الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / عالم لا تُحتمل خفته

عالم لا تُحتمل خفته

هناء السعيد

بقلم /هناء السعيد .. ( مصر ) .

فى تأمل للعالم المُعلق بإذن أدق مخلوقاته ..
إن معظم التغيرات التى اجتاحت الارض مؤخرًا غيرت الجغرافيا ، غيرت السياسات ..
لكنها لم تغير فى قيم الإنسان ، لم تغير عيونه ، لم تغير ضميره .
كان الإنسان فقط يغيره جلده الخارجى ، يغير قشرته ويستبدلها بغير التى تمرد عليها ، تغيير الظاهر هو الأسهل والأقل وجعًا ، أما انتزاع الأحشاء فقد قامت به ” الجائحة” .
كوفيد -19 ” كورونا ” .. الألم الذى يمثل سطرًا واحد فى هذا المشهد المهيب الذى لا يمكن الاستهتار به ، ما وراءه يمنحنا رؤية للصورة كاملة ، التى ربما تراها مشرقة ووردية ..ربما .
تعلمت من” هيجل ” أن التاريخ يعرف إلى أين يذهب ، وأنه ذاهب لا محالة لكمال البشرية ، قائد الإنسان لكماله القادم لم يرفع الشعارات ، لم يقول أنه الحل والمخلص ويؤدى إلى الجنة .
الوباء يغير القيم ، يفرض معنى جديد للحياة ، أجمع العالم على المعاناة ، وأجمعوا على أمنية السلامة ” للجميع” ، خفت صوت التعصب ، خفت صريخ خطاب الكراهية ، هربت الطوائف ، تبخرت المذاهب ، لم يبقى سوى أصلنا الذي تعلقنا به فى محنة لن تنفعنا فيها دولنا ولا ديننا ولا لون بشرتنا .
بات كل حديث غير حديث البحث عن دواء أو وقاية تضييع للوقت ، الإنسان الآن مصلحته واحدة ، مخاوفه وأوهامه واحدة ، إنه المجهول الذى جعلنا نتعارف .
جعلنا الوباء عراة من هوياتنا ، إن هتك ستر تلك الهويات قد يوحد العالم ، سرق الكورونا “الخلافة ” من داعش ، واستخلف على الكون حماة الإنسانية دون مزايدات .
تبدو الصورة كئيبة ، كل شيء مُعطل ، كل شيء كسر نمط العادة ليخلق غدًا نمطًا مختلف ، العادة التى جعلتنا نُضيع الهدف والمعنى من وراء الحياة .
الكل حريص على الكل ، الأنانية هنا ضد الجميع ، الفردانية هنا شذوذ عن واجب الوقت ، النجاة لنفسك تعنى نجاة من حولك ، للأسف لا يزال البعض فى نومة أهل الكهف ، لكن الجائحة لن تترك أحد ينام .
وهذا المشهد يخلق فلسفة جديدة لاتزال تملى قواعدها ، ولازلنا فى حاجة للتمهل فى تدوين ما سوف تمليه ..
أطرافنا الآن مقطوعة ، معابدنا مُحرمة ، لم يعد لنا إلا جوهرنا وفطرتنا لنلجأ إليهم ، فما طمسناه باسم الإختلاف ، باسم الإيمان والكفر حق ظهوره .
لا يوجد غضب إلهى ..
لا يوجد عقاب يخلق هذه الحالة من الأُلفة ومن مساندة جميع البشر لبعضهم فالهم واحد، هو رضا السماء ، هو مخاض الولادة ، هو العسر الذى حتمًا يتبعه اليسر .
طالما استيقظت همم معظمنا وتكاتفت ، وجلسوا يحكون رؤوسهم ، ويبيتون فى معاملهم من أجل الإنسان ..
فكيف أنظر لهذا كعقوبة !!
إنه مخلوق يُعلمنا بقسوة ، كالقسوة التى قتلتنا بها إنتماءاتنا ، العالم يريد أن يُخلق من جديد بعد أن شاخت قيمه ، يحتاج إعادة صياغة للمفاهيم كأننا خرجنا من صلب آدم الآن ، من نحن ومن الأخر ، ما الماضى وما حدود سلطانه علينا الآن ، كيف نود أن يكون مستقبلنا ، إن هذه الفترة الحرجة هى “حجر” على معارفنا القديمة، و”عزل” لثوابتنا منتهية الصلاحية .
نعم .. سيصبح العقل العربى مؤمنًا ويمسى كافرًا ، يؤمن بالعلم ويكفر بالخرافة طالما الثمن حياته نفسها ، سيصبح العلم سيدنا ومولانا ،لا الحبة السوداء وبول الإبل ، فالوباء تبرك بالعلم لا بالعمامة، سنثق أن النجاة لا تحتاج ” فتوى ” ، سنُبارك ” الحداثة ” بعد أن لعناها وكفرناها ، الحداثة التى غطت اللحظة بما ينقذ الجميع ، معلومات ، صور مقاطع ، السرعة فى التدفق ، الحداثة التى حافظت على أعمالنا وعلمنا وكافة مصالحنا ، فكانت عصبنا ومفاصلنا ، تتحرك هى بينما نحن عالقون مؤقتًا .
العالم يريد أن يذهب لمكان ما ، لا نعلمه حتى الآن ، سنتتبع آثار الكوفيد-19 لنعرف ، لكنه لن يرحم من لا يواكب سرعته ، ولا من ينتظر قول أهل الذكر فى حكم التحرك وقبلته .
تأمل الحدث من عمقه .. والتمس السلامة “بالوعى “.
وكما قال كونديرا فى ( كائن لا يُحتمل خفته ) ..
” كلما كان الحمل ثقيًلا ، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض ، وكانت واقعية أكثر وحقيقية أكثر ” ..
الخطر ثقيل و تحدى ليس سهلًا على البشرية ، والحياة بعده لها مذاق لم نعرف طعمه بعد .
العالم من هشاشته القيمية بات لا يُحتمل خفته ، فرب أزمة تجعله أكثر ثقًلا وعمقًا من ذى قبل .

شاهد أيضاً

اسمهُ “بيتُ ياسين”، ومقدّمُهُ لا يتوقّف عن البريق والحٌلُم

وشم: رجاء بكريّة “.. لقد اعتدنا حفنات الضّوء المصنّعة حدّ أنّهُ سيبدو من غير الوارد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *