقالٍ، لم تَعْثُرْ، في كثيرٍ من بلاد العالم المحكومةِ أنظمتها الْحَاكِمَة بالتَّبعيّة المطلقة للرَّأْسماليَّة العالميَّة، وضمنها، بالطَّبع، بِلادٌ مِنْ “بلادُ العَرب”، على قُوَىً مجتمعيَّةٍ تتبنَّاها، وتُطوِّرُهَا، وتُرسِّخ وجودها عبر الْفِعْل الإنسانيِّ الجمعيِّ الخلَّاق، بل لعلَّها ظلَّت، لِهذَا السَّبب أو ذاكَ، مُعَلَّقَةً ورجراجةً في انتظار أنْ تُؤَصَّل تَأْصِيلاً معرفيَّاً، عقليَّاً ومنطقيَّاً وعمليَّاً، بما يكفي لإخراجها من حيِّز الاستجاباتِ الفوريَّة التي تَتَّسِمُ، في أعمِّها الأغلب، بخصائصَ ردَّات الفعل الوقتيَّة متعدِّدةِ الدَّوافع، ومُتَنَوِّعة الاتِّجاهَاتِ والتَّوجّهات، وذاتِ المُحَفِّزاتِ والرُّؤى المُثْقَلَةِ بالرَّفض الارتكاسيِّ النُّكوصِيِّ، أو بالتَّصوُّر الطُّوباويِّ التَّهويميِّ، المهيضينِ في كُلِّ حالٍ، والعَاجِزَينِ عن تجاوز مُحَفِّزاتِهمَا المُتَنَاقِضَة ظَاهريَّاً عَلَى الأرجَحِ، والبعيدينِ كُلَّ البُعْدِ عن الواقع الفعليِّ المنشودِ تغييره، والمرادِ إبدالهُ بواقعٍ واقعيٍّ يَفْضُلُهُ، أو يُناقِضُ بُؤْسَهُ مناقَضَةً تَامَّةً، لِكَونِه واقِعاً لا يأتي إلَّا من المستقبل المَنْشُودِ، المَنْظُورِ، والمُمْكِنْ!
وتأسيساً على ما تقدَّم، وفي ضوء ما نشهده من استجاباتٍ مهيضةٍ، أو من استجاباتٍ لم تتبلور بعد، أو لم تخرج من تَوارٍ أو كُمُونٍ، على تحدِّي “الْعَولمَةِ الرَّأْسِمالِيَّة المُنْفَلَتَةِ”، فإنَّهُ لَيَبْدوَ أنَّ تَأْصِيلَ فَرْضِيَّة إمكان تحويل أنظمة التَّابُو، القديم منها، والمُكَيَّفِ عن قديمٍ، والمُسْتَحْدَثِ القائم الآن، والمتوقَّعِ بروز حَاجةٍ رأسِماليَّةٍ إليه في زمنٍ قادمٍ، من كونها تَشْغَلُ جزءاً راسِخَاً من بنيةٍ فوقيّةٍ رخْوةٍ أو مُتَكَلِّسةٍ، إلى بنيةٍ تَحْتِيّةٍ صَلْبَةٍ وراسِخَةٍ، وقابلةٍ للتَّوسيع بما لا يفارق ماهيَّتها، لن يكون مُلْغِزاً، أمراً صَعْب المنالْ.
وإنَّني لأُدركُ أَنَّ انبثاقَ هذه الْفَرْضِيَّة من ثنايا التَّبصُّرات التي أوردتُ خُلاصَاتِهَا في مقالاتٍ عديدةٍ سَابقةِ الكتابَةِ والنَّشْرِ (سلسلة المقالات المُدْرجة تحت عنوان: قَبْوٌ وقُبَّةٍ، ولا سيَّما منها المقال المتفرِّع المُعَنْون بـ”هياكل فارغة”)، قَدْ فَاجَأَنِي، وذلك بقدر ما تيقَّنْتُ من حقيقيةِ أَنَّ أيَّ فَرْضِيَّةٍ جديدةٍ تَهُزُّ فكرةً تَأْسيسيةً راسخةً، أو مبدءاً مَنْهَجِيَّاً مُكَرَّسَاً ومُعْتَمَداً، ستبدو غريبةً، وغير مُرحَّبٍ بها، ولا سيَّما من منظور مناهج التَّفْكير القديم، أو التَّفكير المُقَيَّدِ، أو المبرمج سَلَفاً وفق معاييرَ صارمةٍ وكابِحَةٍ للتَّفْكيرِ، أو الخَالي من التَّأَمُّل المُتَجَاوزِ قَدِيْمَهُ، ونَفْسَهُ.
وليسَ لِفَحْوى الفقرة السَّابِقة أنْ تُفْهَمَ، بِأَيِّ حالٍ، كَدَعوةٍ ظاهِرةٍ أَو ضِمْنِيَّةٍ، للتَّخَلِّي عن المَنْاهِجِ البَحْثِيَّةِ الرَّصينَة والمُعْتَمَدَة، أو إغْفالِ أيٍّ مِنْ إجراءاتِها وآلياتِها، فليسَ للتَّبَصُّرِ المُتَأَنِّي، عمقاً وامتداداً، في مسألةٍ مصيريّةٍ حَاسِمَةٍ جمعت في إهابٍ واحدٍ شَتَّى المسائل الحياتيَّة والوجوديَّة، العَمَلِيَّة والنَّظَريَّة والْمعْرِفِيَّة، المُتَعَلِّقَة بِالوَاقِعِ العالَميِّ القائمِ الآنَ، وبمآلاتِ الكائن البشريِّ، والإنْسَانِ، والعَالَم، إلَّا أَنْ يَسْتَوجِبَ إعْمَالَ هَذِه المناهِجِ والإفادةِ مِنْهَا، كمناهجَ مُجَرَّبَةٍ، وذلك بقدر ما يُمْلِي الحاجَةَ إلى تطويرها، أو حتَّى إِلى تجاوزها، وصُولاً إلى ما هو أَرصن، وأعلى قُدْرةً على مُقَاربَة فَرْضِيَّاتٍ قد تبدو، للوهلة الأُولى، غَريبَةً، وذلك لتمكيننا مِنْ تَعْمِيقِ إحاطتنا العمليَّة والمعرفِيَّةِ بمجرياتِ تَحَوُّلٍ تاريخيٍّ كونيٍّ مُتَسَارع الْخَطْو، وغير مَسْبُوقْ!
وإذْ لم تنبثق هذه الفَرْضِيّةُ من فَراغٍ بَلْ تأَصَّلت عبر المقاربات التَّبصُّريّة المشار إليها، والتي أَسْفَرتْ، ضمن ما قد أسفرت عنه، عن خُلاصةٍ تُؤَكِّدُ أنَّنا نعيشُ لحظَة الصُّعُودَ الذُّرويَّ الأقصَى لِحِرْصِ قُوى الاستغلال والاستبداد والطُّغْيان والجشع الرأسماليِّ المتوحِّش، على تَكْريس هيمنتها، وتأبيد وجودها، عبر طرائق وأساليب وإجراءاتٍ عديدةٍ، ليس ترسيخ وجود، وتعزيزُ فاعِلِيَّة، أنظمةٍ تَابُوِيّةٍ تُغَطِّي شَتَّى الأنشطة البشريَّة، وتتداخل، أو تتمازج، في مجرى تكوين “النِّظام التَّابُويِّ الكَونيِّ الكُلِّي”، بأقَلِّها، فَإِنَّ للانطلاقِ مِنْ هذا الإدراكِ أنْ يُؤَهِّلَنا لِمُتَابَعة التقاط تمظهراتِ الصُّعود الرَّأسِماليِّ الذُّرويِّ في العالم بأسره، بغية قراءتها، والتّأمّل فيها لاستكناه دوافعها الحقيقيَّة، وتَبَيُّن ترابطاتها، وإدراك مقاصدها، والتَّنَبُّو، في ضَوء ذلك كُلِّه بِمآلاتِهَا الممكنَة.
وإلى ذلك، سيكونُ للاستكناهِ والتَّبَيُّن والإدراك والتَّنَبُّوء الجزْئيِّ أنْ يُؤَسِّسَ لانبثاق إمكانيّةٍ فِعْلِيّةٍ للتَّنَبُّوء بمآلاتِ الظَّاهرة الرَّأسِماليَّةِ المُتَوحِّشةِ المقرونَةِ بالْعَولَمة المُنْفَلِتَة، وبِتَصَدُّعِ أَبْنيَةِ الْعالَم، واختلال منظومات قِيَمِهِ، وموازينه، وتوازناته، وهي المآلاتُ المشروطةُ، دائماً وأبداً، بحقائقَ ومعطياتٍ وموازينَ قُوَىً قَائِمةٍ بالفعْلِ، بقدر اشتراطها بما يكتنزه الواقعُ القَائِمُ، هُنَا أو هُنَاكَ عَلَى مدى مساحاتِ العالَم وأحيَازه، من مُمْكِنَاتٍ، أو بما يَمُورُ في قاعه العميق من تفاعلاتٍ قَدْ تُنْبئُ بوجُودِ إمْكانيَّة مُحْتَملَةٍ لِتَفَجُّر توتُّراتٍ وصراعاتٍ سَيَتَوجُّبُ التَّأكُّدُ مِنْ وُجودِهَا كإمكانيَّة قابِلةٍ للتَّحَوُّلِ إلى إمكانيَّة فِعْلِيَّة.
وليس لإداراك مُكْتنزاتِ الواقع العالميِّ القائمِ، وتَعرُّف ما يُمُورُ في قَاعِه العميق من تفاعُلاتٍ وتوتُّراتٍ وإرهَاصَاتٍ مُنبِئةٍ، إلَّا أنْ يَكون هو “المدخَلُ الضَّروريِّ”، للشُّروعِ في التَّبَصُّرَ في مدى قُدْرة مُمُكِنَاتِه على إحداث تَحَوُّلٍ يُغَايِرُ هذا الذي تُحَاولُ النُّخَبُ الرأسماليَّة العالميَّة المتبوعة بأنظمة التَّخلُّف، والفكْرِ الظَّلاميِّ، والاستغلال، والاستبداد، والتَّبعيَّة، والتَّابُوات الكُلِّيَّة المقدَّسة، فَرْضَهُ على العالم بأسره، إيثاراً لنفسها على من سواها، وحفاظاً على مصالحها المتفاقمة، واستهتاراً بالقيم الإنسانيَّة السَّامِيَة، وبشتَّى منظومات حُقُوق الإنْسَانِ وشرائعها، وشَرْعَتِهَا، تلك المُكَرَّسة بتوافقٍ إنْسانِيٍّ يكاد أنْ يكون شَاملاً، ومُلْزِمَاً، وجامعاً!

إضاءات:


عَمِدَت السُّلطات الحاكمة المستبدِّة، وغيرها من القوى المُهَيْمِنةُ، إلى تشديد قبضات الكبح والقمع والطُّغيان، على بُنَى المجتمع وحيوات النَّاس، وحَرِصَت، أَوَّل ما حَرِصَت، على فرض سطوة الأجهزة الأمنيَّة المتكاثرة، والمتعدِّدة المجالات والاختصاصات، على أيِّ كيانٍ أو شكلٍ من الكيانات والأشكال والبُنى المجتمعيَّة والمهنيَّة النُّخْبَويَّة!

ليس “النِّظام القيميُّ السّلطويُّ الاستبداديُّ الخاصُّ” إلّا نظاماً قِيَمِيَّاً مغلقاً على غاية حماية السُّلطة الحاكمة، وترسيخ هيمنتها، ولكنَّه نِظامٌ مفتوحٌ، طيلة الوقت، على استيعاب تعديلاتٍ وإضافاتٍ وإبدلاتٍ تصبُّ إفرازاتها، بتواترٍ وعمقٍ، في مجرى تأبيد وجود هذا النِّظام السِّياسيّ الاستبداديِّ الحاكم، أو ذاك!

كان للأنظمة التَّابُوِيَّة، المُؤَسَّسَةِ، أَصْلاً، على استثمار الجهل، والإمعان في الغاء العقل، والتَّحَكُّم في قنوات الصِّلة الممكنة بين الأرض والسَّماء، والتَّجلُّل بالمقدَّس والمحرَّم المُتغايرين، والمُتحوِّلين أبداً، أنْ تُمَكِّن الأنظمة الحاكمة المستبدَّة، والقوى المهيمنة المتحالفة معها، من تفعيل “التَّابُو السِّياسيِّ” الضَّافر شَتَّى التَّابُوات وأَعْتَاهَا!

بغية تفريغ الضُّغوط الهائلة الّتي ستثقل نفوس ناسٍ من الإنسانيين من النَّاس جَرَّاءَ الكبح التَّابُويِّ الكُلِّيِّ ، سيكون متاحاً لهؤلاء، بل سيكون مطلوباً منهم جميعاً، ومحفَّزين، بوسائل تُغَيِّبُهم عن وَعْيِ الواقعِ وعَنِ السَّعْي إلى تغييره، أَنْ يذهبوا إلى إدمانِ العيش في عالمٍ فضائيٍّ وهميٍّ توفِّره التِّقانة الحديثة، وشبكاتها العنكبوتيَّة الهائِلة!

توافرت النُّخَبُ الأُولِيغَارْكِيَّةُ الرَّأْسِمَالِيَّةُ على إدراكٍ يقول إنَّهُ ما من وسيلةٍ عمليّةٍ لإغلاق أبواب التّنافس الإنتاجيِّ والتَّسْويقيِّ، ولسدِّ منافذ تقاسم أيِّ شيءٍ قد ينقص إطلاقيَّة هيمنتها، أو يعرقل بُلُوغَ تَحَقُّقِ غاياتها الاستثماريَّة الاستغلاليَّة الاستئثاريَّة أعلى الذُّرى، أنجع من تحويل أنظمة التَّحريم والكبح والمَنْعِ إلى أَعمدة بُنَيً تحتيّةٍ قويَّةٍ وراسخةْ!

شَرَعَتْ النُّخَبُ الأُوليغَاركِيَّةُ الرَّأْسِماليَّةُ في إخْضَاعِ كُلِّ ما قد أَسْفَرتْ عنه مَسَارات المغامرةِ البشريَّةِ الحضاريَّة التَّاريخيَّة، بَلْ والوُجُودِيَّةِ، المُتَشَعِّبَة، مِنْ حَقِائقَ، ومعطياتٍ، ومكوِّناتٍ تَأسيسيَّةِ، وخُلاصات تَجَارُبٍ، إِخْضَاعَاً صَارمَاً وكُلِّيَّاً، إِلى قَواعد اسْتِبْعَادٍ وضَمٍّ واسْتِبْقَاءٍ واجْتثاثٍ!

لم تعثر الاستجابات المتغايرة على تحدِّي العولمة الرأسماليَّة المُتَوحِّشة المُنْفَلتةِ، في عديدٍ من بلاد العالمِ، المحكومة أنظمتها بالتَّبعيّة المطلقةِ لِهَذه الرأسماليَّة العالميَّة، وضمنها بلادٌ مِنْ “بلادُ العرب”، على قوّىً مجتمعيَّةٍ تتبنَّاها، وتطوُّرها، وترسِّخُ وجودها عبر الفعل الإنسانيِّ الجمعيِّ الخلَّاق!

شاهد أيضاً

الحركات الإجتماعية بعدسة السوسيولوجي

خالد بوفريوا خالد بوفريوا صك “تشارليز تيلي” إصطلاح الحركات الإجتماعية على أنها “سلسلة من الأداء المتواصل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *