الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / كائنات تتزاحم الحياة أو عندما يصبح الإنسان هو الضحية

كائنات تتزاحم الحياة أو عندما يصبح الإنسان هو الضحية

حسن العلوي

ليس الانسان وحده من يعيش في العالم؛ والعالم المقصود هنا هو العالم الأرضي، وليس العالم الكوني الذي لا تزال معرفة الإنسان به ضئيلة. تتزاحم الحيوات على الأرض منذ البدايات، حيث كان الكائن الما-قبل يعيش جنبا إلى جنب مع باقي الكائنات المحسوسة مثله.
ولم يختلف الوضع في البدايات الأولى للما-بعد؛ أي بعد ظهور الكائن الذي أصبح يحمل اسم الإنسان. لكن لم يكن بإمكان الكائن الجديد أن يعرف أنه توجد “كائنات” مختلفة، او لنقل من نوع مختلف عما ألفه من الكائنات التي سماها حيوانات؛ لا تشاركه الحياة والعيش على الطبيعة فحسب؛ بل منها ما يتخذ الإنسان ذاته، وتحديدا جسده البيولوجي موطنا لسكناها وعيشها.
اكتشف الإنسان عالما آخر؛ قائم الذات من كائنات جديدة عليه، لها خصائصها المميزة لها عن الكائنات المألوفة وعن الإنسان ذاته، نتيجة لتقدمه في العلم، وتطوره في المعرفة. يتشكل العالم المكتشف من البكتريا، والميكروبات، والفيروسات (…) وتنظمها جميعا خاصية أنها كائنات مجهرية؛ لا ترى بالعيف المجردة.
وتمكن الإنسان، بفضل هذا الاختراق في مجال فك ألغاز الحياة على الأرض، من تمييز الصديق من العدو من تلك الكائنات. وأهم ما اكتشفه أن العدو من الكائنات المجهرية، أنها تزاحمه الحياة، تماما كما زاحم ويزاحم هو نفسه كائنات أخرى؛ اتخذ الكثير منها مادة لغذائه، بعد أن أخضعها للترويض، والبعض الآخر منها يزاحمها بالقتل عندما يرى أو يقدر أنها تشكل خطرا عليه.
تُجسد المزاحمة على الحياة بين الإنسان، وبين الكائنات المجهرية العدوة؛ بما تدل عليه فكرة المزاحمة من معاني المنافسة على الحياة، في الغالب ثقافة الافتراس التي تحكم الحياة البيولوجية عامة؛ وليس حياة الغابة والحيوانات فقط، كما هو متعارف عليه عند الإنسان.
من هنا فلإن فيروس كورونا، حسب المعلومات العلمية المتوفرة عنه، هو من النوع الذي يزاحم الإنسان الحياة؛ وليس مزاحمته في الحياة فقط؛ إذ يتخذ الإنسان، ربما، فريسته المفضلة حيث يحوله إلى ضحية. والأمراض شكل من الأشكال التي تتخذها مزاحمة الكائنات المجهرية، ليس للإنسان وحده، بل للحيوانات أيضا؛ الأمراض التي كثيرا ما تحول حياة الإنسان إلى جحيم، ومعاناة تفضي أحيانا إلى الموت وسلب الحياة. تزاحم الحياة وتدافعها؛ هو المبدأ الذي يحكم مشكل الوجود. وهو الإشكالية التي تنوعت مقاربتها بتنوع العصور الثقافية، فلكل عصر ثقافي مقاربته حسب مستوى الفكر والعلم في العصر. ويمكن تلخيص مسار الثقافة في نضالها في ميدان معركة التزاحم في مرحلتين اثنتين؛ مرحلة كان عنوان المقاربة فيها هو الخير والشر، ومرحلة اتخذت فيها المقاربة عنوان الضرورة والحرية.
ما فجره الفيروس الفاجعة في وجه الإنسان، الذي اعتقد لقرنين من الزمن على الأقل، أنه استطاع باقتداره العلمي والمعرفي والأخلاقي، التقليص من مساحة الضرورة في الحياة، لصالح مساحة الحرية التي اتسعت وتتسع بفضل ذلك، هو تحدي هذا المنجز العلمي والأخلاقي الكبير، ويكاد الفيروس يجهز عليه، عائدا بفكرة الحرية القهقري إلى القريب من درجة الصفر.
فرض الفيروس على الإنسان جبريات لا حصر لها؛ بدءا بالحشر في زوايا المنازل التي تحولت إلى ملاجئ او شبه سجون، والاجبار على العزلة، وخلق مسافات مع الآخر الشريك في الإنسانية، وانتهاء بسلب الحياة، عندما ينقض على الإنسان فيحيله ضحية أو فريسة.
قد يبدو أمر الكور طبيعيا، إذا كان مصدره من الطبيعة، لأنه في هذه الحالة لا يختلف في ميدان معركة التزاحم عن المعروف من فيروسات مثله، عرفها الإنسان وأصبحت شبه مألوفة لديه. قد يحمل الكورونا في ذاته شيئا جديدا، يدل على تطوير الطبيعة لآليات جديدة في معركة التزاحم.
لكن الخطير في القصة؛ يتمثل فيما إذا صحت فرضية أن فعل الإنسان هو وراء الفيروس؛ إذ يؤشر إلى بداية مستقبل مظلم في تاريخ البشرية، التي لم يكن التزاحم على الحياة بين مكوناتها، أمرا غريبا عنها وعن تاريخها. فتاريخها مليء بالحروب، وصناعة الأسلحة. فهو يؤشر إلى بداية ادخال نوع جديد من السلاح لم تعرفه البشرية من قبل، في مجال التزاحم على الحياة. وهو توظيف كائنات بسيطة في بنيتها البيولوجية؛ تكاد تكون تافهة ولكنها شرسة، وهنا المفارقة، سلاحا ضد الشريك في الإنسانية والحياة.
بقدر ضعف الفيروس وتفاهته، هو شرس ومتوحش، يأتي على الإنسان فيحوله ضحية. هذه النتيجة المأساوية مؤشر قوي على هشاشة الإنسان رغم قوته، فتراجيديا الحدث تكشف عن هذه المفارقة: أن كورونا قوته في ضعفه، بينما الإنسان ضعفه في قوته. والأسئلة التي تفرض نفسها في أجواء الحدث الزلزال كثيرة منها: أي نوع من الإنسان هذا الذي بإمكانه انتاج هذا “السلاح” وتوظيفه ضد الإنسانية؟ على ماذا يدل؟ وإلى ماذا يؤشر؟ ألا يدل على السقوط الأخلاقي للإنسان، وعلى الإجهاز على المنجز الأخلاقي الذي بذلت في سبيله التضحيات الجسام؟ ألا يدل على الارتكاس إلى مرحلة الما-قبل حيث لم يسلم من افتراس الكائن البشري، نظيره في البيولوجيا والتكوين كما يثبته التاريخ.
حسن العلوي

شاهد أيضاً

المثقفُ منبوذاً

سامي عبد العال سامي عبد العال       حجمُ الإهانةِ داخل أيِّة ثقافةِ متعثرةٍ لا يتم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *