الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / حدث الوباء: من العزل اللاصحي إلى العزل الصحي….

حدث الوباء: من العزل اللاصحي إلى العزل الصحي….

عزيز لزرق

ما دلالة حدث فيروس كرونا؟ إنه حدث حقيقي وواقعي، لأنه نجح في خلخلة ما ننتظره، بحدوث ما لا ننتظره، و تلك سمة الحدث التي يمكن أن يغير مسار الأشياء، و يقلب الموازين، أو على الأقل يحيي السؤال فينا ويضع فواصلا بين ألفتنا و دهشتنا، بين معرفتنا و جهلنا، بين منتظرنا و لا منتظرنا. فبعد أن استدخلنا غياب الحدث في نهر زماننا و فقدنا الأمل في وقوع حدث، فلا الربيع خلق الحدث و لا الحراك خلق الحدث و لا حدث أوقف جنون العالم، أوهم أسياد العالم الناس، بموت الحدث و القطيعة، فلا شيء يهزم القوة، و يوقف مدية الاستمرارية.
إن غياب الحدث بما هو غياب للامنتظر، يجعل ما يحدث مطابقا لما حدث، و ما يمكن أن يحدث، الكل حادث و لا شيء يمكن أن يتغير. إن ما يرعب في غياب الحدث هو تشابه الأيام و السنين، و كأن الزمن توقف، أو كأن الزمن لازماني. لقد ألف الناس أن يستقبلوا ما يقع و ما يمكن أن يقع، و كأنهما فعلا ما يجب أن يقع. إن غياب الحدث، هو الذي أفرز الميديوكراسيا، التي أخذت على عاتقها صناعة الحدث الزائف و جعل التفاهة هي أفق اللامنتظر، بل عملت بشكل ماكر على التشكيك في وقوع كل حدث، و اعتبار كل ما يحدث مصنوع، لأن الحدث مات (نظرية التواطؤ و المؤامرة): هكذا ردد العديد من الناس إن فيروس كورونا صنع صيني لقهر القوة الأمريكية، كما رأى البعض أنه صنع أمريكي لمحاصرة التنين الصيني. إن استدخال غياب الحدث، و غياب اللامنتظر، جعلنا لا نتفاجأ من عدم حدوث شيء ما، بل ما يفاجئ هو أن يحدث الحدث، اللامنتظر و هذا ما وقع حاليا، فكرونا فضح العزل اللاصحي لغياب الحدث، إنه حدث مصدره ليس التاريخ و السياسة، بل الجغرافية و العلم، إنه حدث خلق المفاجأة، و كشف عن جانب آخر للعزل الصحي، حينما أعاد للعالم إمكانية اللامنتظر و هزم القوة، و أعاد للزمن إمكانية الحدث و القطيعة…

يشهد النظام المعرفي العالمي الجديد، اتساع رقعة الخطاب البيولوجي، حيث انتقلنا من الإنسان ككائن ثقافي- تارخي، مرورا بالإنسان ككائن بيو- ثقافي، ووصولا إلى الإنسان ككائن بيو- تكنولجي. ففيروس كرونا هو صنيع البيوتكنولوجيا، التي تركز على ما هو بيولوجي في الإنسان، على اعتبار أن ما يوحد الإنسان هو الطبيعي والاستهلاكي و تختزل الثقافي في التكنولوجي، و تركز على تجذير سلطة معرفية بيوتكنولوجية من أجل بسط الهيمنة: الأسلحة البيولوجية، الحرب الكيميائية، صناعة الفيروسات… ( عزيز لزرق: العولمة و نفي المدينة) هكذا نشأت نخبة من الخبراء تتحكم في العالم يمكن أن نسميها ب”البيوقراطية”، تستخف بالبيئة و الصحة و الإنسان، و ترهن العلم بالاقتصاد و النزوع نحو الهيمنة. إنها تعمل على فصل ما هو بيولوجي عن ما هو بيوغرافي، وبالتالي ففيروس كرونا هو نتيجة حتمية لفصل الإنسان عن الحياة، حيث تصبح المعرفة عمياء تجاه الدور الذي يمكن أن تلعبه داخل المجتمع، و هي بذلك تستمر في تعزيز السلطة بوسائل الموت و القهر (إدغار موران، العلم والضمير الأخلاقي). لقد برز بعنف خطورة العزل اللاصحي للمعرفة و انفصال نظمة المعرفة عن منظومة القيم، إن درس كورونا هو جعل العزل الصحي للمعرفة هو عزلها عن رهانات المال و الأعمال…
يأتي حدث فيروس كورونا في سياق واقع لم تعد له تخوم ترسم أفقا لما وراءه (الخيال، الحلم، الممكن، الصدفة…)، و بالتالي أصبح واقعا مفرطا في واقعيته، واقعا استهلاكيا استراتيجيا منتجا لتكرار النماذج واصطناع الاختلافات، وبهذا المعنى كف الواقع عن أن يكون واقعا (بودريار، الفكر الجذري، أطروحة موت الواقع) لقد احتل الواقع الافتراضي الواقع الفعلي، و أصبح يمارس نوعا من الخلط الاستراتيجي بين الواقعي و الافتراضي، بين الواقعي و اللاواقعي إننا أمام نوع من التضليل و التضليل الذاتي، ينخرط فيه الفرد لتزجية الوقت، ومن هنا التطبيع مع مشاهد الضرب والعنف، القتل و الإرهاب، الحوادث و الكوارث، و كأنها مجرد أفلام و ليس وقائع حقيقية، وكأنها مشاهد للفرجة: أصبح كل من الخبر أو الحدث في وضعية خلط مع التسلية، بكل ما لذلك من تداعيات خطيرة. لقد تم حجب الواقع الفعلي بأغلفة الواقع الافتراضي، و لأن الواقع لم يعد ينتج أحداثا، و لأن الأحداث أصبحت تنتج داخل المصانع الافتراضية، فبفضل الفيروس كورونا، تبين تهافت العزل اللاصحي المتمثل في العزل الافتراضي، حيث تمكن الواقع من الانتقام من سلطة الافتراضي. فالفرد الذي تطبع مع مشاهد الرعب الافتراضي، التي لا تهدد استهلاكه في وللحياة، استرجع بفضل فيورس كورنا حقه في الخوف و الرعب مما يمكن أن يهدد حياته و إنتاجه للحياة، لقد أفصح فيروس كورونا عن بلاغة حياتية سيكون من المؤسف أن لا نلتقطها و هي كالتالي: إن العزل الصحي الذي يمكن أن ينقدنا من موت الواقع، و من موتنا كذلك هو إعادة الاعتبار للواقعي و لوقائعيته و احتضانه للحدث الحقيقي…
بعد الإعلان عن الحجر الصحي، وجهت سهم النقد للناس الذين انبروا للتبضع، و لكن ماذا كنا ننتظر من فرد ندعوه في كل آن و حين للاستهلاك فالكل متاح، و التبشير بوعد الاستمتاع و جنات الملذات، و سخاء الربح، ثم نطلب منه الامتناع عن الاستهلاك في الوقت الذي قد لا يعود الكل متاحا، بالتأكيد ستزداد حاجته و تتعمق شراهته، و تتأجج مخاوفه. إنها نتيجة طبيعية لتحول الإنسان المعاصر إلى سلعة داخل سوق، بحيث سخر قواه الحيوية كاستثمار، من أجل جني أقصى ما يمكن من الأرباح. لذا فقد صلته بذاته، بالآخر و بالطبيعة، وغدت العلاقات الإنسانية أساسا مستلبة و جافة، تبحث عن الأمن و هم الربح وليس عن الحب و الأنسنة، و هذا ما جعل الفرد يسقط فريسة للاأمن و للقلق، اللذان يتعمقان أكثر كلما فشل في تحقيق إنسانيته عبر التوحد مع الأشخاص، وحتى مع الأشياء. و يتم تعويض ذلك بانشغالات و مهدئات، كالاستغراق في العمل و الانغماس في التسلية و كل أنواع الفرجة، و اختزال تجديد الذات و التحرر من الضجر، بنزعة استهلاكية متجددة، تدعو إلى شراء أشياء جديدة. لقد نحا الاستهلاك منحا عاطفيا، ليست غايته مراكمة الأشياء، بل جعل الأشياء مصدر كثافة الحاضر المعيش، ومصدرا لتجدد الأحاسيس، “فالمستهلك أصبح مرعوبا ب”شيخوخة” الإحساس، إنه يبحث بشكل أقل على حجب الموت، بقدر ما يصارع ضد الأوقات الميتة في الحياة. لقد تكلف الاستهلاك الفائق بتشبيب بدون توقف المعيش عبر تنشيط الذات و عبر التجارب الجديدة.” فهذه الشهية المنفتحة على الاستهلاك الفائق تقود إلى إشباعات ذات طبيعة سلعية، توهم الفرد بإمكانية “الولادة الجديدة” و تكثيف الحاضر المعيش. إنها شهية مسكونة بوهم الشباب الخالد، داخل حاضر خالد لا تتوقف حيويته اللازمنية عن تنشيط ديمومته: إننا أمام نزعة متعية جديدة تغذ ي نوبة المشتريات، في رحلة البحث عن البدايات المستديمة (جيل ليبوفيتسكي، السعادة المفارقة).
لقد وظف النظام الاستهلاكي التسلية كوسيلة لمضاعفة الربح و الاستهلاك، حينما أوهم الفرد أنه لكي يحارب الضجر عليه أن يتسلى، و عندما يشعر برتابة التسلية، و يريد أن يتجاوزها عليه أن يقوم بتسلية أخرى و هكذا دواليك من تسلية إلى تسلية أخرى، و من تزجية للوقت إلى تزجية أخرى، إنه وقع في فخ تنويع التسلية، فاللعب تسلية، و الفن تسلية و الأخبار تسلية، و التفاهة تسلية، الخ. لقد عرى فيروس كرونا ما كان يبدو أنه محجب، فالعزل اللاصحي هو العزل الاستهلاكي داخل سجن التسلية، التي لم تنجح إطلاقا في محاربة الضجر، بل عمقت أكثر الإحساس به و شلت القدرة على مواجهته، فاستفحال النزعة الاستهلاكية، جعل الإنسان المعاصر محروم من ذاته، و من علاقته بالغير، اللهم تلك العلاقة السطحية التي تجمعه به (إريك فروم، فن الحب) . تقوم ميتولوجية السعادة و الرفاه، على مبدأ السرعة الفائقة و الاستعجال في إشباع اللذات و فورية تحقق الرغبات، كل شيء يحدث في عجلة، وذلك مصدر آخر للسعادة و الانتشاء. لقد استشرت ثقافة اللاصبر “و تراجع عصر ” أنواع الصبر السعيدة” حيث كانت تجربة الانتظار عنصرا من عناصر السعادة. آخذ صورة، أراها، أنقلها، أمسحها. تتزاوج هنا اللذة مع تجربة الفورية…إنه زمن صفر آجال، زمن ما أريد، عندما أريد و في المكان الذي أريد.(جيل ليبوفيتسكي، السعادة المفارقة).
إن العزل الصحي العميق، هو عزل الفرد/ الإنسان عن شراك الاستهلاك، هو عزله عن التسلية المستهلكة، هذا ما يبرر كيف يشتكي الناس في العزل الصحي من الضجر، و عن الحرمان من التسلية و من المعاناة بصدد تزجية الوقت، لقد وضعه العزل الصحي في مواجهة ذاته ومواجهة الآخر، أمام زيف الأشياء و العلاقات، كما وضعه في مواجهة العالم و في صلب العلاقة مع الأرض والحياة… فبفضل العزل الصحي الذي فرضه فيروس كورونا، أصبح بإمكان كل واحد منا أن يواجه عزله اللاصحي، الذي هو بالأساس عزل استهلاكي (في الاستهلاك) و عزل فردي، و اكتشف إمكانية التخلي عن بعض العادات الاستهلاكية، و إمكانية الخروج من قوقعة الانغلاق على الذات. فقبل كرونا و العزل الصحي كان البطء مصدر قلق. و هذا ما أطلق عليه الطبيب الأمريكي لاري دوساي داء ” مرض الوقت” حيث أصبح الفرد سجين وسواس عبادة السرعة، اعتقادا منه أن الزمن يفر (فغالبا ما نردد الوقت يطير)، و أن الزمن العادي لم يعد يكفي و لم يعد يتلاءم مع نظام عيشنا، لأنه يمرق بسرعة و علينا أن نسارع من أجل اللحاق به. فالسرعة شكل من أشكال استباق الزمن أو الانفلات من المستقبل. لكنه في هذه الظرفية يشتكي من تمدد الوقت وبطء سيرورته، لقد أعاد العزل الصحي الفرد إلى الجماعة و إلى أواصر الانتماء، كما منحه إمكانية استرجاع الصبر، و التربية على الانتظار، كما أهداه فرصة تذوق فن البطئ…
إن حدث فيروس كورنا، ليس حدثا عاديا، إنه يحدث يضج بالخوف و الرعب و اللاأمان، ليس بسبب عدم الاستهلاك، فتلك مخاوف زائفة، بل بسبب تهديده للحياة ككل، و لكونه جعل من الموت حدثا و ليس فقط حادثا. إن درس فيروس كورونا هو كالتالي: يتعين علينا، أن نكف عن السقوط في مهاوي الراهن والظروف والأحداث التافهة، علينا أن نوقف زحف هذا القدر، الذي جعل الحياة تنحو منحى خطيا، وأن ندرك أنها تتكلم لغة الفصول، فالشجاعة إذن تكمن في أن نأخذ وقتنا، وأن نكون متأنيين في علاقتنا بذواتنا أولا وفي علاقتنا مع زحف الراهن، الذي يسرق الزمان منا. إننا نعيش مرحلة عصيبة يكاد أغلب الناس يفقدون فيها الشجاعة، بمعنى أن تصمد حتى وإن بدى لك أن كل شيء يدعو إلى الإحباط. و بالتالي فالشجاعة لا تعني أن نجهل معنى الخوف، أو نتجاهله. فحكمة الشجاعة، تكمن في أن نعيش مخاوفنا ونستشعر بمخاطرها، دون أن نستسلم لها. ولكي يسترجع الإنسان هذه الشجاعة، شبه مفقودة عليه أن يكون قادرا على كشف الحدود الفاصلة بين الظلمة والنور، إنه ليس مع ولا ضد. إنه رسول الإنسانية، رسول زمانه، تظهر شجاعته في علاقته بذاته، فهو يعتبر نفسه معني بظلمة الراهن، ويعتبر فضحها جزء من مهمته الإنسانية، كما تظهر شجاعته، في حمل الناس على رؤية الظلمة، حيث لا ينتبهون إليها لأنهم منغمسون فيها، لكنه لا يكتفي برسم هذه اللوحة القاتمة، فشجاعته أيضا تكمن في الوعي بتلازم الظلام والنور، و توضيح معالم النور الممكنة والتي ضل الناس الطريق إليها من فرط الاستغراق في الظلمة (سانتيا فلوري، نهاية الشجاعة).
فماذا بعد فيروس كرونا، هل سنعد خسائرنا و نعلن حدادنا، ثم نعود إلى ظلمة الراهن مثل سجناء الكهف الأفلاطوني، أم أن العالم سيبدأ في تهجي دروسه الأولى في التصالح مع أنوار الإنسانية؟

شاهد أيضاً

دعوة إلى التاريخ….

الحسن وعبو إننا اليوم لا نحتاج إلى التاريخ، بقدر ما نحتاج إلى صناعة التاريخ، وهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *