الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / وَجْهُ العالمِ خلْف كمامات

وَجْهُ العالمِ خلْف كمامات

سامي عبد العال

سامي عبد العال

الكمامة هي العنوان الطارئ للتعبير عن الوقاية، أي صد العدوى والخطر، وإشارة إلى الخوف منهما. لكنها أيضاً قد تكون عنواناً لما يحدد العلاقة بكلِّ ما هو قادم. اعلانٌ عن حالةٍ ليس مقصوداً بها أيَّ شخصٍ بذاته ولو كان مريضاً. لأنَّها تُمثل موقفاً مفرَّغَاً من الشخص العيني، مفرَّغاً من القصد المُفرد، لتبقى رمزاً لما يجب عملُه في هذا الاستثناء. ولا تستهدف عداءً ولا قبولاً لهذه الشخص أو ذاك، حيث تُمارس الخرَس والصمت في مستوياته الأعلى من الوجود والفعل.
الكمامة ممارسة صحية(طبية) كما نعرف، من هنا تحمل مبررها الخاص الذي لا يقع داخل أيَّة دائرةٍ أخرى. لأنَّ الأوبئة لا تقدم مؤشراً آخر غير اصابة أحدنا لتبدأ احتمالات العدوى. وبهذا تضع الكمامة نفسها في مفترق طرق مع سواها من أغطية الوجه، لكونها اشارة خطر فوق أعضاء معينة، كالفم والأنف تحديداً. وبات معروفاً أن الكمامة من علامات التحضر، لأنَّها جزء من الوعي وجزء من تجنيب الحاق الأذى بالآخرين وتشكِّل علامة لرفع الحدث إلى مرتبة الضرورة. في إلماعةٍ إلى كوننا نحتمل ما يأتي وإنْ كان مُضرّاً بحياتنا.
هكذا ليست الكمامة نقاباً نسوياً، لأنَّها خالية من أيَّة بصماتٍ لاهوتيةٍ تعْصب بعضاً من أدمغة البشر لصالح مرجعية مقدسة. كما لم يقرر الأطباء ارتداء الواقيات الفيروسية بسبب ميتافيزيقي من أي لون. كما أن الكمامة تحمل- مجرد حمل- وصية طبية بالدرجة الأولى. تقول رأساً: لتكن اخلاقيات التواصل هي الأساس إذا كان الحال واقعاً في مهب الجائحة. إذن أُضيف إلى أي إجراء طبي إجراء أخلاقي يقينا ويقي الآخر مما نعاني. والاخلاقيات الوقائية ليست منفصلة قيد أنملة عن إجراءات التعامل مع الفيروس عضوياً.
وهذا التلازم يستهدف إنسانيتنا التي نرعاها معاً داخل كل فرد، فلن يرتدي الكمامة شخص أيديولوجي أو ديني لمجرد الدفاع عما يعتقد، بل للدفاع عن حيويته ومناعته اللتين تجعلانه قوياً على ممارسة الحياة. ولذلك ما أكثر العته اللاهوتي حين يقال إن الكمامة هي الوجه المنتظر جراء رفض الناس لارتداء النقاب. وإذا كانت المجتمعات العلمانية – فيما يقول هذا الزعم- تمنع ارتداء النقاب، فها هي الطبيعة قد فرضت ارتداء الكمامات وهي أشبه بالنقاب.
هذا الهوس ليس صحيحاً على الاطلاق، فالكمامة تصيب المتدينين وغير المتدينين وحتى اللادينيين. وكان من باب أولى ألاَّ ننتظر كي تأتي الإصابة عشوائياً للزعم بأنَّ الإجراء الطبي نسخةٌ مما ينادي به الدين. ولو أن أحداث الزمن وظواهره تدور مع الإيمان والكفر كما يقال، ما كان ليصيب الوباء- أي وباء- أصحابه أو كان عليه بالأحرى أنْ يتجنب المنقبات دون سواهن. وذلك أمر لا يؤكده الواقع بأي حالٍ من الأحوال.
يلحق بهذا الركام الذهني زعمٌ آخر: أنَّ الفيروس- حين يعزل البشر عن بعضهم البعض- يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، من حيث كونه يحُول دون الاختلاط ويمنع معاقرة الملذات الشهوية العابرة، ويفسد ممارسة الرذائل الجماعية ويفشل علاقات أصدقاء السوء. وهذا المعنى ليس إلاَّ تصوراً ساذجاً لما يعنيه الفيروس طبياً. فهو من تلك الجهة يرتبط بالأجسام بلا عنوان لا هوتي فارز، كذلك لا يُفرق بين الوجوه سواء أكانت اناثاً أم ذكوراً، والفيروس ذاته قد يصيب الذكور أكثر من الإناث كما قالت بعض الإحصائيات الطبية.
ثم ما الأهمية الدينية في أنَّ يحُول فيروس دون معاقرة الشهوات؟، هل ذلك معروف ومنصوص عليه وحيَّاً أم أنه حقيقة طبيعية، كأنَّ هناك برنامجاً لاهوتياً كونياً يستعمل الفيروسات لأغراض إيمانية. لو كان منصوصاً عليه، فهو أمرٌ تأويلي قد لا يكون بهذا الحال بالنسبة لفيروس كرونا تحديداً. فالتأويل قد يُخطئ بحسب نقطة الانطلاق التي تعتبر الناس على خطيئة دائمة، وأنَّ ما سينال منهم هو العقاب الإلهي ولو كان بواسطة فيروس دقيق الصغر. ولذلك نتيجة التمني بإيقاع هذا العقاب( بالعالم كل العالم) سيفسر أي مظهر مثل الكمامة في هذا الطريق. وتبدو الأشياء كما لو كانت تتحرك باتجاه ما يؤمن به هؤلاء…. كأنَّ يقال إن الكمامات لا تُفسد الصلاة مثلاً، مع أنَّها مجرد قطعة قماش معقّم وتحمل لياقة التعامل الإنساني بلا تصنيف. وأنَّها لا علاقة لها بالصلاة أصلاً، بل هي صلاة – إذا أجيز ذلك- من نوعٍ إنساني يقدسُ الإنسان في ذاته!!
إنَّ لصق التأويل الديني بالكمامة هو خرافة تأتي وقت الأزمات التي تحرك الساكن داخلنا وتقدم لمن يعتقد ما يود أنْ يراه. كأنَّ يرى أحدهم في السحاب وجوه الملائكة والانبياء وقد يراها غيره وجوه الشياطين والجان… في الحالين لن تكون السحب غير السحب لكن الرائي هو من يخلع ما يؤمن به على عناصر الطبيعة، والخلع لا يُقدم ولا يؤخر، لكنه يظهر إلى أي مدى سيكون عجزنا حيال التعامل مع الظواهر الوبائية كالفيروسات.
ومن جانب آخر، لو كانت إصابة الفيروسات طبيعية تحت غطاء اللاهوت، فلا يوجد دليل أنها تحقق أغراضاً اسكاتولوجية( أخروية)، وانها تعجل بنهاية الزمان، وأنها ترسم الطريق إلى أهداف الديانات. وذلك دوماً أمر لاحق يفسر الطبيعة بالدين أو الدين بالطبيعة دون مبرر لذلك، لأن الطريقين ليس واحداً. وهذا يضع القول بأن الله أرسل إلينا كرونا كرسالة إلهية تحت الاستفهام. فما هي الوسيلة لقراءة الرسالة على افتراض وجودها؟ وهل الفيروس الذي هو مادة طبيعية ينقل التعاليم الدينية( بوذية أو ابراهيمية بإشكال مختلفة)؟
إنَّ ارجاع رسائل الفيروسات إلى رجال الدين كي يقرؤونها هو خدمة أخرى لما يدافعون عنه واستثمار نفعي في الخوف والرعب من الموت. ولاسيما أنَّهم يعلمون كونهم الوحيدين الذين سيفكُّون شفرات الرسائل بما يتفق مع مآربهم!! وواضح إذن أنَّ رجل الدين سيتحول إلى “ساعي بريد”( بوسطجي) postman في الأخير، ولن يكتفي بهذا، بل قد يتدخل في كتابة الرسائل ويقدم وصفات لقراءتها وتفسيرها!! ولقد ظهر دجل الكورونا لدى البوذيين واليهود والمسلمين وغيرهم، وكلهم جادوا على المجتمعات بوصفات وتمائم واحجبة ومواد رمزية تتناول أو تعلَّق على الصدور والرؤوس لدرء الوباء ودفع أقدار الشرور!!
أيضاً الكمامة ليست قناعاً mask بمعناه المضاف والظاهري، لأنَّ القناع ينطوي ضمنياً على نوع من التمثيل والاستبدال والاحلال، أي هو استعارة تنقل معنى للوجه. ولذلك فإن كلمة الشخصية personality ترتبط بالقناع الذي يرتديه الشخص تجسداً لما يظهر أمام الآخرين، بينما الكمامة علامة لا تقول شيئاً غير ما تنقل، هي تبدو شفافة وحيادية ودالة على ما تعبر كما المرض الذي تراه تماماً. لأنها من جنس هذا المرض، من طبيعته القصوى التي تقتل بشكل حيادي لا تفرق بين فقراء واغنياء، بين رأسماليين واشتراكيين، بين دول عظمى ودول دنيا.
الكمامة تقول كثيراً حين لا تتحدث بأي شيءٍ ولا بأي ضوضاء، وهذا سر كونها معروفة في جميع الثقافات، وتستعمل داخل كل الأجواء العاصفة بالفيروسات، وبأغلب المواقف الحرجة التي تقتضيها. هناك صورة معبرة تم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هي صورة العالم( الكرة الأرضية) في هيئة وجه ورأس إنساني مرتدياً كمامة … وهي صورة تنم عن وضع وجه العالم كلة خلف كمامة زرقاء. ولنتخيل أن ذلك معبر عند حدود الرؤية الكلية لوجه العالم مستغرقاً كل شيء، الكائنات والإنسان والأجواء. كل شيء مُلوث حتى أن وجه العالم يرتدى واقياً من العالم(من نفسه) ولا شيء سواه. لأنَّ الوجه يأتي بما يشعرنا بإنسانية الحياة داخلنا في أي مكان. ولذلك لا يتم تبعيض العالم هنا أو هناك، شرقاً أو غرباً، شمالاً وجنوباً، إنما إذا أصيب مجتمعٌ بالوباء، فالعالم يترجم ذلك في شكل وجه لآخر داخلنا باستمرار.
المعنى اللطيف أنَّ الكمامة تنطوي على الإدهاش بحكم أنَّ وجه الإنسانية هو القابل للعدوى، وكذلك أنَّ الكمامة اعتراض لما يحول دون بريق هذا الوجه الكوني. إنَّ الإصابة بالوباء (كورونا) تحذير لأمراض الوجه رغم أنه يعبر عن حدث له تداعياته. وإلاَّ لما كان ثمة داعٍ لارتداء الكمامة. هل تحذرنا من المرحلة الثانية أو الثالثة أو الرابعة من العدوى…؟ بالطبع العلامة (الكمامة) تعمل على اللاوعي في تلك المرحلة، وتجسد بشكل متحضر كيف نتعامل مع الإصابة دون التنصل من المسؤولية؟ وإذا كان الفيروس غير مرئي، فالكمامة تهمس بهذه المسؤولية إزاء اللامرئي من حياتنا. وهي ترقب لأخطار قد تكون على مقربة منا بأي وقت. وتحافظ على الآخر معافً ومصوناً كأننا نعتبره نحن بشكل أوسع.
وتختلف الكمامة بحسب الثقافة التي تبطن استعمالها، فهي مرحلة متقدمة -رغم بداهتها- من اعلان الأزمات، والشعوب التي لا تجيد استعمالها ولا تحدد لياقة وخفة ارتدائها والتخلص منها وتبديلها والحرص على المسافة التي تبثها هي شعوبٌ تحتاج إلى مراجعةٍ المسافات بين الإنسان والآخر. لقد جعلنا المسافات ايديولوجيةً ولاهوتية وميتافيزيقية وسياسية وطبقية… أصبحت كل شيء إلاَّ أنَّ تكون حرةً.. وهي جميعاً مسافات عنف بالمقام الأول. أمَّا مسافات الكمامة(أو التي تشعرنا بها الكمامة ) فهي مسافات رعاية واعتذار إنسانيين في شكل أخلاقي طبي. وبما أنَّ الصحة كما يُقال تاجٌ على رؤوس الأصحاء، فالكمامات قدرةٌ على بذْل العطاء بشكلٍّ هادئ ولبق. وهي بالنهاية من نسيج الحياة: فكورونا يتسرب إلى الجهاز التنفسي عن طريق الأنف، والكمامة تطهر الهواء موضعياً… أي أنَّه علينا تطهير أنفاس الحياة عبرنا كأحياءٍ. فكيف لا ندع وجه الإنسانية يتنفس بشكلٍّ نقي وبلا أوبئةٍ؟!

شاهد أيضاً

عُدَمَاءُ الدِّينْ!

عبد الرَّحمن بسيسو – براتسلافا لا ينطوي ما يوجَّهُ من نقدٍ صارمٍ، وما يُتَّخَذُ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *