الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / قلق التربية أمام تحديات ورهانات الآخرين

قلق التربية أمام تحديات ورهانات الآخرين

محمد ايت اوعلو

محمد آيت علو
 عطفا عما سبق أشرنا إلى كون اختيار المدرس لطريقة من الطرق، أو وسائل محددة لا يكون صادرا عن إرادته واختياره الحر، بقدر ما هو رهين بتصور الآخرين للطرق والأساليب والأدوات الأنجح والأفضل، لهذا فإن المدرس يواجه خطر الاختيار الناجم عن الخوف من المغامرة والمخاطرة، قس على ذلك باقي الجوانب والمجالات التي تحبط مبادراته الذاتية والتي قد نناقشها لاحقا...

علاوة على ذلك فإن وجود المدرس مع الآخرين يهدد الذات بالتمزق والانفصال، فوجوده يكون من أجل الآخرين أكثر من أجل التلاميذ، يسعى إلى إرضاء الجميع، الشيء الذي يفكك هويته ويهددها بالتلاشي والتمزق والتشتت والضياع، إن الذات المربية لا تملك بنفسها تحديد هويتها بقدر ما تتقمص هويات وشخصيات يحددها الآخرون، وكما يقول الأستاذ *كوسدورف” المدرس لا يكتسب كرامته وجدارته إلا بواسطة رضا وقبول زملائه أو باعتراف تلامذته بجميل صنعه”…


وفي حمأة صراعات إثبات الذات، ومأزق تشتتها وتعدد مظاهرها وأبعادها، يعيش المدرسون قلق استيلاب الذات العلائقي النشأة بأساليب واقعية أحيانا…
يلجُ المدرسون عالم المدرسة مثقلين برواسب ماضوية من قلق التربية، منها ما هو منحدر من صراعات العقدة الأوديبية المتعلقة بالسلطة والقانون والمعرفة، ومنها ما تغذيه الأزمات التربوية المرتبطة بمرحلة التمدرس أيام كانوا تلاميذ أمام مدرسيهم.
إن المدرس يحمل في أعماقه صورة ذلك الأب المثالي الخيالي ــــ وما يتمحور حوله ـــ كنموذج نفسي أولي من مشاعر سلبية، مثل الخوف والقلق الناجمين عن التهديد والمنع والتحريم والاحباط والفشل،
أو كنموذج سلطة وقانون أو رمز للمنع والمواقف التربوية بالخصوص، وصورة الأب المثالي الخيالي هذه قد تحيطها هالة من المشاعر الإيجابية مثل مشاعر الإعجاب والتقدير والاحترام، حيثُ يكون في هذه الحال مثال”الأنا” وصورة الأب القاسي حيث يتم تنشيط الشحنات الانفعالية التي تغذيها ” إيجابية أو سلبية” في كل موقف تربوي مليء برموز السلطة والقانون ــــ كالوسائل والأشخاص والبنايات والأفكار والنُّظُم والقوانين والتشريعات ــــ وكل ما يمثل مبدأ الواقع، على المستوى التربوي كالرؤساء والآباء والمؤطرين كسلطة عامة…


بل قد يتم إسقاط الصورة لللاشعورية الأب القاسي المهدد على التلاميذ أنفسهم، حيث يشكلون مصدر تهديد وانتقاد أو محاكمة تهدد قيمة الذات، كما قد يتم إسقاطها على الوسائل والأدوات والامتحانات والطرق والأهداف، ليشكل كل ذلك بالنسبة للمدرس” أقانيم تربوية مقدسة ، أو عناصر رمزية مشحونة وجديرة بالخوف أو الاحترام، حيث ترتبطُ بها كثير من الطقوس المهنية كآليات دفاعية ضد القلق والخوف من الفشل أو النقد أو إنجراح المشاعر النرجسية، والحط من قيمة الذات.
إن الآليات السابقة تحكمها مبادئ وقوانين نفسية عامة، مثل مبدأ وحدة الادراكات وقانون التعميم، حيثُ تنشطُ المواقف المؤسييتية التي يتواجد فيها المدرسون بحكم تماثلها أو تشابهها مع مواقف تربوية سابقة في الأسرة أوالمدرسة، أوالمجتمع بل وحتى مواقف وخبرات وراثية، حيثُ تنشط تلك المواقف الراهنة، وكل المشاعر المرتبطة بأزمات سابقة، والمتمحورة أساساً حول نماذج السلطة والقانون، وتلبس تلك المشاعر والصراعات للنماذج والمواقف السلطوية المماثلة…
ذلك أن السلطة البيرقراطية التربوية، التي تعبر عن سلطة بيروقراطية في المجتمع أصلا، تطارد المدرس كمؤسسات تربوية أو اجتماعية أو قانونية سياسية، ذات طابع موضوعي، أوكمؤسسات نفسية تمثلها المدرس واستوعبها وتكتسي بالنسبة إليه طابع الإلزام والقهر والإكراه، مجسدة في رموز السلطة والقانون كهيئة الإدارة والتسيير أوالمراقبة والتأطير…مكونة بذلك مصدر قلق وخوف ومثار انشغال دائم، لذلك نجد ” ميشيل لوبرو” يشبه المؤطر المراقب برعد زيوس الذي يزعج المدرس باستمرار وينصب شبح سلطة المراقبة والتفتيش هذا على كافة جوانب ومجالات الذات المهنية لدى المدرس فتراهُ كما رآه لوبرو ساعيا إلى إنقاذ المظاهر، يتجنب كل سعي إلى الابتكار والتجديد،أو مبادرة إلى التطوير والتغيير في أساليب التدريس وبالخصوص متنازلا عن كل محاولة لتعديل نظام مؤسسي يكرهه أصلا، متظاهرا بالالتزام به واحترامه، خشية لوم أو استنكار أو توبيخ…وهذا عو مصدر الخوف المستمر والقلق الدائم الذي يحعل المدرس مثل مروض الوحوش الكاسرة داخل القفص يعمل جاهدا وساعيا إلى تجنبها مخافة فتكها وبطشها…ولذلك فهو يحيا على جانب من الذات دون الجانب الآخر فتراه يغمر الذات المثالية أو الطبيعية لصالح إبراز الذات الواقعية المؤسسية كما يحدد الآخرون صورها ويرغبون فيها.
إن المدرس من هذا المنظور يحمل عبء القلق قلق حملته عليه وفيه التربية، إنه قلق التربية، وهو بدوره أثناء ممارسته فعل التربية على التلميذ يزرعُ هذا القلق في نفوسهم، ويودعه فيهم بواسطة تربية القلق، وكأننا إزاء ظاهرة “تناسخ” التي تجد حقيقتها في كون كل حياة تشكل إعادة البداية لأشكال أخرى من الحياة سابقة عليها كما يشيرُ إلى ذلك الأستاذ “كوسدورف”.
تربية القلق هذه التي تنسخُ قلق التربية في نفوس الأجيال، هي أداة تشكيل وأسلوب نمذجة للشخصية الخام الطبيعية، لتصبح شخصية ثقافية مؤسسية، يجسد فيها المدرس مبدأ الواقع، في الصورة السلطوية للأب كما يرى الدكتور” ألسكندر نيل” في ممارسة تربية القلق هذه بإعادة نقل تربية سابقة ـــ في الغالب ــــ يمثلُ المدرس الأب الثاني للتلميذ، يجسد مبدأ الواقع ورمز السلطة والمعرفة والنظام في المؤسسة وبحكم هذا التمثيل المؤسسي من طرف المدرس وبحكم التماثل بين الصور النفسية الأبوية من جهة، وتماثل المواقف التربوية بالنسبة للتلميذ، وهي في الغالب صورة ذات وجهين متناقضين، الأول إيجابي والآخر سلبي، الأول موضوع حب وتقدير واحترام، والثاني موضوع كراهية وخوف ونفور، وتتماثل أوجه للصورة الأبوية التي يسقطها التلميذ على المدرس فيكون موضوع حب وتقدير واحترام، ويتم اعتناق أفكاره وتقبلها في حالة إسقاط مشاعر إيجابية على الوجه الطيب من الصورة الأبوية التي يعكسها هذا المدرس بالنسبة للتلميذ، كما أنه قد يكون هدف عدوان وموضوع سخرية، أو مواجهة وتمرد وعصيان في حالة إسقاط الوجه السلبي أو القبيح من الصورة السلطوية للأب على شخص المدرس وهكذا يعكس التلاميذ قلق التربية الذي يستهدفهم من خلال تربية القلق الممارسة عليهم بعدة أساليب مباشرة أو غير مباشرة، كالغش في الامتحان أو الانصراف عن الدرس أواللامبالاة وعدم الرغبة والهروب من المدرسة والهدر المدرسي أو الفشل في التحصيل…والذات تدرك عجزها وقصورها منذ مراحل تمايزها الأولى، وبداية تكونها وأطوارها وحتى لحظاتها الاخيرة، تعيش قلقا أحادي المصدر، تولد معه وتلازمه، تمزق كيان ذاته، وتحفزه على تجاوز مخلفاته وقصوره ونقصه العضوي أو النفسي أو الاجتماعي… مواجهة التعبير عن الذات ومتحول، أصبحت فيه المدرسة التقليدية عاجزة عن التجاوب الفعال مع متطلبات الحراك الاقتصادي والمعرفي والثقافي والاجتماعي. وضمن مناخ كذلك وطني تغديه متغيرات الوضعية التربوية الراهنة، والتي تعيشها منظومة التربية والتكوين، ويشكل فيه رهان تجديد المدرسة المغربية وسبل تأهيلها للنهوض بوظائفها كاملة تجاه ذاتها، وتجاه الدولة والمجتمع عنوانها الأبرز، مع التحدي والرهان الكبير والمتمثل في بناء الإنسان، الإنسان الذي ينبض بالخير والعطاء والحب والجمال، والرقي بالذوق، وبالإحساس وصفاء الفكر، وصلاح الفعل وبالتعايش والتسامح….بعيدا عن الصراع وباقي السلبيات ولا سيما العنف…
ذلك أن المدرس بدوره يجد نفسه ضائعا وسط نظام تربوي تتخذ فيه التشريعات والقوانين المؤسسية المجردة طابع النسق القانوني المطلق، فهو رقم من الأرقام، يمثله رقم تأجير، تحدد وجوده المهني، وتضبط إطاره ومواصفاته، من أجل حصره “في ماهية قانونية مؤسسية مجردة” بالإضافة إلى ذلك هناك الجانب الشيئي من الذات كما يحدده الآخرون من تلك الذات “إن المدرس من هذا المنظور مجرد أداة مستعملة، أو آلة بشرية تتحدد قيمتها بمدى مردوديتها وانتاجيتها، وفي هذا الصدد تقول *”أدا ابرهام” إن الدراسات المنصبة على شخص المدرس، لاتسعى إلى فهمه، بقدر ما تسعى إلى تطويره وتحسين مستواه كأشياء أو أدوات…،إنها تنظر إليه كشيء مجرد، وليس كفرد، وهذا ما يجعل المدرس يعيش قلق فقدان الهوية وضياع الذات….
فضلا عن هذا، فإن تعدد المسالك وتشعب السبل والامكانيات أمام المدرس…تجعله يواجه قلق الاختيار والمخاطرة، حيث اختيار أية الطرق أو أسلوب تربوي أنجع في العملية التعليمية من بين الطرق المتواجدة والممكنة في حقل التربية والتعليم، وأية الوسائل والتقنيات أنجع في إنجاح أسلوبه وطريقته في التدريس…
وأمام تشعب مقاربة هذه المسالك في قلق التربية أتربية القلق، خطر ببالي أن أقدم حصيلة مختزلة في الوقت الراهن لبحث يروم جانبا من هذه المعادلة، ولمجال يكاد يكون قطب الرحى في مقاربة الظاهرة، والتي تطرح بحدة على الرغم من كون البعض ينظر إليها نظرة يسيرة في هذا القلق، الأمر يتعلق بالتواصل والاتصال، على أن الزوايا والتفريعات الأخرى لها وضعها الاعتباري في مقاربة الظاهرة، ويمكن تناولها لاحقا….وارتأيت أن أبدأ بالاتصال، فقد أكد خبراء التربية أن من أهم ركائز ودعائم النجاح اليوم هو تحقيق التواصل…كما أن الإحصائيات تؤكد بما لايدع الشك أن التواصل لا يتحقق في مدارسنا اليوم، مما تتفاقم وتحتد فيه المواجهات..فتطفو على السطح ظواهر أخرى من قبيل الصراع والعنف…بعدما أن استقلت الأسر عن دورها والمدرسون عن دورهم الريادي ألاوهو التربية فانهارت القيم يشكل فضيع، مما يحعل الحل متمثلا في ضرورة العودة لهذه الأدوار الطلائعية لرجال التربية والتعليم وإعادة الاعتبار لمجهوداتهم وبتعزيز الثقة فيهم واحترامهم وتقديرهم…
فما نعلمه اليوم هو أن الاتصال أصبح المحور الأساسي الذي تقوم عليه جميع العمليات الانسانية المتعلقة بالفرد، ومما ساعد على ايجاد هذا الواقع، ذلك التقدم المتسارع في مجال التقنيات التي حلت محل الإنسان حتى لم يعد للإنسان أي دور يذكر، ولم يعد العالم تلك الرقعة الجغرافية المترامية الأطراف، التي تفصل فيما بينها فواصل طبيعية، بل أ صبح كما عبر بعضهم “مدينة صغيرة” كدلالة واضحة على الانعزال والتقوقع والانطواء…وأن الفرد يصل داخلها إلى أي مكان….
قد لا يكون هذا الأمر غريبا، فالنظر إلى الاتصال نظرة تاريخية جعلنا ندرك أن العملية التواصلية بدأت مع بداية الانسان وتطورت بتطوره وحدد لها البعد الانساني الذي تطمح إلى تحقيقه، لكن ظهور التقنية الجديدة شكلت عنصرا بديلا عن الفرد في بعض الأحيان…
إن الطاقة الآلية المرتبطة بوسائل الاتصال، تعرضت في كثير من الأحيان إلى جدل كبير عن الأسس المؤثرة في العملية التربوية.
والمتتبع لمعظم مدارس التربية في جل المجتمعات، يجد أن اهتمام الفكر الانساني انصب حول أسس تربية الفرد، باعتباره ركيزة من ركائز بناء المجتمع، وخلص علماء التربية وعلم النفس إلى عدة خلاصات أساسية من أهمها، التركيز على أهمية فهم نفسية المتعلم، ومحيطه الاجتماعي، وفهم بنيانه التركيبي للتمكن من استيعاب مكوناته، ومن تم تسهل عملية تلقينه وتعليمه، ما يراد من فكر ومعلومات ومعارف…
إن علماء النفس والاجتماع والتربية، اهتموا بجزئيات العملية التربوية وأبعادها، وجاء علماء الاتصال ليحققوا بعض الافتراضات التي كانت بعيدة المنال، واضعين التقنية في مكان يمكنها من هذا.
مبدئيا لا يمكن الفصل بين الاتصال والعملية التربوية، لأن للاتصال وظائف تؤدي إلى تحقيق عدة أبعاد إنسانية، منها ترشيد العملية التربوية وذلك من خلال العلاقة الجدلية بينهما.
إن مجال التربية يتحدد في تكوين الفرد، تكوينا يستمد أصوله من الأسس المصدرية للمجتمع، على أن مجال الاتصال هو تسهيل العملية التربوية بكل تفرعاتها، تسهيلا يمكن من تحقيق الغرض المحدد.
إذن، فالعلاقة بين المجالين، تتحدد في الفرد، فالتربية تعمل على تنشئته وتكوينه وتطويره، والاتصال يخلق الأجواء الملائمة لذلك…
ولقد عمل كثير من المهتمين بتطوير هذا التصور، وذلك من خلال البحث والدراسة في كل مجال على حدة…ثم من خلال القواسم المشتركة التي تجمع بين المجالين، في إطار علاقة وظيفية حتى نتمكن من الخلوص إلى نتائج إيجابية في مضمار الاتصال والتربية.
وقد حددوا المهام الاجتماعية لكلا المجالين، على اعتبار أن لكل مجال طبيعته الخاصة يجب مراعاتها، فالتربية تعتبر إطارا صالحا لاصطناع وتنويع البرامج وتحديد مضمونها، وعلى هذا فلا يمكن تلمس الآثار الإيجابية أو السلبية للعملية التربوية، ما لم يتم توسيع طاقاتها المؤثرة من خلال فهم واستيعاب جل الوسائل المستعملة في هذا الغرض.


والملاحظ أن جل المنظرين ممن اهتموا بمجالات الاتصال يعتبرون أن مهمة وسائل الاتصال تتجاوز مرحلة النقل إلى مرحلة الانتقاء، وبين المرحلتين يتبلور النقاش حول أهمية المضمون وأهمية الوسيلة، وفي سياق الجدل برز الدور العظيم للاتصال، ووسائله في عملية اصطناع وتنمية أجواء تعليمية ملائمة لإنجاح العملية التربوية ولاكتساب نتائج متقدمة وإيجابية من خلالها، ولذلك اعتبر الاتصال في مرحلة أخرى وسيلة وموضوعا للتعليم، واعتبرت التربية أداة يمكن الاستفادة منها لتكوين الفرد.
ويأتي هذا الدور جزءا من تأثيرات الاتصال على الفرد والمجتمع كظاهرة أساسية تتحكم في الحياة الاجتماعية وتؤثر على جميع الأوضاع التي يوجد فيها الفرد، إن هذا التأثير المتعدد تأثير متبادل قي عملية اصطناع وإنتاج المعلومات وتحديد الغرض منها، وبهذا اعتبر الاتصال “علم التفاعلات بين الأفراد” التي من شأنها أن تحدث آثارا سلوكية معينة…
والتأثير والتفاعل، عنصران متلازمان لترشيد العملية التواصلية واستخلاص النتائج المرجوة منها على مستوى العملية التربوية.
وقد أكد عدد من المهتمين على أن للإتصال دور فعال وأساسي في مجال نقل المعلومات، وتوفير المعرفة الانسانية تكاد كثير من المدارس العلمية المهتمة بتطوير الاتصال والرفع من طاقاته وإمكاناته أن تتفق على الدعوة إلى أن تصبح العلاقة بين الاتصال والتربية، علاقة اتصال بالدرجة الأولى…
إن نظام بث المعلومات والمعرفة في إطار المدرسة تبقى له فوائد أكثر مما في وسائل الاتصال، ولذلك اعتبر في نطاق مفهوم عام وشامل جزء من وسائل الاتصال في المجتمع ومن تم يجب الفصل بين نوعية من الوظائف الاتصالية.

  • الوظيفة التقليدية للاتصال في إطار المدرسة.
  • الاتصال في وسائل الاتصال العامة.
    مما سبق نستخلص أن مفهوم الاتصال والتربية يؤدي إلى غَرض واحد وإلى بُعد واحد، وهو اصطناع تلاحُم إنساني يعتمد على التكوين، وهذا التلاحم والتكوين يرتكز على أسس واحدة تقوم على الاتصال وعلى متطلبات علمية للتربية والتكوين، بمعنى أنه دون اتصال، لايمكن أن نلتقي بالفرد ونفهمه ونلقنه ما نريد، ومن ضمن الوظائف التي يقوم بها الاتصال والتربية النهوض الثقافي، إضافة إلى التنشئة

  • الذات الانسانية مشروع يتحقق باستمرار وهي ما يوجد في حالة صيرورة وديمومة متواصلة، إنها ذلك المفقود المولود، والمولود المفقود الذي يبحث عن نفسه في المرآة الذاتية والاجتماعية فلا يجدها إلا ناقصة أو مشوهة أو مجزأة، وما أن تتمايز حتى تضيع في متاهات الأشياء، وفي غمرة الازدحام البشري، فيتولد نتيجة ذلك أتون في أعماقها تغديه التربية أحيانا بمشاعر مؤلمة، نتيجة أزمات الصراع والاحباط، والكبت والقمع، وقد تعمل أشكال أخرى على تخفيف حدة ووطأة القلق…
    لكن القلق يبقى القوة الخارقة والدافعة للتقدم وذلك من خلال ابتكار أساليب لتجاوزه أحيانا، وبذلك فإنه يتداوى منه به.
    أخيرا وردا على سؤال افتراضي وحقيقي في آن، ما هي الحلول الكفيلة بتجاوز بعض المعضلات والتي أخذت تستفحل كظواهر وتتكاثف في الواقع اليومي وبشكل مخيف، حيثُ ازدادت فيه الجرائم والمشاحنات والاغتصاب والاكتئاب والقلق والعنف بكافة صنوفه بحدة، وبشكل عام غياب القيم…؟
    إن عصرنا مشحونٌ أكثر من ذي قبلن بالقلق الذي يقودُ إلى الملل واليأس، لذلك فإنه من الصعب تمجيدُ الصبر الفني الخلاق لمطلقية الكمال…مثل التطرف والسخط واللغط واللامبالاة والعزلة والمسخ والغربة وسط الزحام…
    هذا وإن الحل المناسب والأنجع في اعتقادنا المتواضع- وكما خبرناه في فترات زاهية، ورأيناه وعشناه في الواقع، متجسدا من خلال سيادة قيم إيجابية قائمة على التربية الصحيحة – يتمثل في مواءمة الفطرة الإنسانية، وفي إرجاع القطار إلى سكته الحقيقية، كما كان سائدا في السابق، وذلك باضطلاع الأسرة والمدرسة والإعلام بالأدوار الملقاة عليها…وبالتركيز أساسا على التربية وإعادة الاعتبار لها، فهي الحجر الأساس لكل القيم المثلى…وإذا كان لنا عزاء ما، فهو في امتداد هذا الزمن الحضاري الذي مازال يهتم بالقيم الإنسانية…لكن السؤال هو إلى أي حد؟ هل نكتفي بعزاء قهر القلق الذي يسودُ عصرنا؟ إننا قلقون وجشعون في آن واحد، على الرغم من كل ما يعرقل تقدمنا، لأننا سنكون تحت رحمة الأزمنة القادمة..لكن هذا لايمكن أن يحبطنا بأن نتخلى عن زمننا وعن مسؤولياتنا….
    يبقى المجال خصبا للمزيد من الدراسات لتعميق البحث، واحتكاما لمختلف العلائق الممكنة والتشكيلات البنائية المتاحة، وللإحاطة بهذه الظواهر من مختلف الزوايا،
    وأختمُ بالقول إن الغاية الأسمى من التربية يتمثلُ في التدرب على التفكير، وتحقيق النزعات الطيبة وتعميقها في النفس البشرية…تبقى هناك زوايا أخرى في الإنتظار، لمقاربة الظاهرة وتناوُلها والإحاطة بها، بشكل موضوعي وشامل….
  • الهامش المصادر والمراجع
  • 1- *وسائل الاعلام في مجال التربية”لمحمد آيت علو والأستاذة خديجة قرشي”.
    2- *مجلة الوحدة، العدد 54 مارس 1989
    3- *زكي جابر- الإعلام والتنمية- مجلة الدراسات الاعلامية للسكان والتعليم-عدد27
    4- *التربية الحديثة – صالح عبد العزيز – دار المعارف.
    5- *قضايا تربوية”الشعور بالذات لدى المدرسين بين قلق التربية..”ذ. بنكريكش حسن..
    6- *د.حسام الخطيب، لغة الثقافة ولغة الإعلام، مجلة الآداب العدد1مارس 1984.
    7- عالم المعرفة – عدد أكتوبر1985- النظام الاعلامي الجديد. 8Patrice-pepel.se former pour enseigner.page39
    9Jean-vial.vers une pedagogie de la personne.page.106. 10G.Gusdorf.Pourquoi des professeures § page.18.

شاهد أيضاً

في الفن والتحرر: قراءة في الشرط والمعنى مع جورج لوكاتش وجاك رونسيير

محمد العربي العياري / تونس محمد العربي العياري أن نكون وجها لوجه مع الواقع ’ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *