الرئيسية / ترجمة / رامين جاهانبيليو؛ الوباء والسياسة

رامين جاهانبيليو؛ الوباء والسياسة

ترجمة: مرسلي لعرج

قسم علوم الإعلام والاتصال جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر

فيروس كورونا من الممكن أن يتسبب في إسقاط الأنظمة والحكومات التي فشلت سنوات من المعارضة السياسية في الإطاحة بها.
لقد ابتليت الحضارة الإنسانية على مر التاريخ بالأوبئة، مثل فيروس كورونا، وقد ترتب عن ذلك عواقب وخيمة على المصير السياسي للمجتمعات البشرية. وعند مفترق طرق كل حضارة إنسانية، يؤدى ظهور جوائح واسعة النطاق إلى توعية البشرية بهشاشتها، وتضع المجتمعات في مواجهة تصاعد الخوف من المجهول. بيد أن مشاعر الحزن واليأس والعجز كانت دائما تصاحب لحظات المجد والغزو والفخر للحضارات. ويتزامن وصول فيروس كورونا مع صعود الأنظمة الشعبوية في مختلف أنحاء العالم، والتي تزعم أنها تتحدث بالنيابة عن الشعب وتتعامل مع المعارضة باعتبارها عقبة تحول دون فهمها لإرادة الأغلبية. وكلما ووجه الجنس البشري بوباء مميت، وجد نفسه في مناقشات حول المستقبل السياسي للمجتمعات. ورغم أن فيروس كورونا لا يزال في مرحلة الطفولة المبكرة، وبالفعل فإن الوباء يظهر أعراض الأوبئة السابقة في تاريخ البشرية، مثل الذعر والاتجاه إلى اللجوء إلى التطرف السياسي.
ومن المستحيل أن نعرف على وجه اليقين متى أصاب فيروس الانسان لأول مرة أو متى حدث أول وباء. ومع ذلك، يتفق العديد من المؤرخين على أن جوائح الطاعون الثلاثة الرئيسية المسجلة، والتي ترتبت عنها عواقب اجتماعية -سياسية واقتصادية، كانت وباء جستنيان (600 م)، الطاعون الأسود (من 1340 م) وطاعون بومباي (مع نهاية القرن التاسع عشر). وقد أثرت هذه الأوبئة الثلاث تأثيراً عميقاً على مختلف الحضارات الإنسانية في العصور القديمة والحديثة. كان لطاعون جوستنيان أثرا عميقا على أوروبا في العصور الوسطى، والذي ساهم في تحول النموذج الاجتماعي الاقتصادي من الحضارة المتوسطية الكلاسيكية إلى عودة الغزو البربري وضعف الإمبراطورية البيزنطية. وطبقاً للعديد من المؤرخين فإن وباء جستنيان ساهم أيضاً في قوة سلطة الهيمنة للخلافة الإسلامية، وعلى الرغم من أن الأضرار والدمار اللذين سببا ارتفاع معدلات الوفيات بسبب الطاعون فلقد ضربا أيضا معاوية، حاكم مدينة الكوفة في ( 670 م)، يا للسخرية كما هو الحال اليوم، بعض كبار ضباط الخلافة الأموية، بما في ذلك معاوية الثاني أو الخليفة مروان، ماتوا جميعا بوباء الطاعون. ولا شك أن النمط الدوري للاوبئة، ولا سيما الطاعون، في بداية تاريخ الاسلام وفي أوروبا ما بعد البيزنطية كان عاملا رئيسيا في تغيير الجغرافيا السياسية للعصور الوسطى. وقد كان ظهور وباء الطاعون الأسود في منتصف القرن الرابع عشر يعزى جزئيا إلى العدد الكبير من الطرق التجارية في غربي آسيا ووسط آسيا وساحل البحر الأبيض المتوسط، التي انتقل فيها المرض من مدينة إلى أخرى. وقد أثرت هذه الأوبئة تأثيرا قويا على المواقف الاجتماعية -الاقتصادية والسلوك الديني لمجتمعات القرون الوسطى. ومقارنة بالانتشار المفاجئ لفيروس كورونا في عالم اليوم، فقد قتل طاعون جوستنيان نحو 30 مليون شخص طيلة قرنين من الزمان، وهو ما يعادل 20% من سكان العالم في وقت انتشار الوباء.
ولذلك، يتوقع الكثيرون أن البشرية لن تبلغ هذا المستوى من الخسائر البشرية بأي شكل من الأشكال. ومع ذلك، فإن وجه المقارنة الدالة بين فيروس كورونا وجائحة الطاعون في بداية ونهاية العصور الوسطى بأنه سيحدث تغييرات سيكولوجية في السلوك السياسي وأسلوب حياة الناس في جميع أنحاء العالم. وقد بدأ عنصر الخوف، بوصفه شعورا دائما لدى جميع البشر، في تغيير حياتنا فيما يتعلق بانتشار فيروس كورونا في العالم. أما فيروس كورونا فهو على أقل تقدير مخيف، تماماً كما كان الطاعون الأسود بالنسبة لأولئك الذين عاشوا في العصور الوسطى. ومع ذلك، ومن المحتمل جدا أن يكون فيروس كورونا حافزا هاما في سقوط النظم السياسية في الشرق الأوسط أو إلى تغييرات في الحكومات في أجزاء أخرى من العالم، كما حدث مع طاعون الجوستنيان. ولا غرابة من أن فيروس كورونا ليس تحدياً سياسياً لبعض الأنظمة الاستبدادية فحسب، بل إنه يشكل أيضاً ضربة لشرعيتها الإيديولوجية. وقد بذلت بعض الأنظمة الإيديولوجية (مثل الصين أو إيران) كل ما في وسعها للحد من الحجم الحقيقي لأزمة فيروس كورونا، وقد أدى ذلك إلى انفصام تام بين المؤسسة السياسية وبقية السكان. وبهذا المعنى فإن وباء فيروس كورونا أصبح لحظة الحقيقة للعديد من الأنظمة التي تفتقر إلى الشفافية. وليس من المستحيل تصور أن فيروس كورونا قادر على إسقاط الأنظمة والحكومات التي فشلت سنوات من المعارضة السياسية في الإطاحة بها. ولا ينبغي أن ننسى أن عودة الطاعون في أوائل العصور الوسطى كان لها أثر كبير في المسار اللاحق من تاريخ العالم، ولا سيما صعود النظام العباسي إلى السلطة وانهيار الهياكل الإدارية للإمبراطورية الرومانية الشرقية. في ذلك الوقت، كان العديد من الناس ينظرون إلى الوباء باعتباره عقابا إلهيا للآثام البشرية. وقد لا يحمل فيروس كورونا نفس الصدى المأساوي، ولكن من المؤكد أن هذا من شأنه أن يجعل الناس في مختلف أنحاء العالم أكثر إدراكاً لاختصاصات نخبهم الحاكمة. ذلك أن وباء فيروس كورونا يشكل بالفعل واحدة من أهم الاضطرابات السياسية في قرننا، إن لم يكن الأمر أبعد من ذلك.

Références bibliographiques
Jean-Nöel Biraben, Les hommes et la peste en France et dans le pays européens et méditerranéens, 2 vols. Paris, Mouton, 1975-1976.
Mark Harrison, Disease and the Modern World: 1500 to the Present Day, Cambridge, UK: Polity, 2004.
J. N. Hays, The Burden of Disease: Epidemics and Human Response in Western History, New Brunswick, NJ: Rutgers University Press, 2009.

المصدر

Pandémie et politique
par
Ramin Jahanbeglo
Le coronavirus pourrait faire tomber des régimes et des gouvernements que des années de dissidence politique
n’ont pas réussi à renverser. Revue Esprit
تر

شاهد أيضاً

حوار مع بيير حادو: ما هو الايتيك؟

ترجمة : محمد ازويتة بيير حادو ، أنت متخصص كبير في الفلسفة القديمة . فأنت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *