الرئيسية / منتخبات / تغطية / كورونا: أو حينما يصير الوباء باعثا على التأمل في زمن عالمنا المعاصر

كورونا: أو حينما يصير الوباء باعثا على التأمل في زمن عالمنا المعاصر

عبد الحميد لخميس

أستاذ باحث في الفلسفة (المغرب)

استهلال:

كان العالم ماضيا في حركته الدؤوبة نحو ما لا نستطيع توقعه، يظهر للبعض أنه يسير نحو الأحسن ويشق طريقه نحو مزيد من التحرر والخلاص والانعتاق، ويظهر للبعض الآخر أنه ماض نحو الأسوأ ويشق طريقه نحو الانحطاط والتيه والكاووس، والمهم أن الناس قد ألفوا عالمهم كل حسب فهمه وتأويله. لكن فجأة توقف كل شيء، وما كان مألوفا صار باعثا على الاستغراب والغرابة، سيشعر الكائن البشري بأنه غريب أمام ما يقع، وزادت الغرابة أكثر أمام السيل العرمرم من الأنباء والأخبار والمعلومات التي تقذفها وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، شرعت القذائف الإخبارية تأتي من ووهان هناك في الصين في أقصى الشرق، ثم ما فتئت أن صارت تأتي من كل حدب وصوب، وتناسلت التأويلات وتناسجت الأفهام… إنه فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). غير أن القاسم المشترك بين هذه التأويلات هو الخوف والهلع والرعب، فهل هو خوف من الله أم خوف من الطبيعة أم خوف من التقنية؟
يفسّر أصحاب النمط الأول من الخوف بأن ما يحصل هو لعنة إلهية قد حلت بالبشر بعد تماديهم في غيهم وضلالهم، وأن السماء شرعت تعاقب الأرض بعد سلسلة متتالية من الإنذارات؛ وهذا هو التأويل الثيولوجي. ويحيل النمط الثاني من الخوف على أولئك الذين يرون بأن الطبيعة اليوم تصفي حسابها مع الإنسان الذي تجبر عليها، واستنزف طاقاتها، وأرغمها على تسليم خيراتها؛ وهذا هو التأويل الرومانسي والإيكولوجي. أما أهل النمط الثالث من الخوف فهم أولئك الذين يعتقدون في نظرية المؤامرة؛ ويرون أن هذا الفيروس قد تم تطويره تقنيا ومخبريا في إطار حرب بيولوجية جرثومية بين القوى المتحكمة اليوم في العالم، وهذا هو التأويل الجيوسياسي والحربي. بيد أننا في هذا المقال لن نتتبع حجج كل طرف وأدواته في القراءة والتأويل، وإنما غرضنا أبعد من ذلك؛ وهو التأمل الفلسفي في الكثير من الظواهر والأحداث التي نجمت عن انتشار هذا الوباء، في أفق الكشف عن جملة من المفارقات التي تتولد عنها جملة من الأسئلة المتروكة لمختبر التاريخ كي “يجيبنا” عنها.
قد يقول قائل؛ وما دخل التفكير الفلسفي في أمر كهذا؟ أ ليست الفلسفة انشغالا بالأسئلة الخالدة والإشكالات القصوى والمصيرية كالموت والحرية والسعادة والله… وهذا الوباء هو حدث طارئ عابر؟ نحن على وعي تام بذلك؛ لكن متى كانت هذه الأسئلة الخالدة منفصلة عن الوجود الفعلي والحي للكائن البشري في مسرح التاريخ؟ وهل يستطيع الإنسان أن يخرج من جلده؟ جلده الذي هو حاضره؟ إن الفلسفة لهي بنت زمانها كما يقول هيغل، ولابد أن الأسئلة الخالدة التي تطرحها وتفكر فيها منذ نشأتها قد تولدت بشكل من الأشكال من المجرى التاريخي الفعلي لحياة البشر، فهل كنا نتصور أن فلاسفة القرن العشرين قدموا ما قدموه من فلسفات أصيلة لولا أحداثا تاريخية تحولت في ما بعد إلى أحداث فلسفية؟ عبثية الحرب وسيادة التقنية وهيمنة البيروقراطية ونكوص الديني… وغيرها، أحداث لا يمكن للفسفة المعاصرة أن تكون من دونها، ولهذا الاعتبار؛ فإن ما بات يعرف اليوم بفيروس كورونا المستجد، وما خلفه من آثار، وما خلقه من أحداث وظواهر، يملك في نواته، كحدث، ما يجعل منه موضوعا جديرا بالتفكير والتأمل. وإن الإنسان الذي تتحدث عنه الفلسفة ما هو في نهاية المطاف سوى الإنسان الذي هو من لحم ودم، يخاف ويفرح ويحزن ويغضب ويحب ويكره ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
ليس إذن، فيروس كورونا المستجد هو المهم، ولكن الأهم هو ما نجم عنه من آثار، وما بعثه من أسئلة مستجدة ربما كان قد طواها النسيان. وهذا هو مدار تأملاتنا في هذا المقال، وقد آثرنا التحرر في الكتابة بعيدا القواعد الأكاديمية المعروفة.

بين الفردانية والجمعانية: أو مفارقة الحرية والخضوع

مع مطلع العصر الحديث ونشأة الفلسفة الغربية الحديثة سنجد أنفسنا أمام انقلاب جذري للتصور الفلسفي القديم؛ ذلك أن تحولا عميقا حصل تحت تأثير الثورات العلمية الجديدة، وعلى رأسها الثورة الكوبرنيكية؛ فلم تعد الأولوية لنظام العالم أو للموضوع، وإنما للذات أو الأنا، وهو ما يفسر الانتقال من الاهتمام بالأنطولوجيا ـ كمبحث أول ـ إلى الاهتمام بالإبيستيمولوجيا. وامتدت آثار ذلك إلى كل مناحي الحياة؛ فظهرت الحركة الإنسية وحركة الإصلاح الديني وغيرها… وهكذا استطاع الإنسان الأوروبي الغربي أن يقطع، عبر سيرورة تاريخية طويلة وقاسية امتدت لأكثر من قرنين من الزمان، مع نمط “قديم” من الوجود الاجتماعي وشكل “تقليدي” من النظام السياسي، ولعل تجسده البارز قد عبرت عنه الثورة الفرنسية التي قال عنها هيغل “إنها تلك المكنسة الهائلة التي سعت إلى إزالة كل ما قدّرت أنه يقف في وجهها”.
مع العصر الحديث لم يعد الإنسان مجرد مُصْغٍ أو منصت لنظام الوجود/الكل، كما هو الحال عند الإغريق، بل صار ذاتا قادرة وفاعلة لا ترتهن إلى نظام الوجود الكلي، صار ذاتا بانية للعالم ومقوِّمة له من خلال قدرتها على فهم قوانينه واستيعاب نواميسه؛ ومن ثمة التحكم فيه والسيادة عليه. لم يعد الإنسان مجرد قطعة ذائبة في الكوسموس الكبير والغامض، إنه ـ ولأول مرة ـ أضحى عبارة عن ذات متمركزة في قلب العالم، وقادرة على تحويله إلى بنية رياضية متصوَّرة قبليا، وقابلة للفهم والتحليل، ومن ثمة التعديل والتسخير. صحيح أن الإنسان هش، أو بلغة باسكال؛ ليس سوى قصبة خيزران نحيلة، ولكنه “عظيم” بالفكر، لأنه قصبة مفكرة، ووحدها مفكرة.
شكل هذا الانقلاب الذي دشنه العصر الحديث فتحا هائلا أَمَدَّ الإنسانية بأسباب التحرر والانعتاق من الكليات المهيمِنة، وصارت الفردانية individualisme وما يتصل بها من مقومات أخرى كالوعي والإرادة والحرية والذاتية والمسؤولية والفاعلية والكرامة… نموذجا إرشاديا عاما حكم الأزمنة الحديثة برمتها؛ في العلم والمعرفة والسياسة والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والفن والدين… وهو الأمر الذي بلغ ذروته مع عصر التنوير وحلم “التقدم” الذي راود مفكريه.
لقد هيمن التصور الفرداني الذّرّي على الأزمنة الحديثة بدءا من ديكارت ونزعته المونولوجية Monologique، وفلاسفة العقد الاجتماعي الذين انقلبوا على المبدأ الأرسطي القاضي بفطرية الاجتماع الإنساني وانتصروا لفكرة أسبقية الفرد على المدينة، وفلاسفة عصر الأنوار الذين ناضلوا من أجل تحرير الفرد، وبلغ هذا التصور الفرداني الذري مستوى أعلى مع الانعطافة التعبيرية التي أحدثتها الحركة الرومانسية في نهاية القرن الثامن عشر، وذلك من خلال دفاعها عن مبدأ الأصالة Authenticité بوصفها وفاء للذات.
هذا ما حصل في الغرب، لكن شيئا من قبيل هذا لم يحصل عندنا، ذلك أن الفردانية بمفهومها الإيجابي والفاعل لم تنبث عندنا بعد، فنحن كائنات تستبد بها الأنانية من جهة (مع قاعدة الاستثناء طبعا) وترزح تحت وطأة الكليانيات السياسية والدينية والتاريخية من جهة ثانية، لكن ربما مع ما فرضه فيروس كورونا المستجد، من ضرورة الابتعاد عن مخالطة الحشود، والقطع مع أشكال التجمهر، يحمل في أحشائه إمكانية جنينية للشعور بالفردانية، ولو مكانيا، في اتنظار تحقيقها على مستوى الوعي، لأن استنبات قيمها الحقيقية على مستوى الوعي أمر بنيوي معقد، ويحتاج تراكمات تاريخية متشعبة. إلا أنه لابد هنا من ضرورة التفريق بين الفردانية individualisme والأنانية égoïsme كما يقول ألكسيس دو توكفيل؛ فالأولى قيمة إيجابية فاعلة وبناءة وتقيم اعتبارا للآخر بالنظر إليه كذات متفردة تملك من الخصائص والسمات ما تملكه الأنا، وهي مرتبطة كما أسلفنا الذكر بالأزمنة الحديثة، بينما الثانية؛ أي الأنانية، فهي خبيثة وهدامة ومدمرة، ولا تنتج عنها سوى الفوضى والعبث، وهي نفي للآخر نفيا مطلقا، وتنتمي إلى العصور البائدة. وقد بدا في الكثير من سلوكات الناس، مع الأسف، مظاهر الأنانية لا الفردانية؛ حيث التهافت والتسابق الأعمى والمحموم على السلع والمنتجات والمؤونة والادخار والاحتكار والتلاعب بالأسعار، وغيرها من السلوكات الأنانية. لكن ماذا لو سار الأمر في اتجاه التخلص من الأنانية والشعور بالفردانية وتنميتها من خلال العودة إلى الذات وإخضاعها للسؤال والنقد، والإيمان بقدرتها وفاعليتها وأصالتها واستقلاليتها؟ إن الحذر من مصافحة الغير وعناقه، واتخاذ مسافة الآمان الضرورية بيني وبينه، وتجنب الاحتكاك المتعسف عليه في وسائل النقل العمومية أو أمام المحلات التجارية أو في الشوارع العامة لهي فرصة للإسقلالية وعدم حشر أنوفنا كما عودتنا العادة الاجتماعية السيئة في أمور الغير، وهي كذلك فرصة للقطع مع أشكال الاتكالية على الغير التي تعج بها ثقافتنا، ومنح الفرصة للذات كي تبرز في الاتجاه الفاعل والخلاق والمسؤول.
ومن مفارقات كورونا المستجد أنه بقدر ما خلق فينا هذا الشعور الحميمي بالذات خلق فينا كذلك بوادر وعي جمعي إيجابي؛ يتجلى في الشعور بالمصير المشترك، وبالتعاطف مع الغير الذي يمر من محنة الوباء، سواء محليا أو كونيا، فالوباء لا يميز بين هذا وذاك، إنه يخبط خبط عشواء، ولكنه في النهاية “عادل”، فهو يصيب الناس من كل الأجناس والأعمار والأعراق والديانات والطبقات. وبقدر ما حوى من نواة الفردانية، والتحرر من قبضة الآخر، ومن سلطة العادة، ومن الكليانيات الماحية للذاتية، قزم في الوقت نفسه هامش الحرية الفردانية وضيق منها، ويتجلى ذلك في ما فرضه من “حجر”، إجباريا كان أم طوعيا على الناس، ولعل تأملا متأنيا في الدلالة الإيتيمولوجية للفظة الوباء épidémie من جهة، ولفظة الحجر quarantaine من جهة ثانية، يبين ذلك بوضوح؛ ففي اللغة العربية يشير الوباء إلى كل “مرض شديد سريع الانتشار من مكان إلى مكان يصيب الإنسان والحيوان والنبات، وعادة ما يكون قاتلا” والفعل وَبَأَ يتقاطع مع الفعل بَوَأَ، فنقول “وبأ إليه” بمعنى أشار إليه، ونقول “وبّأه” بمعنى عبّأه، و”استوبأ” تعني استوخم؛ وهذا يفيد معان هامة جدا فالوباء صار محط إشارة وتداول جميع من في العالم، وصار يعبئ ذاته، ويشحذ همته وأسلحته ليفتك بنا، كما صار خطبا جللا وأمرا وخيما وفظيعا شديدة الخطورة. أما بوأ فتعني دلالات كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر؛ “بوَّأه” أي أنزله منزلة عالية، ومنحه سلطة رفيعة، أ فليس الوباء الذي حل بنا يتسيد علينا ويهيمن ويتسلط؟ كما تعني أيضا أعدّ وهيّأ وجهز (بوأ البيت) وأقام وسكن واستوطن (بوأ المكان) ورمى وسدد صوّب (بوأ الرمح نحوه). أ فليس الوباء يجهز لنا ويعد عدته ليسكن ويقيم بيننا ليسدد ويصوب نحونا؟ فماذا أعددنا له؟ وما السلاح الذي نملكه لمحاربته وإخراجه من أرضنا وطرده من بيتنا؟
أما في اللغة الفرنسية فنجد دلالة عميقة؛ ذلك أن الكلمة épidémie تعود إلى الأصل الإغريقي، وتتركب من لفظين؛ وهما؛ epi وتعني au dessus (أي أعلاه أو فوقه) وdemos وتعني peuple (أي الشعب أو الجماعة من الناس)، والكلمة مجتمعة كأنها تحيل إلى قوة جبارة تحوم أعلانا وفوق رؤوسنا تمارس علينا سيطرة لا حول ولا قوة لنا أمامها، وهكذا فمن الدلالة اللغوية للوباء نستشف معنى الخضوع الذي نحن فيه، ومعنى السيادة والسيطرة والإخضاع الذي يمارَس علينا من طرف قوة جائحة قاهرة.
أمر السلطة العليا للدولة مواطنيها بالحجر الصحي في دول كثيرة من العالم لمحاربة وباء كورونا زعزع لا محالة الكثير من المبادئ والقواعد الليبرالية، ورأينا كيف أعطى هذا الحجر قوة للدولة، وأعاد هيبتها في لكثير من بلدان العالم، وبدا أن تجسده الأبرز كان في الصين، حيث الشعور بسلطة الدولة ذات البعد الاشتراكي الاجتماعي أقوى، فما يقرب من المليار ونصف المليار من السكان التزموا التزاما صارما بالإجراءات الوقائية التي سطرتها الدولة، وهذا أمر ليس بالهين بتاتا وهو نتاج تراكم تاريخي مُبَنْيَن. لقد كان التزام الصينيين أكثر من غيرهم، وأدى نتائج أكثر نجاعة منه في الدول ذات الأساس الليبرالي الحرياني.
مع الحجر لا صوت يعلو على صوت الدولة كيفما كانت طبيعتها وماهيتها، وبات تدخلها في الشؤون “الخاصة” للأفراد مشروعا، بل وضروريا. وإذا بحثنا في دلالة لفظة الحجر لغة نجد الكثير من المعاني، كلها تصب في اتجاه الخضوع والجبر والقسر وغياب الحرية؛ فالحجر هو المنع، وما فيه منع فهو مناف للحرية؛ ذلك أن الحرية بالتعريف هي غياب الموانع، فنقول مثلا “فرض الحجر على أملاكه” بمعنى منعه من التصرف فيها، والحجر في الشرع هو “المنع من التصرف لصِغَرٍ أو سَفَهٍ أو جنون”. كما يعني الحجر كذلك الحماية فنقول مثلا “هو في حجره”؛ أي في كنفه وحمايته، ونقول أيضا “مَحْجَر العين” (بالإنجليزية orbit)، وهو تجويف عظمي يحوي العين وملحقاتها من أوعية وأعصاب وعضلات، وهذا كناية عن الحماية؛ فالعين عضو شديد الهشاشة، ولولا المحجر ما كانت لتُحمى، ومعنى الحماية مفيد جدا؛ لأنه وظيفة أساسية من وظائف الدولة، وخاصة الدولة المعاصرة التي كثيرا ما وصفت بدولة الرعاية، فالدولة التي لا تعتبر مواطنيها بمثابة عين وهي محجرها الذي يحميهم، ليس فقط من الأوبئة بل من جميع الأخطار التي تهددهم مادية كانت أم معنوية، لا تستحق الاحترام. ومن الدلالات المشتقة من الحجر نجد أيضا التحجير فنقول “تحجير الطين:؛ أي تَصْيِيُره كالحجر، ونقول “تحجير الحقل”؛ أي إحاطته بالحَجَر، ويستشف من تينك الدلالتين أمران غاية في الأهمية؛ أولهما التَّمْنيع (من المناعة)، فتصيير الطين حجرا معناه تقويته ونقله من حالة الهشاشة إلى حالة الصلابة، وكأننا نكسبه مناعة، وأمام غياب أي علاج للفيروس لحد الساعة يبقى الحجر الصحي أنجع مناعة قبلية استباقية وقائية يمكن أن تقوينا على مواجهة الوباء، وثانيهما التَّسْيِيج؛ أي وضع الحدود، فإحاطة الحقل بالحجر هو تسييجه وتحديده وتمييزه عن باقي الحقول الأخرى، وهنا يتجلى معنى خلق المسافة الضرورية بين الناس ووضع الحدود بينهم، وإرغامهم على ملازمة حقولهم/بيوتهم الخاصة اتقاء انتشار العدوى.
أما في اللغة الفرنسية فالحجر la quarantaine استخدم منذ 1180م، وكان يدل على “espace de quarante jours”؛ أي “مساحة الأربعين يوما”، وهي فترة للصوم في المذهب المسيحي الكاثوليكي شاعت منذ القرن الرابع الميلادي، وهي مستمدة في التراث الكاثوليكي من الأربعين يوما التي صامها يسوع المسيح في الصحراء، وحيدا معتزلا الناس في جوع وعطش وفقر وافتقار، وهذه المعاني بالغة الأهمية، ففيها العزلة والوحدة والخلوة، والافتقار والرجاء، وفيها الصوم كذلك، ومعناه الإمساك والامتناع، وترويض النفس، وما يقتضيه ذلك من صبر وأناة وجَلَدٍ وتحمل. وهذه كلها معاني يتضمنها مفهوم الحجر بمعناه الصحي، لأنه يكسر روتين العادة، ويدخل الإنسان في نمط وجود مختلف ومغاير لدأبه وديدنه. بيد أن الكلمة ستأخذ دلالتها الحالية منذ القرن الرابع عشر الميلادي، فصار الحجر الصحي la quarantaine sanitaire يشير إلى الفصل والعزل، أي عزل الأشخاص المشتبه في إصابتهم بأمراض معدية، مع تحديد فترة هذا العزل.
رأينا إذن كيف أن فيروس كورونا المستجد قد وضعنا أمام مفارقة بين الفردانية والجمعانية؛ الشعور بالفردانية (بالمعاني التي أسلفنا ذكرها) الذي يمكنه أن يفيدنا كمجتمعات متخلفة، إذ لا نهضة دون شعور الفرد بقيمته وقدرته وأصالته، والجمعانية؛ أي الشعور بالمصير الجمعي المشترك، وهو الشعور الذي أعاد للدولة الوطنية هيبتها، وأمدها بالقوة اللازمة بعد سلسلة من الضربات التي تلقتها أمام عودة القبيلة والعشيرة من جهة، وتصاعد النزعات الهيدونية (اللذانية) والفوضوية والأصوليات الراديكالية الرافضة لكل أشكال التعاقد من جهة ثانية. لابد أن مفهوم الدولة سيعاد تعريفه من جديد في عالم ما بعد كورونا، وعلى ضوء ذلك ستتغير جملة من المفاهيم المرتبطة بها من قبيل السلطة السياسية والسيادة والحرية والقانون…

خلخلة نمط إدراكنا للذات وللعالم: أو سؤال النظر وسؤال العمل


قضية المعرفة هي واحدة من القضايا الفلسفية الشائكة في تاريخ الفلسفة، بل هناك مبحث خاص بنظرية المعرفة يندرج في مبحث أعم وهو الإبيستيمولوجيا، وهو المبحث الذي هيمن كما نعرف في الفلسفة الحديثة بالخصوص، وأهم مفارقة تساجل حولها الفلاسفة هي دور الحواس والعقل والعلاقة ينهما ولمن الأولوية… وهذه سجالات معروفة، على كل حال، منذ بارميندس وهيراقليطس، مرورا بالسوفسطائية والأفلاطونية والأرسطية، ثم مدارس القرون الوسطى، والتيارات الكبرى في الفلسفة الحديثة (العقلانية والتجريبية)، وصولا إلى الفلسفة المعاصرة. لكن رغم كل ذلك تظل الحواس مصادر هامة جدا في إدراكنا للذات وللعالم، إنها نافذتنا على هذا العالم. غير أن تأملا متأنيا سيجعلنا ندرك أن أكثر الحواس التي نوليها أهمية ربما هي البصر، ويليها السمع، ثم الذوق والشم، وأخيرا اللمس. وهكذا فالغالب على تصوراتنا على ما يبدو هو إنزال حاسة اللمس منزلة دنيا مقارنة بالحواس الأخرى، فإذا كان الشخص مخيرا بالإبقاء على حاسة واحدة من حواسه، ففي غالب الأحيان لن تراه يختار اللمس، والحال أن الأمر فيه حيف؛ ذلك أن حاسة اللمس ترتبط ارتباطا وثيقا بالجلد الذي يغلف أجسامنا من كل ناحية، ونحن لا نستطيع أن نخرج من جلدنا، والجلد هو أول ما يتعرض من جسمنا إلى المؤثرات الخارجية، والجلد به مستقبلات سطحية تستشعر الضغط الخفيف، ومستقبلات عميقة تستشعر الضغط القوي، وكل مستقبل تنشأ عنه سيالة عصبية تُنقل عبر الألياف العصبية فتُترجم على مستوى الباحات العصبية الموجودة في المخ، فيستطيع هذا الأخير أن يتعرف على نوع أو طبيعة الحساسية الشعورية ويميزها، كأن يميز مثلا الحرارة عن البرودة، والنعومة عن الخشونة… واللمس هو الحاسة الوحيدة التي تنقل السيالة العصبية عبر الألياف الموجودة بالنخاع الشوكي، فهي إذن أكثر الحواس شمولية.
لكن بعيدا عن هذه المعطيات العلمية، ومن الناحية الجمالية، ربما حاسة اللمس هي أكثر حواسنا حميمية؛ فبفضلها نستشعر وجودنا في كل لحظة وحين، بها نتعرف على هويتنا كل صباح حين نستيقظ من نوم هادئ أو مضطرب، باللمس نصافح غيرنا ونحضنه ونعانقه ونعبر له عن حبنا، كما قد نصفعه، اللمس أكثر حميمية في علاقتنا الجنسية، إذ لا يمكننا تصور هذه العلاقة من دون جلد وهو يلامس جلدا آخر، وحتى في الاستيهامات الجنسية التخيِيلية لا تسقط هذه القاعدة، فإذن نحن كائنات جلدية لا تستطيع أن تخرج من جلدها، بل إننا نخرج من جلد ونولد منه، بعدما يدخل الجلد في الجلد. لكن مع كورونا كأننا أمام فيروس يحاول أن يرغمنا على أن نخرج من جلدنا، وأن ننفصل بالتالي عن ماهيتنا، لكن هيهات ثم هيهات إننا ننفصل لنتصل، ننفصل عمّا هو براني أي عن العالم الخارجي وعن الأغيار، ولكن نرتد نحو جوانيتنا وغورنا لنكتشف أصالتنا، ونستشعر كينونتنا، ونصغي لأتاوينا البعيدة وقعرنا السحيق، وفي هذا الارتداد نحو الذات فائدة عظيمة، فربما ـ وأمام الفائض من الوقت الذي أصبح أمامنا والذي لم نكن نعيره اهتماما ـ يدفعنا ذلك إلى تشغيل ملكة “النظر” والتأمل، التي مع الأسف لم تنبت في ثقافتنا منذ عصر الانحطاط، اللهم بعض الحالات المعزولة التي هي مجرد انفلتات جاد بها الزمن علينا دون أن نقدرها حق قدرها.
ثقافتنا مهووسة بهدر الزمن، الزمن وما أدراك ما الزمن. لقد سُئل ماكس فيبر ذات يوم عن الأسباب التي جعلت أروبا تدخل الحداثة، وأجاب بحكمة بليغة؛ قائلا: “لم يكن من الممكن أن تدخل أروبا إلى الحداثة إلا حينما أصبح للوقت قيمة”. وكم من الوقت ضيعنا وها نحن اليوم تائهون في عالم يسير بإيقاع سريع ومخيف، نتفرج كالبلهاء على الفتوحات المدهشة التي يشقها أغيارنا في جغرافيات قريبة أو بعيدة منا.
ثقافتنا أيضا لا قِبَل لها بسؤال “النظر”، بل إنها مهووسة بسؤال العمل. ولكن أي عمل؟ فكثيرا ما تتردد في ثقافتنا العبارات الحاثّة على العمل، والداعية ٳلى الممارسة “المفيدة”، وخاصة حينما يتعلق الأمر بتربية النشء، وبالمقابل، فالعبارات المحفزة على التٲمل وٳعمال النظر في المجردات تكاد تكون منعدمة، ومَرَدُّ هذا “العدم” ليس ٳلى كون الطفل غير قادر على القيام بمثل هذه العمليات الذهنية التجريدية، ولكن لٲن ثقافتنا ـ على ما يبدوـ لا تدرك قيمة “النظر”، كما تحمل صورة مشوهة عن مفهوم “العمل”؛ ذلك ٲن العمل عند الغالبية ليس ما كان امتدادا لٳطار نظري مُبَنْيَن، ولكنه ما ارتبط بمنفعة وفائدة intérêt، وكان من نتائج ذلك ٲن صار الكسب المادي من مال وعمارة وتجارة وربح وادخار… هو معيار “النجاح” الاجتماعي، ولعل تٲملا متٲنيا في هذا المفهوم الشعبي الفجّ والمشوَّه عن العمل يكشف عن فقر حضاري مهول، يتجلى في القحط النظري الذي يسري في جسمنا الاجتماعي، ٳذ يختزل الحياة كلها في سجن اليومي، وفي عبودية كدحية بئيسة ما تنفك تتٲهب توجسا من الٳملاق وخشية الفقدان، وهو ما ٲنتج في النهاية ذاتا منفعلة ترزح تحت شروط ووضعيات لا تستوعبها نظريا، غير ٲن الحضارات الراقية، كما يعلمنا التاريخ وكما يثبت الحاضر، هي تلك التي اهتمت بجانب النظر بغاية بناء الذات الفاعلة والمبدعة والحرة، فبهذا الجانب يشتغل العقل بكل ملكاته، وتنفتح المخيلة بكل طاقاتها، ولتحصيل هذا المرمى البعيد لا بد من تعدد المشارب الداخلة في بناء تلك الذات، من آداب وفنون وعلوم… ولمّا يحصل ذلك يصير مفهوم العمل مباينا تماما لِما يفهمه الحس الشعبي؛ ٳذ يكون ثمرة مباشرة لهذا الزخم النظري المتعدد الٲلوان، زخم يقطع مع كل ٲشكال العوز والضحالة والبؤس، التي تحكم قبضتها على وجودنا برمته، فتستغرقنا كلية، وتسلبنا كينونتنا الٲصيلة، حينما تسد ٲمامنا آفاق النظر، وتحجب عنا الجانب المشرق في الحياة. بهذا الانصراف اللحظي عن المحسوسات ربما قد تشتغل ملكة التفكير والتأمل التجريدي والخيال الخلاق والمبدع، وندرك ما للوقت من أهمية. ولا فردانية فاعلة دون هذه المقومات.

درس الوباء: أو الأممية بدل العولمة

كثر الحديث عن العولمة في الزمن الراهن، وتباينت التصورات حولها بين داع لها وبين2 رافض، ولكن مع اجتياح الوباء (والذي نسميه كذلك بالجائحة من الاجتياح والاكتساح) يبدو أن العولمة لم تعد مقتصرة على الثقافة والاقتصاد والسياسة والقيم والتقنية والإعلام… بل إن الوباء نفسه لم يفلت من عجلتها الطاحنة، فصارت تجتاحنا اجتياحا، وتكتسحنا اكتساحا مضاعفا. كورونا وباء جائح سريع الانتشار والاختراق، فهو يخترق الحدود الجغرافية والسياسية والثقافية والدينية… وهذا ما يميزه عن الكوارث الأخرى؛ كالزلازل والأعاصير والبراكين، وحتى الحروب. إن له قدرة هائلة على الاكتساح والاختراق والاجتياح، وبالطرق نفسها. ولذلك فالدول والحكومات تلجأ إلى التدخلات ذاتها، والإجراءات عينها، مع فارق في اللوجيستيك والنجاعة والالتزام الشعبي.
مع كورونا أصبح العالم اليوم يستشعر أن المصيبة واحدة، وأن المصير واحد، والخوف والهلع والرعب واحد، في الصين كما في إيطاليا أو في المغرب أو في أمريكا، لا فرق إذن بين ووهان أو نيويورك أو مدريد أو أبي الجعد أو قرية نائية في كوريا الجنوبية، لقد بتنا نشاهد ونسمع بعولمة الوباء، وبعولمة الخوف، وبعولمة الرجاء، وهكذا يكسر كورونا أسوار الهوية، ويفجر خندق الإنية.
يعرف المفكر البريطاني رولاند روبرتسون العولمة بأنها “اتجاه تاريخي نحو انكماش العالم وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات بهذا الانكماش”، ويعرفها مالكوم واتزر مؤلف كتاب “العولمة” بأنها “كل المستجدات والتطورات التي تسعى بقصد أو بغير قصد إلى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد” هذا الانكماش أو ذلك الدمج تعدى الاقتصاد والسياسة والثقافة إلى الوباء والجائحة.
معلوم أن العولمة تقابل بالرفض والمقاومة من دول الهامش، نظرا لما تخفيه من هيمنة لدول المركز وللقوى العظمى، هيمنة ماحية للاختلاف ومذيبة للهوية في بوتقة الكونية المزعومة، بيد أننا في الغالب سنتجه إلى زمن جديد للعالم، يمكن أن نسميه “ما بعد كورونا المستجد”، ومن المرجح أن العولمة بمعناها الاكتساحي المتسلط والماحي للهوية لن تعود قادرة على الصمود، ولذلك لابد من الاستغناء عنها بمفهوم جديد؛ وهو الأممية، بيد أن استعمالنا هنا لمفهوم الأممية لا يحيل إلى ما دأبت عليه التصورات الاشتراكية، والتي تقدم المفهوم كبديل عن العولمة التي التصقت بالتوجهات الليبرالية، وإنما نقصد بها معنى يكاد يكون حرفيا، وهو؛ “تعاون الأمم وتكافلها”، وهذا مبدأ سياسي أخلاقي يتجاوز القومية الضيقة، والأصولية العنيفة، والشوفينية الراديكالية، و الليبرالية المتوحشة، والاشتراكية الكليانية، وبالمقابل يهدف هذا المبدأ إلى تعاون سياسي وعلمي واقتصادي وثقافي أكبر بين الأمم والدول والشعوب، لأن لها مصيرا واحدا ومشتركا؛ بمعنى أنه على شعوب العالم أن تتحد أكثر لتعزيز مصالحها المشتركة، وأن تتعاون حكومات العالم، لأن المصالح المتبادلة طويلة الأمد وأهم بكثير من نزاعاتها. قد تبدو هذه الدعوى يوتوبيا حالمة، ولكنها على الأقل هي بمثابة مثل أسمى ينبغي نشدانه باستمرار، والسعي وراء تحقيقه على الدوام، فهو الأفق الأسلم لمستقبل الإنسانية. ذلك أن العالم اليوم بات أكثر حاجة من أي وقت مضى للتعاون والتكافل، فعوض “حرب الكل ضد الكل”، ينبغي أن يكون “الكل من أجل الكل”. إن العالم هو بيتنا الكبير جميعا، وعلى هذا البيت أن يعاد ترتيبه وتهيئته بالشكل الذي يأوي كل ساكنيه ولا يلفظ أحدا خارج أبوابه.
لا ينبغي أن ننخدع من كلمة التعاون والتكافل بين الشعوب والأمم، فهي تقتضي التعاون من طرف الجميع، وليس التعاون يتم بالاتكال والتفرج، إنه ليس فرض كفاية إذا قام به البعض شمل الكل، وإنما هو فرض عين، فكل المجتمعات والثقافات والشعوب والأمم مطالبة بتحمل مسؤوليتها، ومدعوة إلى المساهمة من زوايتها، وعليه؛ فعلينا أن نكون نحن كذلك مساهمين في عجلة التعاون، وبالتالي منتجين للتعاون لا مجرد مستهلكين له كما هو حالنا اليوم، ومن دون هذا المبدأ لن نتحرر، ولن نحقق الاستقلال الذاتي، بل نظل تابعين خاضعين ومتفرجين على منجزات غيرنا.
قدمت الصين درسا للعالم في كيفية تصديها للوباء من جهة، وفي كيفية تعاونها مع الدول التي حل بها الوباء من جهة ثانية، ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن هي من يقود معركة التصدي للوباء، لقد تنازلت عن هذا الدور للصين التي قدمت نفسها كقائد للمعركة، ومن الممكن جدا أن تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في حاجة إلى مساعدة الصين في حال تفشى الوباء بدرجة أكبر. كل هذه المؤشرات وغيرها تدل على تغير وشيك للخريطة الجيوسياسية العالمية، فهي على الأقل تبين أن العالم لم يعد فيه مركز واحد، بل أضحى هناك مركزان، وأن الصين قوة جديدة باستطاعتها أن تقود العالم. وأمام هذه المعطيات؛ إما سيتعمق الصراع أكثر، ويمضي العالم نحو مزيد من الكوارث، وإما نتجه نحو الأممية لما فيها من تكافل وتعاون.
نظرا لما التصق بالعولمة من توصيفات قدحية، فهي ماضية نحوالانحسار والأفول، ولذلك فالأممية تطرح نفسها كبديل ممكن، ولكنه بديل صعب المنال، ولابد أن يكون له ثمن، ولابد أن يصاحبه الصراع والتصادم والتدافع، لأن منطق التاريخ هو هكذا، غير أن هذا التصادم لابد وأن يؤول في النهاية إلى تركيب خلاق ومفيد، يظهر فيه كل طرف في الحاجة إلى الطرف الآخر، ف”النوع الإنساني لا يتم وجوده إلا بالتعاون” كما يقول ابن خلدون.

كورونا والاستبداد: أو حينما يعري الوباء على الهباء


أينما حل الاستبداد حل معه الخراب والدمار، خراب الأرواح وخراب الأبدان وخراب العمران، وكلما أحكم الاستبداد قبضته على أمة من الأمم تفشت فيها كل ضروب الرذيلة وصنوف القبح والبشاعة، وليعرف المرء هذه الحقائق يكفيه أن يطلع على “طبائع الاستبداد ومصارع العباد” لعبد الرحمان الكواكبي، فلا محالة سيشفي غليله، وما في هذا الكتيب الصغير حجما العظيم حمكة مازال مع الأسف صالحا لتوصيف حالنا، ف”الاستبداد هو أصل لكل فساد” كما يقول، بل الأدهى من ذلك فكأنه يتحدث عما حل بنا مع فيروس كورونا؛ فلنستمع: “الاستبداد أشد وطأة من الوباء، أكثر هولا من الحريق، أعظم تخريبا من السَّيْل، أذل للنفس من السؤال”. لا شك أن فيروس كورونا المستجد قد يقصر مقامه أو يطول بين ظهرانينا، لكنه لا مندوحة ماض نحو النهاية والزوال كما مضت الأوبئة قبله، فتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، ولكن الاستبداد باق ومعمر تعميرا، وهذا هو الفيروس الأفظع الذي ينبغي على الشعوب المتخلفة أن تحاربه، وليست سطوة الاستبداد كما قد نفهم تقتصر على مجال السياسة، بل الأدهى والأمرّ أنه منظومة بنيوية متراصة الأركان تسطو على الأرواح والأبدان، فتُفسِد الخلائق والأخلاق؛ إذ إن السلطة المستبدة تدفع الناس إلى التخلق بالرذائل والمكر والخديعة، فتفسد بصائر العباد وتعمى أبصارهم، وقد أفاض ابن خلدون في تفسير ذلك في مقدمته الشهيرة؛ ف”عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه” كما يقول. بيد أننا لابد أن نشير هاهنا إلى أن المقصود من السلطان في اللغة العربية القديمة ليس هو الشخص الحاكم الفرد، وإنما السلطة السياسية بصفة عامة؛ أي تلك القوة التي تملكها الدولة من أجل تدبير شؤون الأفراد والتحكم فيهم وتوجيههم. وما من سلطة سياسية إلا وكانت وراءها شبكة معقدة من العلائق والشخوص، أي كل أولئك المنخرطين ماديا ورمزيا في إدارة دواليب الدولة وشؤون “الرعية”.
أخطر الأوبئة التي يورثها الاستبداد في النفوس هو الجهل فلنستمع مرة أخرى للكواكبي: “أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم، واستبداد النفس على العقل”. يا له من قول عظيم. ويضيف: “أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف”. لا حاجة لنا ربما لتفسير كيف أن هذه التوصيفات ما زالت صالحة لزماننا؛ إذ إنها تضع الأصبع تماما على موطن الداء، بل الوباء، إن الجهل صار هو البضاعة الرائجة التي لا تبور في أوطاننا المتخلفة، وقد سخرت له الأنظمة السياسية مختلف الوسائل والأدوات، وصار التجهيل هو الغاية القصوى التي يسعى وراءها مهندسو البرامج وصناع القرار والمصير، بإرادتهم أو بغير إرادتهم، فقد أفرغوا المدرسة من محتواها، وأصبحت وظيفتها توطين الجهل في العقول بدل محاربته، فانتفى العقل من الأساس، ولاشك أن الجهل يورث الخوف، وهكذا أضحى الناس يهابون إعمال عقولهم، فأضحوا عبيدا لسلطان الهوى والجهالة. ولا شك أن للخوف آفات ومفاسد ضارة، لا بالٳنسان فحسب، بل بالكون كله؛ فهو نفي للشجاعة، وقتل للجرٲة، وٳبادة للقدرة، وتعطيل لليقظة، وهدم للفعل… ٳذ لا يمكننا ٳقامة ٲي بنيان، من ٲي ضرب كان، في الوجود والسياسة والقيم والعلوم والمعارف والعمران وغيرها، من صنوف القول والفعل، والخطاب والسلوك، ونحن نرزح تحت وطٲة الخوف.
الخوف قيد يكبل كل الملكات البشرية، ومن ثمة يعدم الكائن الٳنساني من الٲساس، فكيف للٳنسان ٲن يقوى على الحركة والفعل والثٲثير وقد شحذ كل طاقاته لينهجس بالخوف وحده؟ وكٲنه ٳزاء تمرين “يوغا” قاس يسعى ٳلى تركيز كل طاقته في نقطة وحيدة من روحه وجسمه معا. المكبل بالخوف لا يفكر ولا يفعل ولا يتٲمل ٲو يتساءل، وٳنما ينهجس من دون قدرة على اختيار هواجسه. ربما الخوف مقوم ٲساس من مقومات الوجود؛ الخوف من الموت، من الزمان، من الفقدان، من المصير، من الفراق، من الفقر، من الوباء، من الآخر، من المستقبل، من المرض، من الٲزمة، من الشيخوخة، من العجز، من السجن، من التعذيب، من الخيانة… وغيرها من ضروب الخوف التي ربما لا يمكن حصرها، والتي تتشابك في ما بينها لتشكل بنية قاعدية مؤسِّسة لوجود الكائن، غير ٲن هذا الخوف، لدى السواد الٲعظم مع الٲسف الشديد، لا يتعدى المستوى السيكولوجي الانفعالي، دون ٲن يرقى ٳلى مستوى السؤال الفلسفي الٲونطولوجي، وهذا ٲكبر مدخل لتفشي الاستبداد السياسي وسطوته وتمكنه من النفوس، ٳنْ نحن فهمنا جيدا ٲن “السياسة”، تعني من بين ما تعنيه؛ الترويض، أي التمكن من الانفعال والتحكم فيه بهدف السطو على “قناعات” الحشود والجماهير، وكل دولة يشعر فيها مواطنوها بالخوف لا تستحق أن تسمى دولة كما نبهنا إلى ذلك سبينوزا منذ القرن السابع عشر، فالغاية القصوى التي جاءت من أجلها الدولة ليست هي إرهاب الناس وتخويفهم، أو جعلهم يقعون تحت نيرها وبطشها وإنما تحريرهم من الخوف، وإتاحة الفرصة لأبدانهم وعقولهم كي تؤدي وظائفها بالشكل المطلوب، وعليه؛ فحيثما عم وباء الجهل والخوف فاعلم أن ثمة استبدادا.
لقد سلطت قوى الاستبداد على الناس كذلك وسائل الإعلام التي تتقيأ عليهم التجهيل والتنميط والتضليل والتخدير، ففتحت المجال للتافهين، وأشاعت الرادءة والقبح، فانحطت الأذواق والقيم، وصارت وظيفة الإعلام صنع جوقة من التافهين وزارعي الرداءة، لجعلهم نماذج تحتذى ويحتفى بها ونُبِذ أهل العلم والمعرفة والذوق الرفيع، فعمت بصائر النشء، وأبيدت كل ملكاتهم الفكرية والنقدية. حتى صاروا يستعذبون طعم الاستبداد ـ إن كان له طعم ـ ويتلذذون به، و”الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية” كما يقول الكواكبي مرة أخرى، وفعلا صار الناس يخافون من الحرية، وتزعجهم، فيلوذون منها فرارا، ويحتفلون بكل أشكال العبودية والخضوع، ويلوذون بها انتصارا.
لكن ما علاقة كل هذا بفيروس كورونا المستجد؟ نعم؛ لقد عرى فعلا هذا الفيروس الميكروسكوبي عن معالم الاستبداد وآثاره، ورغم أن فئة من الناس أبانت عن منسوب “وعي” رفيع، وعن مستوى سلوك مدني راق، إلا أن الغالبية العظمى بدا الجهل ساطعا في سلوكها، وهذا أمر طبيعي، ما داموا صنيعة لطبائع لاستبداد، ويكفي أن نذكّر ببعضها؛ إذ عاينّا كيف ظهر الاستهتار بمخاطر الوباء من لدن شريحة واسعة، والتسابق المحموم على التبضع وادخار المؤونة، فلقد رأينا كيف تسابق الناس على إفراغ المحلات بأنانية شعواء، في صور أشبه ما تكون بالجراد المنتشر، إن هذا التسابق المحموم يكشف عن أبعاد كثيرة من العوز والضحالة والخوف والأنانية وانعدام الضمير الإنساني، وفقدان الثقة في خطاب الدولة، وانعدام الطمأنينة، فكل واحد من الناس البسطاء قد شعر بأن مصيره المجهول متروك للألطاف الإلهية، وله وحده أمام الجائحة، مثلما ظل دائما متروكا أمام جوائح الفقر والظلم والعزلة والبؤس وشظف العيش… وهذه كلها من آثار التجهيل الذي غرسه الاستبداد في النفوس.
من النتائج الوخيمة للجهل كما يعلمنا التاريخ سيادة الخرافة والأوهام؛ فبدل أن يحاول الناس فهم الظاهرة الوبائية فهما علميا عقلانيا طفت على السطح تأويلات خرافية، وسجالات عجائبية تفتقد لأدنى مقومات السببية، وأنّى لهم بذلك وهم نتاج بنية التجهيل والتخويف؟
يبدو إذن أن من نتائج التجهيل أمام الوباء طغيان الخرافة على الأذهان، ونقصد بالخرافة كل أشكال التفكير التي تغيب فيها أدنى شروط المعرفة العلمية والسببية، لذلك رأينا أن نمط الفهم السائد لدى السواد الأعظم في مجتمعاتنا المتخلفة هو التفسير الخرافي البعيد كل البعد عن الفهم السببي للظاهرة الوبائية، وهذا أمر طبيعي ما دامت المدرسه قد فقدت وظيفتها العلمية من المستوى الأولي إلى الجامعي؛ إذ هناك تصحرا مخيفا في ما يتعلق بالبحث العلمي، وما دام الإعلام سُخِّر فقط لنشر التفاهة والرداءة والبلاهة، وما دام الدين عندنا قد اختزل في “طقوس” تعبدية جوفاء منفصلة عن روحه العميقة الحاثة على العلم والفهم والتدبر والأخذ بالأسباب، فقد بدا جليا أننا لم نَقْوَ على التصدي للوباء بروح العلم والفهم السببي، وهذا لا يحتاج إلى استدلالات كثيرة؛ ذلك أن البحث عن علاج لهذا الداء اقتصر على الدول التي تحترم البحث العلمي، وترصد له الإمكانيات الهائلة؛ في الصين وفي دول أوروبا الغربية وفي الولايات المتحده الأمريكية وكندا وغيرها من البلدان المالكة لأدوات المعرفة والعلم، بينما ظلت دولنا النائمة تنتظر ما ستجود به مختبرات البحث العلمي عند الغير، فصار خلاصها مرهونا بهذا الغير، ولعمري فهذه أشد أنواع التبعية شناعة.
في انتظار هذا الخلاص تبقى الخرافة مالكة بناصيتنا، ولابد أن نشير هنا إلى ضرورة التفريق بين نمط الفهم الخرافي وبين الرجاء الديني؛ فلسنا نقصد هنا التضرع إلى الله لرفع الوباء، فهذا أمر طبيعي لدى كل المتدينين، بل ومشروع؛ إذ لا تدين دون تضرع ورجاء، ولكنه أمر غير كاف؛ ذلك أن التدين الصحيح والسليم ـ في نظرنا ـ هو الذي يأخذ بالأسباب إلى جانب الرجاء، وهذا هو معنى التوكّل، أما أن تربط مصيرك بالرجاء وحده دون الأخذ بالأسباب، فهذا معناه التواكل والهباء، صحيح أن هناك فئة من الناس فهمت هذا الأمر جيدا، لكن مع الأسف هناك فئة أخرى واسعة تخلط بين التوكّل والتواكل، ومن هذا المنطلق نفهم استهتارها بخطورة الوباء، بل واستهتارها بالحياة، منتظرة خلاصها من السماء، غير أنه لو أعلنت مختبرات البحث العلمي عند الغير توصلها إلى العلاج لرأيت هؤلاء هم أول المحتفلين وأول المهرولين نحو الخلاص العلمي السببي، ولعمري فهذه أشد أنواع الفصام خطورة.
الحقيقة المرة أننا مجتمعات متفرجة على الفتوحات العلمية التي يشقها غيرنا، مجتمعات متواكلة تائهة في خضم الجهل والخرافة، تعيش كل أشكال التبعية والتشظي والفصام، وهذه كلها من نتائج الاستبداد، حيث لا ظلال إلا ظلال الهباء. وإن مناعة الوعي ضد وباء الجهل ليست مصلا يحقن بين عشية وضحاها، بل إنها تكتسب عبر سيرورة طويلة من التراكم التاريخي، وربما آن الآوان للدولة أن تفهم أن انعدام ثقة الناس فيها، وعدم الامتثال الطوعي لإجراءاتها الوقائية الاحترازية، ليس أمرا غريبا، بل هو محصلة طبيعية وعادية نابعة من مختلف أشكال الفساد القيمي الذي ربتهم عليه؛ من ريع ورشوة وانتهازية وكذب ومكر وتضليل… ففي هذا الجو الفاسد تربت الأجيال وترعرعت؛ سياسيون كاذبون وانتهازيون، مؤسسات ريعية لا تحترم القانون في مختلف القطاعات في الصحة والقضاء والتعليم… وغيرها كثير. كما عليها أن تفهم أن تخريب قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة، هو الذي أدخلها في هذا الارتباك، وصعّب عليها التواصل مع أفرادها، وهي التي غيبتهم أمدا من الدهر ليس بيسير. أ فليست أمام الدولة فرصة تاريخية لإعادة النظر في سياساتها العامة في أفق بلورة تعاقد اجتماعي وسياسي جديد؟

على ضفاف الأمل:


قد يرى البعض في ما كتبناه في صفحات هذا المقال ضربا من الطوباوية، وقد يراه البعض الآخر ضربا من العدمية، لكن كل ذلك لا يهم، وإنما المهم هو أننا أمام فرصة تاريخية لإعادة النظر في مقومات وجودنا، بهدف تأسيس تعاقدات جديدة على المستويين العالمي والمحلي. لكن الذي يهمنا هنا ما هو محلي خاص بنا، فيبدو أن الكثير من الآمال الواسعة التي لاحت في الأفق، وينبغي أن نراهن عليها بعد أن تمضي الجائحة.
على الدولة أن تباشر الإصلاح الضروري الصادق والفوري، فهذه فرصتها التاريخية، لأنها، في كيفية تصديها للوباء، أعادت قدرا لا يستهان به من الثقة في علاقتها بمواطنيها. ورغم ما هناك من اختلالات ونقائص، لا أحد ينكر دورها الفعال الذي فاجأ ربما الكثير من المتتبعين، حتى أنه بدا في بعض الأحيان أنها تتقدم خطوة على الشعب، لكن هذا الشعب، كما أسلفنا الذكر، قد نعذره لأنه نتاج التجهيل الطويل الذي مورس عليه.
يبدو الإصلاح أسلم طريق لإعادة بناء التعاقدات الجديدة، وهو الإصلاح الذي ستقوده الدولة مع كل الشركاء من المجتمع المدني والنخب المثقفة، شريطة أن تصلح النخبة السياسية ذاتها، وأن تعيد النظر في ماهيتها وأدوات اشتغالها، وتُطوِّر خطابها، وترفع من منسوب الوعي لديها، وأول هذه المداخل نحو الإصلاح؛ هو التعليم، وقد كتب المختصون وقالوا أحسن مما يمكن أن نقوله في هذا المقال، ذلك أنه لا مشروع نهضوي من غير تعليم عصري ونقدي وممنهج ومنصف وبانٍ للإنسان. التعليم هو الجوهر وما تبقى هي لواحق، وقد بدت حاجتنا الملحة للتعليم ولواحقه جلية في أزمة كورونا كما أسلفنا الذكر، فإذا صلح التعليم صلحت كل المجالات الأخرى من صحة وقضاء وإدارة واقتصاد وإعلام… فهو العماد الذي ينهض عليه البناء كله.
إذا حصلت هذه الشروط لا مندوحة أننا سنخرج من هباء الاستبداد لنتنفس عبق الديموقراطية وأريجها الذي لم يلامس ديارنا قط، ولم تبزغ شمسه على ضفافنا وتخومنا. فهل يا ترى أن ما بعد كورونا هي فرصتنا التاريخية للفكاك من إسار التأخر التاريخي والتخلص من دياجير البؤس الثقافي والعوز الحضاري؟
إنه الأمل ينادينا إلى ضفافه، فهبوا يا معشر المغاربة.

شاهد أيضاً

برنارد بولتزانو: حول متعة الجميل

تقديم وترجمة: كمال بومنير برنارد بولتزانو Bernard Bolzano فيلسوف ومنطقي ولاهوتي تشيكي، ولد في 1781 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *