الرئيسية / منتخبات / عامة / التمثلاث الاجتماعية لمرض فيروس “كورونا” مقاربة سوسيولوجية

التمثلاث الاجتماعية لمرض فيروس “كورونا” مقاربة سوسيولوجية

ذ رشيد أبعوش

يعتبر حقل سوسيولوجية الصحة والمرض من بين حقول علم الٍاجتماع الصحة، الذي اهتم بقضايا الصحة و المرض كظاهرة اجتماعية تغلغلت في أعماق المجتمعات الإنسانية ، وقد ظهر هذا الحقل بعد الحرب العالمية الثانية و بالضبط خلال الخمسينيات من القرن الماضي ، إذ كان من قبل يتم التنظير للمرض والصحة من منظور بيولوجي وعضوي ، بمعنى أن الطب هو المجال الوحيد الذي كان يمتلك حق تشخيص المرض بيولوجيا و عضويا ، لكن مع تقدم الدراسات و المقاربات الاجتماعية خلال خمسينات القرن الماضي سيتم تجاوز المقاربة الطبية نحو أفق التحليل السوسيولوجي و الاجتماعي للصحة والمرض ، مما سيعرف أيضا انتقالا ملحوظا من تشخيص المرض و مقاربته بيولوجيا إلى مقاربة و دراسة اجتماعية ، و هذا التجاوز سيعود عموما لعالم الاجتماع الوظيفي تالكوت بارسونز 1979-1902 باعتباره من المؤسسين الأوائل لسوسيولوجيا الصحة و الذي يعود له الفضل في تجاوز الطرح الطبي واعتبار الصحة والمرض ظاهرة اجتماعية في كتابه “النظام الاجتماعي ” سنة 1950 ، فتأخر دراسة الصحة والمرض في أوروبا يرجع أساسا إلى التصور الدوركايمي للمرض الذي اعتبر” إن الألم لا يقاس بشكل طبيعي ، فكل ألم لم يعترف به اجتماعيا فهو ليس مرضا “، كما يرجع هذا التأخر أيضا إلى إن المدرسة الفرنسية كانت تهتم بما هو نظري أكثر مما هو امبريقي ميداني عكس المدرسة الأمريكية ،وفي المجتمع المغربي لم يتم الاهتمام بموضوع الصحة والمرض إلا في السنوات الأخيرة كالدراسات التي قام بها مختلف الباحثين في علم الاجتماع ” الأمراض المزمنة ” لمحمد عبابو و كتاب سوسيولوجية الصحة والمرض ، هذا دون أن ننسى إسهامات الباحثة خديجة الزاهي و والأستاذة أمينة ميري و الدكتور زكرياء الإبراهيمي في دراسته السوسيولوجية للصحة والمرض بالمجتمع القروي المغربي.
إذا كانت السوسيولوجية الكلاسيكية خصوصا منها المدرسة الأوروبية قد اتهمت بالتقصير في دراسة الصحة والمرض كظاهرة اجتماعية ولم تهتم بذلك الا خلال السبعينيات من القرن الماضي ، فان الاهتمام بالصحة والمرض نجد له حضورا وازنا في علم الانثربولوجيا ، الذي اهتم بدراسة الأبعاد الثقافية و الرمزية و ينظر إلى الصحة و المرض كظاهرة اجتماعية ذات أبعاد رمزية وثقافية ، عن طريق إرجاعها إلى نسق من المعايير و القيم الثقافية لكل مجتمع ، حيث أن لكل مجتمع قيم سائدة سواء كانت دينية أو سحرية أو معتقدات أو مقدسات … كلها أبعاد يحددها نسق المجتمع و تمثلاث الأفراد للمرض مما يعيد ذلك تراتبيا هرميا للسلطة و الهيمنة و توزيعها داخل المجتمع.
إن تفشي فيروس كورونا covid-19 في المجتمع المغربي خلال الأيام الأخيرة كما هو الشأن لدى باقي دول العالم قادنا إلى التعمق سوسيولوجيا و أنثربولوجيا و فلسفيا إلى مسألة علاقة المريض بالمرض و تمثلاث أفراد المجتمع المغربي عن المريض و المرض ، ولعل إسهامات تالكوت بارسونز في كتابه “النظام الاجتماعي ” خصوصا فصل ” الممارسة الطبية ” ليست إلا محاولة التقعيد السوسيولوجي للمرض كظاهرة اجتماعية، الشيء الذي كان منطلقا أساسيا لمقاربة مرض “فيروس كورونا ” في المجتمع المغربي كظاهرة انتشرت وعرفت تحولا من فيروس كمرض بيولوجي إلى ظاهرة اجتماعية عالمية ، وذلك من خلال التركيز على مفهومي التعايش للمريض والمرض ومفهوم ” الدور ” و البناء الاجتماعي للمرض إضافة إلى مفهوم “الخلل” كمفاهيم مركزية لدى تالكوت بارسونز في دراسته للمرض كظاهرة اجتماعية ، ففي فترة ظهور فيروس كورونا في دول الصين ، انفجرت التمثلاث الاجتماعية لدى فئة من الأفراد في المجتمع المغربي ذات الصلة والعلاقة بالمسائل الدينية أن انتشار المرض ليس إلا سخط الهي … مما أدى ذلك إلى تهميش صورة المريض أو المصاب بل حتى كل من كان قادما من البلدان الغربية نظرا لكونه لا يخضع لأوامر إلهية و لا يقوم بالدور المنوط إليه كفرد و الاستجابة لما ينتظره منه المجتمع و الدين الإسلامي بحكم الدين المهيمن على الثقافة المغربية دون الأخد بعين الاعتبار منطق الانفتاح على الأخر وتقبل ثقافته وقبول ديانته ، فمن خلال هذه التمثلاث ذات البعد الإيديولوجي و الثقافي والديني يتضح أن المريض يهمش بفعل التمثلاث الاجتماعية للمرض باعتبارها مخالفا للدور الذي حدده الضمير الجمعي والثقافي والديني و الاجتماعي وما تحدده ثقافة الوسط الذي ينتمي له ، مما قد يحدث ذلك خللا في العلاقات الاجتماعية سواء على المستوى الفردي و حتى على المستوى الاجتماعي ، حيث إن الخلل الاجتماعي يطرح علاقة المريض بالمجتمع ، لأن المريض في هذه الظرفية وفق تأويل الأفراد للمرض يهدد التوازن الاجتماعي و ما عليه سوى الخضوع لأوامر المجتمع أو المراقبة الاجتماعية و تحرره مما يسميه ” اليوط فرايد سون ” بالانحراف الاجتماعي عن طريق الضبط المؤسساتي. لدى فالمراقبة الاجتماعية وسلطة التمثلاث الاجتماعية أصبحت بمثابة أمراض تستدعي العلاج نظرا لكونها تكتسب دلالات مرضية تقتضي العلاج أكثر من انحرافات تقتضي العقاب .
لم تنتهي الفئات التي وجهت أصبع اتهام المرضى في الصين بالمجتمع المغربي بعدم انصياعها للأوامر الإلهية … ، حتى أصبح الفرد داخل مجتمعنا مخيرا بين الحرية والموت و يتضح ذلك في كون الأفراد يواجهون هلعا و وخوفا من الموت اثر فيروس وحشي انتشر في جميع مناحي الحياة الاجتماعية وراح ضحيته الآلاف البشر ، وأعلن ذلك عن حالة الطوارئ كأداة للضبط الاجتماعي و صياغة شعارات ” بقا فدارك ” “نبقا فداري ” حماية لهم وحماية للآخرين و للوطن فأصبح الواقع مسألة عقل وضبط و سلطة وقوة ووعي بعيدا كل البعد عن تأثير و تأثر الأفراد بثقافات مجتمعهم، لكن هل فعلا تحرر الإنسان في المغرب من سلطة التمثلاث الاجتماعية للمرض ؟ هل المجتمع المغربي استطاع ضبط الأفراد مؤسساتيا ؟ و إلى أي حد يمكن القول إن التمثلاث الاجتماعية للمرض أدت إلى خلل اجتماعي محض ؟
إن الإجابة عن هذا الإشكال يستوجب أن نضع صورة المرض تمثلاث الأفراد في المجتمع المغربي عن فيروس كورونا المستجد ، الأمر الذي يقودنا إلى الإشارة لأعمال كلـودين هيرزليتش Analyse de reprisontation sociale سنة 1969 التي اشتغلت على المرض من زاوية علم النفس الاجتماعي و الأنثربولوجيا ، فالتمثلاث الاجتماعية للمرض تعبر عن مجموعة من المعتقدات و المعارف التي تحيل إلى نظام تأويلي للواقع تتشكل داخل و انطلاقا من المجتمع و مشتركة بين مجموعة أعضاء جماعة معينة ، مما يعني أن الفاعل الاجتماعي له قدرة على بناء التصور لتجربته مع المرض.
مع بداية تفشي الفيروس في المغرب ظهرت سمات الحزن على شرائح عريضة داخل المجتمع بينما فئات أخرى ظلت متشبتة بثمثلاثها ومعتقداتها ويظهر ذلك في خروج بعض الفئات في مظاهرات ضد كورونا ” كورونا سير بحالك المغرب ماشي ديالك ” بالإضافة إلى تمثلاث دينية ظهرت في تهليلهم و تكبيرهم معتقدين أن الفيروس يمكن تجاوزه بمظاهرات سلمية و احتجاجات عن إغلاق المساجد… ، كما نجد أيضا حضورا قويا لتلك التمثلاث حتى في الوسط القروي ، فهي تمثلاث لا عقلانية لا عن المريض ولا عن المرض في المجتمع ،بكونها تنبني على أسس لا عقلانية تعددت بفعل تشبث أفراد الوسط القروي بالعلاج التقليدي ” يمكن علاج الفيروس بالعشبة ” ” يمكن علاج المرض بالزعفران والعسل الحر …” كما تم ربط الفيروس بأسباب أخرى كالعين والسحر … مما يحتاج ذلك بركة الفقيه وزيارة الأضرحة و الأولياء …، فكل هذه التمثلاث تجعلنا أمام تصور جديد للمرض و تأويل الأفراد للمرض انطلاقا من تصورات فردية أو تصورات اجتماعية ، والتي تشكل بناء ثقافيا و اجتماعيا للمرض ، مما يفيد أن المرض في المجتمع المغربي إن لم يعبر أو يحيل على الألم فهو ليس مرضا ، كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم في هذا الصدد ” إن الألم لا يقاس بشكل طبيعي ،فكل الم لم يتم الاعتراف به اجتماعيا فهو ليس مرضا ” .
إن التمثلاث الاجتماعية حول المرض . مرض في حد ذاته يستدعي العلاج ولا يمكن القضاء عليه إلا بالقضاء على كل الأفكار السائدة و الفاسدة أو ما يسميها ميشيل فوكو بالحكومات الفاسدة و تدبير الحياة بالإيواء والعناية بالذات،والخضوع للسلطة السياسية التي فرضت على الأفراد الحجر الصحي في بيوتهم و اتخدت الدولة في هذا الشأن من المراقبة والمعاقبة آليات لضبط السلوكات الفردية و عقوبة كل من تصرف خارج ما حددته السلطة ،مما يفيد أن المرض يتخد بعدا سياسيا كما هو الشأن لدى ميشيل فوكو ، الذي منح للمرض بعدين أساسيين ، الأول سياسي ارتبط ببداية تدخل الدولة في تدبير الحياة وتجويد الأنظمة السياسية وظهور رأسمالية أصبحت في أمس الحاجة لمساعدات الأفراد لتحقيق أكبر إنتاج ممكن تزامنا مع انتشار الفيروس ، والبعد الثاني تاريخي لتشكل المؤسسات و الممارسات الطبية ،إن هذه السلطة على الحياة التي تمثلت داخل المجتمع القديم في الحق في الحياة و الإبقاء ستستبدل في نظر ميشيل فوكو بسياسة حيوية جديدة تتجسد في سلطة الإحياء بدل الإماتة ، ورفض الموت بدل الحق في الإبقاء على قيد الحياة “أنها رأسمالية بيولوجية جديدة ” تجسدت معالمها في التكنولوجية التي تسخرها الدولة ارتباطا باستراتيجيات وسياسات و مخططات تنخرط في آليتين حسب فوكو، الأولى انضباطية بوليسية و الثانية تنظيمية تبدوا داخل أنظمة الضمان الصحي و قواعد المحافظة على الصحة .
إن الكيفية التي يمكن أن يتحرر بها الإنسان من قوة الانفعالات و سيطرة الأهواء و التمثلاث نحو أفق وأسس عقلانية ينفلت من خلالها من المرض و عقابه دون أي صراع سواء مع المرض المنتشر أو مع الأجهزة السياسية التي تسهر بسلطتها على تدبير الحياة الفردية والجماعية تتحدد أساسا في العناية بالذات ، ففن قيادة الأخر كما يقول ميشيل فوكو رهبن بفن قيادة الذات ،إن الاهتمام بالذات و معرفة تقنيات السيطرة عليها هي التي تساعدنا بالدرجة الأولى من تحقيق تلك الغاية ، فالفيثاغوريون سابقا قدموا بعض التطبيقات في كيفية التحكم في الذات من خلال مجاهدة النفس على تحمل المشاق و الصبر بما هما وسيلتان أساسيتان تسمحان للفرد بأن يهتم بذاته و بنفسه كمبدأ يجب ترسيخه في ثقافة الإنسان كما يجب أن يرسخ في ممارسات كل فرد من أفراد المجتمع ،حيث أن أتراكسيا (السكينة ) بالمعنى الذي يستعمله أبيقور لا يمكن أن تتحقق أبدا إلا من خلال معرفة الذات ومبادئ الطبيعة والتحرر من قوة الانفعالات و الاندفاعات الغريزية .

بعض المراجع المعتمدة :


الصحة والمجتمع دراسة سوسيولوجية للصحة والمرض بالمجتمع القروي الدكتور زكرياء الابراهيمي 2016
ميشيل فوكو الفرد و المجتمع تأليف حسين موسى “علاقة المعرفة الشاملة لماهية العالم بالاهتمام بالذات .
تالكوت بارسونز ” النظام الاجتماعي ” فصل الممارسة الطبية
ميشيل فوكو العناية بالذات ترجمة جورج ابي صالح مركز الانماء القومي بيروت 1991
سوسيولوجيا الصحة ” مقاربات نظرية ” الدكتور محمد عبابو
التمثلاث الاجتماعية للصحة والمرض ” كلودين هيرزليتش” نفس المرجع
المقاربة التفاعلية ” اليوط فرايدسون ” نفس المرجع
محاضرات الدكتورة خديجة الزاهي ” سوسيولوجية الصحة والمرض ”

شاهد أيضاً

أين العرب من ثورة الولايات المتحدة “الحقيقية”؟

إبراهيم صباحي قد يخطر على بال قارئ هذه الكلمات سؤال عما تعني “الثورة” كي نصف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *