الرئيسية / منتخبات / عامة / التعليم عن بعد في زمن كورونا

التعليم عن بعد في زمن كورونا

بقلم خالد جبور

    لا أحد يستطيع إنكار واقع التعليم بالمغرب ومشاكله التـي لا حسر لها، والتـي نعتها الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه القيم الموسوم ب ’’ أضواء على مشكل التعليم بالمغرب’’ ب ’’ المشكل المزمن’’.  فالتعليم ببلادنا يعاني الويلات، وهذا واقع لا غبار عليه، رغم كل محاولات تزيينه وتقديمه في أبهى صور؛ إذ ما يكاد يخرج من أزمة حتـى يدخل أخرى، وكأن (الإصلاحات) المتتالية في هذا القطاع لا تزيده إلا تأزما، منذ التقويم الهيكلــي، إلى مخطط التعاقد، مرورا بالميثاق الوطنـي للتربية والتكوين وهلم جرا.  تتوالى شعارات الدفاع عن المدرسة العمومية، وتتزايد نداءات أصحاب الاختصاص، من أساتذة، و بيداغوجيين، ومخططين، وعلماء اجتماع وفاعلين سياسيين (رغم قلتهم)، رافعين مطالبهم إلى القائمين على الشأن التربوي بإصلاحات جذرية فعلية تعيد المدرسة لمكانتها الطبيعية: فضاء لبناء الإنسان بناء يمكنه من المساهمة في تطوير المجتمع، مسلحا بالعلم وبكـل ما أنتجته الإنسانية من فكر وقيم، وليس مصنعا لتأهيل اليد العاملة المشبعة بقيم التنافس والجشع والمراد منها تحريك عجلة الاقتصاد وإنعاش السوق مستقبلا.  لقد تأكد في أكثر من مناسبة، وبعد العديد من الأحداث وخصوصا منها المتعلقة بالفضاء التربوي أن  أزمة المدرسة انعكست على الفرد وعلى المجتمع، حتـى أصبح مألوفا سماع أخبار من قبيل تلميذ يعنف أستاذا أو أستاذ متهم بالضرب والجرح، أو تعليقات المتعلمين الذين يدافعون عن الغش بشتـى الوسائل التـي قد تصل حد الشتم والتهديد، وبرأس مرفوع أمام كاميرات الصحفيين، وكأنه حق انتزع منهم ظلما، وما إلى ذلك من  الأفعال التـي تجعلنا نعترف، رغما عنا، بأن الأمر يتعلق بانحلال خلقي يصبح عاما أكثر فأكثر، مزيلا النقاب عن واقع المدرسة والعجز التربوي الذي أصبح ضاربا في أعماق المجتمع.  هذه نتائج الإصلاح الحامل في طياته نية الدولة المبيتة لرفع أيديها والتملص من مسؤولياتها  عن القطاعات العمومية: الصحة والمدرسة العمومية (كما صرح بذلك الداودي وبن كيران…). هذه وبدون لغة خشب وإشارات نتائج السياسات النيولبرالية الرامية إلى تحرير هذه القطاعات وجعلها تربة خصبة للاستثمارات الخاصة، فـي سوق فيه الربح مضمون. كيف لا والكل بحاجة إلى تدريس أبنائهم؟ كيف لا ولا أحد سيسلم من زيارة المستشفى حتـى وإن أبــــى ذلك؟ ادفع تتعلم. ادفع أكثر تتعلم أفضل (؟؟).  لقد تجاوز عدد الطلبة والتلاميذ على المستوى العالمـي حسب تقارير  OCDEمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 200 مليون، وعدد الأطر في قطاع التربية والتعليم أكثر من 44 مليون، الـشـيء الذي جعل لعاب البورجوازية العالمية يسيل على هذا القطاع الضامن ليد عاملة و زبناء مستقبليين  مضمونين سيتم إجبارهم بقوة القانون وسلطة الإشهار على الاندماج والتكيف مع المدرسة الجديدة بما تحمل من برامج و بيداغوجيات.  فهل ستسلم المدرسة العمومية المغربية من قبضة الرأسمال الملتهم لنظيراتها في العالم؟  أول التدابير الوقائية التــي اتخذتها الدول لمنع انتشار فيروس كورونا المستجد كانت هـي إغلاق المدارس والجامعات والمعاهد العليا، بحكم أن هذه الفضاءات تحوي أعدادا كبيرة من الأطفال والشباب، قد يؤدي تفشـي الوباء في صفوفهم إلــى نقل العدوى إلى كل أطياف المجتمع وبالتالي عدم القدرة على وضع حد لانتشاره الذي كان يمكن أن يكون أسرع وأخطر.  أغلقت الفضاءات التربوية وطلب من المتعلمين والطلبة المكوث فـي بيوتهم، وللحفاظ على السيرورة  البيداغوجية، كان لابد من  إيجاد حلول تمكن التلاميذ والطلبة من متابعة دروسهم وهم فـي المنزل (على حد قول من قدم هذا النمط من التعليم في هذه الظرفية). غاية نبيلة، إذا كان الهدف الوحيد والأوحد منها هو مصلحة هذه الفئة المراد تكوينها وتربيتها وإعدادها لخوض غمار المستقبل.  فـي المغرب، خرج العديد من القائمين على قطاع التربية والتعليم يقدمون التعليم عن بعد على أنه أنجع حل، وأفضل وسيلة للحيلولة دون هدر الزمن المدرس، وعدم إرباك إيقاع التعلم. فتوالت الوصلات الإشهارية بسرعة البرق وكأنها محضرة سلفا فـي انتظار الكارثة، وبدأت الدروس تقدم فـي شتــى المنابر: مسطحات، قنوات تلفزيونية، صفحات الفايسبوك، مجموعات واتساب…فهل التعليم عن بعد يهدف إلى ما ذكرناه سلفا، أم أن الأمر يتعلق بأهداف أخرى بعيدة كل البعد عن مصلحة التلميذ؟  إن نفقات التعليم على المستوى الدولي وصلت ل 200 مليار دولار أي ضعف مبيعات السوق العالمية للسيارات، وهذا سبب آخر كفيل بتحويل المدرسة من باخرة ضخمة تقودها الدولة إلى أسطول سفن صغيرة أيسر قيادة، تماشيا مع السياسات النيولبرالية، حيث التقشف يسرع تنزيل مشروع لبرلة المدرسة.ففــي بلدنا تم التخلي شيئا فشيئا عن مبدأ المركزية والتمركز (الأكاديميات الجهوية بدل وزارة التربية)، و تركت المدرسة لحالها، تدبر كما تدبر المقاولات الخاصة من طرف فاعلين وشركاء، وتم تنزيل مراسيم ( مرسوم إحداث مشروع 10000 إطار، مرسوم فصل التوظيف عن التكوين، التشغيل بالعقدة) هدفها الأساسـي خلق نوع من السيولة والمرونة وتكريس الهشاشة تجعل التحكم في ’’اليد العاملة’’ بالقطاع أسهل. فما محل التعليم عن بعد في هذا المشروع؟ 54 مليار دولار، هذه أرباح ’’ شركات ’’ التعليم عبر الانترنيت سنة 2000، رقم ضخم طبعا، لكن إرادة ملاك هذا النوع من المقاولات هي الرفع من هذه الأرباح عبر توسيع ونشر هذا النوع من التعليم على أوسع نطاق. الهاجس إذن هاجس اقتصادي (براغماتي) بامتياز، فلا مصلحة تعلو فوق الربح في ظل اقتصاد السوق.  هذا من جهة، ومن جهة أخرى لابد من تمحيص انعكاسات التعليم عن بعد بيداغوجيا واجتماعيا. لقد وضح العديد من علماء التربية (أنظر كتاب Où va l’éducation ?، لبياجيه) وضحوا أن هذا النوع من التعليم يضفـي الطابع الميكانيكـي على العملية التعليمية التعلمية، وبالتالـي تستحيل في ظله إمكانية التفاعل الوجدانـي والتواصل المباشر. إضافة إلى ذلك يكرس هذا التعليم الهواجس الفردانية، ضدا في قيمة العمل الجماعي والتضامن، بحيث يصبح المتعلمون منعزلون بعضهم عن بعض، كل واحد أمام شاشته، وكأنه في جزيرة معزولة عن باقي الجزر. بالإضافة إلى ما سبق ذكره حول مساوئ (التعليم) عن بعد لا بد من التركيز على التفاوتات الطبقية التـي يزيد من حدتها. كم عدد المتعلمين الذين يملكون الوسائل التكنولوجية؟ هل يستطيع المياومون توفير هذه الوسائل لأبنائهم علما أنهم يشتغلون ليلا نهارا من أجل توفير قوت يومهم؟ أليس هذا النوع من التعليم موجها نحو قلة قادرة على توفير هذه الوسائل لأبنائها وربطها بشبكة الانترنيت؟  كلها أسئلة يجيب عنها الواقع بلا نفاق اجتماعي وبدون تزيين للكلام.   
إن الدرس الذي يجب أن تعلمنا إياه جائحة كورونا، هو – قبل كل شـيء- أن نكون صريحين مع أنفسنا، وأن نجرأ على الاعتراف بفشلنا في قطاع يعتبر العصب الحسـي للمجتمعات، صمام الأمان للشعوب، وقنطرة التقدم والازدهار. ما يجب أن نستخلص من جائحة كورونا التـي سنجتازها كما اجتزنا غيرها هو أن سياسة حجب الشمس بالغربال لا تجدي نفعا بل تزيد الطينة بلة على بلة، فلو كانت مدرستنا مدرسة قوية لما سمعنا وكلنا تعجب وفزع أصوات المتشددين يكفرون الدولة والمجتمع فقط لأن المساجد أغلقت حفاظا على سلامة المصلين أولا والمجتمع ثانيا، ولا رأينا الناس تتعامل مع الوباء باستهتار وتحدي وكأنهم مسلحون بمختبرات ولوجيستيك الصين، ولما وجدنا صعوبة في إقناع الناس في المكوث في بيوتهم حماية لأنفسهم وللمجتمع، إن أهم درس يجب استخلاصها من تجربة الوباء هو ضرورة الإنصات للإرادة الشعبية وإعادة هيكلة المدرسة لتكون قادرة على مواكبة روح العصر، وذلك بتكوين البشر الحاملين لمشاريع وجودية ومجتمعية، مسلحين بالفكر النقدي البناء، والمتشبعين بالقيم الإنسانية الكونية.   
خالد جبور

شاهد أيضاً

هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

بقلم عبد الكريم لمباركي لقد عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *