الرئيسية / ترجمة / فريديريك غرو: في الحاجة الى إعلان عالمي لحقوق الإنسانية

فريديريك غرو: في الحاجة الى إعلان عالمي لحقوق الإنسانية

ترجمة محمد ازويتة

النص وارد في كتاب فريديريك غرو ” سؤال الأمن ” ، الذي ستصدر ترجمته قريبا عن المركز الثقافي العربي .

مدخل: يعيش العالم اليوم بفعل التهديد المباشر لفيروس كورونا تحديا عالميا حقيقيا يهم الأمن الحيوي في نواته الأساسية أي الحياة الإنسانية . صحيح أن تحديات و عوائق الأمن الإنساني الفعلي ليست جديدة ، فقد طرحت في القرن العشرين على الخصوص في شكلها الثقافي من خلال الهويات الشوفينية ، كما طرحت في شكلها السياسي من خلال الحروب الكارثية و الديكتاتوريات المريضة … غير أن المؤسسات السياسية ، إما بتجاهل أو من أجل مصالح جيوسياسية ، لم تنتبه إلى تلك العوائق و التحديات فـــــي شموليتها و تحدياتها و تبعاتها …
فكان من نتائج ذلك ، فضلا عن مزيد من النزاعات و الحروب و أشكال الاحتقان الهوياتي ، ولادة المجموعة الكونية للضحايا ( ضحايا الإبادات الجماعية ، ضحايا التهجير الجماعي ، بغض النظر عن هوياتهم و أعراقهم و جنسياتهم … ) .
التحدي الفيروسي اليوم يستعيد و بقوة الحاجة إلى مراجعة كل شيء من القانوني ـ السياسي إلى الفكري ـ الثقافي …
محمد ازويتة

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقدم نفسه كأفق ، على طريقة الفكرة التنظيمية ، لقيمة متعالية ، لفرضية تقريبا ميتافيزيقية : نحن ننتمي للإنسانية ، ولكن الإنسانية كفكرة ، كتحقيق مثالي لما هو أكثر رقيا وسموا في الإنساني . الإنسانية كـــــضرورة . يتأكد الأمن الإنساني كما يتقوى في إلا حالة إلى ما هو إنساني : بالنظر إليه كفورية حية ، كأساس واقعي وبيولوجي لما هو إنساني ، كقسمة أبدية بالمعنى الدال على أخوة الأجساد التي تكابد وتعاني . هذا وبينما يتقدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كأفق له ضرورة إنسانية ، فان الأمن الإنساني يندرج داخل هـــــــــــم إنساني مشترك . الاحترام يترك مكانه للرحمة والتعاطف .

فريديريك غرو

يبدو معنى الحماية أكثر وضوحا . إذا كانت الحياة هي ما يعرضنا للموت ، وإذا كــــــــان الإنسان يتحدد كحيوان سائر إلى الزوال ، فإن الحياة تتطلب الحماية ضد كل ما يهددهــــــا ، ويعرضها لخطر الانهيار . إن كل الخطابات والممارسات المتعلقة بالأمن الحيوي الوقائي ستدور كلها حول ثلاثة تمثلات أساسية : الجهاز العضوي القابل للاختراق ، الطفــــــــــــل الضعيف ، السكان القابلون للعطب .
يطرح الكائن الحي مشكلة تهم كل مــــــــا يمكن أن يخترقه ، ويؤدي به إلى الانهيار ويفسده ( الأغذية ، الأدوية ، الهواء ) . خطر يــــزداد مع عولمة التبادل والتواصلات العالمية التي جعلت العالم أقل تكتما . يتطلب الطفل الضعيف أن يكون محميا من البيئات العدوانية ومؤمنا في تدرجه وتعلمه . وهو ما يعني حاجته إلى العناية الدائمة . وأخيرا ، فـــــــــــإن السكان سريعوا الأعطاب ، ضحايا الأزمات الإنسانية والاجتماعية والسياسية ، هم في حـــــــــــــــــــاجة دائمة الى المساعدة والحمايـــــة وأشكال الدعم المختلفة .

لقد تم اعتبار الكائن الحي كائنا قابلا للاختراق :

فهو يستسلم للاختراق من قبل عناصـــــر عفنة ، أعداء غير مرئيين وفيروسات جرثومية . لقد أعطت ثقافتنا عن المرض تمثلــــــين أساسيين : الأول جعله مرتبطا بتصدع التوازن الداخلي ( نظرية أبوقراط (Hippocratte) حول تناسب الأمزجة ) ، التوازن الذي يلزم إقامته بزيادة أو تقليص المكونات الاساسية . والثاني رؤيته للمرض كنتيجة لتدخل عنصر خارجي خبيث : ميكروب ، بكتيريا ، فيروس …

تتطلب الصحة ، في هذه الحالة ، إجراءات وقائية متنوعة :

إبعاد البؤر المريضة ، إقامة الحواجز ( أقنعة الوقاية ، الحواجز ، الحصار ) ، إقامة حجر صحي . إضافة إلى أن هذه العناصر يمكنها أن توجد في أي مكان : الغذاء ، الماء ، الهواء . وبما أنه يلزم على الفرد أن يشرب و يأكل ويتنفس ، فإنه بذلك معرض للمرض .
تتخذ مصالح الأمن الصــــــــحي مجموعة من الإجراءات ، كسن عدد من القوانين تهم الوقاية ، ووضع معــــــــايير تحدد درجة خطورة المواد المستهلكة . لقد أقامت العولمة نوعا من النفوذ على الكائن ليصبح في خطر دائم ومستمر . بحيث أصبح الإنسان في حذر من أقاربه ، لأنــــــــــه يعتقد بأن تلك التقاربات ســـــــــــــــــــــــــــــتمثل خطرا على صحته . ثم انتقل ذلك إلى الآلات : إذ يمـــــكن لأجهــــــــــزة الكومبيوتر أن تتعرض لعدوى التلوث في دقائق معدودة بفعل فيروسات إعـــــــلامية تم إرسالها من الجهة الأخرى في العالم . ونفس الطريقة بالنسبة لأجهزتنا العضوية التي تدمج ذرات آتية من أقصى الكرة الأرضية . إن وجودنا هو مخترق بهذا التدفق العالمي للصور والبضائع والأخبار والذرات . لقد أصبح العالم قرية صغيرة ، ولم يعد هناك من تمييز تام بين مناطق العالم . إن هذا التواصل المعمم ، هو بقدر ما يستوحي طوباويات المجموعات الكونية ، فهو يتغذي في نفس الوقت من التأملات الهذيانية : الخوف من وباء عالمي . اختراق للجهاز العضوي ( الأمن الصحي ) . اختراق للآلات ( الأمن الإعلامي ) . ولكن أيضا اختراق للثقافات : حيث أمكن ظهور مفهوم ( الأمن المجتمعي ) قدمه ويفر (Ole weaver) ومدرسة كوبنهاجن ــ وهذه المدرسة نفسها مع بيزان (Buzan) ، هي التي أدت في ما مضى إلى تحرير مفهوم الأمن من الإطار الضيق للدراسات الإستراتيـــــــجية والعسكرية . يقصد بالأمـــــــــــــن المجتمعي [ أعتقد بأن سمويل هانتيغون (s.Huntington) هو من أدخل المفهوم ] ( استمرار ، صيانة مقبولة لكي يسمح بتطور النماذج اللغوية والثقافية والترابطات الثقافية ، إضافة إلى الهوية والتقاليد الدينية والوطنية .) . الأمن المجتمعي إذن هو إصرار على استمرارية لا تتطابق ، مع ذلك ، مع محافظة عقيمة . إن ما تلزم المحافظة عليه هي الثقافة . كما أن ويفر (Weaver Ole) قصد به أخيرا ( قدرة المجتمع على استمرارية مكوناته وعناصره الأساسية ). ولكن من سيعمل على تهديد هذا الإصرار المرتبط بالهوية ؟. إنه الانتشار الواسع للنماذج الثقافية الخارجية ، للظواهر السكانـــــــية البرانية ، العولمة غير المراقبة للتبادلات . إن ما تم بناؤه كانفتاح مثمر على الآخر ( العولمة السعيدة ) قد أصبح مرادفا لإضعاف الهوية . ليست هناك سوى المنظمات المخترقة ، والتي تجد نفسها مخترقة من قبل عناصر غير مراقبة : الهويات أيضا . التأمين معناه الـــــقيام بعملية الانتقاء والتمييز والإقصاء أيضا . لقد انتهت مجموع هذه المخاوف ، والتي أحدثت بفعل اختراق الكائن الحي ، إلى إعطاء ( مبدأ الاحتراز ) صدى جديدا . ليصبح هذا الأخير تدريجيا مرادفا لضرورة تأمين مطلق للحيوات الهشة في مواجهة جميع الأخطار المحتملة . إن ( المبدأ 15 من إعلان ريودي جانيرو ) ، في صياغته الأولى ، هو مشتق من الأمن الحيوي بصيغة موسعة ورحيمة : حماية كوكب الأرض . ذلك أن أخد الظواهر الايكــــــــــولوجية المقلقة بعين الاعتبار ( اضطرابات المناخ بدرجة عالية ، توسيع ثقب الأوزون ، تدمير الغابات المتزايد ، إفساد الأعماق البحرية الخ ) ، قد جعل العالم أمام إمكانية حدوث كوارث خطيرة على النظام الايكولوجي . والحال أنه كان من المستحيــــــل أن نعطي لهذه التوقعات الفظيعة وضع اليقينيات العلمية ، ولا حتى إقامة علاقة سببية بين هذه أو تلك الفعالية الإنسانية ( صناعية ، فلاحية ) ، وبين هذا أو ذاك ، الاضطراب الإيكولوجي الكبير . فهل يلزم أن نبقى ، في ظل ذلك ، مكتوفي الأيدي ؟. إن مبدأ الحماية ، وهو يطرح مشكلة النظام الايكولوجي ، يدعونا إلى تحمل المسؤولية ، بالعــــــمل علـــــى اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاحترازية الضرورية . يلزم أن نتوقع دائما الأسوأ ، وأن نتخذ كافة الاحتياطات لتجنبه . وفي نفس الوقت ، فإن صمت العلم يجعله مسئولا فـــــي المناظرات الديمقراطية : يمكن للقرارات أن تصير جماعية ، تعبيرا عن اختيارات مجتمع عالمي مهدد بالانهيار .
يتعلق الأمر إذن بضرورة التحرك ، ولو في غياب يقين علمي ، في إطار حوار متعدد ومفتوح يهم الجميع . غير أن هذا المبدأ ، موظفا من قبل وسائل الإعلام و السياسيين ، سيجعل الرأي العام يعتقد بأننا أمام احتمال بسيط للخطر ، يمكن أن يستلزم عنه اتخاذ مجموعة من الإجراءات الاحتياطية ، مما يؤدي سريعا إلى تغذية وهم أمن أكبر ، مع المطالبة بالحق في الحماية ضد جميع الأخطار . ومن هنا الاستعمال الاستعادي ( وليس ألاستباقي لحظة صياغته الأولى ) للمبدأ عندما تندلع الأزمات الصحية . ومن هنا أيضا تشكل هذا الخطاب : ما دامت الفاجعة الصحية قد حدثت ، فذلك لأننا لم نطبق المبدأ المشهور … وبالتالي يبدأ البحث عن المتهمين : الخبراء والمقررين السياسيين الخ … وهكذا فما أن يقع حادث خطير، حتى يتم إرجاع الأمر إلى عدم تطبيق المبدأ المذكور . التمثل الثاني يهم الطفل الضعيف ، أو بالأحرى الطفل الرضيع . لقد أدخل علم نفس الطفل إلى معجمه مصطلح ( الأمن ) ، من خلال التأكيد على موضوعة الحماية الأولية المرتبطة بالأمومة كرعاية دائمة ، واعتبارها جد أساسية للطفل الرضيع ونموه في السنوات الأولى من تكوينه . نجد مثلا مع وينكوت (winnicott) موضوعة الأمن الأولي المبنين ، موظفا من خلال مفاهيم الحماية و العناية (holding et handling). على الطفل أن يحس بأنه محمي من الخوف والجوع ( الآلام الكبرى للرضيع ) من خلال عناية تكون منتظمة ، من دون أن تكون هوسية ـــ إنه نموذج الأم ( الخادمة الكافية ) حيــــــــــث حضورها دائم ، من دون أن يكون خانقا . تسمح العناية المذكورة للطفل بربــــــح تماسك وقوة مميزتين . إن الإحساس بالدعم والمساندة في تعلمه واكتشافاته ورغباته تجعله يشعر بالثقة في نفسه ، والتي هي ضرورية لكل تطور سليم . أما جون بولبي (John Bowlby) فقد عمل من جهته ، ومن خلال مفهوم الرابط الأمني ، على توسيع ونشر موضوعة البعد المبنــــــين للرعاية المنتظمة والبيئة المخصصة للطفل . إن ارتباط الطفل الرضيع بأمه هو استجابة لما هو غريزي كتمظهر أولي . ذلك أن التوجه الأول للكائن الحي هو التعلق والتمسك بمن سيحافظ عليه ويحميه . وهذه العناية الخاصة تمنح للرضيع ( ركيزة أمنه) . على الرعاية أو العناية المقدمة (caregiver) أن يتم تقديمها بشكل منتظم ومستمر وتلقائي ، بحيث يكون الهدف هو جعل الطفل قادرا على التعلــــــم والاكتشاف والنمو .
مرة أخرى ، فإن كل هاته الأفكار المتعلقة بأمن الرعاية ، والتي ســـــــــتكون مــــــــهمة بالنسبــــــــــة لنمو الطفل ، قد تم التقليل من شأنها على نطاق واسع . لنذكر بأنها قد سمحت بالتشطيب على ما كان يمكن أن يكون فـــي نفس الوقت دراميا ومخيفا داخل النظريات الفرويدية . ليس الطفل هو ذاك الشبح المقلــــق المسكون بغرائز ايروسية والتي وصفها فرويد ـ وإنما هو كائن ضعيف ، خاضع وباحث عن الأمن . ليس الرضيع مخترقا باندفاعات مستحيلة ، كما أنه ليس سجينا لقلق مرتبط بنقص لا يمكن تجاوزه : إنه كائن قابل للعطب ، يتوجب على والديه حمايته . ليس الحب بــــين الأب والابن وهم درامي ، أو قدر غير موفق أو انحصار ، وإنما هو ضمــــــانة للأمن : حاجز يحمي ضد العدوان الخارجي ، واستمرار للتدفقات الغذائية . أمن يتحدد بالصــــــلة الوثيقة بين الأم وابنها . تلح النظريات الجديدة ، المرتبطة بالرعاية ، على ألا يسمح للطفل بالمجازفة إلا فيما بعد ، آنذاك يمكنه أن يقبل أو يـــــــرغب في الانفصال . إن أمن الرعاية هذا يرفع شعار استقلالية المراهق . ولكن ماذا يا ترى لو كان هذا الطفل باحثا عن الحماية ؟ ، وإذا ما كان طلب الحماية يتجاوز الطفولة ؟. ألا يمكــــــن للأمر أن يشكل رافعة للسياسة الأمومية ؟. ألا يمكن للدولة أن تطــــــمح ، إلى جانب الذوات ، إلى شغل وظيفة حماية الأفراد ؟. نجد ، بطبيعة الحال ، شيئا مثل ضرورة الحماية داخل الأمن البوليسي ( ضمان المحافظة على الممتلكات والأشخاص ) ، ولكن هذه الحماية ليست لها علاقة مع الأمومـــــــــة أو الحضانة . فهي غير موجهة إلى شخص معروف بسرعة عطبه . إنها فقط تعمل على خلق شروط نظام مادي خارجي : احترام مسافات وحواجز الصحبة ، الحرص على أن تكــــون الأبواب مقفلة . ليس الأمن البوليسي مشتق بالتحديد من العناية ( لنترك جانبا حالة فرقـــــة القاصرين ) . بشكل عام ، فإن الدولة الحديثة ، في تحديداتها الأولى ، لم تكن أبدا مرتبطة بالأمومة . بالعكس ، فقد تم بناؤها ، على مستوى تحديداتها النظرية الأساسية ( فلسفــــــات التعاقد ) ، على رفض الاستعارة العائلية ( الأبوية أو الملكــــــــــــــــــية ) وما اسماه فوكو ( بالحكمانية الرعوية ) . يقصد بالحكمانية الرعوية ، مع فوكو ، تلك العلاقة بين الراعي والرعيــــــة ، المــــــــبنية على العناية والاهتمام بالقطيع وفق نظام يقوم على التفريد . والدولة أو الأمير الذي يطبق هذه الأسلوب في ممارسته للحكم ، سيمارس نوعا من العناية يتطابق فيها مـــــــع ممارسة الراعي مع قطيعه ، والأب مع ابنه ، والطبيب مع مرضاه . يتعلق الأمر عموما برعاية من لا يملكون القدرة ، ضعفــــــاء وسريــــــعوا العطب ، وبالتالي تمارس الدولة عليهم نوعا من الرعاية الدائمة . لقد أعطى دوستوفســــكي تمثيلا أدبيا رائعا لــــسلطة عليا تسهر على الشعب ــ الطفل ، وذلك في فصله المخصص لأسطورة المحقق الكبيـــــــــر ( الإخــــــوة كارامازوف (les frères karamazov) . بالنسبة للمحقق الكبير ، فإن الشعب غير قادر على الحرية ( وليس في مستوى تملكها ) . إنها تخيفه ، كما تمثل دوارا مقلقا بالنسبة لأغلبية الناس ، لأنها تعني أن يكون مسئولا عن أفعاله وأفكاره وقراراته ورغباته . ليس للشعب سوى الــــــــــوسواس : التخفف من هذه الأعباء الثقيلة ، بأن يعهد بها إلى من يقرر في مكانه ما يلزمه فعله ، ومــــــا لا يلزم عليه فعله . هكذا تعمل نخبة من المسيرين ، مستغلة ضعف النـــــــــــاس وتخليهم عن حريتهم ، على فرض مجـــــموعة من القرارات الصارمة . في هذا الأفق ، ندرك كيف أن السلطة الأمنية لا تقوم فقط على كتم حرية شعب لم يسبق أبدا أن عاشها ـ وإنما أن تسلب منه كل قدرة على التفكير ، لتفرض عليه توزيعات اقتصادية غير قابلة للمناقشة وحقائـــــق لا يمكن المساس بها وسلطات قوية جد محددة . إن هذا التمثل الأدبي هو مرعب لأنه يجعلنا نفكر بـــأن الأمن ليس هو وسيلة لإرهاب الدولة ، وإنما هو ضرورة ، تمتلكها الأغلبية الصامتة ، وقد أعفت نفسها من كل مبادرة أو قرار . الأمن بهذا المعنى ، هو سعادة الفقراء . ولكن ، وكما أشرنا إليه ، فإن هذه الصور هي جد قديمة ـــ بالنسبة لفوكو فإن الحكمانية الرعوية تميزت بأسلوب عتيق في ممارسة الحكم ، كما أن دوستوفسكي يموقع حكايته في القرن السادس عشر . من حسن الحظ أن الدولة الحديثة تقوم على معطيات جديدة مغايرة لما سبق . إن نموذج العقد الاجتماعي يعتبر نفسه فعلا لصالح ذوات سياسية تهم راشدين مستنيرين ، موافقين ،عقلانيين ، قادرين على التقدير والتداول ، وليس أطفالا غير قادرين ، ضعفاء ومتوسلين . وهوبز على سبيل المثال ، لم يقم ميثاق الأمن على أساس الرعاية والعناية ، وإنما على أساس العدالة : ( إن وظيفة الأمير [ …] هي محددة في الهدف الذي من أجله يمتلك السلطة والمتمثل في العناية بالشعب [ …] . في الواقع ، فإننا لا ننتظر أن تحصل هذه النتيجة من خلال الرعاية التي ستمارس بالنسبة للأفراد [ … ] ، ولكن مـــــــن خلال إجراءات عامة ، تتمثل من جهة داخل تعليم رسمي [ …] ومن جهة أخرى داخــــــل الإعداد الجيد والتطبيق الفعال للقوانين .) . الدولة الحديثة لا تحمي : إنها تضمن المســـاواة ، الحرية ، الملكية وميكانيزمات التضامن . يمكن أن نتساءل إذن ، فيما إذا كانت البداهات السياسية الجديدة التي فرضها فلاسفة التعاقد الكلاسيكيون ( الذات السياسية كمواطن حر ومسئول ) ، قد أدت إلى التخلي النهائي عــــن سياسة الحماية . يدافع توكفيل (Tocqueville) عن فكرة أن الديمقراطيات الحديثة ( تلك التي للأفــــراد ” المتشابهون والمتساوون ” ) ، يمكنها فعلا أن تؤدي إلى ما يســـــمى ب( شكل جديــــــد من الاستبداد والطغيان ) . تلك هي صورة الدولة الحديثة التي تعــــمـــــــل على تطفيل ذواتها ، والهيمنة عليهم وتوجيههم ، عبر تغذية لذاتهم ، بنوع من اللطف والنـــــعومة ، بدلا من التخويف : ” إنني أرى عددا لا نهائيا من الناس المتشابهين والمتساوين الذين يتحركون من غير توقف ، لكي يحصلوا على ملذات صغيرة ومبتذلة تشبع نهمهم […] وفــوق كل هؤلاء تقوم سلطة شاسعة وشمولية ، التي تتكفل لوحدها بتأمين متعهم والسهر عليها . إنها […] تنظر إلى أمنهم وحاجاتهم ، وتيسير الحصول على متعهم ، وتساعد على تدبير أشغالهم ، كما تدير صناعاتهم ، وتقسم ممتلكاتهم ، بحيث لا تترك لهم فرصة لتفكير مضطرب أو شعور بعناء الحياة ” . حاليا ، فإن النظــــريات المعاصرة للعناية (care) تلح على قابلية الأفراد للعطب . ولكن ربما هي أقل إلحاحا بخصوص تشريع سلطة زائدة ، بدلا من أن تكون غايتها هي فضح تجريد المساواة القانونية ، والقوانين الشكلية . فالدولة ، بدون شك لا تستطيع أن تكتفي بضمان الحقوق الشكلية ( الحرية ، المساواة ) ، و إنما يلزمها حماية الأكثر ضعفا ، و مساعدة الأكثر هشــــــــــاشة و مؤازرة الأكثر قابلية للعطب . إن نظرية العناية تنتقد الفرضية الشكلية لذات سياسية مسئولة ، إنها بمثابة مرآة تعكس ضرورة الاهتمام بسريعي الـــعطب الفعليين . فهي تفضح الأمن القانوني كتجريد : ليس الأمن الحقيقي هو ضمان حقوق المواطن المسئول ، و إنما هو حماية الأكثر هشاشة. غير أن هذه النظريات لا تستطيع أن تمنع كليا ، و قد أقامت وظيفتها الحمائية في قلب شرعية الدولة ، إعادة انبثاق الأوهام القديمة . يحاول هذا المثال الأخير الخاص بالعناية أو الرعاية ، أن يؤكد على أن ضرورة الحماية ، رغم ما يمكن أن يعتقده شبح المفتش الكبير، يمكنها أن تكون شيئا آخر غير مصدر تبرير بالنسبة لسلطة شاملة : وسيلة نقدية أيضا ، خاصة بفضح اللامساواة الاقتصادية المذهلة المتسامح بشأنها في دول القانون ، عجز سياسات الصحة العامة ، غياب الحماية للأكثر ضعفا ، و الذين تم حجبهم من قبل المساواة الشكلية. إن هذه النظرة النقدية لمفهوم الأمن، و التي نوظــــــفها كشعاع موجه لفضح الدول اللامبالية بالمعاناة الفعلية للأفراد ، تأخذ بعدها البارز داخــــــل نظرية حديثة ، جد حاضرة داخل المِؤسسات الدولية : إنها نظرية الأمن الإنساني و التي عملت ، من جهتها ، على فضح وقاحة السياسات المسماة ( واقعية ).(الأمن الخارجي ).
إن نظرية ” الأمن الإنساني ” تجعل من نفسها اليوم بديلا أساسيا للنظرية الواقعية القديمــــة الخاصة بأمن الدول . يمكن أن نبدأ ببعض التحديدات. برنامج الأمم المتحدة حول التنميــــة ( ” تقرير حول التنمية الإنسانية ” ، 1994 ـ نتفق عموما حول المظهر المؤسس لهذا النص ) : ” إن عاطفة الأمن الإنساني هي بمثابة طفل لا يموت ، مرض لا ينتشر ، عمل لا يعطـــل ، التعصب الإثني الذي لا ينحل بالعنف ، مخالف في الرأي أو منشق لا يختزل في صـــمت.” أكسورتي (Axworthy) ( وزير خارجية كندا من 1996 ـ 2000 ، تحت تأثيره تم خلق شبكــــــــــة للأمـــــن الإنساني ــ شراكة بين كندا و النرويج 1998 ــ و قد جمعت بين عشرات الدول التي قررت بناء سياستها الخارجية انطلاقا من مرجعية الأمن الإنساني ) : ” يقصد بالأمن الإنسانــــــي أساسا حماية الأفراد ضد التهديدات و الأخطار ، سواء أصاحبها عنف أم لا.” (Amartya Sen) ( في تقرير الجمعية حول الأمن الإنساني ل 2003 ) :
” حماية النواة الحيوية لكل الحيوات الإنسانية بالطريقة التي تحسن ممارسة الحريات و تسهل الانفتاح الإنساني ” . ماري كالدور (Mary kaldor) (الذي عمل من أجل تحديد أوربي للأمن الإنساني ــ مجموعة برشلونة ) :
” يرتكز الأمن الإنساني على حماية حياة الأفراد [ ….] . على هذه المبادئ أن تعمل ، في نفس الآن ، على” التحرير من الخوف” ، الذي هو هدف كل أمن عام ، و على ” التحرير من الحاجة ، الذي هو هدف كل تطور إنساني ” . بالمعنى العام ، فإن الأمن الإنساني هو بمثابة عرض حماية للسكـــــــــان ســريعي العطب و للأفراد المصابين بالهشاشة ، ضد كل ما يمكن أن يهددهم ، و هو أيــــــضا التأكيد على هذه الحماية كقاعدة جديدة للسياسة الدولية ، و قد حلت زمان و مكان المصـالح الإستراتيجية القديمة للدول . بالنسبة لمؤسسي النظرية فإنه يلزم الحديث تقريبا عن ثورة كوبرنيكية . إن الحديث فعلا عن ” حماية السكان ” ( أو أيضا حماية ” الأفراد” أو ” الأشخاص ” )، بمعنى أن الدولة لم تعد تظهر بمظهر ، من يلزم الدفاع عنه و حماية و ضمان وجوده ، مما يتطلب تضحيات الأفراد ــ مما يعني فقدانهم و موتهم من أجل حماية الدولة أو الوطن . إن مـــــا يلزم حمايتهم هم الأفراد الفعليين الواقعيين و السكان الأحياء. إن هذا القلــــــــب الجـــذري للموضوع هو مركزي : على الأمن ألا يدل على الدفاع على الدول ، و إنما على حمايـــــة السكان . لكي نستعيد عبارة كوفي عنان (kofe Annan) : ( على الدولة أن تكون في خـــدمة الأفراد ، و ليس العكس ( الانتقال من سيادة الدول إلى سيادة الأفراد ). إن هذا القلب يقتضــــــــي نوعا من التجريد [ من الأهلية ] للدول الحديثة ، على أساس الإحصائيات المرعبة ــ تلك ( غالبا ما تم ذكرها ) التي أوردها راميل (Rummel) في كتابه ( الحكومات القاتلة ) (Death by governement)(14) . بالنسبة للقرن العشرين ، فقد تم إحصاء حوالي 35 مليون من الضحايا المباشرين للحروب الأهلية ، ومــــــــا بين 165 إلى 170 مليون ضحية ، تمـــــــــــــــــت إبادتهم من قبل دولهم . الأمر الذي يعني ، بالنسبة للـــسكان في القرن العشرين ، بأن المصدر الأكبر لانعدام الأمن لا يكمـــــن في الأعداء الخارجيين والــجيوش الخارجية ، وإنما في الدولة نفسها : الدولة الاستعمارية التي استعبدت واستغلت بكل قوة ووحشية ، إبادة السكان الأهالي . الدولة التي وضعـــت سياسات صناعية مغالية وغير متوازنة ، أدت إلى تفاقم المجاعة في العالم ، أو دفعت بساكنة كاملة إلى الرحيل . دولة الإبادات الجماعية التي تقرر إبــــادة وتدمير جماعة معينة من السكان ، الدولة الكليانية أو الشمولية التي تعمل على إرهاب المواطنين ، تضــــــطهد وترعـــب وتقتل . لقد ارتبط أمن الدولة في القرن العشرين بانعدام الأمن المعمم للسكان ، والتهديد بالموت الأبدي للجميع . الإحصاء الثاني المنتظم ، الذي تستدعيه النـــــــظرية المذكورة ، هو العمل الذي قدمه هولستي (Holsti) ( السلم والحرب ، الصراعات المسلحة والــــــنظام العالمي 1648 ـ 1989 ) ، الذي يدلل على أن نسبة القتلى بالعنف ، بفعل الصراعات المسلحة ، في القرن العشرين ، كان بنسبة واحد من المدنيين ، مقابل تســــــــعة من العسكريين ، وأن الوضع قد انقلب مع نهاية القرن نفسه (15).
وباختصار ، فإن الحروب الجــــــديدة قد قتلت أساسا أشخاصا غير مسلحين ، أبرياء ، سكان مدنيين تم حجزهم كرهائن من قــبل الجماعات المسلحة . إن من تلزم حمايتهم و ضمان أمنهم ليست هي الدول ، ولكنهم الأفراد الذين هم أكثر هشاشة . لنسجل بأن هذه النظرية قد تم تشجيعها ، وخاصة من قبل المؤسسات الدولية أو (ONG) ، مع الإشارة إلى أن لهذه المنظمات النيات الصادقة والأذرع القوية ، للــــفصل بين أمن الدولة والمصالح الإستراتيجية القاتلة . ومع ذلك ، فإن بعض الدول السيادية قد قررت أن تجعل من ذلك ( على الأقل رسميا ) قاعدة لسياستها الخارجية : كندا ، السويد واليابان … غير أنه لا يلزم أن نتوقف عند هذا الفضح والاتهام ضد الدولة . فالأمن الإنساني لا ينتج عنه اتهام منظم لدولة معتبرة مسبقا وقحة ومجرمة ، لصالح التزامات خالصة ، مواطنين وإنسانيين . من جهة ، فإن السكان فعلا هم في الغالب أكثر هشاشة داخل مناطق ما ، حيث الدول هي نفسها ضعيفة ، غير قادرة وفاسدة (failed state) . ومن هنا تركيز نظرية الأمن الإنساني على أهمية إقامة ، داخل مناطق دمرتها الحرب والمجاعة ، سلطة شرعية ، ولـــــكن من غير أن تشكل بالضرورة ، دولة سيادية :
” لا تعني سلطة سياسية شرعية بالضرورة دولة : يمكن أن تتعلق بحكومة جهوية لتسويات سياسية جهوية أو دولية ، تفضي إلى حكومات وصاية أو إدارات انتقالية ( ماري كالدور (Mary kaldor) ) . من جهة أخرى ، فإن الأمن الإنساني يتطلب ، بدلا من نقد بســــــــيط لمفهوم السيادة الكلاسيكي ، إعادة تحديد . إنه معنى المجهود الذي تتبعه اللجنة الدوليـــــة للتدخل ولسيادة الدول المجتمعة في دجنبر 2001 بأوتاوا (ottawa) ( حيث تم هناك توقيع اتفــــاق حول منع القنابل المضادة للأشخاص في 1998 ) : لا يلزم أن تفهم السيادة بمعنـــــــــاها الكلاسيكي كحق مطلق ( حق الحرب ، الحساب الضيق للمصالح ) ، ولكن كواجب لــصالح السكان . إن ” مسؤولية الحماية ” ( المحددة قي 2001 و التي تم تبنيها من قبل الجمعــــية العامة للأمم المتحدة قي 2005 ) تعطي شرعية للدول ، لكي تعمل على حماية سكانها . وفي نفس الوقت ، وفي حالة أي تقصير أو عجز أو عدم قدرة ، من دولة ما ( إما لأنها لم تكن قادرة على منع الإبادة ، او وقفت إلى جانبها ) ، فإن المجموعة الدولية هي التي يلزم أن تتحمل مسؤوليتها . إن ما كان يسمى في المــــــــاضي ” بالحرب الحقيقية ” ( عملية عسكرية لإصلاح الظلم السائد ، ومعاقبة المجرمين ـ وإقامة العدل ) قد أصبحت ” تدخلا ” بمقتضى ” مسؤولية الحماية ” . وإجمالا ، فإن نظرية الأمــــــن الإنساني لا تختزل في نقد الدولة المتهمة بالتضحية بأفرادها الحقيقيين لصالح ” أمنها ” . لقد عمل الأمن الإنساني على استبدال منطق ومبادئ ويستفاليا (westphaliennes) ( الاحترام المطلق لسيادة الدول ، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، اعتبار مصالح الدولة فقط ) ، بسياسة أخرى تأخذ بعين الاعتبار معاناة السكان . سياسة عمل كالدور (kaldor) على رصد وسائلها الأساسية في : أهمية تعدد الفرق ، المقاربة الجهوية للمشاكل ، الدعوة إلى المشاركة الفعلية للجماعات المناضلــــــــــة ( المجموعات النسائية ) ، التركيز على التنمية ، إقامة إطار شرعي الخ . يتعلق الأمر أساسا بفضح وقاحة الواقعية السياسية ، واقتراح قواعد جديدة للنشاط الجيو سياسي . تكمــــــــــن المشكلة في معرفة فيما إذا كانت هذه النظرية ، فيما وراء قدرتها النقدية ، قادرة على توفير معايير منسجمة للنـــــــــــــــــشاط الذي تود القيام به : ألا يتعلق الأمر ببرنامج جد واسع ؟. الصيغة الثانية لمفهوم الأمن الإنساني تتعلق بمعرفة ما الذي يلزم حماية السكان منه . لقد كـــان التهديد واضحا ، عندما يتعلق الأمر بحماية الدولة او الوطن : كان يلزم حمــــايتهم من أي تدخل خارجي ، من أي عنف براني ، من أي سياسيين مخاتلين . يتحدد الأمن إذن بالإستراتيجية العسكرية . عن أية تهديدات نتحدث ، عندما نــــــــــــــــقول : يلزم على نظرية الأمن الإنساني أن تحمي الأفراد ؟. عن كل شيء ، وعلى كل حال ، عن أكبر عدد ممكن . إن أصالة النظرية تكمن في التوسيع اللامحدود و المتأن للـــــتهديدات المحتملة ( حــــــدد اكسوورتي (Axworthy) ذلك جيدا بقوله : “سواء صاحبها عنف أم لا .” ) . يلزم بالخصوص أخد كافة الاحتياطات ، عندما يتعلق الأمر بتهديد خارجي ( اجتياح جيوش أجنبية ، قــــــصف عدواني، الخ ) . كل ما يوجد في البرنامج الذي سمي سابقا ب ” التنمية الإنسانية ” هو محتفظ به لحساب الأمن الإنساني : محاربة الفقر ، المرض ، سوء التغذية ، البطالة وغياب التربية الخ . ولكن فيما وراء ذلك ، التهديدات السياسية ( الأنظمة القمعية ، الحروب الأهلية ، الإرهاب ) ، والبيئية ( تلويث البيئة ، الاضطرابات المرتبطة بالتغيرات المناخيـــــــــة ، الكوارث الطبيعية الخ ) ، وحتى تلك المرتبطة بالهوية ( التمييز بين الجماعات والاثنيات ، فضح الرذائل والتنديد بها ) . إن هذا التوسيع اللامحدود لانتشار التهديدات قد أثار عددا من الانتقادات ، ذلك أنه منع النظرية من الرسوخ والتثبت داخل الدراسات ، ومن أخدها بعين الاعتبار في فضح الأخطار المحتملة . يتم ضم ، بعد كل حساب ، كل الوجود الإنساني ، من هويته الثقافية إلى جوهره البيولوجي، مرورا بشرطه السياسي و الاجتمـــــــــــاعي و الوجودي . كما تسمح هاته العمومية ، في نفس الوقت ، بالانضمام إلى وجهة النظــــــر الشمولية ، بالمعنى الذي يفيد تأكيدها على ترابط التهديدات : إذ كيف نميز الصحي عن الاجتمـــــــاعي والسياسي والاقتصادي الخ ؟. إن كل بناء غير محدد لانعدام الأمن ، بأن يتم فصله عن سياقه ، يجر إلى خطر اقتراح حلول مجردة ومختلة : برامج الصحة من دون الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الثقافية ، برامج المساعدة الاقتصادية من دون الأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية ، برامج المساعدة السياسية من دون الأخذ بعين الاعتبار التمظهرات الاجتماعية الخ …. تقتضي استمرارية التهديدات ، فعلا ، إعادة تحديد للذات السياسية . لقد تحدثنا إلى حد الآن عن ” السكان ” أو ” الفرد ” . إن استحضار شبكة التهديدات الواسعة ، التي يمكن أن تمتد ، من جهل بالهويات الثقافية حتى المجاعة الاقتصادية ، مرورا بالـــــــقمع السياسي ، تتطلب من جانب كل متخصص ، بأن يتفانى في معالجة موضوع الأمن ، “النواة الحيوية “( لكي نستعيد عبارة أمارتايا سان (Amartya Sen) للفرد . الأمن الإنساني هو الفكرة التي تشجع انفتاح القدرات الحيوية لكل فرد وتألقها في مجموع أبعادها . يلزم ، لكي يتم منع أي تضـــــييق أو عودة لشبح التهديدات ، طرح كموضوع للأمن هاته الحيوية الأصلية ، والتي تحمل أبعادا مختلفة ومتنوعة . إن موضوعة ” انفـــتاح النواة الحيوية ” تحمل عددا معينا من النتائــــج . أولها تجاوز نظرية حقوق الإنسان ، التي أصبحت تمثل حالة خاصة من الأمن الإنساني ، أو أيضا شكله القانوني المجرد . وفي كل الأحوال ، فإن الأمن الإنساني لا يمكن تمثلــــه كشيء زائد أو ملحق بسيط لإعلان حقوق الإنسان ، وإنما يتم التفكير فيه باعتباره ، فـــي نفس الوقت ، شرطه الأساسي و نسخته الجوهرية . يعترف المدافعون عن الأمن الإنساني ، حقيقة ، بصحة ومشروعية الإعلان العالمي ، كما يشددون بانتظام على قيمة الكرامــــــة الإنسانية ، ,ولكنهم يودون عرض الصور الفعلية لأهدافهم بمنهجية وتنظيم [ وضمن إطار خاص وضيق ] : المرض ، المجاعة ، النفي أو الاعتقال ، الكوارث الطبيعية .
يتوجـــه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى المواطن ، إلى ذات قــــــانونية ، ووحدة قانونية . أما الأمن الإنساني فيتوجه إلى فرد سريع العطب ، خاضع لإكراهات واقعية متعددة ، مخترق بأمواج من المعاناة والأحزان : إنه ضحية . على تأمين الحيوات الهشة أن يستبق ، وأن يجعل ممكنا المعرفة العامة بحقوق المواطن . يلزم اعتبار هاته النواة الحيوية بكونها مركز الثقل الذي يلزم حمايته ، مع التشجيع على انفتاحه وتطوره ، ومن هنا ذاك الخطاب الشهير الذي صـــــــــــــــــــــار شعارا للأمن الإنساني وهو : ” أن يتحرر الإنسان من الحاجة والخوف (freedom from want and fear) . فهما يمثلان إحساسين اساسيين بالنسبة لكل كائن حي . يتوجه الأمن الإنساني إلى الإنسان ، إلى جوهره البيولوجي الأكثر بدائية : يلزمه أن يأكل وألا يخاف أبدا ، بأن تكون صحته محمية وثقته مدعمة . الأمن الإنساني بهذا المعنى هــو فعلا أمن حيوي . يستلزم عن هذه النظرية ، من خلال تجذرها داخل الحيوي بدلا من القانوني ، تحديدا مزدوجا : الأول هو تقديم معنى معين للاستعجال الفعلي ، من خلال العمل على إظهار المطالب الحقوقية التي هي شيئا ما غير واقعية ، مرعبة ومجردة في كل الحالات . وفي نفس الوقت ، العمل على مواصلة فضح أشكال القمع الإنساني ، الخراب الاقتصادي وإنكار الهويات . يفترض الأمن الإنساني بأن الوجود السياسي والاجتماعي والثقافي للأفراد سيـــــكون مأخوذا بعين الاعتبار داخل استمرارية هذا التأكيد الحيوي الأول ( الممارسة الكاملة للقوى السياسية ، التأكيد على أن الهوية لن تكون سوى أشكال من انفتاح الكائن الحي ) . وفي نهاية المطاف ، تتم إقامة جمعية ، مع ما هو إنساني ، أكثر مما هي مع الإنسانية . يأخذ الأمن الإنساني التمظهرات التالية : حرقة الجوع ، تعب الرحيل وعناءه اللامتناهي ( مشكلة اللاجئين ) ، معاناة حداد الموت ، صدمات العنف . و ما يلاحظ هو أننا كلنا قادرون على الإحساس بها ، إنها تسكننا في دواخلنا الحميمية ، فتحدث الصدى ، وهذا ما يجعلنا نحس بأننا جميعا متشابهون مع هؤلاء الضحايا ، وبأن نوعا من الإحساس بالجوهر العام يمكن أن ينــــبثق . إن الإحالة الى الحياة في بعدها الأولي والمرتبط بالمكابدة والمعاناة هو ما يعطي معنى ، هو ما يمكن أن يخلق وحدة جماعية لها نفس الهموم المشتركة . لا يتعلق بجماعة سياسية للمواطنين ، وإنما بجماعة أكبر ، لها إحساس بالذوات في وضعية هشة ، مخترقة بالعطب ومثخنة بالجراح . يمكن إذن أن نقيم تمييزا بين الإنسانية وما هو إنساني . إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقدم نفسه كأفق ، على طريقة الفكرة التنظيمية ، لقيمة متعالية ، لفرضية تقريبا ميتافيزيقية : نحن ننتمي للإنسانية ، ولكن الإنسانية كفكرة ، كتحقيق مثالي لما هو أكثر رقيا وسموا في الإنساني . الإنسانية كـــــضرورة . يتأكد الأمن الإنساني كما يتقوى في إلا حالة إلى ما هو إنساني : بالنظر إليه كفورية حية ، كأساس واقعي وبيولوجي لما هو إنساني ، كقسمة أبدية بالمعنى الدال على أخوة الأجساد التي تكابد وتعاني . هذا وبينما يتقدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كأفق له ضرورة إنسانية ، فان الأمن الإنساني يندرج داخل هم إنساني مشـــــترك . الاحترام يترك مكانه للرحمة والتعاطف . يحمل عنوان هذه النظرية الجديدة للرأي العام التحاما لا يقاوم ، ما دامت ترتكز على فضح النفاق القديم . يتعلق الأمر فعلا بفضح للمعاناة الواقعية للسكان في وضعية صعبة ، والانتقال إلى نقد الدول ، والتي باسم الحسابات السياسية ، تتسامح وتشجع أو تقصي تلك الاهتمامات من دائرتها . إن تهجير اللاجئين ودفعهم الى الرحيل اللانهائي ، و إبادة الأبرياء واستفحال المجاعات في العالم ، لا يهدد ، بالفعل ومباشرة ، أمن الدول الغنية . لكن على الأمن الإنساني أن يلعب لعبة الأمن ضد الأمن ، وذلك بالعمل على توضيح بأن تلك المعاناة هي التربة المواتية لتطور الإرهاب ، والذي تترتب عنه مجموعة من الآثار السلبية التي تهدد الأمن العالمي . كما أن إبراز وفضح تلك المعاناة ، عليــــــــــــــــــه أن يمر عبر إذاعتها عن طريق وسائل الإعلام : حيث يتم نشر الصور المؤلمة حد الرعب في الجرائد المتلفزة ، و حيث الأجساد المرحلة والنظرات المرهبة أو الفارغة ، التي هي أكثر من قوة الانتقادات الفارغة للدول ، المتقوقعة داخل حسابات مصالحها ، بينما تتم إبادة الناس بشكل جماعي رهيب . يتغذى الأمن الإنساني من النشاط الانفعالي العاطفي الذي تتم إثارته على مستوى عام . في نفس الوقت ، فان قوة تلك العاطفة تختصر كل فاعلية نقدية ، داعية من خلالها إلى انخراط فعال وقوي ومستقل ، تلعب فيه الصورة دورا مهما . لقد افترض الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الأمن كمؤسسة لمواطن حر ، هي نفسها خيال مشترك ، ضمانة عالمية . يعمل الأمن الإنساني على ولادة المجموعة الكونية للضحايا .

شاهد أيضاً

حدث الوباء: من العزل اللاصحي إلى العزل الصحي….

عزيز لزرق ما دلالة حدث فيروس كرونا؟ إنه حدث حقيقي وواقعي، لأنه نجح في خلخلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *