الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

بقلم عبد الكريم لمباركي

لقد عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا لشيء سوى لفهم هذه الأخيرة وسبر أغوارها، لكن طالما كان منهزما في هذه الحرب وخاضعا لها، فالطبيعة تمّاز بصفة المكر والخداع مما يجعلها تصنع من الإنسان ما تريد وفي أي وقت تريده؛ إنه عقل ما ورائي يحدد الكيفية التي يمكن للوجود أن يسير عليها، وأي فعل يقوم به الإنسان بوعي أو بدون وعي بغية ترويض الطبيعة، فما هو إلا وسيلة لتقويتها. لأن الكيفية التي يفكر بها العقل البشري ما هي إلا خطة محبكة من طرف الروح الطبيعية، والإنسان ذاته مجرد حال وعرض لذلك الجوهر الذي يتجاوزه ويتجاوز منطق تفكيره، أي – الطبيعة- إن اللحظة التي فهم فيها الإنسان فلسفة ديكارت، باعتبارها فلسفة حاولت أن تعطي للإنسان القدرة الكاملة في السيطرة على الطبيعة وتيسرها لخدمته، آنذاك أزيل عنه الخوف والهلع منها؛ الأمر الذي نتج عنه إزالة الوعي باكراهها وخطورتها، فلو بقي تعاملنا معها كما كان في أول وهلة، لما شعرنا اليوم بتهديدها وسيطرتها المعلنة وبوضوح.
إن العقل الإنساني كان يريد قبضها بيده من أجل تطوير الإنسانية، والحال أنها أدفعته الثمن لدرجة القضاء على الإنسانية جمعاء، وما وصل إليه العالم من تطور تكنولوجي وثورات كبرنيكية، فما هي في آخر المطاف إلا شروط وفرتها له الطبيعة لكي تمكره وتوطد حكمها عليه، ذلك لأنه في الوقت الذي سيتبجح هذا العقل بثورته؛ سينسى ويغفل قوتها وجبروتها.
إن ما يعيشه العالم اليوم من تهديد وخوف من العدم، لدرجة أصبح يعي وبوضوح قلق الموت، أو بالآحرى قلق فقدان الوجود، وجب أن يرجعه إلا رشده، والعودة إلى الرشد تتمثل في التصالح مع الطبيعة قبل القطع معها، إننا نحِن إلى المرحلة الأولى لأننا لم نقطع معها بإرادتنا، بل العنف و الذئبوية التي كانت تطغى علينا هي السبب في عزلتنا عن حالة الطبيعة، والمرور لحالة مدنية لا نفهم طبيعتها، وحينما أردنا الإنسجام معها قررنا نكران جميل ما وفرته لنا الحالة الأولى من شروط للعيش، بل حاولنا القضاء عنها وإستعبدها، لكن انقلب السحر على الساحر لأن الحقيقة تفرض ذاتها، وهذه الحقيقة تتمثل في جوهرية الطبيعة وتابعية الإنسان، في هذا الوقت بالذات وجب أن نقف وقفة تأملية تقتضي العودة إلى الطبيعة، ففي العودة إليها نعود إلى ذواتنا، وفي التصالح معها نتصالح وذواتنا.
إن فلسفة ديكارت لم يبق لها معنى اليوم، لأن ديكارت في اعتقادي أخطأ في الوقت الذي عاد إلى الذات باعتبارها جوهرا وتغافل عن الطبيعة معتبرا أيها موضعا مدركا من طرف الذات. كان عليه أن يضع مكر الطبيعة في الحسبان واعتبار عقله وذاته جزء منها ومن طبيعتها، لأن العقل حينما يريد السيطرة عليها فهو في حقيقة الأمر مجرد باحث عن سبل العيش داخلها، وبالتالي فالوعي بعظمتها خير من توهم السيطرة عليها.
لقد تكاثرت الأسئلة اليوم عن السبب الذي جعل هذا المرض يتفشى داخل العالم ويهدده، هناك من يقول إنها خطة أمريكية، وهناك من يقول بلى إنها خطة صينية، وهناك من يقول إنها لعنة إلهية، سأقول لكم وبصريح العبارة، أن الأسئلة الثلاث بمجملها أسئلة صحيحة مائة في المائة، لكن تتوالى من حيث أسبقيتها ودرجة تأثيرها في العالم؛ من يقول إنها خطة أمريكية أو صينية أقول له في الغالب إنها كذلك، ومن يقول إنها لعنة إلهية، أقول له فعلا إنها لعنة طبيعة، لأن الله جزء من الطبيعة، وهو تلك الروح التي تحدثت عنها في بداية تقديمي، فكل مطلع على إله سبينوزا سيعرف المعنى الحقيقي للطبعة، فحينما نتمثل صفتها في الفكر فإننا نتحدث عن الطبيعة الطابعة أي (الإله)، وحينما نتمثل صفتها كامتداد فإننا نتحدث عن الطبيعة المطبوعة بمعنى ( العالم)، ففي الوقت الذي أراد الإنسان أن يسيطر على الطبيعة كمادة، سيطرت عليه الطبيعة كفكر.
إن الطبيعة اليوم خلقت إلها جديدا للإنسان لكي تمكر به وتجعله خادما لها، أنه إله مادي صرف، والمتمثل في (الإقتصاد)، لكن هذا الإنسان نسي أنه مجرد جزء من الكل، وحينما يريد تهديد العالم فإنه يهدد هو الآخر وبطريقة لا واعية، الصين أم أمريكا لايهم، المهم هو أنهم هددوا هم كذلك وتعرضوا لهلع الموت، ولكي نفهم الأمور بشكل واضح، دعونا نسترشد بفيلسوف عظيم درس تاريخ الشعوب ككل، ولعل الشعوب الشرقية كانت أهم شعوب ركز على دراستها، وأهم مرحلة انعدمت فيها حرية الروح أو العقل الكلي في رأيه.إنه الفيلسوف الألماني فريديرك هيغل.فما رأي هذا الأخير في الحضارة الصينية؟
لقد قام هيغل بتقسيم العالم الشرقي إلى ثلاث تقسيمات، الصين والهند ثم الفرس، أما فيما يخص الإمبراطورية الصينية فقد كانت أول إمبراطورية سيقوم بتحليلها، وذلك لأنها “أقدم ما ينبئنا به التاريخ ” قد يقول قائل أن موقف هيغل حول الدول الشرقية عامة والصين خاصة هو موقف مشكوك فيه، لكن ما يجعلنا نطمئن له، هو أن الرجل عاد في تاريخ الصين بالذات إلى ثلة من الكتب والوثائق الصينية القديمة التي كتبها الصينيون أنفسهم، والتي تسمى بكتاب (الملوك).
إن الفكر الصيني في اعتقاد هيغل منذ بزوغ التاريخ وهو على نفس الحال الذي نراه عليه في الوقت الراهن، وفي هذا الصدد يقول الرجل ” المبدأ العام هو الوحدة المباشرة للروح الجوهري وللروح الفردي. وذلك هو روح العائلة الذي يمتد ليشمل أعظم البلدان كثافة في السكان”
ويقصد هيغل بذلك أن اللحظة الذاتية التي ينطلق منها الروح المطلق كانت مدمجة في صلب الروح الجوهري أو الكلي، أو الإرادة العامة التي تمارس نشاطها انطلاقا من إرادة الأفراد دون وعي الإرادة الفردية نفسها أو تعارضها مع الإرادة الكلية، وبالتالي فالدولة الصينية تربت على فكرة ولاء الأفراد لأسرهم، وكذا ولائهم للدولة، وفي الأخير تكون روح العائلة هي الروح المهيمنة والمسيطرة، إن الفرد الصيني ينظر إلى كيانه ككيان مندمج مع الأسرة، وأنه إبن للدولة، ذلك لأن الأسرة هي الركيزة التي تحافظ على التراث الأخلاقي بالنسبة لهم.” ظل الأبناء يتوارثون عن آبائهم القانون الأخلاقي جيلا بعد جيل حتى أصبح هذا القانون هو الحكومة الخفية للمجتمع الصيني”
نلاحظ إذن أن الصينيون لا يؤمنون بمسألة الفردانية والإستقلالية داخل أسرهم، بل ينسهرون في وحدة الدم والطبيعة ويجعلان منهما الأصل والجوهر في كل شيء، لهذا فإن الدولة بالنسبة لهم أسرة كبيرة أو امتداد للأسرة الصغيرة، إنهم لا يمتلكون وعيا ذاتيا بمعناه الهيغلي الذي يتطور فيما بعد ليصبح وعيا موضوعيا، بل تسيطر عليهم العلاقة الأبوية البطرياريكية.
إن النظرة البطرياريكية هي نظرة إقصائية للذات وفاعليتها، إذ تجعل من الأب كل شيء ومن الأبناء لا شيء، كما تجعل العلاقة بينهم واجبا أخلاقيا يستند إلى الطاعة والولاء للوالدين، إذ يصير الكل واحدا وتبقى إرادة الأب هي الإرادة المشرعة، هذا الأمر هو الذي ينطبق عندهم على الأسرة الكبيرة أي الدولة، وتصبح بذلك الروح الفردية محكومة بمبدأ الوحدة المباشرة للروح الكلي، لأن الأب ها هنا يظهر في شخصية الامبراطور، وبالتالي فالإرادة الفردية لا يمكن أن تنعكس عن ذاتها لأنها تنعدم، إن الإرادة الكلية للدولة الصينية تأمر وبطريقة مباشرة ما يجب على الفرد أن يفعله، والفرد يطيع الأوامر الكلية دون أي رفض ولا نقاش، وفي حال رفضه فإنه ينفصل عن الجوهر الكلي و يعرض نفسه للعقوبة ولما لا يحمد عقباه.
إن هيغل يرى بأن نظام البطرياريكية هو تلك الصورة العامة للعلاقات الاجتماعية والسياسية السائدة داخل امبراطورية الصين؛ إبتداء من الأسرة الصغيرة إلى العائلة الكبيرة ثم إلى النظام السياسي في الدولة، فهناك شخصية واحدة دمجت فيها جميع الشخصيات الفردية، ألا وهي شخصية الأب الامبراطور في الأسرة – أو الامبراطور الأب في الدولة، بمعنى الحاكم.
لا مراء إذن أن الحقوق الفردية لا وجود لها داخل الثقافة الصينة، وإنما توجد الواجبات فقط وباستمرار، وذلك راجع لسبب واحد؛ وهو أن فكرة الأب في واقع الأمر فكرة أخلاقية وليست سياسية، والواجبات لا تكون بطريقة جدلية دياليكتيكة، فيها أخذ ورد، بمعنى أن للطفل واجب وللأب كذلك واجب، وللفرد واجب كما للدولة واجب، لا إن الأمر عكس ذلك؛ بمعنى أن للفرد واجبا أخلاقيا إتجاه دولته وجب عليه الفعل به وإلا سوف يتمرد عن وطنيته ودولته.
لهذا ناقش هيغل وبشكل طويل واجبات الأسرة، لاسيما علاقة الأب بالإبن، لأنها هي الكفيلة بتوضيح النموذج النمطي الأول الذي يعيد نفسه في التنظيم السياسي، إذ أن الأسرة تعطي كل الشرعية للأب في ممارسة سلطته وهيمنته لدرجة تقديسه أحيانا، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ ليس من حق الإبن الكلام إذا دخل أبوه غرفته، بل وجب عليه أن يختبئ وراء الباب، كما ليس من حقه الخروج من الغرفة دون إذن من والده، في غالبية الأحيان يتناول الأب الطعام بمفرده دون زوجته وأبنائه، حتى يريد هو ذلك، وفي اللحظة التي يموت فيها الأب وجب على الإبن أن يعلن الحداد لمدة ثلاث سنوات وأن يمتنع عن أكل الحم وأن لا يشرب الخمر وتعطيل كل ما يقوم به من أعمال.
إن الثقافة الصينية وفي ظل هذا النطام الأبيسي البطرياركي نعثت من طرف مجموعة من المؤرخين باسم (جنة الذكور) لأن ثقافتهم لا تجد للمرأة مكان، و للأب وأبنائه وضع خاص في المجتمع الصيني، لأن الإبن أقدر على الفتاة على العمل وخلق القيمة المضافة والمقاتلة في الحرب، أما الفتيات فهن عبء على الأسرة التي تقوم بالتربية، وإذ ازداد فرد ما طفلة فإنه يبعث بها بدون تفكير إلى بيت زوجها من أجل إنجاب أطفال ذكور يساعدون على نماء الدولة وازدهارها، أما إذا كانت لدى الأسر فتيات أكثر من حاجاتهم فإن الأسرة تتركهن في الحقول ليقضي عنهن صقيع الليل أو الحيوانات الضارة، ومن أجل تفادي الفتيات فالأباء يدعون في كل صلاة أن يرزقوا أبناءا، وإن تنجب إحدى الزواجات طفلة فإنها ستعاني المدلة والمهانة. لذلك فإن تعدد الزوجات عندهم كان بمثابة إخلاص لإرادة الدولة، وفي غالب الأحيان كانت النساء هن من يبحثن عن خليلات لأزواجهن، لدرجة قول زوجة إمبراطور الصين وقتئد: “لم أكف قط عن إرسال الرسل إلى المدن المجاورة للبحث عن النساء الجميلات لأجعلهن خلالات لمولاي.”
إن إرادة الأمبراطور في الحضارة الصينة لا تعلى عليها إرادة الأفراد، فهو في مقام البناء السياسي ويمارس حقوقه بنفس الطريقة التي يتعامل بها الأب مع أبنائه، فهو كبير العائلة الكبيرة؛ أي الدولة، لذا لا يجب أن يعترض على رأيه شخص ما لأنه أب الجميع، ورأيه مطاع وإحترامه واجب مفروض على الكل، لهذا فالمسواة هنا؛ هي مسواة منعدمة، إذا ما قارناها مع المسواة الحقة كما يفهمها هيغل، إذ يرى هذا الأخير أن الناس جميعا متساوون أمام القانون وحده، وفي احترام كل شخص منهم ملكية الآخر، والكل يخضع لروح الشعب، حتى الحاكم ذاته لكن لذا الناس امتيازات جزئية خاصة بهم، وهي الكفيلة باعطائهم الحرية،”لا يكتسب الأشخاص قيمة ما إلا حينما يمتثلون لروح شعوبهم.”
إن الامبراطور في الصين هو المركز الذي يدور حوله كل شيء، ويعود إليه كل شيء، فرخاء البلاد وسعادة الناس أمر يعود له هو وحده دون غيره؛ لدرجة أنه هو الشخص الذي يضع الامتحانات الأخيرة التي تتعلق بمناصب الدولة، ” إن الشخصية القوية للامبراطور الصيني هي الروح المنشط والمحرك للنظام كله، أما إذا كانت شخصيته ضعيفة فإن كل شيء يتراخى وتصاب الحكومة كلها بالشلل ثم تنهار”
لقد نبهنا هيغل من الرجل الصيني لأن سلوكه الأخلاقي لم يكن ينبع من الداخل، أي كواجب أخلاقي بمعناه الكانطي ؛ ينبع من ذاته وعقله، بل كان يأتي سلوكه الأخلاقي من سبب خارجي، وهو الخوف. لذلك كان هيغل دائما ضد فكرة الواجب الأخلاقي العقلي الذي أسسه كانط، لأن هناك من البشر من لا يخضع لأوامر العقل، بل وجب على الواجب أن يؤطر بالقانون، ومنه ففعله سيكون إلزاما عليه لأن هناك من لا يعرف لغة الإلتزام.” فليس ضمير موظفي الحكومة أو شرفهم هو الذي يدفعهم إلى تأدية واجباتهم، لكنهم يؤدون واجبتهم بسبب قرارات خارجية تدعمها عقوبات صارمة”
وبما أن الأخلاق الصينية لا تخضع لنداء داخلي كما رأينا من قبل، ولا تحترم الواجب بمعناه العقلي والالتزامي الذي ينبع من ذات الشخص وحريته، فإننا لا نعثر عن شخص صيني يعرف معنى تأنيب الضمير أو الإحساس بالذنب أو الشعور بارتكاب الإثم، لهذا فإن الفعل الأخلاقي الداخلي لا يؤثر فيهم، بل يخضعون للفعل الأخلاقي المفروض على الذات من الخارج؛ كالعادات والتقاليد وخوف الفرد من العقاب؛ إذ نجد العقاب من طرف الدولة على مواطنيها، أكثر تعلق بما هو خارجي ، لدرجة قص شعر الأفراد وضربهم بالعصى واحراقهم بالنار، وكذا تمزيق أجسدهم، أو شنقهم في حالات الجرائم الكبرى ” إذا اشتكى إبنا أباه لظلم وقع عليه، أو اشتكى أخ أصغر من أخ أكبر، كان جزاؤه مائة ضربة بالعصى، والنفي ثلاث سنوات إن كان معه الحق في شكواه. أما إذا لم يكن معه الحق في الشكوى فإنه يشنق، ولو أن ابنا رفع يده على والده يحكم عليه بأن يمزق جسده بكماشة محماة في النار”
يرجع هيغل كل هذه الممارسات إلى انعدام الشخصية، أو بعبارة أصح، (الذاتية الفردية)، لأنه ليس للفرد الصيني شعور بذاته وبفرديته، فالكل يخضع لإرادة الأب الامبراطور في الأسرة، أو الامبراطور الأب في الدولة، وبالتالي فلا مجال للحديث عن الحرية في اتخاد أو رفض الأوامر، يقول هيغل: ” التفرقة بين الحرية والعبودية في الصين ليست كبيرة، ما دام الجميع متساوون أمام الامبراطور، أعني أن الجميع متشابهون في النهاية، وبما أن الكرامة لا وجود لها بينهم، وليس للشخص حقوق فردية يتميز بها عن الآخر، فإن شعور الذل والهوان هو الشعور السائد”
إن انعدام الفردية في الثقافة الصينية شمل الجانب الديني كذلك، ولعل ديانة (فو) المنتشرة في الصين، هي أكثر ديانة تنظر إلى العدم على أنه الوجود الأعلى وتعتبر احتقار الفرد وادلاله أعلى أنواع الكمال، لهذا فالامبراطور هو الرئيس الأعلى للدين ، ومنه فهيغل يرى بأن هذه الديانة لا تمت لتصوراتنا نحن للدين بأي صلة، فالدين عندنا يرتبط بالعمق الداخلي للروح في ذاتها وقدرة الروح تصور ذاتها بذاتها، أي في أعماق جوهرها؛ وبالتالي فنحن قادرون على انتزاع أنفسنا من سيطرة الحكومة الدنيوية، بيد أن الدين في الصين غير قادر على الارتفاع إلى هذه الدرجة من الإيمان الخالص ، لأن الإيمان الحقيقي يحتاج إلى حرية توجد في ذاتها لدى الأفراد، والفرد في الصين غير ممتلك للاستقلالية حتى في الدين، لأنه خاضع لسلطة قهرية خارجية.” إن الامبراطور بوصفه تتويجا للكل وتجسيدا للسلطة هو وحده الذي يقترب من السماء لكن الأفراد بما هم كذلك، لايستمتعون بهذه الميزة، فهو الذي يقدم القرابين والشكر على وفرة المحاصيل ويتضرع التماسا للبركة…. يعتقدون الصينيون أن هناك روحا حارسة لكل مقاطعة وهذه الأرواح الحارسة تخضع هي الأخرى لأوامر الامبراطور وتطيع قوانينه” فالامبراطور في الصين هو المشرع الخاص للسماء، والمشرع الخاص في الأرض، وبما أن الصينيون يفتقدون للإستقلالية الذاتية، فإنهم يؤمنون بخرافات لا حصر لها، الأمرالذي من شأنه إشلال حياة الروح بصفة نهائية.
حتى على مستوى العلم فإن الصينيون يفتقرون للإستقلال الذاتي، لأن الامبراطور هو الذي يمتحن أعضاء أكاديميات العلوم بنفسه، ولا مجال للحرية الفكرية، لأن العلم يجب أن يخدم مصلحة الدولة، من خلال توفير حاجياتها ومتطلباتها، لهذا لم يهتم الصينيون بالعلوم الفزيائية والرياضية ” كان الصينيون متخلفون جدا في الرياضيات والفزياء، وعلم الفلك…صحيح أنهم عرفوا أشياء كثيرة، في وقت لم يكن الأوربيون قد اكتشفوا فيه هذه الأشياء، لكنهم لم يفهموا كيف يطبقون هذه المعرفة، فاكتشفوا مثلا، حجر المغناطيس، وفن الطباعة، لكنهم لم يتقدموا خطوة واحدة في سبيل استغلال هذه المكتشفات”
إن الصينيون في نظر هيغل مشهورون بالخداع حيثما استطاعوا، فالصديق يخدع صديقه، ويغشه دون أن يستاء من أحد أو يمتعض من محاولة الغش التي يقوم بها الآخرون إذ لم تؤد الخدعة غرضها، وتحتم على الأوربييين أن يحترسوا جدا في تعاملهم مهعهم، وبغض النظرعن دقة هذه الأحكام من عدمها فهي لا تسلم من مؤثرات العقدة الأوروبية التي ترى نفسها فوق الجميع.
تلك هي الشخصية الصينية التي حضر هيغل العالم منها لأنها شخصية لا ترتبط بالروح والوازع الديني والأخلاقي والإنساني، أي الأخلاق النابعة من الداخل، ومن أعماق الذات، كما أنها بعيدة عن الوجدان، والجوانب الباطنية في الدين والعلم والفن، أي كل ما يتعلق بالبنى الفوقية، والشعب خلق في الصين ليجرعربة الامبراطور، ويعتبر الأمر قدرا محتوما، لهذا فالفرد الصيني مستعد للتضحية بحياته من أجل تطوير دولته ونمائها اقتصاديا، لأنه يعتبر ذلك واجبا وطنيا اتجاهها وتنفيدا للروح الكلي الذي تربى عليه إطاعته والخضوع له مند صغره، ومنه فمن الأرجح أن ما يعيشه العالم اليوم من فزع وهلع مع هذا الفيروس، ماهو إلا إرادة كلية لدولة عظمى تجعل من إرادة أفرادها إرادة تابعة بدون أي استقلالية، لدرجة إذ أمروا بالموت في سبيل دولهم فسينفدون حكم الإرادة العامة دون أي اعتراض، كما أن ظهور الفيروس داخل دولة من دول العالم الشرقي التي لطالما عرفت بكثافتها السكانية، هو أمر طبيعي، لأنه لو ضحت دولة معينة بكثير من أفرادها بغية ازدهار دولتها فإنها لن تخسر الرأسمال البشري مثلما سيقع للدول أخرى.


المصادر المعتمدة:

  • هيغل فريديريك،العقل في التاريخ؛ محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إيمام.
  • هيغل فريديريك، العالم الشرقي؛ محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبدالفتاح إيمام.

شاهد أيضاً

الكوميديا الإلهية: المتوسّط تطلق مشروع إعادة إنتاج “الكوميديا الإلهية” عربياً

دار المتوسط عن دار المتوسط تبدأ منشورات المتوسط العمل على إعادة إنتاج ترجمة حسن عثمان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *